أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الله بربزي - تقرير السعادة العالمي لأسعد الشعوب وأتعسها: ملاحظات نقدية






















المزيد.....

تقرير السعادة العالمي لأسعد الشعوب وأتعسها: ملاحظات نقدية



عبد الله بربزي
الحوار المتمدن-العدد: 3837 - 2012 / 9 / 1 - 20:39
المحور: حقوق الانسان
    




لا نروم في هذا المقال الى الحديث عن السعادة بمعناها الفلسفي كغاية الغايات ولا نهدف الى البحث عن مصادر السعادة
البدنية والعقلية والروحية والنفسية ، لأنها تجربة ذاتية يعيشها كل فرد أو ينشدها، لهذا لا يمكن أن نعطي تعريفا جامعا مانعا للسعادة، لكن يمكن الاحساس بها بحيث أن بعض الناس يصفون السعادة بأنها الاحساس الذى تشعر به عندما تدرك أن كل شيء صحيح و أنه كما يجب أن يكون، وآخرون يعرفون السعادة بأنها الاحساس الذى تشعر به عندما تحقق أهدافك والبعض الآخر يصفونها بالحصول على السلام الداخلي و الرضا عن الذات ، وهذه الأحاسيس أو الرغبات تبقى لحظية ونسبية.
ومن هذا المنطلق سنبدي بعض الملاحظات حول التقرير أعلاه لعلها تفتح أفقا للنقاش الموضوعي والهادئ حول الموضوع الذي أثار ردود فعل الباحثين والصحافيين.
شمل التقرير الذي يعد الأول من نوعه ، الصادر عن الأمم المتحدة تحت عنوان « تقرير السعادة العالمي »، 156 دولة ، وقد أعده « معهد الأرض » التابع لجامعة كولومبيا الأمريكية ، و أجري ما بين 2005 و 2011 ، حيث احتلت الدول الاسكندينافية المراكز الأولي في قائمة الشعوب الأكثر سعادة في العالم ؛ إذ احتلت الدنمارك المركز الأول ثم فنلندا، فالنرويج، ثم هولندا، وجاءت كندا خامسة، واحتلت المراكز من السادس حتى العاشرعلى التوالي كل من سويسرا، السويد، نيوزيلندا، أستراليا وإيرلندا . أما الولايات المتحدة فجاءت في المركز 11 واحتلت البرازيل المركز 12

ومن الاسباب التي جعلت الشعب الدنماركي – حسب التقرير- يحتل المرتبة الاولى هي أن اكثر من 90 من الشعب الدنماركي ينتمي الى نادي ثقافي أو رياضي أو اجتماعي أو سياسي و أن اغلب الدانماركيين ليس لديهم فراغ في حياتهم، فالجميع تقريبا يقوم بعمل شيء مفيد للمجتمع و الفرد بعد القيام بوظيفته أو عمله و اكدت الدراسة ان انتماء الفرد الى مجموعة تشاركه نفس الميول و التطلعات هي عامل اساسي لعدم وجود الامراض النفسية و الاكتئاب.

ودخلت أربع دول عربية فقط، هي الإمارات والسعودية والكويت وقطر، ضمن قائمة الشعوب الأكثر سعادة في العالم، فيما غابت بقية الدول العربية تماما ، فالإمارات في المرتبة الـ 17، متفوقة على بريطانيا التي احتلت المركز18 ،ثم السعودية في المركز الـ 26، ثم الكويت في المرتبة 29 الـ ثم قطر في المركز الـ 31 ، فيما احتل المغرب المرتبة 115 ، وقد أظهر التقرير ان الدول الافريقية جنوب الصحراء هي الأقل سعادة مثل بنين، وجمهورية افريقيا الوسطي وسيراليون والطوغو...
ومن أهم المعايير التي استند عليها التقرير تقويم أجواء الحرية السياسية والأمن الاجتماعي وقلة الفساد بالدول التي شملها المسح باعتبارها أهم من مستوي الدخل في تحديد سعادة الشعوب أو تعاستها بالإضافة إلى مؤشرات لقياس تقييم مستوى العيش، مثل الصحة والأمن الأسري والوظيفي، واتساع هامش الحريات السياسية وتفشي الفساد داخل المؤسسات الحكومية...
وبما اننا ننتمي الى هذا البلد السعيد عفوا التعيس "المغرب" فمن المؤكد ان التقرير سيصدم مروجي مقولة "أجمل بلد في العالم" و"أطيب الناس" ، و"بلد الأمن و"الاستثناء المغربي" االمغرب حباه الله بطبيعة خلابة وشمس ساطعة على مر السنة وبحار ممتدة" وبلد أكبر كسكس وأكبر طاجين وأكبر أومليط..... لكن دون أن ننسى أننا ولله الحمد نحتل المرتبة 130 في التنمية البشرية و صنف تقرير البنك الدولي للتعليم الذي نشر تحت عنوان "مسار لم يكتمل: إصلاح التعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" المغرب في مرتبة متدنية حيث صنف في الترتيب 11بين 14 دولة شملها التقرير.
كما ورد في تقرير اليونسكو حول التعليم ، أن المغرب احتل الرتبة 106 من اصل 128 دولة شملها التقرير ، كما صنف ضمن اكثر البلدان العربية تخلفا كموريتانيا واليمن وجيبوتي والعراق، وحسب علمي لا توجد حرب أهلية بيننا، ولسنا افقر هذه الدول ( لدينا الثروة الفلاحية والمعادن والأسماك التنوع الطبيعي من جبال وصحاري وبحار، ونملك ثروة شبابية هائلة معطلة تحتاج الى تأهيل وتكوين وتقدير وتشجيع، ولدينا خبراء في جميع مجالات ومفكرين متميزين عالميا ...اجد صعوبة في فهم قواعد اللعب المتبعة في تسيير هذا البلد السعيد التعيس مادام التناقض هو صفته.
ورغم كل هذا فبعض المغاربة (دون تعميم) يميلون إلى التظاهر بالسعادة والشاهد على ذلك ان المواطن الذي يربح 1000 درهم في الشهر، وله 6 أبناء او أكثر ويشترك في مرحاض مع الجيران، ونصف أبنائه حفاة عراة ، هذا المواطن كثيرا ما يتظاهر بالسعادة ويحمد الله بتنهد يكشف عمق تعاسته وعدم رضاه ، ويمكنه أن يمطر بالشتائم كل من يتحدث أمامه بسوء عن المغرب.
والطفل الذي يقطع عشرات الكيلومترات للذهاب إلى المدرسة والطفلة التي تمشي 15 كيلومترا للبحث عن الماء، هذا الطفل مجبر على أن يتظاهر بالإحساس بالسعادة،

و من المفارقات العجيبة أن المغرب واحد من أدفئ بلدان العالم، والتجارب العلمية تقول إن التعرض لأشعة الشمس لمدة خمس دقائق كاف لكي يمنح هرمون السعادة والإحساس ببعض الابتهاج، لكن يبدو أن المغاربة تعرضوا لأشعة الشمس حتى احترقت سعادتهم، فأشعة الشمس لا تنفع مع الجيوب الباردة.
كما أن أكثر بلدان العالم تعاسة، حسب التقرير الأممي، هي البلدان الأفريقية وفيها فائض من الشمس والبحر والطبيعة، وسكانها لا يتوقفون عن الرقص وترديد الأهازيج وكأنهم في عرس دائم، بينما أكثر البلدان التي يشعر سكانها بالسعادة لا تكاد تشرق فيها الشمس، مثل البلدان الإسكندنافية، وسكانها يحطمون أرقاما قياسية في نسبة الانتحار، ومع ذلك هم سعداء. ويبدو أن السعادة ليست هي أن تتوفر على الشمس والبحر بينما جيوبك شاغرة ( تتصفر)، بل السعادة هي أن تكون جيوبك ممتلئة وترحل إلى أي مكان بحثا عن فضاءات جديدة. حقا صدق العالم السيوسيولوجي بول باسكون الذي نعت المغرب بأنه " مجتمع مركب" ليس فقط لأنه يجمع بين التلقيد والعصرنة ، بل لأنه بلد المتناقضات والمفارقات

إننا نلاحظ أن المعايير التي استند إليها التقرير “غير موضوعية، لأن الأسئلة التي يجيب عليها استطلاع الرأي بشأن السعادة لا يمكن أن تتعلق فقط بالجانب المادي، بل ترتبط ايضا بالعلاقات الاجتماعية و انماط العيش اللذان قد يضعان المغرب في مراتب متقدمة من السعادة، فيتجاوز بالتالي دولا تعيش مشاكل هيكلية وعدم الاستقرار الأمني من قبيل العراق الذي تقدم على المغرب في السعادة
، كما أن المغرب من اكثر البلدان العربية انفتاحا على مستوى الحرية السياسية بينما تعد السعودية عالميا من الدول الأكثر تضييقا لمجال الحريات، وهو ما يزكي عدم موضوعية المعايير التي اعتمدها هذا التصنيف.
ومن جهة أخرى ، كيف نفسر ارتفاع ظاهرة الانتحار في صفوف البلدان الاسكندافية بعد اليابان ، اليست هذه الدول الاغنى عالميا في جميع المجالات الامنية والدخل الفردي والصحة والتعليم والبيئة ؟.
يمكن القول اجمالا أن واضعي التقرير استندوا فقط على معايير ذات طابع مادي استهلاكي واجتماعي وكذلك غريزي، وقد يكون وراء مثل هذه التقارير اصحاب الشركات والمنتوجات الاستهلاكية التي تخاطب عواطف الجماهير وغرائزهم سعيا الى الربح بأية وسيلة دون مراعاة القيم الاخلاقية والإنسانية وهذا ما يجعل كثيرا من الناس يحبون المظاهر والكذب والنفاق و التظاهر بالتفوق والتميز الاجتماعي والطبقي والذوقي...
من هذا المنطلق يجب اعادة النظر في قيمنا الاجتماعية وعاداتنا اليومية وأقوالنا وأفعالنا وطرق التواصل بيننا داخل الاسرة والمدرسة وفي وسائل الإعلام وفي المجال العمومي والاهتمام بإنسانية الانسان باحترام كرامته وتجنب تشييئه واستعباده.
إننا لا ننكر في هذا الصدد وجود محاولات جادة وصادقة لتخليق الحياة العامة ورد الاعتبار للإنسان المغربي، فقط يجب الايمان بأن تغيير القيم الاخلاقية يحتاج إلى وقت وإرادة فردية واجتماعية وسياسية دائمة مع الابتعاد الكلي عن الخطابات الظرفية والمناسباتية ، لأن الأهم هو الاستمرارية وتحدي كل اشكال المقاومة والممانعة، ذلك أن الغاية هي تكوين وتنشئة الانسان الجديد وفق قيم جديدة تبدأ بهدم متدرج لقيم قديمة ومعتادة، لهذا نتمنى أن يبدأ التغيير الاخلاقي والقيمي بالزعماء السياسيين والقادة والشيوخ والمثقفين والرياضيين والعلماء لأنهم قدوة الجماهير، ونقصد بالقيم الجديدة تقدير الانسان دون استحضار لونه أو شكله أو لغته أو طبقته أو نسبه أو جنسه، وتثمين الجهود وتشجيع المبادرات الإيجابية مع تجنب خطاب التيئيس والإحباط و تعليم التفكير الايجابي وتقدير الذات وتعليم فنون التواصل للمدرسين والأطباء والمحامين والفقهاء والسياسيين والآباء والأمهات والشباب....وحتما سنكون أسعد الناس لأن " الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,724,793,266
- اليات الخطاب السوسيولوجي عن بيير بورديو بين التنظير والممارس ...


المزيد.....




- باكستان: اعتقال 91 شخصاً ينتمون إلى جماعات محظورة
- وزير حقوق الانسان يؤكد ضرورة التعجيل بإنشاء المرصد الوطني ل ...
- زوجة جورج كلوني تتولى تمثيل أرمينيا في المحكمة الأوروبية لحق ...
- المطلك من ديالى : المهمة الأساسية الموازية لقتال داعش إعادة ...
- 2014 عام التسريبات المهمة.. وثائق «سنودن» تكشف التجسس الأمري ...
- كردستان العراق..ذلك الملاذ الآمن للاجئين
- اعتقالات في الضفة الغربية والمستوطنون بـ-صلاحيات مطلقة- للجي ...
- الحلة:مؤتمر عن اوضاع النازحين
- السودان يأمر بمغاردة اثنين من موظفي الأمم المتحدة
- -المقابلة- يستقطب أميركيين مؤيدين لحرية التعبير


المزيد.....

- حقوق الإنسان بالمغرب البوليس يعتقل مدرسة من داخل حجرة الد ... / ذ محمد كوحلال
- اوجه الشبه والاختلاف بين بانتوستانات السود في جنوب افريقيا و ... / رواء حسين عطية
- الحق فى التربية والتعليم فى الدساتير الجديدة : المغرب ،تونس ... / فتيحة المصباحى
- كيف تناولت الماركسية قضية المرأة؟ / تاج السر عثمان
- النزعة الكونية : من الأديان إلى حقوق الإنسان / حاتم تنحيرت
- الحق في الصحة في دساتير العالم / إلهامي الميرغني
- بروفسور يشعياهو ليبوفيتش: الضمير الذي يؤنب اسرائيل / يوسف الغازي
- المرتزقة..وجيوش الظل / وليد الجنابي
- الشيعفوبيا / ياسر الحراق الحسني
- معارك حقوقية لا تنتهي؟ / عبد السلام أديب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الله بربزي - تقرير السعادة العالمي لأسعد الشعوب وأتعسها: ملاحظات نقدية