أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالوهاب حميد رشيد - قراءات في كتاب.. الديمقراطية والتحول الديمقراطي.. المبحث الثاني















المزيد.....



قراءات في كتاب.. الديمقراطية والتحول الديمقراطي.. المبحث الثاني


عبدالوهاب حميد رشيد

الحوار المتمدن-العدد: 3838 - 2012 / 9 / 2 - 17:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المبحث الثاني: نظرية الديمقراطية وتطبيقاتها*

1 - ماهية الديمقراطية
تعبّر الديمقراطية عن مفهوم تاريخي اتخذ صورا وتطبيقات متعددة في سياق تطور المجتمعات والثقافات. وتقوم فكرتها الاساسية على حكم الشعب وممارسته الرقابة على الحكومة. ويتمثل جوهر الديمقراطية في توفير وسيلة منهجية حضارية لادارة المجتمع السياسي بغية تطوير فرص الحياة.(32) وظهرت في صورتها المبكرة مع ازدهار الحضارة الاغريقية ونشوء دولة المدينة. اذ مورست مباشرة، واقتصرت المشاركة فيها على الاقلية من الاحرار دون العبيد والنساء، وفي ظروف عدم الفصل بين السلطات.(24) ففي عام600 قبل الميلاد اصبحت أثينا تحت قيادة بيركلس Percles- المناصر للحرية. يقول في احدى خطبه: ان حياتنا السياسية حرة... ونحن احرار ومتسامحون في حياتنا الخاصة... ثم يدعو بقوله: احزم امرك على ان السعادة تعتمد ان تكون حرا، وان الحرية تتطلب ان تكون شجاعا.(25)
استمرت التجربة الديمقراطية الاغريقية فترة قصيرة قبل زوالها. وبعد حوالي الفي عام ظهرت الديمقراطية المعاصرة. وفي ظروف صعوبة تطبيق الديمقراطية المباشرةdirect democracy في عصر الكثافة السكانية قبل ان يتوصل الانسان- المجتمع الى مستويات حضارية- تكنولوجية تمكنه من المشاركة المباشرة دون الحاجة الى الاجتماعات التقليدية، عندئذ اتخذت تطبيقاتها اشكال الديمقراطية غير المباشرة او النيابية indirect or representative democracy. ومع افضلية هذه الطريقة بتوفيرها التكاليف الزمنية والمالية، الا انها تقود الى تقليص القوة السياسية للناخبين مقارنة بالديمقراطية المباشرة.(26) وهذا يوضح احد مبررات تعزيز الرقابة المؤسسية على الحكومة المنتخبة.

تشكلت الديمقراطية الحديثة، والى حدود بعيدة، نتيجة الافكار التي انبثقت عن فترة النهضة الاوربية. ولم تظهر بالمعنى الليبرالي الا في القرن الثامن عشر عندما بشر المفكرون الغربيون بفكرة المساواة، وطالبوا بحق الشعب في اختيار حكومته والاشراف عليها. وكانت الدعوة منصبّة على حق الاقتراع العام بضمان دستور مكتوب صادر عن مجلس تأسيسي منتخب بأغلبية اصوات الناخبين. وربط روسو تحقيق المساواة بتوفر عاملين: اولهما الارادة (معنوي)، وثانيهما المقدرة (مادي)، وطالب بخلق التوازن بينهما.(27) وفي ظروف تمحور الديمقراطية الليبرالية حول المساواة السياسية والحرية الاقتصادية عندئذ فتحت الطريق امام الرأسمالية الغربية اقامة المشروعات الضخمة وفتح الاسواق العالمية واجتياح الشعوب الاخرى وانشاء الامبراطوريات الاستعمارية الحديثة. فظهرت الازمات الاقتصادية والاجتماعية، وتولدت النظريات الحديثة التي تناولت مشكلات المجتمع بالدراسة والنقد، وبدأ الفكر الاشتراكي في ابراز عيوب البرجوازية، ورأت ان الطبقة المسيطرة تعمل على اخضاع الديمقراطية لمصالحها. وارتباطا بهذه التطورات، ظهرت الحركة الديمقراطية الاجتماعية باتجاه بناء مجتمع اكثر عدلا بالمقارنة مع الديمقراطية الليبرالية.(28) كما تعددت التطبيقات الديمقراطية، وأخذت الانظمة السياسية المختلفة تدعي احقيتها بصفة الديمقراطية حتى تلك الاكثر اهدارا لحقوق الانسان. وربما وجدت هذه الظاهرة تفسيرها في العوامل الثلاثة التالية: اولها ان الديمقراطية ليست ارثا حضاريا لاية ثقافة محددة.. وثانيها عدم بلوغ الانظمة السياسية باشكالها المتنوعة مستوى من الموازنة بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية بحيث يحظى بالقبول العام.. وثالثها عدم حصول اجماع عام على مفهوم الديمقراطية ومكوناتها في ظروف قيام عملية التحول الديمقراطي بجانبيه- السياسي والاجتماعي- على النسبية. اذ لا يوجد نظام حكم سياسي فقط او اجتماعي فقط.
تقوم الديمقراطية على مبادئ الحرية freedom. وهي تختلف عن "التحرير .liberty لان فكرة التحرير قامت على المفهوم السلبي للحرية بالدعوة اولا الى تحرير الانسان من العبودية بسلاسلها الحديدية، ولتتطور لاحقا الى المطالبة بتحرير الاقتصاد من ظروف الاقطاع وقوانين القرون الوسطى، بهدف توفير البيئة المواتية لانطلاق البرجوازية الصاعدة. بينما تقوم الحرية على مفهوم نوعي ايجابي يتضمن مبادئ حقوق الانسان.(29)

تجسّد الحرية قضية انسانية تتعدى قيمتها قيم الاشياء الاخرى، لأنها تعبّر عن ملكية الانسان لفكره وارادته، وتمنحه شعور المواطنة الكاملة في استجابته للحقوق والواجبات، وتعمل على تحرير عقله للانطلاق نحو المستقبل واكتشاف المجهول وتعزيز بديهته ونفاد بصيرته والمعيته، وبما يساعد على تحقيق نجاحه واكتشافاته في مختلف حقول المعرفة. كما انها تعمل على تعميق مشاعر الود والاحترام بين مختلف المجموعات البشرية- محليا وعالميا. من هنا قيل ان الحرية- الديمقراطية تشبه الاسبيرانتو Esperanto في توفيرها لغة تفاهم مشتركة بين الناس- الشعوب.(30) بينما توقع روسو انحسار احتمالات حدوث حروب بين الدول الديمقراطية لاهتمام شعوبها بتطوير حياتهم الحضارية. كذلك ربط الدكتور علي الوردي نشوء الديمقراطية بمرحلة متقدمة اخرى من مراحل تطور الحضارة البشرية "... ان ظهور الديمقراطية الحديثة لا يقل في اهميته الاجتماعية عن ظهور الدولة. فان الدولة قضت على التقاتل القبلي. بينما الديمقراطية قضت على التقاتل السياسي."(31) ومع ذلك تبقى الحرية- الديمقراطية بدون معنى حقيقي في غياب حرية الاختيار "ان تنصحني بعدم القيام بفعل ما، هو كلام اجوف، ما لم اقتنع اني قادر على صنع قراري بقبول او رفض النصيحة. ومن المؤكد اذا فقدت قدرتي على اتخاذ قراري بالخيارات المتاحة، واصبحت مجرد منفذ لصوت القدر الذي املاه ماض متصلب او بسبب شروط اجتماعية قاسية مفروضة، عندئذ من الصعب ان افهم لماذا اتحمل مسؤولية تصرفي."(32)

الا ان الحرية ليست مطلقة، بل محدودة ومحددة في اطار المسؤولية المشتركة لافراد المجتمع. وهذا يرتب مسألتين: اولاهما ليس لاحد الحق في رفض الحرية، لان ذلك يعني نكران آدميته والتهرب من مسؤولياته الاجتماعية. من هنا قيل "لا مهرب من الحرية ".(33) وثانيتهما تتطلب الحرية درجة من الانضباط discipline لضبط ممارسة الفرد لحريته بالعلاقة مع ممارسات وحريات الآخرين. وتتحقق هذه المسألة (الانضباط) ذاتيا وموضوعيا، اي من قبل الفرد نفسه، بالاضافة الى سلطة الحكومة فرض القوانين والنظام العام. اذ ان ممارسة الحرية مع استمرار التطور الاجتماعي- الثقافي يقود الى التحسن النوعي للانضباط الذاتي.

ان احدى العقبات التي تواجه الحرية والحركة الديمقراطية عموما هي النزعة الذاتية القوية نحو السلطة الحكومية. يحذر اللورد اكتون Lord Acton بقوله: السلطة تجسد الفساد... ان هؤلاء الذين يتمتعون ببعض السلطة حتى وان كانوا من اصحاب الضمائر الحية، عادة ما يرونها منقبة virtue في الحصول على المزيد منها.(34) وهذا مبرر آخر للرقابة على الحكومة حتى لا تتبنى سياسات وتشريعات قد تقود الى اضعاف او تشويه الحرية- الديمقراطية، لان ما يتخذ بطريقة ديمقراطية ليس بالضرورة ان يكون ديمقراطيا.(35)

تدعو الممارسة الديمقراطية الى رفض الايمان المطلق بالافكار والايديولوجيات السائدة لصالح القناعة النسبية بها، والتخلي عن همجية العنف في ظل سماع الرأي الاخر، ونبذ المواقف الحادة (العصبية) في اطار استعداد النخب السياسية العيش بسلام على اساس المنافسة الانتخابية والقبول بحكم الاغلبية ومراعاة حقوق الاقلية. "ان اعضاء المجتمع السياسي يسعون وراء اهداف متباينة، يتم التعامل معها- بين امور اخرى- من قبل حكومة النظام. ان الاختلاف والاتفاق جانبان مهمان من جوانب الانظمة السياسية. ان الناس الذين يعيشون معا لن يستطيعوا ابدا الاتفاق على كل شيء. ولكن اذا ارادوا الاستمرار في الحياة معا، فهم لن يستطيعوا الا ان يتفقوا على اهدافهم".(36)

كما تتطلب عملية التحول الديمقراطي بيئة اجتماعية من سياسية وثقافية واقتصادية ومؤسسية توفر لها امكانية الاستمرارية والنمو بطريقة نمطية متصاعدة بعيدا عن حالات الارتباك والتراجع والانقلاب. وهنا تلعب المواريث التاريخية- الاجتماعية دورا حيويا في هذه المسيرة. ففي الهند مثلا، طبقت الديمقراطية منذ اوائل الخمسينات من القرن العشرين وسط انتشار واسع للامية والفقر والانشقاقات اللغوية والاثنية والدينية، بحيث شكلت لغزا enigma للمفكرين الغربيين ولنظريات الديمقراطية الغربية.(37)

وفي محاولة لتفسير الديمقراطية في الهند، فقد نوقشت مجموعتان من العوامل من تاريخية ومؤسسية. وتقدمت الثقافة الهندية العوامل التاريخية. يذكر احد كبار كتاب الهند في قضايا التحضر وهو جاترفيدي بادرناث Badrinath Chaturvedi: ان احد مبادئ الفكر الهندي الذي ساد المجتمع هو ان كافة الافكار تقريبية (نسبية) بالعلاقة مع الحقيقة. عليه لا يوجد فكر يمثل الحقيقة كلها. وبالنتيجة استطاع الهنود تطوير موقف فكري تجاه الافكار الاخرى على نحو مقبول جدا.(38) برزت هذه الافكار الثقافية وممارساتها بصورة جلية في الفترة الكولونيالية، واحتل مركز القلب في مسيرة التحرر الهندية، اذ وفرت قدرة عظيمة على الاستيعاب assimilation والتكتل agglomeration، وفي اتباع طريقة تؤكد على التوفيقaccommodatio بدلا من الانتصار segregation. وهذه المواصفات شكلت قيما ديمقراطية عالية مقارنة بممارسات دول العالم الثالث بعامة.

بينما تجسّدت مجموعة العوامل المؤسسية في حزب المؤتمر الهندي ودوره في التطوير التدريجي الفعلي للمؤسسات الديمقراطية. فقد نشأ الحزب عام1885، ويعتبر من اقدم الاحزاب السياسية في العالم، ليس من حيث الزمن فحسب، بل كذلك من حيث سلوكه في تحقيق التوافق والاجماع. ساعدت هذه السلوكية على بناء ارضية مواتية لقيادة الديمقراطية بعد ان حققت الهند استقلالها (15-آب/اغسطس1947). وجرّب حزب المؤتمر ان يكون وعاء لكافة الافكار والايديولوجيات والطبقات والمصالح في المجتمع الهندي باتجاه تطويرها وليس بقصد احتوائها ووأدها. ورغم ان هذه السلوكية الشمولية ادت لاحقا الى مشكلات للحزب نفسه، خاصة في مجال اختيار وتطبيق سياساته، الا انها قادت الى خلق مشروع سياسي وطني وفّر ناد لمعالجة تناقضات الافكار والمصالح بطريقة سلمية، وساهم في تأهيل اعضائه وقياداته ممارسة قواعد التسامح الديمقراطية. ولا تقل اهمية دور حزب المؤتمر تشجيع التعددية الحزبية بحيث انتهت بعد فترة زمنية من المسيرة الديمقراطية الى نتيجة حاسمة.. الا وهي كسر احتكار حزب المؤتمر نفسه للسلطة (رغم انه كان احتكارا قائما على انتخابات ديمقراطية). ويرتبط بالعوامل التاريخية والمؤسسية كذلك بروز قيادة تاريخية حضارية مختلفة نوعيا عن مثيلاتها في معظم دول العالم الثالث، اذ قادت الى الاستقلال والديمقراطية على طريق النضال السلمي وبناء ارادة الجماهير، متمثلة في شخص زعيم الهند المهاتما غاندي الذي فتح بنضاله السلمي (ومغزله اليدوي) الطريق لاستقلال بلاده السياسي والاقتصادي.

ولما كانت الديمقراطية مفهوما تاريخيا وحصيلة تراكمية لعملية طويلة ممتدة وصعبة من التطبيق، لذلك فهي تتطلب نفسا طويلا من الممارسات السلمية بين النخب السياسية. وتشكل مملكة السويد مثالا آخر لامتداد عملية الصراع من اجل نقل السلطة من الملك الى ممثلي الشعب (البرلمان) لفترة امتدت منذ عام 1435م عندما تحققت ولادة البرلمان في صورته الاولى (اجتماع اربو) Arbogg ولغاية النصف الاول من سبعينات القرن العشرين عندما استكملت السويد نظام الملكية الدستورية. ولم تظهر التسمية الحالية للبرلمان Riksdag قبل عام 1500م. ولم تتطور قواعد صلبة لكيفية عمل البرلمان قبل عام 1600م عندما اخذت الفصول البرلمانية دورتها كل ثلاث سنوات في استوكهلم بدلا من مدينة اربو. وجاءت الخطوة المركزية التالية عام 1866م عندما تم احلال مجلسي البرلمان محل الشكل القديم. هذا رغم ان حق الاقتراع بقي محصورا بفئات معينة من اصحاب الثروة وذوي المنزلة الاجتماعية لغاية عام 1909 عندما شمل كافة الذكور المؤهلين. وبقيت المرأة محرومة من حق الانتخاب لغاية عام 1921. وحصلت النقلة الكبرى الاخيرة بالعلاقة مع سلطة البرلمان عام 1971 عندما اجتمع البرلمان ذو المجلس الواحد، وليشرع في دورة انعقاده خلال الفترة 1973-1974 قانونا جديدا للحكومة وآخر للبرلمان الذي افتتح دورته في صورته المعاصرة عام 1975 بعد تجريد الملك من سلطاته السياسة ليصبح رمزا للبلاد وشخصية غير سياسية.(39)

ليست الديمقراطية عسلا نقيا جاهزا، اي قاصرة على الايجابيات فقط، ولا تقدم حلولا سحرية للمعضلات المجتمعية، بل لها كذلك سلبياتها، سواء ما تعلق ببطئ صنع القرارات او انفتاح المجال لحصول المزيد من الانحرافات السياسية والادارية او الجرائم الاقتصادية والاجتماعية بما فيها نشاطات "المافيا" واعمال السوق السوداء، خاصة في الدول الاقل نموا. من هنا كانت مهمة التحول الديمقراطي نمطية تتسع وتتعمق مع انتشار الثقافة الوطنية الديمقراطية وتحسين الاوضاع الحياتية للمجتمع. هذا علاوة على اهمية تطوير الكفاءات والمهارات لادارة العملية السياسية المجتمعية ومواجهة مخاطر الانحرافات الاجتماعية من سياسية واقتصادية وادارية.

من جهة اخرى، قادت الدعوات الانفتاحية باسم الديمقراطية الى مزيد من التبعية وتهميش الاغلبية. وهذا ما يستوجب تأكيد شروط التحول الديمقراطي تتقدمها صيانة ودعم الاستقلال السياسي وحماية النشاط الوطني، ليس الاقتصادي فحسب، بل كذلك الثقافة الوطنية في مواجهة الثقافة الاستهلاكية الغربية المدمرة للبنية الانتاجية للمجتمعات النامية. وهكذا، فكما تتطلب الحرية انضباطا فرديا، كذلك تتطلب عملية التحول الديمقراطي انضباطا مجتمعيا في سياق تحقيق موازنات بين مهمة التحول هذه من جهة وبين تعظيم خطوات التنمية تتقدمها تنمية الانسان من جهة اخرى، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي بتقوية البنية الاندماجية للقطاعات الاقتصادية من جهة ثالثة، بغية تقليص ظاهرة عدم التكافؤ (الاستغلال) في التعامل مع العالم الخارجي، خاصة البلاد الصناعية المتقدمة. وذلك لكي لا تتحول الديمقراطية الى مجرد ظاهرة شكلية سطحية، وممارسات غوغائية، وتراكمات للمديونية الخارجية، وانهاك لمعيشة الاغلبية، وتعميق للتبعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لصالح الاقلية.

تعني لفظة "الديمقراطية"بمعناها الاغريقي حكم الشعب. اذ تتكون هذه اللفظة منdemos، اي الشعب people و kratos بمعنب الحكم rule. واطلق عليها الرئيس الامريكي ابراهام لنكولن "حكم الشعب من الشعب والى الشعب". ورغم سهولة التفسير اللغوي للديمقراطية الا ان محاولات تحديد مفهومها واجهت اختلافات واسعة. ولعل ذلك بسبب ان الديمقراطية ليست مفهوما علميا يمكن بالتالي تعريفه بصورة منهجية، بل هي مجرد تعبير لغوي ينظر اليها كل فريق من زاوية مختلفة. ويرتبط بذلك ايضا تباين وجهات النظر حول ما اذا كانت الديمقراطية سياسية فقط ام كذلك اقتصادية. بكلمات اخرى، مسألة الربط بين الحريات السياسية والمساواة الاقتصادية، رغم الاتفاق على ان تحقيق التوازن بينهما يبقى مهمة مركزية لاستقرار النظام السياسي.(40)

نوقشت الديمقراطية من منطلقين متباينين: اولهما نظري، فاصحاب النظرية المعيارية Normative Theory يعتبرونها هدفا (وصف ما يجب ان تكون عليه). وثانيهما تطبيقي، حيث ان انصار النظرية التجريبية (الامبريقية) Empirical Theory يرونها وسيلة (وصف ما هي عليها الان). من هنا فالديمقراطية وفق المنطلق الاول هي سياسية بحتة، بينما هي سياسية واقتصادية (اجتماعية) حسب المنطلق الثاني. افرزت محاولات الفريقين فجوة واسعة wide gap بين نظرية الديمقراطية Democracy Theory وبين نظرية التحول الديمقراطي Theory of democratization. ويبرر اصحاب المفهوم السياسي للديمقراطية وجهة نظرهم بان ادخال المسائل الاقتصادية والاجتماعية سيجعل هذا المفهوم واسعا يصعب دراسته ولا يسمح بتحليل عوامل الربط بين متغيرات البعد السياسي ومتغيرات الابعاد الاخرى. بينما يفضل الفريق الثاني التعريف الواسع للديمقراطية كعملية تحول على اساس ان محاولة التعريف السياسي الضيق تستبعد اية منا قشة بشأن التوزيع الحقيقي للسلطة- الثروة في المجتمع، وتجعل من مشكلة عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية مسألة منفصلة.(41) ويظهر ان هذا الخلاف التفسيري يقوم على اختلاف نظرة كل منهما لنفس الظاهرة (الديمقراطية) بين النظرية (اي سياسية) وبين التطبيق (سياسية واقتصا دية).

ربما تصبح هذه المناقشة اكثر سهولة وفهما فيما اذا قمنا بالفصل بين نظرية الديمقراطية وبين عملية التحول الديمقراطي. فالاولى تعبر عن نظرية بحتة غرضها تقديم صورة مثالية قصوى لما يجب ان تكون عليه. وهنا تشكل الديمقراطية كنظرية هدفا قائما بذاته. لذلك فهي ليست محل تطبيق. اذ ان اي نظام حكم لا يقتصر على السياسة، بل يتضمن كافة الجوانب الاجتماعية، كما سبقت الملاحظة في بداية المبحث الاول. اما الثانية فهي تعبر عن فكرة عملية، وتنظر الى الديمقراطية باعتبارها طريقة حضارية تستخدمها الانظمة السياسية المعنية لبلوغ غاياتها الايديولوجية. ذلك ان اي نظام سياسي يقوده نظام اجتماعي، اي ان عملية التحول الديمقراطي تقودها هيئة حكومية تضم عادة نخبة او نخب طبقية ترمي الى تحقيق غايات اجتماعية في سياق افكار آيديولوجية. هذا الحديث يرتب، على الاقل، ثلاث نتائج:
الاولى: القول بان الديمقراطية سياسية، اي هدف قائم بذاته يستند الى اعتبارات فكرية (نظرية) مثالية خارجة عن نطاق التطبيق العملي. اما الديمقراطية وفق اعتبارات التطبيق العملي، فتكون بطبيعتها وسيلة تتعامل مع كافة الجوانب الاجتماعية. وهذا يعني ان الديمقراطية كظاهرة اجتماعية تكون سياسية واقتصادية .
الثانية: ليست الديمقراطية حكرا على جماعة او ثقافة معينة، بل هي طريقة تنظيمية حضارية مجتمعية متاحة لكافة الافكار الايديولوجية والانظمة الاجتماعية. وان درجة النجاح او الفشل في مسألة الاقتراب او الابتعاد من التوازن بين الحرية السياسية والمساواة الاقتصادية او العدل الاجتماعي لا تخص الديمقراطية في حد ذاتها بل هي مسؤولية النظام الاجتماعي الذي يقود المسيرة الديمقراطية الحضارية لبلوغ غايات اجتماعية مرسومة.
الثالثة: ولان الديمقراطية وسيلة لادارة المجتمع السياسي، عليه فهي ليست حالة آنية تتحقق في لحظة زمنية معينة من خلال الدستور والقوانين الاوامرية فقط، بل هي عملية ممتدة لها شروطها الاجتماعية، تتأثر بها وتؤثر فيها. وتسير في سياق عملية التنمية الحضارية المجتمعية لتتوسع وتتعمق مع مسيرتها وتتراجع مع انقطاعها وتراجعها.

من المعروف ان قيما ومبادئ ديمقراطية عديدة تراكمت على المستوى الكوني منذ بدء الحضارات البشرية الاولى وحتى الحضارة الحديثة المعاصرة. ويمكن الوقوف عندها سواء في المعتقدات الدينية او الادبيات العلمانية. وهي قيم ومبادئ لا تستطيع ثقافة معينة الادعاء بملكيتها. بمعنى ان لكل مجتمع عناصر في مواريثه التاريخية وثقافته المعاصرة بحيث يمكن ان تستغل كموجودات ديمقراطية. ان مبادئ مثل العدل والحق والتعاون والاخاء والمساواة امام القانون وما اشبه هي قيم ذات سريان عالمي، وجدت في الكتب الدينية عامة والادبيات الدنيوية، وطبقت على نحو واسع في مجتمعات مختلفة وبدرجات متباينة، وهي سمات مهمة للديمقراطية، رغم انهالا ترتقي الى مستوى الديمقراطية الدستورية. واذا قبلنا بتواجد بعض القيم الديمقراطية السائدة عالميا وعدد من المعالجات الخاصة بالممارسة الديمقراطية، عندئذ علينا ان نتساءل عن الحدود الدنيا الواجب توفرها في نظام سياسي حتى يوصف بالديمقراطية. وبغض النظر عن الاشكال الرسمية للتطبيقات الديمقراطية، هناك درجة من الاتفاق على ان العناصر الثلاثة التالية تشكل الحد الادنى لمكونات الديمقراطية في اي نظام سياسي:(42)
الاول: حقوق الانسان- تتضمن مجموعة حقوق اساسية للمواطن مثل تقديس حقه في الحياة واحترام وجوده وكرامته وضمان امنه، وحرية التعبير عن الرأي، والانضمام الى التنظيمات السياسية وما اشبه. ومن المهم هنا التأكيد على ثلاثة جوانب لهذه الحقوق: اولها تحقيق المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين افراد المجتمع. وثانيها ضمان الحقوق الاجتماعية للمواطنين، بما فيها حق العمل وضمانه اجتماعيا، وحق التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. وثالثها الممارسة الايجابية لهذه الحقوق على نحو يقود الى مشاركة المواطنين بصورة فعالة في صنع قراراتهم الجماعية. ان تحديد هذه العناصر يعبّر عن اهمية الممارسة العملية لهذه الحقوق بغض النظر عما تحتويها الدساتير، ومهما كانت المبررات الايديولوجية.
الثاني: التعددية السياسية- تقوم الديمقراطية المعاصرة على التمثيل النيابي. وهذا يدعو الى ممارسة الناخبين حقهم في اختيار ممثليهم من خلال انتخابات حرة لادارة شؤون حكمهم لفترة زمنية محددة. ان الاختيار هنا وظيفي (سياسي) وليس شخصيا. عليه وجب تعدده، لان حصره بمرشح واحد يفقده الصفة الوظيفية السياسية لصالح الصفة الشخصية. وهذا لا يوفر انتخابا حرا. يضاف الى ذلك ان ظاهرة تعقد الحياة الاجتماعية تتطلب بطبيعتها تعددية فكرية توفر المناقشات وتبادل الآراء بين اكثر من طرف وصولا الى الرأي الافضل واكثرها ملائمة. لذلك فان سيطرة الرأي الواحد ستعبر عن العجز وغياب القدرة على الابداع بغض النظر عن مسألة نوايا وكفاءات الرأي الواحد. وحيث ان السلطة تحفز على الفساد، كما سبقت الملاحظة، خاصة عندما تقوم على الاحتكار، فهذا يمكن ان يؤدي الى زيادة مخاطر الوقوع في الاخطاء الفادحة. ومرة اخرى تشكل تعددية الاتجاهات السياسية حول قضايا العمل الوطني سـدا مانعا لحدوث مثل هذه الاخطاء وضمانة موثوقة نحو التجديد وحسن التعامل مع المتغيرات الداخلية والخارجية.
الثالث: التداول السلمي للسلطة- تفقد التعددية مضمونها وقيمتها في ظروف احتكار السلطة، لان التعددية تتطلب اعطاء فرص متماثلة لكافة الاحزاب المتواجدة في الساحة السياسية الدخول في منافسة متكافئة لكسب ثقة الناخبين وسماع حكمهم بشأن تولي السلطة نيابة عنهم وتنفيذ البرنامج الاكثر قبولا من وجهة نظر اغلبيتهم. وكما سبقت المناقشة، هناك اساليب عديدة لانتقال السلطة، الا ان الاسلوب الحضاري الوحيد المتاح هو في تداول السلطة بصورة شرعية وسلمية بعيدا عن العنف والانقلابات والتصفيات. وهذه الوسيلة توفرها الديمقراطية وبصفة مستقرة، لأنها تجعل من جماهير الناخبين حكما بين الاتجاهات السياسية المتعددة وتمنح فرصة الحكم دوريا لصالح هذا الاتجاه او ذاك حسب انجازاته ومواقفه. وهنا ايضا العبرة بالممارسة العملية وليس بمجرد النصوص الدستورية. ذلك ان الانتخابات التي تجري بين احزاب سياسية في ظروف احتكار السلطة تعبر عن تعددية زائفة. اذ ان العبرة ليست بمجرد السماح لهذه الاحزاب اسماع صوتها للجماهير، بل كذلك سماعها لحكم هذه الجماهير، اي ممارسة دورها كقوى سياسية فعالة وعدم الحجر عليها وحرمانها من فرصة المنافسة للوصول الى السلطة عندما تحقق الفوز في الانتخابات. وفي غير ذلك فان الوسائل الاخرى لانتقال السلطة لا تضمن الابتعاد عن العنف وسفك الدماء.


2 - انماط الانظمة الدستورية
تقوم الحكومة الدستورية على اتفاقية لربط اعضاء المجتمع السياسي سوية، متضمنة اجراءات بكيفية رسم سياساته وصنع قراراته بغية حل المسائل المستقبلية التي تواجهه.(43) ويتميز النظام الدستوري بوجود دستور دائم منظم للحياة السياسية ويوفر رقابة فعالة على ممارسة السلطة الحكومية. ويكون الدستور اما في شكل وثيقة قانونية اساسية مدونة او عبارة عن مبادئ وأعراف مقبولة غير مدونة بحيث ترسخت عبر فترة زمنية ممتدة. والدستور باعتباره القانون الاساس للدولة، يعتبر الميزان الذي تقاس عليه القوانين التي تصدر عن السلطة التشريعية. بمعنى، يجب ان لا تكون القوانين الصادرة مخالفة للدستور. ذلك ان صدور القوانين عن مجلس تشريعي منتخب من قبل عامة الشعب، وأن تتماشى هذه القوانين مع الدستور، هو شرط لازم لدولة القانون، والا اصبحت كافة الدول قانونية، لعدم وجود دولة بدون قوانين.(44)

يتواجد نمطان رئيسان للديمقراطية الدستورية في العالم المعاصر هما النظام البرلماني parliamentary system والنظام الرئاسيpresidential system، وبينهما نظام وسط هو النظام الثناثيdual system .(45) ويشار احيانا الى الحكومة البرلمانية- التي تشكل بريطانيا نموذجها الرئيس-بـ"نموذج ويستمنستر " westminister model اساس للسلطة التنفيذية البرلمانية. وقد يشار اليها ايضا بـ "النظام الوزاري" cabinet system تمييزا لدور مجلس الوزراء في الحكومة. ويشكل النمط الكلاسيكي للنظام البرلماني الذي يوفر تكامل integration او انصهار fusion السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويكون هذا التكامل مدعما reinforced باتفاق السلطتين المذكورتين وفق اسس صلبة وثابتة كشرط لبقاء الحكومة (السلطة التنفيذية) في السلطة. وفي هذا النظام تنحصر ادارة الرقابة بصفة رئيسة في تصويت البرلمان بـ"عدم الثقة" No Confidence او رفضه اصدار تشريع حكومي هام.

ويرتبط بذلك ان انتخاب اعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية يتم في وقت واحد. او بتعبير ادق، تكون الانتخابات العامة قاصرة على اختيار نواب الشعب في البرلمان فقط، حيث تنبثق السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) عن الاغلبية البرلمانية. وهذا يوضح معنى التكامل بين السلطتين المذكورتين الى حدود قد تصل الى الاندماج بينهما، خاصة في نظام الحزبين عندما يتولى حزب الاغلبية البرلمانية قيادة السلطتين التشريعية والتنفيذية. يضاف الى ذلك سمات اخرى للنظام البرلماني، منها:
* يختلف دور رئيس الدولة (ملك/ رئيس جمهورية) عن دور مجلس الوزراء. فالاول بعيد عن سياسة الحزب (الحكومة)، ويمارس دورا رمزيا يقتصر على المناسبات الوطنية بدرجة رئيسة. وبكلمات اخرى، فرغم ان رئيس الدولة يحتل اعلى مرتبة في البلاد، الا انه لا يمارس نشاطا سياسيا الا في حدود ضيقة، وان السلطة التنفيذية تكون محصورة برئيس الوزراء واعضاء وزارته.
* ان حدود ممارسة رئيس الدولة للنشاط السياسي تقتصر على دعوته لزعيم حزب او ائتلاف احزاب الاغلبية البرلمانية لتشكيل الوزارة، علاوة على حقه في حل البرلمان والدعوة الى انتخابات جديدة عندما لا يوجد مرشح يحظى بثقة البرلمان لتشكيل الوزارة.

يستند النظام الرئاسي- وتعتبر الولايات المتحدة الامريكية نموذجها الرئيس- على مذهب الفصل بين السلطات. ويميز بشدة بين الجهاز الاداري personal وبين الجهاز السياسي political. ويكون هذا المبدأ معززا بانتخابات منفصلة للسلطتين التشريعية والتنفيذية، ويقوم على مجموعة ضوابط checks وتوازنات balances توفر دعما دستوريا لتحاشي الاتفاق الروتيني بين السلطتين، كما هو الحال في النظام البرلماني. اما الرقابة المتبادلة بين السلطتين فهي تتحقق عبر آليات عديدة، منها: حق الفيتو لرئيس الجمهورية Presidential Veto (ويمكن تجاوزه بصدور قرار الكونغرس باغلبية الثلثين)، ودور البرلمان في تصديقratify المعاهدات treaties، وضرورة ضمان موافقته عند تعيين الرئيس لكبار مساعديه من وزراء وسفراء، ودور الكونغرس في تخصيص الارصدة المالية (خاصة الميزانية السنوية للاتحاد)، وشرط موافقته عند اعلان الحرب، بل ان موافقته تكون لازمة حتى عند ارسال قوات امريكية الى الخارج، نظرا لقدرته على حجب تخصيص الارصدة المالية. يضاف الى ذلك ان السلطة القضائية توفر ايضا رقابة قضائية بضمنها الرقابة الدستورية من خلال ممارستها المراجعة الدستورية للقوانين. وفوق ذلك ترد سمات اخرى خاصة بالنظام الرئاسي، منها:
* ان النظام الرئاسي هو دائما جمهوري. ويتم انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة لفترة محددة (ربع سنوات في حالة الرئيس الامريكي قابلة للتجديد مرة واحدة فقط). ويقوم باداء وظيفته باعتباره رئيسا للدولة ورئيسا للوزراء .
* ان استمرار رئيس الجمهورية اداء مسؤولياته مسألة ثابتة طيلة فترة ولايته عدا حالات التقصير والخيانة والعجز. اذ لا يمكن اعفاء الرئيس الامريكي مثلا من قبل الكونغرس الا في مثل هذه الحالات .
* يحكم الرئيس من قبل هيئة فنية غير منتخبة (غير سياسية) يعمل اعضاؤها بوظيفة سكرتيرين له لادارة الوزارات المختلفة، حيث يختارهم ويعينهم (بعد موافقة البرلمان)، وهم مسؤولون امامه مسؤولية كاملة.
* سلطة الرئيس محددة بالموافقة البرلمانية فيما يخص تصرفات تنفيذية هامة عديدة في ظل الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية..

اما النظام الثنائي فهو يجمع مواصفات النظامين السابقين، وتشكل فرنسا نموذجه الرئيس. ويتميز النظام الفرنسي بانتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر لمدة سبع سنوات (قابلة للتجديد مرة واحدة فقط)، مقابل مبادرة الرئيس اختيار رئيس وزرائه من الاغلبية البرلمانية. وكان الدافع للاخذ بهذا النظام في عهد ديغول عام 1958هو معالجة مشكلة عدم استقرار الحكومات الفرنسية في فترة الجمهورية الفرنسية الرابعة. حيث جمع الدستور الجديد مواد دستورية لكل من الولايات المتحدة الامريكية والمملكة المتحدة. وفي نفس الوقت عمد واضعوا الدستور الفرنسي الى تقوية السلطة التنفيذية وتشجيع الانضباط الحزبي في الجمعية الوطنية (البرلمان) لتعزيز الاستقرار السياسي. كما منح الدستور سلطات واسعة لرئيس الجمهورية، بما في ذلك حقه في التصديق على التشريعات الصادرة وحل البرلمان. ومن جهة اخرى منح الدستور لرئيس الوزراء حقه في توجيه كامل السلطة التنفيذية. وكان من المتوقع ان يظل الرئيس بعيدا عن الاعمال الوزارية اليومية. الا ان الادوار المرسومة لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء تغيرت عندما بادر ديغول في صيف عام 1962الى اجراء استفتاء عام referendum. انتهى الى تعديل الدستور بالنص على انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من قبل الناخبين. وهذا منحه مبررا للادعاء بالدعم الشعبي ودوره في صنع السياسة. وجعل من رئيس وزرائه تابعا سياسيا political servant له بعد ان اخذ يحكم على طريقة الرئاسة الامريكية دون ان يواجه قيودا برلمانية مماثلة على سلطته.

وفي ظروف الانتخابات العامة التي تجري في فرنسا لفترتين مختلفتين: احداهما لانتخاب رئيس الجمهورية والثانية لانتخاب الجمعية الوطنية التي ينبثق عنها مجلس الوزراء، فان حصيلة الانتخابات البرلمانية تقرر كيفية مسيرة نظام الرأسين غير المتوازيين. فاذا نجح الرئيس ومؤيدوه (حزبه) الفوز بالاغلبية البرلمانية عندئذ سهل عليه اختيار رئيس وزرائه ليكون اكثر طوعا وانقيادا لسياساته، والعكس صحيح في مثل هذه الاحوال. ففي عهد الرئيس ميتران (الاشتراكي) قادت الانتخابات البرلمانية لعام 1986 الى فوز جبهة اليمين برئاسة جاك شيراك، وبدأت تجربة المعايشة المزدوجة cohabitation بين الرأسين المتنافرين، حيث واجهت اوقاتا ومواقف غير سهلة لغاية انتخابات الرئاسة والبرلمان خلال الفترة نيسان/ ابريل-حزيران/ يونيو 1988عندما تم التجديد لولاية ميتران وفوز حزبه (الاشتراكي) بالاغلبية البرلمانية. وهذه الحالة تكررت عام 1997، وهذه المرة مع الرئيس شيراك عندما انهزم حزبه في الانتخابات البرلمانية لصالح الاشتراكيين.

3- خطابات (مشروعات) ديمقراطية
يقصد بالخطاب (المشروع الديمقراطي) Democracy Discourse لاغراض هذا البحث، مبادرة النظام السياسي المعني تطبيق الديمقراطية وسيلة منهجية لبلوغ غاياته الايديولوجية المجتمعية. عليه يرتبط المشروع الديمقراطي بالمفهوم التطبيقي (الامبريقي)، ويجمع بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، او بين الحرية السياسية والمساواة الاقتصادية، اذ يحاول النظام التزاوج بينهما، لان استقراره وتطوره يعتمد على حل هذه المعادلة الصعبة. بمعنى اوضح، يجسّد الخطاب الديمقراطي مشروعا حضاريا هدفه تنمية الانسان باعتباره الغاية والوسيلة في سياق تحقيق مسيرة وطيدة ومتصاعدة للتنمية الحضارية المجتمعية الشاملة.

ويعبر الخطاب الديمقراطي عن مفهوم ومحتوى التحول الديمقراطي. ان عملية التحول هذه– كما سبقت الاشارة- تبدأ بخطوات تدريجية لتحتل مكانتها في مرحلة تالية من حيث العمق والشمولية على مستوى المجتمع. عليه فليس من المتصور بلوغ الديمقراطية في لحظة زمنية معينة، لأنها عملية مستمرة باتجاه تعميق التحضر البشري بمفهومه المجتمعي الشامل. كذلك ليس لنا ان نتوقع بلوغ النظام السياسي درجة مثالية للتوازن في المعادلة السياسية- الاقتصادية، لان هذه الصورة المثالية هدف لانهائي يتطلع اليه المجتمع ويسير على هداه وصولا الى مستويات حياتية- حضارية افضل مع كل مرحلة زمنية.

هناك اتفاق على ان الديمقراطية ليست مجرد فكرة غربية، وان النموذج الغربي للديمقراطية ليس الشكل الوحيد للديمقراطية. وهذا يدعو الى الفصل بين الديمقراطية كمفهوم تاريخي وبين الديمقراطية الليبرالية باعتبارها حصيلة ظهور الرأسمالية وتطورها. وحيث ان الديمقراطية وسيلة منهجية لتنظيم المجتمع السياسي في اطار حضاري اكثر رقيا وانسانية، عليه يمكن افتراض اعداد من الخطابات (المشروعات) الديمقراطية بالعلاقة مع الافكار والايديولوجيات الاجتماعية وتطبيقاتها المتنوعة.(46) ولاغراض هذا البحث ستتم مناقشة موجزة لثلاثة مشروعات ديمقراطية هي الليبرالية والماركسية والاسلامية.


(1) الخطاب الليبرالي للديمقراطية
تبلورت الليبرالية الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر في الفترة الممتدة بين الاصلاح الديني والثورة الفرنسية. ففي هذه الفترة ساهم المفكرون الليبراليون في دك اسس النظام القديم الذي ربط الحقوق بعوامل الوراثة (نبالة المولد) والثروة (حيازة الارض)، وقدموا صورة لمجتمع يقوم على الاساس القانوني لتنظيم العلاقات الاجتماعية، ويشكل رأس المال المصدر الاكثر اهمية للثروة والتمايز، ويلعب الربح الغاية العظمى للنشاط الاقتصادي. وبذلك عبّرت الليبرالية في مفهوما الاصيل عن تحرير الانسان والاقتصاد من القيود الاستبدادية- الاقطاعية للقرون الوسطى باتجاه ازالة القيم القديمة للتضامن الاجتماعي والدعوة الى مبدأ المنفعة والفردية (تطابق مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع)، واحترام الملكية الخاصة، وعدم تدخل الدولة في اطار مبدأ الحرية الاقتصادية، حيث اتجه حاملوا هذه المبادئ نحو مدها لما وراء البحار. وبذلك ساهموا في فتح عصر جديد من الاستعمار العالمي بدأ عسكريا واستقر اقتصاديا في صورة استغلال شعوب العالم الثالث. وهكذا بنت الديمقراطية الليبرالية مكوناتها من الناحية التطبيقية على ثلاثة اسس هي: الحرية، المساواة (السياسية)، وعدم تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية. وتطلبت هذه المكونات تبنّي مفهوم الدولة القانونية التي تقوم في عناصرها الرئيسة على: وجود الدستور والفصل بين السلطات، خضوع الحكام لاحكام القانون، انفصال الدولة عن شخص الحاكم، وعدم صدور القانون الا من سلطة تشريعية منتخبة مع تطابقه للدستور. هذا علاوة على المساواة باعطاء صوت انتخابي واحد لكل من له حق الاقتراع وتطبيق آلية الانتخابات.(47) وعموما واجه المشروع الليبرالي للديمقراطية جملة انتقادات، منها:
* سوء توزيع الثروة والدخل بسبب تخلف الديمقراطية الاقتصادية (الاجتماعية) عن الديمقراطية السياسية في هذا المشروع.
* وتقود هذه الظاهرة الى تباين قدرات الفرد في ممارسة حقوقه السياسية. لان ممارسة الحق-حسب روسو السابق الذكر- تتطلب خلق التوازن بين ارادته (المعنوية ) وبين مقدرته (الاقتصادية). وفي ظروف اتساع فجوة الثروة والدخل تتقلص هذه الارادة وتقود الى الاخلال بالحقوق السياسية للاغلبية.
* تستند التعددية السياسية الليبرالية الى جوانب مظهرية تفتقد مضمونها الحقيقي. ذلك ان النخب السياسية، وان تعددت شكلا فهي ذات مصالح موحدة موضوعا. وهذه الظاهرة انعكست في احتكار السلطة دون ان تتوفر فرص ظهور حزب جديد او مرشح جديد خارج دائرة النخب السياسية هذه حتى في اطار التيارات البرجوازية ذاتها.

يشير احد المفكرين الغربيين الى ان الصراع بين الحرية والمساواة هو اصل root الفوضى disarray في الانظمة الغربية. بينما يعدد مفكر آخر وجوه ازمة الديمقراطية الليبرالية في: سقوطها من سموها grace، خسارتها لقناعة المواطن والمجتمع، سيطرة نخبة الاقلية، فقدان الفرص، التضاؤل الشديد لقيم الخطب والشعارات (ضعف الثقة)، تغليف الحقائق وتزييف الاحداث والانشغال بتوافه الامور على حساب المصلحة العامة.(48)

( 2 ) الخطاب الماركسي للديمقراطية
اذا كانت الديمقراطية جسما غريبا زرعت في رحم الليبرالية البرجوازية في خضم نموها، ومن ثم تعايشت معها وأصبحت جزءا منها، فان الديمقراطية في المشروع الماركسي- على الاقل نظريا- تشكل النصف الحقيقي الآخر من مكوناته. لانه يربط ما بين السياسة والاقتصاد، ويؤمن بالمشاركة الجماهيرية، ويقوم على تصفية مصدر الاستغلال والتناقضات الطبقية التي تجسّدها الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، ببناء القاعدة المادية للديمقراطية (الاجتماعية) وازالة سيطرة الاقلية التي تخشى على مصالحها من انتشار الديمقراطية الحقيقية. ومع ذلك تخلفت التطبيقات الماركسية عن تحقيق ديمقراطية سياسية متقدمة مقارنة بالديمقراطية الليبرالية، وذلك في ظروف سيطرة الحزب الواحد وغياب التعددية والاصرار على تفسير الماركسية من وجهة نظر اجتماعية على حساب الحقوق السياسية. وازاء هذا الاختلال في المشروع الماركسي للديمقراطية.. يحق للمرء ان يتسائل: اين يكمن التناقض؟

هناك اتفاق في هذا المجال على ما ياتي:(49) ان العدوان على الحريات الفردية في الانظمة الماركسية ليس سمة ملازمة للفكر الاشتراكي وللدول الاشتراكية. ولا يوجد نظريا ما يحتم الربط بين استمرار النظام الاشتراكي ووجود حزب واحد، ولا يوجد ما يتناقض وامكانية تداول السلطة بين احزاب اشتراكية. كما ان مرحلة التحول الاشتراكي تقوم بتصفية التناقضات الطبقية (العدائية) دون تصفية التناقضات غير العدائية. ومجتمع بلا تناقضات هو مجتمع ميت. وان التناقض ظاهرة اصيلة في المجتمع والكون حسب منهج ماركس الجدلي، وان التقدم رهن بالقدرة على تجاوز الشيء ونقيضه الى شيء ارقى من الاثنين. وان التجربة اثبتت ان قضايا بناء الاشتراكية اعمق بكثير من قضايا بناء المجتمع الطبقي. من هنا لا بد ان يختلف الناس ولو كانوا جميعا ينتسبون الى ماركس. بل ان ماركس نفسه لم يكن حتى مقصرا في تقديره لحدود الديمقراطية البرجوازية واعتبرها حقيقية وليست مزيفة رغم نواقصها، ورأى انها تشكل تقدما مهما في تاريخ البشرية. وكان ماركس مقتنعا ان النظام الاشتراكي سوف لن ينكر الحقوق الديمقراطية السياسية بل سوف يحترمها ويطورها ويعطيها مضمونا اعمق. ورغم الانجازات الاقتصادية غير المسبوقة للثورة البلشفية الروسية، الا انها عجزت عن تحقيق ديمقراطية سياسية متقدمة مقارنة بالديمقراطية الليبرالية. ويرتبط بذلك نموذج التنمية السوفيتية (التصنيع) التي قامت على كاهل الريف وقادت الى انهاء التحالف الطبقي العمالي- الفلاحي. اما فشل التجربة الصينية في تحقيق ديمقراطية متقدمة، رغم اعتمادها نموذجا مختلفا للتنمية لصالح دعم الريف واستمرار التحالف العمالي- الفلاحي، فتعود الى تأثرها بالتجربة السوفيتية التي قامت على الحزب الواحد. وهذه المناقشة التي تعبّر عموما عن الفجوة بين الماركسبة وتطبيقاتها، وجدت تعبيرها لدى احد المفكرين الغربيين (شومبيتر) في عبارته التالية "هناك بين المعنى الحقيقي الذي تتضمنه رسالة ماركس وبين الاساليب والايديولوجية البلشفية فجوة هي على الاقل مثل اتساع الفجوة التي كانت موجودة بين الدين الذي بشّر به اهل الجليل المتواضعون وبين اساليب وايديولوجية امراء الكنيسة وسادة الحرب في العصور الوسطى."(50)

في نهاية هذه المناقشة قد يكون مناسبا التذكير مرة اخرى بان الديمقراطية مفهوم حضاري تاريخي تتطلب فترة نضوج مناسبة. وهي مهمة اكثر صعوبة وتتطلب صبرا اعظم ونفسا اطول في حالة المجتمعات الاقل تطورا. واذا كان الامر كذلك، اليس التطلع الى قدرة الثورة الاشتراكية تحقيق ديمقراطية سياسية متقدمة مقارنة بالديمقراطية الليبرالية وفي مجتمع تقليدي خلال فترة قصيرة نسبيا قفزا على الواقع وتجاوزا على منطق التاريخ؟ واخيرا، اذا كان ماركس قد بنى تحليله على قيام الثورة الاشتراكية في مراكز الانظمة الرأسمالية المتقدمة (وهذا يتطلب تصفية الاستعمار العالمي سياسيا واقتصاديا)، بينما رأى لينين قيامها في اطراف هذه الدول، اي تلك المتخلفة (مع ملاحظة ان الثورة التي قادها لينين اتسمت بالعنف والاستبداد في مرحلة اواكثر من مراحلها) فكيف يمكن تحقيق ديمقراطية متقدمة في مرحلة التحول الاشتراكي وسط بحر واسع من التخلف الاجتماعي؟ وهل يمكن قيا م ثورة اشتراكية وبدء مرحلة التحول الاشتراكي في المجتمعات التقليدية ام انها تظل متجذرة بتحقيق مهمة التحرر الوطني؟ اليس الفكر الماركسي الاصيل نفسه هو نظرية للتحرر من الاستعمار (الاستغلال) اولا باعتبارها الاساس لدك الامبريالية العالمية والطريق لبناء الاشتراكية في مرحلة لاحقة؟

لعل هذه الاسئلة تستحق التفكير جديا في المبادرة بتشجيع الدراسات الاشتراكية عموما، وتأكيد اهمية عقد الندوات والمؤتمرات العلمية بصورة منظمة، وذلك في محاولة لبحث جوانب ثلاثة- على الاقل- متمثلة في:
الاول: الخوض في بحث مرحلة التحول الاشتراكي باتجاه استكمال وتطوير التحليل الماركسي..
الثاني: تحليل العوامل الجوهرية التي قادت الى فشل التجربة السوفيتية..
الثالث: دراسة وتحليل بنية الخطاب او الخطابات الماركسية للديمقراطية..

( 3 ) الخطاب الاسلامي للديمقراطية
تشكل مهمة متابعة الآراء الاسلامية ومحاولاتها صياغة خطاب او خطابات اسلامية للديمقراطية من المهام الصعبة حتى وان اقتصرت المحاولة على مجرد متابعتها وتنسيقها وفرزها للخروج بحصيلة مثمرة تلبي رغبة القارئ في المتابعة العامة لطبيعة هذه المناقشات. وذلك بسبب وجود مدارس كثيرة وآراء اسلامية مرجعية فردية متباينة لا تقل عددا وتأثيرا. وفوق ذلك فان قوة تأثير الاغلبية التقليدية (السلفية/الاصولية) الملتزمة بقوة بالمرجعية والنصوص الدينية واستخدامها سلاح "التكفير" في وجه المحاولات الاصلاحية الفكرية الاسلامية جعلت من الصعوبة بلورة افكار محددة متفق عليها عموما و/ او مدارس اسلامية متحررة لبناء او صياغة مشروع او مشروعات اسلامية للديمقراطية مقبولة لدى عامة الاسلاميين بشأن قدرة الاسلام الحالي، على الاقل، صياغة مشروعه او مشروعاته الديمقراطية، وذلك في ظروف التخلف التي تمر بها المجتمعات الاسلامية، وفي غياب ثورة فكرية- ثقافية- دينية لاحداث اصلاحات جذرية في المفاهيم والمبادئ والاسس الاسلامية. عليه فان هذه المناقشة لا ترتبط بنظام حكم اسلامي محدد، ولا تفترض قبولا عاما من مصادر الاجتهاد الاسلامية، ولا حتى قبولا مماثلا من خارج محيط الدائرة الاسلامية، لان هذه المناقشات لا زالت غير مستقرة في تفسيراتها ومتباينة في توجهاتها. ومع ذلك تبقى مثل هذه المناقشات مفيدة وضرورية لكونها تعبّر في حد ذاتها عن محاولات ايجابية تستحق المتابعة والتشجيع ومواصلة الحوار..

اتسم النظام الاسلامي بعدم اعترافه بالاحزاب السياسية، حيث نظر اليها كونها بدعا على الاسلام واعتبرها مخالفة لسنة الحكم. وفي المجتمع الاسلامي التقليدي لم يبذل جهد مقصود لاشراك الشعب فعلا في الحكم او وضع قيود على الحاكم. ولم تقم الدولة الاسلامية على قاعدة منح الشعب حق الحد من سلطة الحاكم حتى في حالة تجاوزه احكام الشرع الالهي. فالحاكم (الخليفة الوارث) لم يكن مسؤولا امام المحكومين، فهو "الحاكم المطلق بأمر الله". نعم لقد كان عليه ان يستشير الفقهاء في مسائل معينة كتلك المتعلقة بتفسير احكام الشرع والدين. ولكنه ان لم يفعل او تجاهل مشورة العلماء، فلم تكن لدى هؤلاء من وسيلة سوى تحذيره من مغبة افعاله وان "يصلوا لله" لاهدائه سواء السبيل. وقلّما حاول العلماء التأثير في الخليفة عن طريق اثارة الرأي العام، بل على العكس كانوا يدعون الناس الى الهدوء والسكينة حتى في ظروف استمرار الاضطرابات في الحياة السياسية الاسلامية والتبدل المستمر في احوال الخلفاء. وذلك من منطلق قناعتهم ان الحكم الاستبدادي يضمن سلامة النظام اكثر من مقاومة الحاكم الظالم.(51)

بدأت الحركة الاسلامية الحديثة منذ منتصف القرن التاسع عشر بجهود جمال الدين الافغاني الذي استهدف تحرير المسلمين من الظلم الداخلي ومن السيطرة الاجنبية. وتكمن اهمية دور الافغاني من الاصلاح الديني في محاولته دعم الزعماء الدينيين الذين سعوا الى بعث الاسلام من جهة، ونظرته المتسامحة الى الذين ايدوا تبني الحضارة الاوربية من جهة اخرى. آمن ان قوة اوربا تكمن في العلم الحديث والتكنولوجيا. لذلك حثّ المسلمين على اكتساب المهارات العلمية والتقنية الاوربية. كما ان محاولته دمج المادية الاوربية بالروحانية الاسلامية اعتبرت في وقتها من اهم اسهاماته في الفكر الاسلامي.(52)

واصل محمد عبده طريق معلمه الافغاني، حيث استند في فكرته الاصلاحية الاسلامية على فرضيتين: الاولى ان للدين في حياة الامم، خاصة تلك التي يعتمد نظامها الاجتماعي على الدين، دور لامناص منه.. والثانية ان تلبية متطلبات الحياة المعاصرة توجب قيام مؤسسات ومهارات فنية كتلك التي تفوقت شعوب الغرب- بفضل فعاليتها- على سواها من الشعوب. ورأى ان الاسلام لا يستطيع التغلب على الانحطاط الا بتحكيم العقل والتحرر من السلفية. اذ شرح في "رسالة التوحيد" دور العقل في الحياة عموما، وا كد على ان الاسلام كان على الدوام دين العقل. وخرج من هذه الفرضية الاساسية باقتراح يدعو الى تفسير الشرع الاسلامي في ضوء العقل. وقال ان الغلبة يجب ان تكون للعقل في حالة التناقض بين المعنى الحرفي للقانون الاسلامي وبين التفسير العقلي له. ومن هذا المنطلق حلل للمسلمين مثلا اكل لحوم الحيوانات التي يذبحها المسيحيون واليهود، وايداع الاموال بالفائدة في المصارف. كذلك اعتبر عبده ان مفتاح التقدم يكمن في العلوم والتربية الغربية. ورأى عقم الاسلوب القديم القائم على المذاكرة (الحفظ) بدلا من التفكير (التحليل). وذهب في تفسيره الى ابعد من معلمه الافغاني، اذ دعم نظرية داروين في نشوء الانسان وارتقائه، كما وجد اشارات في القرآن الى "الصراع من اجل البقاء" او "البقاء للأصلح" باعتبارها من نواميس الطبيعة. لكن آرائه بقيت في نطاق الاصلاح المحدود دون ان يتمكن من نقلها لرسم معالم هذا الاصلاح، بسبب فشله جزئيا في دفع حججه الى نهاياتها المنطقية، بالاضافة الى محاولته التوفيق بين التقليديين والتحديثيين،(53) لاستحالة او صعوبة التأليف عادة بين طرفين متعاكسين.. فالحضارة، كما ذكر الوردي، هي ظاهرة كلية لا يمكن تجزئتها، اي لا يمكن اخذها جزئيا.(54)

تراجعت الحركة الاصلاحية الاسلامية بعد محمد عبده، رغم ان محمد رشيد رضا قدم نفسه داعية للاصلاح على خطى الافغاني وعبده، نظرا لما اتسم به منطقه من نزعة تقليدية في سياق اصراره على ان الاسلام كنظام ديني ومدني يجب ان يبقى اساس الحياة السياسية، بالاضافة الى ابتعاده عن مجرى الفكر التحديثي بتركيزه على الخلافة ودورها في النظام الاسلامي. الا ان ردة فعل دينية انبعثت بين الحربين العالميتين في مواجهة الفكرة القومية والتجربة الكمالية التركية التي الغت المؤسسات الدينية واقامت الدولة على اسس علمانية. فتشكلت جمعيات اسلامية عديدة ركزت على الخلق الديني واستهدفت جذب الشباب وابعادهم عن الافكار العلمانية. اذ اشتهرت من بينها لاحقا جمعية "الاخوان المسلمون" التي اكدت على ان الاسلام نظام شامل لمختلف شؤون الحياة الاجتماعية. وشكلت آرائها تراجعا للتسامح الديني الذي بدأه الافغاني وعبده. ومقابل احتكام محمد عبده الى العقل اصرّ الاخوان المسلمون على الاساس الديني للحكم واهمية الخلافة. كما لم يرغب الاخوان التوفيق بين الاسلام والديمقراطية، وبذلك فشلوا في اقتراح منهج اصلاحي للنظام السياسي القائم.(55) ان استمرار تدهور الاوضاع السياسية والاجتماعية العربية بخاصة، والاسلامية بعامة، عوامل ساهمت اخيرا في ظهور حركات اسلامية جمعت بين التراجع الفكري وبين ممارسة العنف (السلفية). ورغم هذا التراجع والانقطاع عن الفكر الاصلاحي الاسلامي، الا ان المناقشات الفكرية الاسلامية بشأن الدين والديمقراطية والتحديث بقيت مستمرة.

وفي الصفحات التالية خلاصة لجهود بحثية قام بها اندرس اولين Undres Uhlin احد اساتذة جامعة لند Lund University (السويد) على الساحة الاندنوسية لمتابعة وحصر وغربلة مناقشات ناشطة تدور بين مجموعة مدارس فكرية ومصادر اجتهادية اسلامية بشأن الخطاب الاسلامي للديمقراطية.(56) مع ملاحظة ان هذه المناقشات تستند في جذورها الى ذات الاسماء الاسلامية المرجعية المعروفة والتي سبقت مناقشتها مثال جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا. واذ يخرج اولين بجملة آراء مشجعة عن امكانية صياغة الاسلام لمشروعه او مشروعاته الديمقراطية، طالما ترك ارثا من القيم الديمقراطية في نصوصه وممارساته، الا ان هذا الرأي- كذلك- لا يفترض اتفاقا عاما وقناعة واسعة قبل ان تبلغ المناقشات الاسلامية مرحلة واضحة من النضوج في افكارها ومدارسها، خاصة ما يتعلق بشأن المفاهيم والمبادئ الاسلامية على نحو يتفق والديمقراطية. وهذا يتطلب بدوره ترسيخ القناعة اولا بضرورة تحرير عقل الانسان والتحرر من الاحكام الجاهزة في تقرير الامور الدنيوية المتغيرة، مقابل اعتماد النصوص الدينية مظلّة فلسفية عامة في سياق تفسير وتقرير وقائع الحياة الدنيوية وفق منطق العلم والتحضر والايمان الراسخ بقيمة الانسان وحقه في بناء جنته في الارض.

ترفض المدرسة الاسلامية التقليدية (السلفية) امكانية التطابق بين الاسلام والديمقراطية بدعوى ان السيادة الشعبية لا يمكن ان تكون فوق سيادة الله، وان الشريعة (القانون الاسلامي) هي قانون متكامل بحيث لا يترك مجالا في الاسلام لمزيد من التشريعات. بينما ترى المدرسة الاسلامية المعاصرة امكانية حصول مثل هذا التطابق استنادا الى القيم والمبادئ الاسلامية. اما المدرسة الثالثة وهي المدرسة الاسلامية المعاصرة التحديثية فهي تجمع بين افكار المدرستين السابقتين. اذ ترى ان الاسلام يؤسس مشروعه الخاص بالديمقراطية، الا انها تثير-كما في المدرسة التقليدية- مسألة السيادة الشعبية. فاذا ُفهمت الديمقراطية باعتبارها سيادة شعبية عندئذ يتعارض الاسلام والديمقراطية.. اما اذا ُفهمت كونها تشكل صيغة محدودة للسيادة الشعبية بحيث تأتي في المرتبة الثانية للقانون الالهي عندئذ يتلاشى هذا التعارض. وبذلك تكون آراء هذه المدرسة هنا متقاربة لنموذج الحكم الاسلامي الايراني، حيث يعترف بالدستور والانتخابات في ظل "القانون الالهي" المعبر عنه بمرجعية "آية الله" باعتباره "ظل الله في الارض". وعموما فان هذه الاعتراضات على السيادة الشعبية ربما تعبر عن عجز هذه الآراء استيعاب مفهوم الديمقراطية والسيادة الشعبية ،على الاقل، من زاويتين: الاولى ان الديمقراطية ليست نظاما بديلا للاسلام او اي من الانظمة الاجتماعية الاخرى بقدر ما هي وسيلة متطورة وممارسة حضارية لتطبيق افكار وآيديولوجيات انظمة الحكم الاجتماعية المختلفة. من هنا لا مفر للاسلام من الاخذ بالطريق الديمقراطي اذا ما اريد له المساهمة في اعادة بناء المجتمعات الاسلامية وانتشالها من التخلف والتبعية والمشاركة في الحضارة الانسانية . والثانية ان الديمقراطية والسيادة الشعبية وانظمة الحكم عموما هي امور دنيوية. واذا كان الامر كذلك فعلا، فمن ذا الذي يمثل "سيادة الله " في الارض(الدنيا)؟ اليس مجموع الناس (الاغلبية) اكثر تمثيلا لهذه السيادة من قلة نخبوية او شخص فرد حاكما كان ام رجل دين؟ اليس رأي الجماعة في الاسلام، كما هو الحال في الادبيات الدنيوية بعامة، أولى من رأي القلة او الفرد؟

تحاول المدرسة الاسلامية المعاصرة تفسير مجموعة مبادئ اسلامية لتعزيز مقولتها بشأن ارتباط الاسلام بالديمقراطية والتطابق بينهما مثل : الحق، العدل، المساواة، الحرية، المجلس (جمعية/برلمان)، الشورى، الاجماع، الرحمن، الترحم.. كما يشخص المفكر الاسلامي امين ريس Amen Rais خمسة مبادئ اسلامية لصالح الديمقراطية هي العدل، الشورى، المساواة، الحرية، ومبدأ المساءلة. الا ان تفسيرات هذه المبادئ لا زالت متباينة بالعلاقة مع الديمقراطية.. كما يبين ساسونو Sasono توجها سياسيا اجتماعيا عندما يدعو الى ضرورة مسايرة التحول الديمقراطي جنبا الى جنب والتحول الديمقراطي الاقتصادي. ويرى عدم امكان بناء الديمقراطية بمجرد انشاء مؤسسات دستورية مشابهة للمؤسسات الغربية. ذلك ان الديمقراطية تتطلب كذلك التأكيد على التعليم والثقافة وتغيير البنية المؤسسية والغاء الانظمة الاقطاعية وتحسين مستويات معيشة الناس وخلق قيم جديدة من المساواة. كما ان التحول الديمقراطي يتطلب ممارسة التعامل السلمي لكونه عملية سلمية.

ورغم وجود اختلافات في افكار المعاصرين الا انهم متفقون على ان المبادئ الاسلامية تدعم اشكالا من الديمقراطية هي اقرب الى الليبرالية الغربية. لكنهم واجهوا النقد بدعوى ضعف جذورهم الفكرية التقليدية الاسلامية. عليه ظهرت المدرسة الاسلامية المعاصرة التحديثية، حيث يدعي اصحابها محاولتهم استخدام طريقة حديثة في تفسيراتهم للمبادئ والافكار الاسلامية ولكن دون نسيان التقليد، ومع ذلك فهم ما زالوا مفتوحين للتأثيرات الغربية. ويمكن النظر اليهم كمزيج من التقليد والمعاصرة (فتاح Fatah). وفي نفس الوقت يوجه انصار المدرسة المعاصرة التحديثية نقدهم الى المدرستين الاخريين من خلال احد زعمائها وهو عبدالرحمن وحيد Abdurrahman Wahid بقوله: في حين تفشل المدرسة التقليدية تلبية متطلبات التحديث، فان افكار المدرسة المعاصرة تميل ان تكون غامضة vague وذات اتجاه غير متماسك. كما ان افكار وتفسيرات المدرسة المعاصرة قدمت مسوغات جاهزة تدعم الانظمة القمعية، واستخدمت لاستغلال القواعد الاجتماعية على مستوى العالم الاسلامي، وساعدت على كسر شوكة المعارضة.

يعتبر المفكر الباكستاني فزلر رحمن Fazler Rahman رأسا مهما من رؤوس المدرسة المعاصرة التحديثية في اندنوسيا. ويحاول اتباعه استخدام "طريقة متينة" solid methododology لفهم القرآن والسنة من وجهة النظر الاجتماعية والتاريخية، كما يرى معارف Maarif .

والمفكر البارز الآخر في هذه المدرسة (نورشولش مجيد Nurcholish Majid) وهو مناصر قوي للاستخدام الواسع للاجتهاد. ويرى ان القرآن لم ينو intend ابدا ان يكون دليلا مطلقا لتقنين كل وجه من اوجه حياة "المؤمن". بل انه جاء دليلا "إلاهيا" عاما لمجتمع كان مختلفا جدا عن المجتمعات المعاصرة. كما اثار مجيد عام 1970 مناقشة خلافية حادة بدعوته الى تبني العلمانية secularization. لكنه اوضح ان دعوته لا تعني اهمال الاعتبارات الدينية، بل اعطاء وزن ادبي لهذه القيم وتحرير المجتمع الاسلامي من نزعة الفزع تجاه القيم العلمانية.

وعلى خلاف الكثيرين من المعاصرين، لا يؤمن التحديثيون بفكرة اولوية السلطة السياسية للمنظمات الاسلامية. ونسبة الى مجيد لا يرى ضرورة لانشاء احزاب سياسية. فقد كتب عام1970: نعم للاسلام، لا للحزب الاسلامي. وهذا الرأي يتماشى مع النظام الاسلامي التقليدي حيث سبقت الاشارة. كما تبنّى غيره موقفا مماثلا ضد الاسلام السياسي برفض اقامة حكومة اسلامية. يقول عبدالرحمن وحيد لا حاجة لنظام سياسي في اطار القانون الاسلامي، رغم اهمية انبثاق ممارسات الحكومة، في حدود معينة، من القانون الاسلامي، مع الاخذ في الاعتبار تقاليد وقيم اخرى.

ومع ذلك فالمعاصرون التحديثيون، كمثل المعاصرين، تختلط آرائهم بافكار محافظة وليبرالية واجتماعية. ويمثل هذا المزيج مجيد. اذ يدعو المسلمين الى الافكار الديمقراطية، لا بسبب مثالية الديمقراطية المدعومة من التعاليم الاسلامية فحسب، بل كذلك لأنها تهيئ نظاما سياسيا مفتوحا له قابلية على تصحيح اخطاء الحكومة. ويرى ان الاسلام يتمتع بقدرة احتمالية اكبر لدعم الديمقراطية من المسيحية لعدم وجود قسس في الاسلام، بالاضافة الى مبادرة الاسلام الاعتراف بشرعية الديانات السماوية الاخرى منذ البداية. ويؤكد على ان حرية الدين مبدأ مركزي في الاسلام ويطالب ان لا يكون الدين محل اجبار.

ورغم موقفه القوي المضاد للشيوعية، ودوره كقائد لمنظمة الشباب الاسلامية، وفي صعود سوهارتو الى الحكم، يعترف مجيد ان الاسلام يحتضن مبادئ عديدة تتصل عن قرب بالافكار الاشتراكية. اذ يقول: ان كافة الممتلكات تعود الى الله، وان الاستغلال exploitation (خاصة من خلال معدل الفائدة) محرم، وان للفقير حق مقاسمة ثروة الغني من خلال الزكاة، الخ.. الا ان مثل هذه الآراء تبقى عامة غير محددة، وتفشل محاولاته في ازالة الغموض عنها، وتستمر غير محسومة خاصة بالعلاقة مع الديمقراطية سواء ما تعلق بتحريم الفائدة، او حصر الآليات الاجتماعية للاسلام في الزكاة. هذا رغم ان الكثير من آرائه اعتبرت جذرية وحصلت على الشهرة في شبابه. اما في المرحلة التالية من حياته فقد اهتم بتطوير مفهوم طبقة وسطى اسلامية قوية مؤكدا على مسألتين: الاولى ضرورة تواجد رجال اعمال يتحملون المخاطر الاقتصادية.. والثانية تطوير طبقة وسطى قوية.. وذلك باعتبارهما شرطان من الشروط المسبقة للديمقراطية. وهنا من الواضح تأثير الفكر الليبرالي الغربي في تشكيل آرائه هذه، خاصة شومبيتر.

هناك من هو اكثر توجها نحو التحرر الاجتماعي والمساهمة السياسية خارج دائرة الحكم. فكما لوحظ، يرفض وحيد فكرة الحكومة الاسلامية. ولكن هذا لا يعني عدم اهتمام الاسلام بالثقافة السياسية، حيث تستند على مقولة: لا احد يعلو على الآخرين.. وهذا يدعو الى بناء حكومة مسؤولة برفض وجود الدكتاتور ايا كان. وطالما يؤكد الاسلام على مبدأ المداولة deliberation، اذن فالطريق نحو الديمقراطية هو من خلال المداولات وليس الاوامر confirmation. وهنا يلاحظ تأثره الواضح بالفلسفة الهندية التي سبقت الاشارة اليها.

ورغم ان اعماله الرئيسة ملاطفة او مهادنة للحكومة، الا ان وحيد مع ذلك اظهر صراحة شديدة في نقده للنظام الحاكم ودعوته الى اصلاحات ديمقراطية: ضرورة تغيير الحكومة المستندة على الاقلية غير الممثلة للشعب.. على الحكومة ان تكون مرنة ومفتوحة تجاه الافكار الاخرى.. النظام الحالي لا يشجع المناظرات المفتوحة، وهذا يدعو الى تغييره، لان تبادل الآراء جزء محوري لروح الاسلام. ويرى ان الاسلام يناهض السلطة الاستبدادية.

وفي محاولته تأسيس مناقشته لصالح حكومة تعددية ديمقراطية وفق القيم الاسلامية، يدعو وحيد الى الكفاح من اجل اقامة العدل والمساواة والديمقراطية، وتطوير قابلية الفرد وتمكينه من تخطي مشكلاته. ورغم دفاعه القوي عن الرأي القائل بان الديمقراطية متأصلة في الاسلام، لكنه ينبه ان الاسلام لا يحتكر الافكار الديمقراطية. وان النضال من اجل الديمقراطية هو ظاهرة عالمية. كما يدعو المفكرين الاسلاميين الى عدم عزل انفسهم عن هذه الظاهرة العالمية، بل ان يحاولوا التكامل معها من اجل بناء العدل والمساواة.

يظهر ان الاختلافات الفكرية بشأن الديمقراطية بين المعاصرين والمعاصرين التحديثيين ليست عميقة، بل هي متقاربة، وتختلط فيها افكار محافظة وليبرالية واجتماعية. وفوق ذلك فان اكثر الافكار الاسلامية جذرية و/ او محافظة بشأن الديمقراطية يمكن ان تجد لها السند والدعم معتمدة في ذلك على كيفية تفسير النصوص الاسلامية المتداولة. ومع ان الاسلام يحتضن جملة مبادئ مركزية وممارسات تاريخية شكلت ولا زالت ارثا حضاريا يمكن توظيفها لصالح بناء صيغة او صيغ ديمقراطية سياسية واجتماعية، الا ان المسألة الجوهرية في ازمة الديمقراطية الاسلامية هي عدم الاتفاق حتى في اطار المدرسة الواحدة على تفسيرات محددة للافكار والمبادئ الاسلامية بحيث تزيل عنها الشوائب التاريخية وتحولها الى جملة مفاهيم ومبادئ وقواعد عصرية مترابطة في اطار نظام فكري متكامل لصياغة الخطاب الاسلامي للديمقراطية، بما في ذلك الاتفاق على الشروط الاساسية للديمقراطية السياسية والاجتماعية المارة الذكر وهي: حقوق الانسان السياسية والاجتماعية، التعددية السياسية والاجتماعية، والتداول السلمي للسلطة.
واخيرا، فرغم سهولة الوقوف عند افكار ومبادئ عديدة في الادبيات الاسلامية (الحرية، العدالة، المساواة، الشورى، السلام، الخ..) الا انه بالاضافة الى الحاجة للاتفاق على تفسيرات حضارية لهذه المبادئ، كذلك هناك اتفاق على ان الشرط اللازم للاسلام الديمقراطي هو المرونة flexibility في سياق تحريم العنف. كما ان ما افتقدته الحركة التاريخية الاسلامية هو تبن منظم ومتواصل لقواعد اخلاقية وقانونية ومؤسسية ديمقراطية اسلامية، وذلك نتيجة عدم تأطيرها او تقنينها واستخداماتها الجزئية والمتقطعة تاريخيا.(57) يضاف الى ذلك حاجة المشروع الاسلامي الديمقراطي الى ترسيخ مفهوم النسبية في التعامل مع امور الحياة الدنيوية المتغيرة، والقناعة بأن "الله" ادرك هذه البديهة البسيطة. من هنا كانت فكرة الآخرة- عالم المطلقات الموعود واللامحدود.. ومن هنا ايضا كان امتناع "الله" التعامل مع مملكة البشر في دنياهم لئلا يواجه مسؤوليات المثالب والنواقص والعيوب وكل المشكلات التي ترافق افكار واعمال المجتمع البشري.. واذا كان الله نفسه قد فصل بين النسبي (للبشر) والمطلق (لنفسه) فلماذا اصرار المفكرين الاسلاميين الخلط بينهما؟!

4 – الانتخابات
في السطور التالية محاولة لمناقشة ثلاثة موضوعات هي: ماهية الانتخابات، انظمة الاقتراع، والدوائر الانتخابية، وذلك بالعلاقة مع مفاهيمها وكيفية تنظيمها والعلاقات المتداخلة بينها.


(1) ماهية الانتخابات
تشكل العملية الانتخابيةelectoral process وسيلة لصنع الخيارات السياسية من خلال التصويت، وتوفر ممارسة واقعية لاختيار القادة وتقرير قضايا وطنية مطروحة. وفي ظروف عدم امكانية اعضاء المجتمع حكم انفسهم مباشرة عندئذ تصبح الانتخابات ممارسة عملية تهيئ الفرصة لتشكيل حكومة ديمقراطية موثوقة لتمثيلهم. وفي هذه الحالة لا تقتصر الانتخابات فقط على اختيار قادة مقبولين من وجهة نظر المقترعين فحسب، بل كذلك وضعهم تحت طائلة المسؤولية accountability. كما ان اخضاع القادة لسلطة القانون بامتثالهم لدورية الانتخابات تساهم في حل مشكلة التعاقب على السلطة بصورة سلمية. ويعتبر وجود البدائل alternatives او التعددية- كما سبقت الاشارة- شرطا ضروريا ولازما لتطبيق انتخابات حقيقية وفعالة في ظل المنافسة السياسية. وفي غير ذلك تكون الانتخابات المطبقة ما هي الا مبادرات سلطوية للتظاهر بولاء الناس لقادة مسلطين عليهم. اذ ان غياب البدائل يفقد الانتخابات اهليتها disqualify ومصداقيتها.

وتقدم الانتخابات فرصة للاحزاب السياسية اختبار انجازاتها وبرامجها امام المواطنين في سياق المنافسة السلمية للفوز بثقتهم وحمل امانة السلطة والحكم باسمهم. كما انها توفر منتديات لمناقشة الامور العامةpublic issues والتعبير عن الرأي العام وتبادل التأثير بين الحكام والمحكومين. كذلك فهي تعزز شرعية الحكام المنتخبين، وتولد مزيدا من التلاحم بين اعضاء المجتمع السياسي، وتعبئ المقترعين نحو عمل مشترك تجاه الحكومة وتودع السلطة والشرعية لامانة اولئك الذين اكتسبوا ثقة الناخبين وفازوا بالسلطة باسم الشعب. علاوة على ان الانتخابات تجسّد قيمة ومنزلة worthy and dignity الفرد كمواطن وانسان. اذ مهما كانت قيم الاشياء الاخرى التي يمتلكها تبقى المساهمة في الانتخابات تعبيرا عن ارضاء satisfy وجدانه وشعوره بالتقدير esteem واحترام ذاته self - respect، لأنها تمنحه قول كلمته باعتباره عضوا له اهميته في المجتمع سواء بمناصرته partisanship او رفضه هذا المرشح (الحزب) او ذاك. وحتى في حالة امتناعه عن التصويت abstain فهي تمنحه شعور المواطنة في التعبير عن موقف ولو في صورة سلبية من الاحتجاج. كذلك تعبر الانتخابات عن مناسبات وطنية تماثل الاعياد الوطنية national days عندما يحتفل commemorating الشعب كله تعبيرا عن مشاعر وطنية ولاستخلاص العبر والدروس المشتركة.(58) وحتى تجسّد الانتخابات آلية ديمقراطية، فهي تتطلب توفر الشروط السبعة التالية:(59)
الاول: حق الاقتراع voting right - ان يكون متاحا لكافة المواطنين على اساس صوت واحد لكل من بلغ سن الرشد في ظل مبدأ المساواة العامة بعيدا عن كافة اشكال التميز.
الثاني: ممارسة الاقتراع voting practice- ضرورة توفر حرية حقيقية للمقترع لابداء رأيه ووضع صوته الانتخابي في صندوق الاقتراع على اساس السرية التامة، وفي غياب الضغوط والرشاوى والترهيب وسوء العاقبة.
الثالث: جدول زمني للانتخاباتelection timetable - ويتطلب اجراء الانتخابات وفق قواعد قانونية ودستورية بتحديد فترة تحضيرية ملائمة وتوحيد التوقيت الزمني من حيث بدء افتتاح صناديق الاقتراع واغلاقها بالنسبة لكافة الدوائر الانتخابية في البلاد.
الرابع: قواعد الترشيحcandidature rules - تعني هذه القواعد اتاحة حرية الترشيح لكافة المواطنين بصورة فردية او من خلال الاحزاب السياسية وان تكون مفتوحة.
الخامس: المنافسة الانتخابية campaign- توفير حرية المنافسة من حيث التعددية والفترة التحضيرية، وتمكين كافة المرشحين من التغطية الاعلامية والجماهيرية، ومكافحة قانونية وفعلية لكافة اشكال الفساد والرشاوى bribery ووضع حد اعلى للمصاريف الانتخابية.
السادس: الاشراف على الانتخاباتsupervising of elections - وهذا يدعو الى ايجاد هيئة نزيهة غير متحيزة impartial، مستقلة اداريا وماليا، ولها سلطة الاشراف على الانتخابات وعد الاصوات واتخاذ الاجراءات الفورية بما يصون سلامة العملية الانتخابية .
السابع: نقل السلطةpower transfer - ان تلتزم كافة الاحزاب والنخب السياسية والمرشحين القبول بنتائج الانتخابات والتخلي عن السلطة للحزب او المجموعة الفائزة في حدود الفترة الزمنية المرسومة في القانون.

بالاضافة الى الانتخابات العامة لاختيار ممثلي السلطتين التشريعية والتنفيذية باعتبارها آلية دورية منتظمة للرجوع الى الناخبين، تتواجد كذلك اشكال اخرى للرجوع الى الناخبين في حالات خاصة محدودة وغير منتظمة مثل الاستدعاء recall والاستفتاء العام الشعبي referendum والاستفتاء العام الحكومي plebiscite. تعتبر آلية الاستدعاء طريقة انتخابية استخدمت تاريخيا لربط النائب بمصالح جمهوره من خلال ايداع رسالة استقالته (غير مؤرخة) اثناء ترشيحه. وتتم دعوته من قبل ممثلي ناخبيه بعد انتخابه عند اقتناعهم بعدم وفائه بوعوده. اما الاستفتاء الشعبي فيأتي بعد الانتخابات العامة من حيث الاهمية. وهدفه اخذ رأي الناخبين في مسألة وطنية مركزية غالبا ما لم تكن مطروحة اثناء الانتخابات الحكومية. وقد تكون حصيلة الاستفتاء ملزمة دستوريا ام مجرد رأي شعبي استشاري. ولكن حتى في الحالة الاخيرة فالاغلب الاعم ان تأخذ الحكومة بها، كما حصل في الاستفتاءات التي جرت في السويد والنرويج وفنلندة خلال الفترة 1996-1997 بشأن الانضمام الى الاتحاد الاوربي. بينما استخدم الاستفتاء الحكومي-تاريخيا- لاخذ رأي الناخبين بشأن حل مشكلات حدودية. كما انه يطبق حاليا بمبادرة الحكومة السلطوية (غير المنتخبة) لاخذ رأي المواطنين فيها كطريقة للادعاء بكسب شرعيتها.

( 2 ) انظمة الاقتراع
يوفر نظام الاقتراع voting system قاعدة لعد الاصوات واقرار حصيلة الانتخابات، اي معرفة قرار الاغلبية. ذلك ان عملية عد الاصوات وتثبيت نتائجها تتطلب وجود قاعدة حسابية قانونية متفق عليها وتمارس بصفة شرعية. وتصنف قواعد صنع قرارات التصويت في مجموعتين رئيستين:(60)
الاولى: قاعدة الاغلبية البسيطة Simple Majority Rule، وتقوم على اساس منح تمثيل واحد لكل دائرة انتخابية في الجمعية الوطنية (البرلمان). وتعامل الوحدات الادارية القائمة في البلاد باعتبارها دوائر انتخابية. وتضم هذه المجموعة كل من قاعدة الاغلبية العددية البسيطة Simple Plurality Rule وقاعدة الاغلبية النسبية البسيطة Simple Majority Rule. ويتحقق الفوز بموجب القاعدة الاولى عند حصول المرشح على اكبر عدد من الاصوات مقارنة بأي مرشح آخر في دائرته الانتخابية. بينما يتطلب الفوز وفق القاعدة النسبية حصوله على اكثرمن50% من اصوات دائرته الانتخابية.

تمتاز هذه الطريقة بسهولة تطبيقها وانخفاض تكاليفها نسبيا. ولأنها- وبالذات القاعدة النسبية- توفر اكبر قدر من الاستقرار، لذلك فهي الا كثر تطبيقا في عالم الانتخابات المعاصرة. ولكن يعاب عليها كونها تكافئ الاحزاب الكبيرة على حساب الاحزاب الصغيرة. وهذه مشكلة ديمقراطية، خاصة عندما تمثل هذه الاحزاب مجموعات اجتماعية من اقليات اثنية، دينية، قومية، الخ.. ومع ذلك يمكن مواجهة هذا النقد باتخاذ ترتيبات معينة لتمثيل هذه الاقليات في البرلمان.
الثانية: قاعدة التمثيل المتناسبProportional Representative Rule ، وتعتمد في جوهرها على منح كل دائرة انتخابية عددا من المقاعد البرلمانية تتناسب وحجمها (السكاني). وتمتاز هذه القاعدة بتوفير فرصة تمثيل كافة الاحزاب بما فيها الصغيرة. لكنها تتطلب اعادة رسم الدوائر الانتخابية بحيث تتجاوز التقسيمات الادارية القائمة. وهذا يدعو الى ايجاد معايير مناسبة تكون اساسا لتحديد حجم الدائرة الانتخابية باعتبارها عاملا حاسما لضمان سلامة تطبيق هذه القاعدة. كما انها تتطلب تكاليف اضافية وتطبيق طرق احصائية متقدمة. وتتضمن صيغا عديدة لا بد من دراستها بعناية لاختيار القاعدة الملائمة بالعلاقة مع مرحلة التطور السياسي والثقافي في البلاد.

ربما شكلت طريقة القائمة الحزبية واحدة من اكثر قواعد التصويت احتمالا في تحقيق تمثيل حقيقي من بين طرق التمثيل النيابي المتناسب. وتقوم الخطوة الاولى على تقديم قائمة ترشيح من قبل كل حزب من الاحزاب المشاركة في الانتخابات (مرتبة حسب اولوية المرشحين) حيث توزع المقاعد البرلمانية على نحو متناسب مع الاصوات الانتخابية التي يفوز بها كل حزب.

تمتاز هذه الطريقة بتجاوزها للانتخابات الفرعيةby-election عندما يتقاعد عضو البرلمان او يرحل بسبب الاستقالة او الموت. اذ ان المرشح التالي في قائمة الحزب يحل محله بصورة روتينية لملئ الفراغ البرلماني. الا ان هذه الطريقة لا تخلو من نواقص. فهي تقود الى استبعاد تلك النسبة التي لا تكفي لتسمية فوز مرشح واحد. وهذه تحدث مع كافة القوائم، الا انها اكثر تأثيرا على الاحزاب الصغيرة عندما لا تكفي نسبتها الحصول على مقعد برلماني. وقد يتم تجاوز هذه النقص من خلال تشكيل الائتلافات. ومع ذلك تبقى مشكلة الاجابة على كيفية التعامل مع المرشحين المستقلين والجماهير غير الحزبية؟

والخلاصة، فان اختيار انظمة الاغلبية البسيطة او التمثيل المتناسب ليست ببساطة قضية نظرية بحتة، ذلك ان طرق التصويت المختلفة تقود الى نتائج ليست متماثلة. عليه فهي تتطلب التأكيد مرة اخرى على اهمية العناية بدراستها واختيار القاعدة الملائمة التي تتماشى والبيئة الحضارية للبلاد.

(3)الدوائر الانتخابية
تتحدد الدوائر الانتخابيةconstituencies في تقسيمات جزئية لجمهور الناخبين بحيث تكون لكل دائرة انتخابية ممثلا نيابيا او اكثر في البرلمان. ولا ينفصم رسم الدوائر الانتخابية عن طبيعة التمثيل وطرق التصويت. وتحتل مهمة التمثيل النيابي الاولوية، وتتطلب تحديد ماهية التمثيل ومن يتم تمثيله. وفي مثل هذه العلاقات المتداخلة تصبح وظائف الدوائر الانتخابية ومهمة تحديدها من الامور الحيوية.

وتتلخص المشكلة المركزية في ان المنطقة الانتخابية كمنطقة ادارية قد تضم اشكالا متباينة، بل ومتنافرة من مجموعات المصالح الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها الاثنية والدينية، التي تحاول كل منها الحصول على تمثيل لها في الهيئة التشريعية. ولقد وجدت هذه المشكلة معالجتها تاريخيا عندما كانت مصالح الناخبين غير متنافرة وكانت الاختلافات الاثنية وغيرها بعيدة عن التناقضات الحادةpassionate conflicts ، كما في الدول الانجلو- امريكية، حيث تم اللجوء في هذه الحالة الى التقسيمات الادارية ذاتها واعتبرت دوائر انتخابية وطبقت طريقة التصويت وفق الاغلبية البسيطة.

الا ان الوحدة الادارية قد تضم فئات لغوية متعددة ليس بينها من يأمل الحصول على الاغلبية، او ان كلا من هذه الفئات قد تكون كبيرة الى درجة تؤهلها الحصول على ممثل نيابي في البرلمان. عندئذ يفضل اعتبار المنطقة الجغرافية وحدة ادارية لفرز الاصوات بعد تقسيمها الى عدة دوائر انتخابية تضم كلا منها مجموعة متجانسة من المقترعين. اما تنفيذ الانتخابات في هذه الحالة فيكون بتطبيق احدى قواعد التمثيل المتناسب، بحيث تمنح الوحدة الادارية التي تضم عددا من الدوائر الانتخابية حق التمثيل بنفس العدد من المقاعد البرلمانية مقارنة بوزنها السكاني. ومع ان انظمة التمثيل المتناسب تتجاوز المناطق الادارية الى رسم دوائر انتخابية تأخذ في اعتبارها تعددية الفئات اللغوية و/ او المصالح المتنافرة، الا انها من المحتمل ان تقود الى عدم استقرار الحكومة وخلق عبء جامح ثقيل inordinate من التناقضات في جسم الاجهزة الحكومية مؤدية الى سرعة سقوط الحكومة (الوزارة) او جمود الحالة السياسيةimmobile كما حصلت في ايطاليا مثلا بعد فترة الحرب العالمية الثانية.

من جهة اخرى، ورغم ان التمثيل على اساس التقسيمات الادارية ووفق قاعدة الاغلبية البسيطة يمكن ان يقود الى بناء حكومة قوية مستقرة، الا انه قد يخفي التباينات في تركيبة الوحدات الادارية، وربما تتسبب في شعور الاقليات حرمانها من التمثيل النيابي. كما انه مسألة مقلقة precarious للمرشح الفائز نفسه فيما اذا كان يمثل اغلبية حقيقية في هذه الحالة طالما انه قد يكون حصيلة ائتلاف قلق loose coalition في غياب قدرة ممثل واحد تمثيل المصالح المتباينة في دائرته الانتخابية. من هنا قد يكون الممثل النيابي عموما بعيدا عن القدرة على الاستجابة response لكافة هذه المصالح. وما هو اكثر احتمالا ان يمارس النائب دور السمسارbroker في هذه الحالة بدلا من ان يكون الناطقspokesman الفعلي باسم دائرته الانتخابية.

وايا كان دور الممثل النيابي، وكيفما ُفهمت الدوائر الانتخابية- وحدات ادارية ذو مصالح مستقرة ومتوافقة نسبيا او مناطق ادارية لفرز الاصوات- تبقى مهمة تحديد الدوائر والمناطق الانتخابية مسألة محورية، وتتطلب الابتعاد عن الاساليب الاعتباطية arbitrary، وذلك تحاشيا لظهور مشكلة سوء التحصيص بين الدوائر الانتخابية، لكونها ظاهرة غير ديمقراطية تقود الى تجاوز الحصص التمثيليةoverrepresentation او الحد منها underrepresentation بالعلاقة مع الدوائر الانتخابية. وهنا من المفيد مناقشة ثلاثة اشكال من سوء التحصيص:(61)
الاول: سوء التحصيص الدستوري- ويتحقق دستوريا عند اعتبار التقسيمات الادارية المختلفة في مساحاتها وسكانها دوائر انتخابية متماثلة لكل منها ممثل نيابي واحد في البرلمان.
الثاني: سوء التحصيص الاجتماعي- ويتحقق نتيجة التطور الاقتصادي/ الاجتماعي خلال فترة زمنية وبما يؤدي الى اعادة التوزيعات السكانية بين الدوائر الانتخابية المختلفة، بحيث تصبح حجومها غير متناسبة مع حصصها التمثيلية في البرلمان. ففي الولايات المتحدة مثلا بقيت حصة ولاية نيويورك (20 مليون نسمة) من التمثيل في الكونغرس مساو لحصة ولاية نيفادا (مليون نسمة).
الثالث: سوء تحصيص جيري- وتتضمن هذه الطريقة اعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بطريقة تحكمية بمنح افضلية للمجموعات السياسية المؤيدة وتقليل فرص فوز المجموعات المعارضة من خلال اعادة تجميع الاصوات المؤيدة وتشتيت الاصوات المعارضة. سميت هذه الطريقة باسم محافظ ولاية ماسوشتس الامريكية Elbridge Gerry (1714-1814) الذي ادرك امكانية التأثير في النتائج الانتخابية من خلال اعادة رسم الدوائر الانتخابية.
د. عبدالوهاب حميد رشيـد، الديمقراطية والتحول الــديمقـراطي (( مناقشة فكرية وأمثلة لتجارب دولية ))،
First Edition- Stockholm, Sweden 2005. ‏ISBN-91-630-9332-4





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,467,979,189
- قراءات.. الديمقراطية والتحول الديمقراطي
- قراءات في كتاب:*
- ليبيا: حرب الجميع ضد الجميع!؟
- أنت مقبوض عليك Youre nder Arrest
- تقرير جديد يكشف ارتفاع مستوى الفقر بين أطفال الولايات المتحد ...
- أسئلة المدقق/ المراقب العام في العراق SIGIR بشأن تكاليف بمبل ...
- اليمن بحاجة إلى الكفاح من أجل الخبز لا القنابل
- فضائح الفساد تهدد بزعزعة كردستان العراق
- نثريات بمناسبة انعقاد مؤتمر القمّة العتيد!!
- المرأة العراقية.. التكيف وسط الرعب
- الأفغان يواجهون سوء التغذية الحاد في سياق انعدام الأمن الغذا ...
- العراق.. بين الأكاذيب في البداية والأكاذيب في النهاية
- سجين سابق.. زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين PFLP.. الإضراب ...
- الياخونت الروسي كسرت حصار الأطلسي
- مأزق المرأة (التجربة العراقية) *
- عين العسكر الحاكم في مصر على البرادعي لتشكيل حكومة إنقاذ وطن ...
- لماذا لا يوجد مَنْ يحمي الأطفال العرائس في المملكة العربية ا ...
- كوالا لامبور.. محاكمة بوش (و) بلير..
- الحرب في العراق لم تنته.. بغض النظر عن ما يقوله اوباما!!
- غزو/ احتلال الناتو لليبيا توقف عند العاصمة وعدد من المدن الس ...


المزيد.....




- CNN تلتقي جدة عضوة الكونغرس رشيدة طليب قبل إعلان إلغاء زيارت ...
- وزير خارجية إيران يتمنى الشفاء لأمير الكويت
- مسيرة في زيورخ تدعم حماية الحيوانات لأجل مواجهة تغير المناخ ...
- الوثيقة الدستورية في السودان: أسس الانتقال إلى الحكم المدني ...
- السودان: قوى الحرية والتغيير تعلن أسماء المدنيين الخمسة في ا ...
- شاهد: ملابس "ذكية" تحافظ على بطاريات الأجهزة القاب ...
- فيديو: مصريون يسعون لتشكيل أول منتخب كروي للأقزام
- مسيرة في زيورخ تدعم حماية الحيوانات لأجل مواجهة تغير المناخ ...
- لقاء مرتقب في السعودية هذا الاسبوع لمناقشة تطورات الاوضاع بع ...
- المنطقة الآمنة.. أي سيناريوهات أمام تركيا لمواجهة -مماطلة- أ ...


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- اللاشعور بحث في خفايا النفس الإنسانية / جان كلود فيلو - ترجمة علي أسعد وطفة
- رأسمالية المدرسة في عالم متغير :الوظيفة الاستلابية للعنف الر ... / علي أسعد وطفة
- الجمود والتجديد في العقلية العربية : مكاشفات نقدية / د. علي أسعد وطفة
- علم الاجتماع المدرسي : بنيوية الظاهرة الاجتماعية ووظيفتها ال ... / علي أسعد وطفة
- فلسفة الحب والجنس / بيير بورني - ترجمة علي أسعد وطفة
- من صدمة المستقبل إلى الموجة الثالثة : التربية في المجتمع ما ... / علي أسعد وطفة
- : محددات السلوك النيابي الانتخابي ودينامياته في دولة الكويت ... / علي أسعد وطفة
- التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي / علي أسعد وطفة وعبد الرحمن الأحمد
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالوهاب حميد رشيد - قراءات في كتاب.. الديمقراطية والتحول الديمقراطي.. المبحث الثاني