أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - زرافة دمشق رواية الثورة السورية















المزيد.....



زرافة دمشق رواية الثورة السورية


أفنان القاسم

الحوار المتمدن-العدد: 3803 - 2012 / 7 / 29 - 16:23
المحور: الادب والفن
    


الأعمال الكاملة
الأعمال الروائية (30)


د. أفنان القاسم


فرانك لانج، أبولين دوفيل
و
زرافة دمشق

FRANCK LANGE, APOLLINE DEVILLE
ET
LA GIRAFE DE DAMAS



الرواية الثالثة













































إلى مقاتلي الذهب





































القسم الأول

شهر يوليو في باريس بِئْسَ الشهر، مطر وبرد وكثير من السياح في الشوارع وعلى أرصفة المقاهي، والأنكى هو أن تكون مكلفًا بحماية إحدى الشخصيات الهامة التي من الأفضل لها أن تقضي الصيف على شواطئ الريفييرا. رفع فرانك لانج رأسه إلى سماء ساحة شاتليه الرمادية، لم يكن هناك أقل أمل في بزوغ الشمس. شد قبة معطفه المشمع حول عنقه، وتفحص بعينيه الساحة العريقة. كان السوريون يتواردون إلى المكان الذي اعتادوا فيه على التعبير عن غضبهم، وبسبب الجو كانت الكآبة تبدو على وجوههم. ليس فقط بسبب الجو، قال رجل التحري الخاص لنفسه. كانت المخاوف تساورهم بخصوص بلدهم، لأن لا شيء يمشي. كل التظاهرات، ولا شيء يمشي. كل التضحيات، ولا شيء يمشي. كل المجازر، ولا شيء يمشي. تفقد فرانك لانج المنصة التي أقيمت أمام مسرح شاتليه، منصة سيخطب من عليها سفير قطر، الشخصية الهامة التي يحميها، وتأكد من أن كل شيء على ما يرام: الحراس الخاصون، رجال الأمن، رجال المخابرات. ألقى نظرة نحو المسرح البلدي في الوجه المقابل، ورأى فوهات البنادق الراصدة لكل حركة. امتلأت الساحة بالسوريين وبغير السوريين ممن يؤيدهم، ولم تعد تبين في وسطها أسود النافورة القاذفة للماء من أفواهها. ردد بعض الشبان هتافات تندد بالجَوْر تارة، وبالرذيلة تارة، لكنهم، بسبب الكآبة العامة، ما لبثوا أن سقطوا في الصمت. صعدت شابة محجبة على المنصة، بيضاء الوجه، خضراء العينين، وبعد أن تبادل فرانك لانج النظرات والمسئولون عن النظام السوريون المنتشرون حول المنصة، تركها رجل التحري الخاص تلقي كلمتها.
- أولاً وقبل كل شيء، أريد أن أحيي من هذا المنبر العالمي أبطالنا الصامدين في وجه أعتى نظام في التاريخ، صاحت الفتاة المحجبة ذات الوجه الأبيض والعينين الخضراوين، وأن أترحم على شهدائنا البررة، ولا تحسبن الذين قتلوا أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون، صدق الله العظيم. ثانيًا، أريد أن أنوه بأهمية الموقف الفرنسي العادل من قضيتنا العادلة. ثالثًا وأخيرًا، أريد أن أشكر الأحرار في العالم أجمع، وأن أطمئنهم، كما أريد أن أطمئن شعبنا البطل، وذلك بالتوجه إلى كافة طوائفه ومذاهبه، وأن أقول له إننا سنقضي على رموز الفساد، وأولها رأس الفساد، وسيكون النصر حليفنا بإذن الله.
والشابة المحجبة البيضاء الوجه الخضراء العينين تقول جملتها الأخيرة، حدثت ضجة حول شاعر معروف، فالبعض لا يريده أن يأخذ الكلمة، والبعض لا يريده أن يبقى في الساحة، ومع ذلك تمكن من الصعود على المنصة، وذهب يشكك فيمن قام بالمجازر التي ارتكبها النظام (واجبه الأخلاقي وما واجبه الأخلاقي وكأن نظامًا كهذا يعرف الواجب الأخلاقي) تحت صيحات السُّخط، مما اضطر فرانك لانج إلى قطع الميكروفون، وإنزاله. تلقفه الساخطون، وطردوه شر طردة.
وصل موكب سفير قطر، فاستقبله رجل التحري الخاص، وهمس في أذنه أن كل شيء على ما يرام، وهو يصعد به سلم المنصة. كان هتاف الحاضرين عاليًا، لسوريا الحرة، ولقطر الشقيقة، ولفرنسا الصديقة. لم يعد للكآبة مكان على الوجوه، وكأن شمس دمشق تشرق في ساحة المسرحَيْن.
- يسعدني أن أكون بين أخوتي الأحرار، بدأ سفير قطر الكلام مع صمت الحضور وأولى ومضات البرق وتفجيرات الرعد، وفي هذه اللحظة التاريخية من لحظات سوريا، ومن قلب باريس، أقول لكم على مسمع العالم إن قطر لن يدخر وسعًا في سبيل تحرير الشعب السوري الحبيب من الطغيان، ونحن أميرًا وشعبًا وغازًا ونفطاً في خدمة الأهداف العليا التي قامت من أجل تحقيقها أعظم ثورة –وأطول ثورة هذا صحيح- في التاريخ، وأبشركم بالحرية، إن يوم الحرية لقريب، لقريب جدًا...
دوت الهتافات بشيء من الشيزوفرينية مع هطول الأمطار، ومن حيث لا يدري أحد، أطلق رجل على السفير القطري بضع طلقات متتالية، فأصابه في أنحاء عديدة من جسده قبل أن يسقط الحراس الخاصون على المعتدي ورجال الأمن والمخابرات، ويتم تحييده، بينما ظل فرانك لانج يرفع مسدسه، ويصوبه إلى الجاني، دون أن يطلق للسرعة التي وقع فيها هذا الحادث الطارئ، فهل الحادث طارئ بالفعل؟
تعاون الجميع، وفي المقدمة رجل التحري الخاص، على حمل سفير قطر إلى سيارته تحت أطنان الأمطار، وانطلق موكبه محفوفًا بسيارات رجال المخابرات والأمن إلى أقرب مستشفى.

* * *

إلى جانب كاتدرائية نوتردام، كان مستشفى فندق الرب، وفي قسم الاستعجالات، كان استقبال سفير قطر المخرق جسده بالرصاص. لكن ما أثار دهشة فرانك لانج وجود أبولين دوفيل هناك، وكأنها كانت بانتظارهم.
- هل هي محض صدفة، كابتن دوفيل، أم أن المعتدي يعرف رقم هاتفك المحمول؟ بادر رجل التحري الخاص إلى القول، وهو يخلع مشمعه، ويمسح ماء السماء عن شعره.
- لن أقول إن رجالي هم الذين أخبروني بما وقع، أجابت ضابطة المخابرات الخارجية، فالمسافة بين ساحة شاتليه ومستشفى فندق الرب يقطعها عصفور بدقيقتين، وأنا هنا منذ ساعة.
- وفوق هذا كنت تعرفين أننا سنأتي بسعادة السفير إلى هنا.
- إنه المستشفى الأقرب.
- طبعًا.
- كل شيء مرسوم بدقة.
- ولماذا تريدين قتل سفير قطر؟
- أنا أريد قتل سفير قطر!
- أنت، أنتم.
- حتى ولو كنت أنا، أنا يد منفذة، فقط.
- ماذا سيفيد قتله المنتفضين السوريين؟
- المنتفضون السوريون لا وإنما فرنسا.
- كل شيء واضح الآن.
- كنا نعرف في الدي جي إس إي أن هناك من سيرمي إلى قتله، فعملاء النظام يترصدونه.
- وتركتموهم يفعلون.
- هكذا سيبدل القطريون رأيهم، فيشترون الإيرباص لا البوينغ. إنها طريقتهم بخصوص أنبوب الغاز قطر-تركيا الذي رفضت الزرافة أن يعبر سوريا لأسباب قريبة من أسبابنا، أو، إذا شئت، من مصالحنا الإستراتيجية.
أطلق فرانك لانج ضحكة هازئة، ورشق قبل أن يذهب إلى داخل قسم الاستعجالات:
- يا رداءة الخراء، كل هذا يثير اشمئزازي!
- لانج، نادته الضابطة الشقراء للمخابرات الخارجية، فلم يلتفت.
خفت إلى اللحاق به، وجذبته من ذراعه:
- لانج، لم أقبل، يا دين الرب! لكنهم قرروا كل شيء بناء على تعليمات من الإليزيه. وعلى أية حال، مقتله على يد أحد عملاء النظام سيضرم لظى الهيجان، ويضطر قطر إلى المساهمة الفعلية في تحرير البلاد.
- تريدين القول إلى المساهمة الفعلية في الحرب الأهلية، رد فرانك لانج حانقًا. كلام كهذا جميل على الورق، فسوريا ليست ليبيا القذافي، سوريا ليست مصر مبارك، سوريا كإيطاليا موسوليني، الفاشية جعلت من السوريين غالبية صامتة إلى الأبد ربما.
جاء أحد الحراس الخاصين، وقال له إن سعادة السفير يريد رؤيته.
- هل يستطيع التكلم؟ سأل فرانك لانج مهتمًا.
- هذه إشارة حسنة، رمت أبولين دوفيل، وهي تسرع من ورائه.
- هل فكرتم في هذا، كابتن دوفيل؟
- فكرنا في هذا.
- إذا لم يمت، طارت طائراتكم الإيرباص في مهب الريح.
- هكذا لن تطير بالفعل، وسأكون سعيدة.
التفت رجل التحري الخاص إليها، وابتسم، فابتسمت له، وكادت ابتسامتها تفقده عقله.
- أنا مستعد للموت بدلاً منه في الحال من أجل هذه الابتسامة، همهم فرانك لانج.
- أحبني فيما بعد، أيها الفُطر، همهمت أبولين دوفيل، وهي تسير إلى جانبه. لأنني لا أريدك أن تموت الآن.
- لماذا؟ هل لديك خطة لقتل أمير قطر؟
- ليست لدي أية خطة غير خطة غزوك لقلبي.
- أبولين، هتف فرانك لانج، وهو يقف، ويشدها من كتفيها. صحيح ما تقولين؟
- ولماذا لا يكون الأمر صحيحًا، أيها الفُطر؟
- هل هذا يعني أنني سأحظى في الأخير بما أحلم به كل ليلة؟
- ومع ذلك لا أريدك أن تتعذب، لانج، ستتعذب، وستكرهني.
- أن أتعذب هذا أمري، أما أن أكرهك، فإنه لمن المستحيل.
- سنحكي في ذلك بعد أن نرى ما يريده سفير قطر منك.
- امنعيني من تقبيلك أرجوك، فلا المكان يسمح بذلك ولا الظرف.
دفعته من أمامها، وهي تمنع قهقهاتها، فالمناسبة لا تسمح بذلك أيضًا.
دخلا الحجرة التي يوجد فيها السفير القطري، فقال لهما الطبيب إنه على وشك الموت، لا وسيلة هناك لإنقاذه، وخرج مع ممرضتين توقفتا عن الاعتناء بالضحية بينما الأمطار يتواصل هطولها من خلف زجاج النافذة.
- ولماذا استدعاك إذن؟ همست أبولين دوفيل.
- ربما من أجل وصيته، همس فرانك لانج، وهو يلقي مشمعه على مقعد.
ابتسم كلاهما، والشقراء الساحرة تهمس:
- من الأفضل أن أبقى بعيدة لئلا أزعجه، فهو طلبك أنت، ولم يطلبني أنا على الرغم من معرفته لي.
وإذا بسفير قطر يهمهم:
- لم أكن أعرف أنك هنا، مدموزيل دوفيل.
- كيف لا أكون هنا، يا سعادة السفير؟ ابتهلت ضابطة المخابرات الخارجية. أنا آسفة من أجلك، يا سعادة السفير! لو كان بإمكاني أن أفعل شيئًا...
- موسيو لانج، همهم السفير القطري بصعوبة.
- أنا تحت أمرك، يا سعادة السفير.
- موسيو لانج، عاد السفير القطري يهمهم، وهو يمسكه بيده.
- ماذا، يا سعادة السفير؟
- مائة طن من الذهب...
- تقول مائة طن من الذهب، يا سعادة السفير؟
- موسيو لانج، أنا لا أهلوس، أنا في كامل قواي العقلية.
- مائة طن من الذهب، يا سعادة السفير.
- هذا السر لا يعرفه أحد غيري.
تبادل فرانك لانج وأبولين دوفيل نظرة من يباغته الأمر.
- خمسة مليارات دولار.
- خمسة مليارات دولار، يا سعادة السفير.
- أينها، يا سعادة السفير؟ سألت أبولين دوفيل باهتمام كبير.
- أراد أميرنا أن يبني لامرأته تاج محل من الذهب الخالص...
- أينها أطنان الذهب المائة، يا سعادة السفير، سأل فرانك لانج بنبرة مرتعشة.
- فكلفني بعقد صفقة مع الإسرائيليين.
- هل هي في إسرائيل، أطنان الذهب المائة؟ عاد فرانك لانج يسأل بنبرته المرتعشة.
أخذ سفير قطر يلهث، ويبصق الدم، والسماء تبرق، وترعد، فنقلته أبولين دوفيل بين ذراعيها الربانيتين مهدهدة لم تكن تدري أم مهدمة.
- مدموزيل دوفيل! مدموزيل دوفيل! ردد السفير القطري، وهو يكاد يغشى عليه.
وفرانك لانج يسأل بنبرته المرتعشة من جديد:
- أينها مائة الطن من الذهب، يا سعادة السفير؟
- للإسرائيليين معظم مناجم جنوب أفريقيا...
- ولكن أينها مائة...
- وذهب جنوب أفريقيا أغلى ذهب في العالم.
غاب عن الوعي، فراحت أبولين دوفيل تهزه، وتقول له:
- إياك أن تموت قبل أن تكشف عن سرك بأكمله، يا سعادة السفير.
- أينها أطنان الذهب المائة، يا سعادة السفير؟ طلب فرانك لانج بعنف، وقد ذهبت عن نبرته الرعشة. قل لنا، أينها؟
- في دمشق، همهم السفير القطري بصعوبة، وهو يعود إلى الوعي.
- في دمشق أين؟ سألت أبولين دوفيل، وهي تشد وجه سفير قطر على نهدها، وتكاد تخنقه بجماله.
- في قصر المهاجرين، قال الرجل المحتضر بصعوبة كبيرة.
- في القصر الرئاسي؟ سأل رجل التحري الخاص وضابطة المخابرات الخارجية بصوت واحد.
- بعد تسرب بنزين طائرة الشحن العملاقة التي تنقل الذهب من إسرائيل إلى قطر من صدع لم تُعرف أسبابه، طلب القبطان، وهو في الأجواء السورية، النزول إلى أحد المطارات، عندما اكتشفوا كل أطنان الذهب تلك، صفوا القبطان وكل الطاقم الذي كان معه، وبأمر من الرئيس نفسه، أرسلوا الذهب إلى قصر المهاجرين.
انقطعت أنفاس السفير القطري، ولم يصح على صرخات شقراء المخابرات الخارجية ورجل التحري الخاص. وفي الخارج، كان الصيف الباريسي يندب على طريقته موت صاحب السر برقًا ورعدًا ومطرًا غزيرًا جارفًا لكل شيء.

* * *

في فناء كاتدرائية نوتردام، تحت سماء ذات غيوم متفرقة تترك لأشعة شمس خجولة التسلل ما بينها، كان فرانك لانج وأبولين دوفيل يتبادلان الكلمات التالية:
- ونحن أميرًا وشعبًا وغازًا ونفطاً في خدمة الأهداف العليا التي قامت من أجل تحقيقها أعظم ثورة –وأطول ثورة هذا صحيح- في التاريخ! تهكم فرانك لانج.
- نعرف الآن لماذا زرافة دمشق لا تريد التخلي عن الحكم، قالت أبولين دوفيل.
- زرافة دمشق، ومن قبل الزرافة.
- هكذا يسمونه، الزرافة، زرافة دمشق.
- زرافة دمشق.
- نعم، زرافة دمشق.
- لن توزع كل هذا على الفقراء، زرافة دمشق.
- ولن تحمل كل هذا على ظهرها.
- خمسة مليارات دولار من سبائك الذهب شيء ضخم، شيء ضخم جدًا.
- وإذا حملت، فأين ستذهب؟ لن يقبلها أحد إلا الذين سيأخذون كل هذا منها، وهي لن تعطي شيئًا، ربما أعطت بعض الشيء.
- لن تعطي شيئًا، والآخرون سيأخذون كل شيء.
وبعد قليل من الصمت، سأل فرانك لانج:
- وما رأيك؟
رفعت أبولين دوفيل رأسها إلى الشمس الخجولة، وقالت:
- إنها اللحظة التي تكون فيها الأشعة من ألطف الأشياء.
وبدوره، رفع فرانك لانج رأسه إلى الشمس الخجولة، وأكد:
- صحيح ما تقولين.
توقفا، وعرّض كل منهما وجهه للأشعة. بعد قليل، تنهدت أبولين دوفيل، وقالت:
- الذهب لم يزل موجودًا في دمشق، وإلا لِمَ كل هذه الضراوة الوطنية من طرف القطريين؟
لم يجبها، وهو يترك وجهه لأصابع الشمس الخجولة.
- هل تسمعني؟
- أسمعك، همهم رجل التحري الخاص.
- ماذا تقول؟
- أنا أستلهم الشمس.
- أنا أم هي؟
ابتسم، وهو يرميها بكل نظره.
- وهل هناك غيرك؟ همهم فرانك لانج.
ابتسمت أبولين دوفيل بسعادة، فسمعته يسأل:
- هل ما قلته لي صحيح في فندق الرب منذ قليل عن خطة غزوك لقلبي؟
- قليل من الجد، لانج، يا دين الكلب! نبرت شقراء المخابرات الخارجية.
- إذن كل ذلك لم يكن سوى...
- خراء، لم يكن سوى خراء! قليل من الجدية، يا رداءة الخراء، كما لو كنت تقول!
- إذا كنت تفكرين كما أفكر، فلن أسمح أبدًا لأحد غيري من أخذ القيادة حتى ولو كان رب رب الشمس بنفسه، مفهوم كابتن دوفيل؟
رمى كلماته بغضب، وأعطاها ظهره، فصاحت به:
- هيه! لسنا في أرض الميدان بعد.
وسارعت بالسير إلى جانبه، وهو يركّب رقمًا على هاتفه المحمول، ثم ما لبث أن قال بصوت خفيض:
- كولونيل عابدين؟ فرانك لانج. يجب أن أراك لأمر هام جدًا جدًا جدًا. لم تعد الملحق العسكري التركي. هذا أجمل خبر، بالأحرى ثاني أجمل خبر أسمعه اليوم، لأنه يصب في قلب ما أريد التحدث به معك. هذا المساء في السفارة التركية بمناسبة الحفل الخاص بتوديعك؟ اتفقنا. إلى هذا المساء إذن.
وأقفل.
- لم أفهم شيئًا، قالت أبولين دوفيل.
أشار رجل التحري الخاص إلى نفسه، وقال "واحد"، ثم أشار إليها، وقال "اثنان"، وبعد ذلك قال:
- الكولونيل عابدين الملحق العسكري التركي السابق "ثلاثة".
- لم أكن أعرف أنك بدأت التجنيد على مثل هذه السرعة، قالت ضابطة المخابرات الخارجية.
- حملتنا ستبدأ من الحدود التركية، ودون الكولونيل عابدين لن يتم لها النجاح.
- وهل أنت واثق من قبوله إلى هذه الدرجة؟
- هل أنا واثق؟ سيبيع كل تركيا من أجل مليار دولار.
- هذا لأننا سنكون خمسة على رأس الحملة؟
- من الناحية التركية تم كل شيء، ومن الناحية السورية...
- غادة.
كانا يقطعان قنطرة السان ميشيل، والسين من ناحيتيها يبدو ضحلاً، والسيارات تزمر لعرقلة السير.
- من؟
- كابتن غادة عجيلي، عميلة سورية-فرنسية مزدوجة، أوضحت، وهي ترفع صوتها.
فتحت تلفونها المحمول، وتكلمت معها، دون أن يسمع فرانك لانج شيئًا مما تقول، وما لبثت أن أقفلت. كانا قد تركا القنطرة من ورائهما، فقالت أبولين دوفيل، وهي تريد أن توقف تاكسي.
- إنها بانتظارنا في الميريديان حيث تقيم بشكل دائم.
وصاحت:
- تاكسي.
توقف التاكسي، وقبل أن تمتطيه، استدارت نحو فرانك لانج، ورفعت أصابعها الأربع، وهي تقول:
- أربعة.
فابتسم فرانك لانج لها ابتسامة الإعجاب، ثم رمى بنفسه إلى جانبها، لينطلق التاكسي بهما إلى باب مايو، أحد أبواب باريس البعيدة آلاف الكيلومترات عن المعركة الحاسمة التي ستجري في حي المهاجرين.

* * *

تفاجأ فرانك لانج، وهو يدخل جناح الكابتن غادة عجيلي، بامرأة ذات قَدٍّ ممشوق لم تبلغ الثلاثين من عمرها، بيضاء ساحرة الابتسامة، شعرها الأسود يصل حتى خاصرتها، وعيناها الواسعتان بلون العسل المصفى. قبلتها أبولين دوفيل من ثغرها، وقدمت لها أعظم رجل تحر في العالم.
- أخيرًا، قالت غادة عجيلي لفرانك لانج، والسعادة تغمرها، أشد على يد الرجل الذي لا تتوقف أبولين عن الكلام عنه.
- لأجل أن أثير في قلبك الغيرة، قال فرانك لانج لغادة عجيلي بينما تطوق العميلة المزدوجة بذراعها كتفي الشقراء الفرنسية.
- لا تبث الشقاق ما بيننا، لانج، قالت أبولين دوفيل، وهي تطبع قبلات عديدة على وجنة غادة عجيلي وشفتيها.
- أدخلا، طلبت المضيفة، كل الجناح تحت تصرفكما، هناك كل أنواع الكحول، فرانك، تسمح لي بأن أدعوك فرانك؟
- بالطبع، وأنا لن أدعوك مدام زرافة.
- غادة، قالت، وهي تقهقه.
سحبتها أبولين دوفيل من يدها إلى الحمام، وسمع رجل التحري، وهو يصب لنفسه كأس ويسكي، همساتهما وقبلاتهما. ترامى على أريكة وثيرة، وأخذ جرعة من كأسه، ثم صاح بهما:
- من قلة الذوق أن تتركاني وحدي.
لم تستجب المرأتان، وبعد جرعة ثالثة، ظهرت غادة عجيلي تتبعها أبولين دوفيل، والسورية الساحرة تقول لفرانك لانج، وعلى شفتيها ابتسامة أكثر من ساحرة:
- من أجل مليار دولار، فرانك، حتى القمر أحرره لو طلبت مني ذلك.
- لن أطلب منك تحرير القمر، رد رجل التحري الخاص باسمًا، وإنما مائة طن من الذهب، هذا كل ما في الأمر.
- تحرير مائة طن من الذهب أصعب بكثير من تحرير القمر، لانج، قالت أبولين دوفيل، وهي تجلس إلى جانبه. أنت تعرف جيدًا هذا.
- أعرف جيدًا هذا، همهم فرانك لانج، وهو يأخذ جرعة من كأسه.
- ربما كان الأمر صعبًا جدًا لكنه ممكن والظروف الراهنة، قالت الكابتن عجيلي بنبرة واثقة. وهل من أحد يعرفها أكثر منا؟ ربما... وترددت، وهي تجلس مقابل فرانك لانج: هناك واحد يعرفها أكثر منا، واحد من جوه، جنرال.
- جنرال؟ سأل رجل التحري الخاص.
- لا تقولي لي "وحيد القرن"، رمت أبولين دوفيل.
- هو بعينه، أكدت غادة عجيلي.
- الجنرال الفار من الجيش إلى تركيا؟ سأل فرانك لانج من جديد.
- هو وكل فرقته، أكدت غادة عجيلي من جديد، ثلاثمائة على ما أعتقد، مع أسرهم.
- وحيد القرن، همهم رجل التحري الخاص.
- إنه هنا.
- في باريس؟ سألت ضابطة الدي جي إس إي.
- لو لم أكن "مزدوجة" لما عرفتم شيئًا، تهكمت الكابتن عجيلي.
- يا دين الكلب!
- كما تقولين.
- يجب أن أرى وحيد القرن، قال فرانك لانج، وهو يضع كأسه.
رفعت غادة عجيلي سماعة تلفونها الثابت، وركّبت رقمًا، أعقبت ذلك بقول:
- أنا، سيدي. أريدك لموضوع هام، سيدي. متى، سيدي؟ بعد ساعة عندي، سيدي؟ عندي محلبية بالجوز، سيدي. أهلاً وسهلاً بك، سيدي.
وأقفلت، وهي تغدق على فرانك لانج وأبولين دوفيل وابلاً من سحر ابتسامتها. فتح رجل التحري الخاص أصابع يده الخمس، وهتفت الشقراء الفرنسية:
- خمسة.

* * *

وصل فرانك لانج في سيارته الفيراري الحمراء إلى باب السفارة التركية، وإلى جانبه أبولين دوفيل، ولحقت به غادة عجيلي في سيارتها الفيراري الصفراء، وإلى جانبها الجنرال وحيد القرن. صعد الغيلان الظرفاء الأربعة درج المدخل بكامل أناقتهم، الشقراء الفرنسية في فستانها الطويل الأحمر، والبيضاء السورية في فستانها الطويل الأصفر، ورجل التحري الخاص في بذلته السموكن السوداء، والجنرال الفارّ في بذلته السموكن الرمادية. أول ما رآهم الكولونيل عابدين في قاعة ملأى بالمدعوين، خف إلى استقبالهم.
- هذا شرف عظيم لي أن تكونوا هنا، قال الملحق العسكري التركي، وهو يقبل يد أبولين دوفيل ويد غادة عجيلي، ويسلم بحرارة على فرانك لانج وعلى الجنرال وحيد القرن.
- كابتن أبولين دوفيل وكابتن غادة عجيلي وجنرال وحيد القرن، قدمهم رجل التحري الخاص بينما الكولونيل عابدين لا يتوقف عن ترداد: هذا شرف عظيم لي.
ذهب بهم إلى السفير التركي، وقدم بدوره الجميع، والسفير التركي يرسم ابتسامة صغيرة على فمه، وفي الأخير قال هذا الأخير:
- أصدقاء ملحقنا العسكري هم أصدقاؤنا، فهو لم يزل ملحقنا العسكري، الكولونيل عابدين، إلى حين...
شكروه، والسفير يطلب من الكولونيل عابدين:
- اعتن بهم كل العناية، كولونيل.
- أشكرك، يا سعادة السفير، همهم الملحق العسكري، وهو يرجو الجميع التوجه إلى البوفيه.
كانت على طاولة لا يبين أولها من آخرها كافة أنواع الكنايف والقطايف بانتظارهم، فصفق الجنرال وحيد القرن على منظرها، وهو يدفع كرشه من أمامه:
- بشكل استثنائي لا رِجيم هذا المساء.
وراح يعبئ صحنه منها، والحلويات ترتفع طابقين ثلاثة طوابق.
- سأكتفي بواحدة من هذه، همست أبولين دوفيل في أذن غادة عجيلي، ما هي؟
- بقلاوة، أجابت الفاتنة السورية.
- أما أنا، قال فرانك لانج.
- أما أنا، قالت غادة عجيلي، كسيدي الجنرال من كله، وهي تملأ صحنها.
- أما أنا، عاد رجل التحري الخاص إلى القول.
- أما أنت، ماذا، فرانك؟ سأل الكولونيل عابدين.
أعاد صحنه، وقال:
- أما أنا، فيما بعد.
ثم بصوت خافت للملحق العسكري التركي:
- أين يمكننا الاختلاء لخمس دقائق؟
- اتبعني فرانك، أجاب الكولونيل عابدين بصوت خافت، وهو يشير إلى الخدم معطيًا أوامره لصب الشمبانيا لضيوفه المميزين.
وهما يفتحان طريقًا بين المدعوين، مرا برجلين طويلي القامة يرتدي كل منهما قبعة.
- لا تعط بالك إليهما فرانك، عاد الكولونيل عابدين يقول بصوت خافت.
- ولماذا السي آي إيه هنا؟ همس رجل التحري الخاص.
- ليس هذا لأنني مسافر، فهم دومًا هنا.
وأدخله في حجرة جانبية أغلقها بالمفتاح.
- ما سأقوله لك سيبقى سرًا ما بيننا، قال أول ما قال فرانك لانج.
- أنا أعرف كيف أخفي السر تمامًا، رد الكولونيل عابدين، هل هو على غاية الأهمية؟
- جدًا.
- إذن النتائج معروفة مسبقًا، وتجدني كلي آذان صاغية إليك، برهان على التزامي حتى قبل أن أعرف كل شيء.
- دومًا ما كنتَ جنتلمان معي، عابدين.
- جنتلمان فقط؟
- بل وأخ.
- أفرغ ما عندك فرانك.
- ما عندي شيء كثير، مليار دولار.
أخذ الكولونيل عابدين يضحك، ولا يدري من الدهشة كيف يضحك معبرًا عن اغتباطه.
- مليار دولار! غمغم الملحق العسكري التركي، لنا نحن الاثنين؟
- لك وحدك.
عاد الكولونيل عابدين يضحك ضحكًا متقطعًا تمنعه عن الانسياب دهشته.
- هل سنسرق البنك المركزي؟
- لن نسرق أي بنك.
- إذن من أين كل هذا المال؟
- من قطر.
- من قطر؟
- أمير قطر كان يريد أن يبني تاج محل لزوجته من الذهب الخالص، فاشترى مائة طن من الإسرائيليين الذين لم يتمكنوا من إرسالها بسبب صدع في خزان بنزين الطائرة اضطر قبطانها إلى الهبوط في أحد المطارات السورية، ولما علم زرافة دمشق ب...
- زرافة دمشق؟ آه! زرافة دمشق.
- لما علم زرافة دمشق بالأمر، أمر بتصفية القبطان وكل الطاقم معه، والآن كل هذه السبائك في حوزته.
- أين في حوزته؟
- في القصر الرئاسي.
- قصر المهاجرين؟
- قصر المهاجرين، القصر الرئاسي.
- مائة طن ذهب!
- علينا أن نذهب لاقتسامها.
- حتى قلب دمشق؟
- من الحدود معكم حتى قلب دمشق.
حل صمت لبضع ثوان، وفجأة أشرق كل وجه الكولونيل عابدين.
- اعتبر كل أطنان الذهب هذه في جيبك، في جيبينا، رمى الملحق العسكري التركي، وهو ينفجر ضاحكًا على دفعات.
- في جيوبنا نحن الخمسة، صححه فرانك لانج.
- نحن الخمسة، قال الكولونيل عابدين، وهو يحرك أصابعه خلف رأسه باتجاه الضيوف الثلاثة الذين اصطحبهم رجل التحري الخاص معه.
- ولكل واحد منا مليار دولار.
هذه المرة تفجر الكولونيل عابدين بالضحك الطويل المنساب المتواصل.
وهما يعودان إلى القاعة، لم ينتبه فرانك لانج إلى اختفاء الملحق العسكري التركي، فرمى كل من الجنرال وحيد القرن والكابتن عجيلي والكابتن دوفيل ما بأيديهم من مأكول ومشروب، وتبعوا رجل التحري الخاص.
- أعتقد أنني لمحت رجلي القبعة ينزلان الدرج إلى الطابق السفلي.
في الطابق السفلي، لم يكن أحد هناك، فأخرج فرانك لانج مسدسه من صداره، وكذلك فعل الجنرال السوري. رفعت كل من الكابتنين فستانها الطويل حتى منتصف فخذها، ومن رباط حريري أخرجت مسدسًا صغيرًا بحجم الكف. سار الغيلان الظرفاء الأربعة بحذر، وهم يفتحون الغرف التحت الأرضية غرفة غرفة، ولا يقعون على أحد. اكتشفوا أن هناك طابقًا سفليًا ثانيًا، نزلوا، وبحثوا كما فعلوا في الطابق السفلي الأول، ولم يجدوا أحدًا. بعد أن يئسوا تمامًا، عادوا من حيث جاءوا، وإذا بأحدهم يجذب سيفون بيت الماء. خفوا الذهاب إلى المراحيض، وهم يشهرون مسدساتهم، فتفاجأ بهم الكولونيل عابدين لما خرج، وهو يرفع يديه.
- كل ما في الأمر أنني كنت بحاجة إلى الذهاب إلى... همهم الملحق العسكري التركي.
- الششمة! همهم الجنرال وحيد القرن بين أسنانه.
أنزلوا مسدساتهم، وهم يتراخون.
- ورجلا السي آي إيه؟ سأل فرانك لانج بقلق.
- لم أفه لهما بكلمة واحدة، أجاب الكولونيل عابدين. قلت لهما إن هناك تخطيطًا لدعم المتمردين السوريين، فقالا إنهما مع كل تخطيط لدعمهم، وهكذا لن تكون الأسلحة التركية فقط تحت تصرفنا بل والأسلحة الأمريكية، الأسلحة التي سنحتاج إليها على الأقل.





القسم الثاني

لم يكن المليار دولار مبلغًا صغيرًا، كان مبلغًا تطير له العقول، لهذا كان كل واحد من الأفراد الخمسة لفريق المهمة ما فوق المستحيلة مصدقًا وغير مصدق. لم يكن الخطر يساوي شيئًا في مفهومهم، كان فعلاً عاديًا كشرب القهوة، كغسل الأسنان، كتنظيف المسدس. بعد كل ما كانته تجربة الواحد والآخر، كان الخطر عاديًا، وفي بعض الأحيان كان يخرج عن عاديته، ويغدو جميلاً، وحملتهم العسكرية التي سيقومون بها من أجل تقسيم مائة طن من الذهب ما بينهم كانت شيئًا من هذا، من الخطر الجميل. الجميل جدًا. الجميل جدًا جدًا. أما الأحلام التي يثيرها مثل هذا خطر، فهي لا تعد ولا تحصى، لهذا كان خطرًا جميلاً جدًا جدًا، بل وأكثر، كان خطرًا ساحرًا، رائعًا، عابرًا للقارات، مذهلاً، مدوخًا، ممسخًا، عند نهايته مليار دولار لكل واحد، أليسها الأماني كلها، وقد تحققت؟
منذ صغره، وفرانك لانج يريد أن يكونَ قمرٌ صناعيٌ له، قمرٌ صناعيٌ بِرُمَّتِهِ، وليس أي قمر، قمرٌ صناعيٌ ليقف على أسرار كوكبنا. كل ما توصل العلم إلى اكتشافه لم يكن كافيًا برأيه، وهو لهذا غدا رجل تحر خاص. كان يريد أن يعرف أسرار الكون، ولأنه لم يكن باستطاعته ذلك، لافتقاره إلى الوسائل، ذهب ليعرف أسرار الإنسان. الآن مع المليار دولار كل شيء ممكن، القمر الصناعي في جيبه. كان فرانك لانج يردد: غابات الأمازون ليست رئة الأرض، فيضحك منه من يسمعه لأن كافة علماء النبات أجمعوا على أن بفضل غابات الأمازون ينتشر الأكسجين من أقصى الأرض إلى أقصاها. كان فرانك لانج يقول أشجار الأمازون التي تقذف الأكسجين في الليل تستعيده في النهار لتقذف ثاني أكسيد الكربون، غابات الأمازون لحد الأرض. وعلى العكس، كان يرى في الصحراء الرئة التي تتنفس منها الأرض، ومرة أخرى يضحك منه من يسمعه لأن الرمل لا شيء آخر غير الموت، إلى أن تم بفضل الأقمار الصناعية تأكيد ما يقوله فرانك لانج، الرمل الذي كانه قاع البحار قبل أن تجف ما هو سوى عَلَقِهَا وقد تحجر، وعَلَقُ البحر هو الحياة، ومن يقول حياة يقول أكسجين، ومن عواصف الرمل يتوزع الأكسجين في كل أنحاء الأرض. سيشتري فرانك لانج إذن قمرًا صناعيًا، ويبني مختبرًا في قلب جزيرة العرب، رئة الكون، ويقضي فيه كل حياته.
أما أبولين دوفيل، فقد كانت أكثر اجتماعية من فرانك لانج. الأرض، الأكسجين، ثاني أكسيد الكربون، رئة الأرض، أنف الأرض، أذن الأرض، كل هذا لم يكن يهمها. كانت أكثر إنسانية أبولين دوفيل، كانت لا تنام الليل أحيانًا، وهي تفكر في شرط المرأة عبر العالم، في المومس التي لم تتجاوز السابعة من العمر في بلدان جنوب شرق آسيا، وفي الأخرى "المتحضرة" التي تقضي الليل على الرصيف نصف عارية في برد باريس القارس. كانت أبولين دوفيل عندما تمضي ببعضهن تنادي عليهن، وتذهب بهن عندها، وتتركهن ينمن، وفي الصباح تملأ جيوبهن بالمال. لهذا مع المليار دولار أول شيء فكرت أبولين دوفيل فيه هو أن تبني مَضْيَفَات لهن كتلك التي يقيمها رجال الدين للحجاج والمسافرين، وأن تعيد دمجهن شيئًا فشيئًا في مجتمع يهيمن عليه قوادو رأس المال هذا صحيح، ولكن هذا خير لهن من أن يقضين العمر على الرصيف كفراشات الليل.
ومن جهتها، كانت غادة عجيلي تريد أن تشتري صرحًا علميًا كالسوربون أو أكسفورد، وأن تجعله مجانًا لبنات بلدها، للمحجبات من بنات بلدها، فبالعلم ينزعن الحجاب، لأن التمرد في وضعهن شيء مستبعد. هي، استطاعت التمرد، واختارت من المهن أخطرها، كي تثبت جدارتها. أما التمرد في بلد كل شيء مقموع فيه... ستشتري جامعة هارفارد لو استطاعت، وستفتح أبوابها لشمس الحرية.
لكن للكولونيل عابدين أمنية ليست كغيرها، أمنية من سابع المستحيلات تحقيقها دون المليار دولار. قبل أن يصبح ملحقًا عسكريًا لتركيا في سفارتهم الباريسية كان يحتل المنصب نفسه في وزارة الدفاع الفرنسية، هو وزملاء آخرون كالملحق العسكري الإسرائيلي والملحق العسكري الجزائري، وكانوا كلهم يتنافسون في الحصول على معلومات تمكن بلادهم من إنشاء مفاعل نووي يغطي قدرتهم الطاقوية (والعسكرية). الملحق العسكري الإسرائيلي نجح ليس في الحصول على المعلومات التي يريدها فقط، ولكن أيضًا على تزويدهم بالمهندسين وبالخبراء وبكله. وصل التنافس في حدته إلى أقصى ما يكون بين الجزائري والتركي إلى حد سرقة كيلوغرام من اليورانيوم يحتفظ به الكولونيل عابدين في مكان لا يعرفه أحد سواه، وكما يقال اشترى الرسن قبل البعير. مع المليار دولار سيشتري البعير، وسيقيم مفاعله النووي، مفاعل خاص به، سيقيمه في قبرص بالسر.
وبالنسبة للجنرال وحيد القرن، الجنرال وحيد القرن المحب لبطنه، ومن هنا جاء لقبه، لأنه كالكركدن ضخم. تزوج، وطلق سبع أو ثماني مرات، فكلما عافت نفسه أطباق واحدة رماها، وجاء بغيرها. هو، مع المليار دولار، سينشئ سلسلة من المطاعم في كل عواصم العالم: الأطباق الخمسة. سيسميه مطعم الأطباق الخمسة. سوري، فرنسي، إيطالي، إسباني، ويالله معلش أمريكي. ليكون التنويع في الأكل، وليكون التبديل في الإقامة، فهو رحالة الجنرال وحيد القرن. الشوربة لديه شيء هام، والإقامة شيء أهم، للصحة. الطبق الشهي، والوجه الشهي. عندما فر من الجندية، لم يكن ذلك لأنه ضد النظام، ولكن لأنه في الجيش لم يعد يأكل جيدًا. ثورة وما ثورة لم يكن هذا ليقلقه، الأكل، كان الأكل كل حياته، كانت المحلبية بالجوز أو الإيمة بالفستق الحلبي أغلى على قلبه من كل الوطن، من كل الكون.

* * *

كانت الشمس قوية في مخيم أكساكال التركي للناجين السوريين، وكانت من القوة بحيث بدا كل شيء أبيض، الخيمات والناس والأرض والسماء. كان كل شيء يبدو أبيض، حتى الأسود تحت الشمس كان يبدو أبيض. وكانت الحرارة شديدة، لكن الأفراد الخمسة لفريق المهمة ما فوق المستحيلة كانوا، وهم في ثيابهم العسكرية، يتصرفون بكل تلقائية. لم تفارق الابتسامة الساحرة شفتي أبولين دوفيل، ولا شفتي غادة عجيلي، ولم ينفخ الجنرال وحيد القرن صدره، ولا الكولونيل عابدين، أما فرانك لانج، رئيس الحملة العسكرية، فقد كان سعيدًا بقدر ما يسع إنسانٌ أن يكونَ سعيدًا.
- كابتن دوفيل، كابتن عجيلي، توجه فرانك لانج بالكلام إلى أجمل امرأتين عسكريتين في الكون، أنتما وسائل الاتصال، ستغطيان كل صغيرة وكبيرة تتعلق بتحركاتنا من الحدود التركية حتى دمشق. أقمار الحلف الأطلسي الصناعية كلها تحت تصرفكما، أليس كذلك كولونيل عابدين؟
- مائة بالمائة، أكد الكولونيل عابدين، لقد استنفرت قيادة الحلف الأطلسي كل أجهزة الاتصال في سماء كل المنطقة.
- حسنًا، قال فرانك لانج، هذا ما وددت إسماعه للضابطتين كي تطمئنا.
- فلتطمئن أنت قائد لانج، قالت الكابتن عجيلي، ما لدينا من أدوات إلكترونية يفوق الخيال، وهذه في الأساس هي مهنتنا أنا والكابتن دوفيل.
- سنشعركم أيها السادة بكل ما يدور على خط سيركم في لحظة وقوعه، قالت الكابتن دوفيل، حتى الطيور إذا ما تحركت، حتى الدويبات.
- حسنًا، قال فرانك لانج، وهو يستدير نحو الجنرال وحيد القرن: جنرال، كم واحد من جنودك سيشاركون في حملتنا؟
- كلهم، قمندان لانج، قال الجنرال وحيد القرن في زهو وخُيَلاء.
- الثلاثمائة؟
- الثلاثمائة. إضافة إلى بعض المتطوعين.
- كله بكله كم؟
- حوالي الأربعمائة.
- سيعيقنا هذا العدد الكبير عن التحرك بسرعة كما يجدر بنا التحرك، تدخل الكولونيل عابدين.
- لن تكون الإعاقة كبيرة ولدينا من المركبات أجودها وما يكفي، رد الجنرال وحيد القرن. المصفحات الخفيفة من ناحية والشاحنات الصغيرة السهلة القيادة من ناحية أخرى.
- حسنًا، قال فرانك لانج، لن تكون حربنا كلاسيكية من نوع جيش يواجه جيشًا، ستكون حربنا حرب عصابات، ووسيلتنا الأولى في مثل هذا النوع من الحروب هي الأسلحة الخفيفة من كل نوع كلاشينكوف وبازوكا وقاذفات صواريخ أرض-أرض وأرض-جو وذاتية التوجه.
- قاذفات صواريخ ضد الدبابات لدينا الأحدث والأدق في الجيش التركي، قال الكولونيل عابدين.
- وضد الطائرات المروحية؟ سأل القائد لانج.
- كذلك، أكد الكولونيل عابدين.
- سيكون التنسيق العملي كاملاً فيما بيننا نحن الثلاثة، شرح فرانك لانج، الجنرال للاجتياح، فهو يعرف الأرض السورية أكثر من أي شخص كان، والكولونيل لتفجير صراصيرهم، وأنا للاختراق، وكل هذا بتوجيه أجمل كابتنين في الكون.
ضحكت أبولين دوفيل، وكذلك غادة عجيلي. كانت لهما ضحكة واحدة ترن كرنين الذهب، وكان قادة الحملة العسكرية الخمسة من الثقة والاطمئنان، وكأنهم صاروا في دمشق، وتوزعوا المائة طن من الذهب فيما بينهم.
- والأكل؟ سأل الجنرال وحيد القرن بلهفة، من سيتكلف بالأكل؟
- أنت من سيتكلف بالأكل، جنرالي، هتف فرانك لانج.
- سيكون لدينا من الأكل ما يطعم ألفًا، رمى الكولونيل عابدين.
- لا يأكل أي شيء، سيدي، قالت الكابتن عجيلي.
- سيكون له من الكافيار ما يكفيه، عاد الكولونيل عابدين إلى القول.
- ما يكفيه هو وحده؟ سألت الكابتن دوفيل.
- ما يكفينا، صحح الكولونيل عابدين نفسه. كافيار وشمبانيا ولحوم باردة كالتي يحبها الجنرال وحيد القرن.
- آه! ما أجملها من حرب، صاح الجنرال السوري.
- وسيكون "المليار" الذي لكل واحد منا حافزنا حتى النصر النهائي، هتف رجل التحري الخاص تحت ضحكات وتصفيق باقي القادة.

* * *

غادر المقاتلون مخيم أكساكال التركي بأسلحتهم وشاحناتهم ومصفحاتهم، وخرج كل الناجين من جهنم لوداعهم. كانوا يطبلون، ويزمرون، ويغنون، وكأنهم في عرس، وكانت ابتساماتهم في الشمس بهجة للعيون. كان الصغار يركضون بين الأقدام، ويتعلقون على دعائم المركبات وأبوابها، بينما الكبار يدعون لهم بالانتصار وتحقيق الآمال والانتقام، خاصة الانتقام، ممن شردهم. وكانت النساء تزغرد، وترشق الذاهبين إلى القتال بالأرز. رافق الجميع الركب مسافة بعيدة في الأراضي السورية، والطيور الخضراء ذات المناقير الصفراء تحلق فوقهم، ثم ترك الجميع الركب يوغل في أعماق الطريق الذاهبة إلى مدينة الباب كمحطة ضرورية قبل التوجه إلى حلب. كان الجنرال وحيد القرن داخل سيارة جيب في المقدمة، وهو يملأ قبضته باللوز والبندق والفستق الحلبي، ويلقيها في جوفه، وبواسطة سماعة على أذنه وميكروفون قرب فمه يتكلم مع الكابتن دوفيل والكابتن عجيلي اللتين تحتلان عربة الاتصالات، إستافيت رونو بيضاء ألقيت عليها شبكة زيتونية. ومن أمام شاشتين كبيرتين فيهما إشارات لا تتوقف عن الدوران باتجاه عقرب الساعة وعشرات الأجهزة الإلكترونية كانت الأولى تقول:
- التشويش على أجهزتهم الإلكترونية بدأ، وسيستمر أطول أجل، جنرالي.
- أطول أجل، ماذا تعنين، كابتن دوفيل؟
- كل شيء يتوقف على مدى تحييد الأقمار الصناعية الروسية والصينية، جنرالي.
- هؤلاء حتى ولو كانوا خنازير سيطيب لي أن آكل لحمهم بكل شهية.
- أقمار الحلف الأطلسي قادرة على تحييدهم، سيدي، تدخلت الكابتن عجيلي. من أنقرة يقولون لنا كل شيء تمام سيدي.
- أنت ست الستات، كابتن عجيلي.
وجاء صوت فرانك لانج من سيارة الجيب التي يحتلها:
- وبيادق الجيش، كابتن عجيلي؟
- الرادارات لم تكشف حتى الآن عن أي تواجد لبيادق الجيش، أجابت غادة عجيلي.
- سنعلمكم بأي تواجد في الحال، قمندان لانج، قالت أبولين دوفيل.
- قبل أن نجد أنفسنا على مرمى مدافعهم، تدخل الكولونيل عابدين من سيارة الجيب التي يحتلها.
- بالطبع قبل وليس بعد، كولونيل عابدين، قالت الكابتن دوفيل، وهي تضحك مع الكابتن عجيلي.
- لو كانت لدي قنبلة ذرية لرميتها عليهم وانتهينا منهم بثانيتين، همهم الكولونيل عابدين.
- قلت قنبلة ذرية؟ تهكم الجنرال السوري، وفمه مليء بالفستق الحلبي. أنت لست جادًا، كولونيل عابدين! ونحن، هل فكرت فينا نحن؟ كيف سيكون مصيرنا؟
- القنبلة الذرية التي أحكي عنها، قنبلتي، رد الكولونيل التركي، قنبلة لا تتجاوز قطر الدائرة الذي أحدده أنا.
انفجرت المرأتان ضاحكتين.
- إنها قنبلة الأحلام، كولونيل عابدين، رمى فرانك لانج.
- بالضبط، قنبلة الأحلام، أكد الكولونيل عابدين بكل الجد الذي يستطيع عليه في ظرف كظرفهم.
- الآن لا قنابل ذرية كهذه نملكها، كولونيل، قال رجل التحري الخاص، وعليك أن تكون جاهزًا لأي احتمال.
- هذا ما أفعل، قمندان لانج.
- نحن بانتظار أول إشارة منكما، كابتن عجيلي وكابتن دوفيل، قال الجنرال وحيد القرن، وراح يعب الماء من فوهة القنينة عبًا. لننهي على كل أولاد الشرموطة!
- اعتمد علينا جنرال، قالت المرأتان بصوت واحد، اعتمدوا علينا كلكم.
- نحن نعتمد عليكما كلنا، همهم فرانك لانج.

* * *

قبل أن يصلوا إلى مدينة الباب الصغيرة، طالعتهم أعمدة من الدخان، فتوقف الركب، وخرجت الكابتن دوفيل من الإستافيت.
- لم تقل شيئًا عن هذا أقمارك الصناعية، بادرها فرانك لانج بالقول.
- لم تقل شيئًا، همهمت أبولين دوفيل.
- لقد أحرقوا الباب، نبر الجنرال وحيد القرن.
- كل هذا التدمير جديد، قالت ضابطة المخابرات الخارجية، ولكنه ليس جديدًا جدًا، لهذا لا أثر له على الشاشات الإلكترونية.
جاءت غادة عجيلي، وجاء الكولونيل عابدين، وهذا يقول:
- سأذهب مع عدد من الرجال لأرى.
- أين ذهب السكان؟ سألت الكابتن دوفيل.
- سأرافقك، قال فرانك لانج للكولونيل التركي، فراقبونا.
- سنتقدم أقرب ما يكون لئلا يقيمون طوقًا حولكم، قال الجنرال السوري.
أشار القمندان لانج إلى عشرة من المقاتلين الذين انتشروا هنا وهناك من ورائه ووراء الكولونيل عابدين، وراحوا بحذر يخترقون شوارع الباب. كانت البنايات مهدمة، ولم يكن هناك واحد من السكان. صاروا في الساحة العامة، ولم يكن هناك واحد من الإنس أو الجان. وهم على مقربة من المسجد، هربت بعض القطط، فدفع فرانك لانج باب المسجد ليجد نفسه أمام عشرات من النساء المحجبات والأطفال، والرعب يملأ عيونهم.
- لسنا منهم، بادرهم فرانك لانج بالقول، نحن نجيء للدفاع عنكم.
- أين رجالكم؟ سأل الكولونيل عابدين.
- هناك، قالت شابة محجبة، وهي تمسح دمعها.
- هناك أين؟ سأل رجل التحري الخاص.
أشارت الشابة المحجبة إلى شابتين محجبتين أخريين، فنهضت ثلاثتهن، وذهبن بفوج المقاتلين إلى فناء المسجد الخارجي حيث الجثث بالعشرات والجرذان تسعى ما بينها.
- يا إلهي! ابتهل الكولونيل عابدين.
- خراء كل هذا، يا رداءة الخراء! همهم فرانك لانج.
- خراء أسود، همهم الكولونيل عابدين، ولماذا لم ينهوا على الجميع أولئك الشطار كي تكون الجريمة كاملة؟
- كانوا على وشك الإنهاء على الجميع، قالت إحدى الشابات المحجبات، لما تلقى رئيسهم أمرًا بالانسحاب بغتة.
وفي تلك اللحظة، هطل عليهم وابل من الطلقات، مما اضطرهم للعودة إلى داخل المسجد، ثم ما لبثت القذائف أن راحت تتساقط من كل جانب.
- راداراتهم تعرف أننا كنا في الطريق إلى هنا، قال فرانك لانج، وهو يصرف بأسنانه، فأين التشويش؟
- سأتصل بأنقرة حال توقف كل هذا، قال الكولونيل التركي غاضبًا.
انطلقت صواريخ اللواء وحيد القرن من كل مكان، ووضعت حدًا لهجوم بيادق الجيش. أخرس فرانك لانج ومن هم معه الباقي من الجيوب، ثم سكتت الطلقات تمامًا. تقدمت مجموعة من الشبان، وهي تحمل أسلحة خفيفة. أخذ المدافعون عن المدينة الصغيرة يعانقون "المحررين" واحدًا واحدًا، بينما نساء المسجد يخرجن مع أطفالهم، وهن يبكين. مسحت الشابات المحجبات الثلاث دموعهن، وابتسمن.
- لم يعد هناك أحد من هؤلاء المجرمين في النواحي؟ سأل فرانك لانج.
- لم يعد، قال أحد الشبان.
- لقد انسحبوا إلى حلب، قال ثان.
- لديكم الكثير من الشغل، قال الكولونيل عابدين، وهو يشير إلى فناء المسجد حيث الجثث تتراكم بانتظار دفنها، وأعطاهم ظهره لاحقًا بفرانك لانج، وباقي المقاتلين.
- ليس كلنا، صاح الشاب الأول.
- سنأتي معكم، قال الشاب الثاني.
- بل ستبقون للدفاع عن مدينتكم فيما لو عادوا إليها، قال فرانك لانج دون أن يلتفت.
- لن يعودوا إليها، قال شاب ثالث. دمروا الباب لكنهم تلقوا ضربة ساخنة.
بعد بعض التردد، أشار فرانك لانج إليهم بالمجيء، فجاءوا، وهم يبتسمون، والفرح يأخذ مكان الحزن على وجوههم.
- ونحن أيضًا سنأتي، قالت إحدى الشابات المحجبات الثلاث.
التفت فرانك لانج، وأمام أجمل ابتسامات في الوجود رضخ، وهو يتبادل والكولونيل عابدين نظرة استحسان.

* * *

رفضت الشابات الثلاث العمل الإلكتروني الذي اقترحه عليهن قمندان الفرقة، ففاجأن غادة عجيلي، وعبرت أبولين دوفيل عن اتفاقها معهن. كن يردن القتال كباقي الرجال، لكنهن لم يخلعن أحجبتهن، فتركهن فرانك لانج يفعلن ما طاب لهن. فكرت الكابتن عجيلي في جامعة أكسفورد التي ستشتريها، وقالت لنفسها ها هي ذي أولى الطالبات. خلال ذلك، أكدت أنقرة وكذلك الحلف الأطلسي أن التشويش كامل وأن الأقمار الصناعية لم تخطئ، وكل ما في الأمر تم إنذار بيادق الجيش في الباب عن طريق أحد الوشاة، فلاح ربما أو مندس في مخيم أكساكال. ومن حيث التوقيت، وقعت المجزرة مع وصولهم، فلم تتمكن الشاشات الإلكترونية من الوقوف عليها في الوقت المناسب، مما يوجب الحذر، وعدم الاعتماد على التكنولوجيا كليًا.
- بل يجب الاعتماد على التكنولوجيا كليًا، نبر الجنرال وحيد القرن، وهو يلتهم شرائح اللحم المشوي البارد. وإلا ما الفائدة؟
- سنعمل كل ما بوسعنا، سيدي، همهمت الكابتن عجيلي.
- نحن الآن نقترب من غابة ميتة، همهمت الكابتن دوفيل.
- الغابة الميتة شغلي أنا، تدخل القمندان لانج.
- إنها ميتة قمنداني، رمى الكولونيل عابدين.
- لا شيء ميت، كولونيلي، رد فرانك لانج. كل ما هو ميت ليس ميتًا. كوكبنا في تجدد مستمر.
توقف الركب عندما طالعته الأشجار الجافة، أشجار من الصنوبر، لم تكن الحرائق السبب، ولكن دخان الحرائق، فاختنقت الأشجار. بحث فرانك لانج حول الغابة، فوجد، هناك ليس بعيدًا، مخيمًا للبدو جرى إحراقه.
- هذا أيضًا من صنع أولاد الشرموطة، همهم الجنرال وحيد القرن، وهو لا يتوقف عن التهام شرائح اللحم المشوي البارد.
- سنحرقها، هذه الغابة، كلها عن بكرة أبيها، قال فرانك لانج.
- لا بد هذا لأنك حتمًا جننت، احتج الجنرال السوري.
- بل لأنني أبدًا لم أجن، قال قمندان الفرقة قبل أن يوضح: إحراقها يسمح بتخصيب الأرض في عامين بدلاً من عشرين عامًا. الأقمار الصناعية أثبتت ذلك، في كل أرجاء الأرض النار الملتهمة للغابات بعد ضربة برق تجعل الأشجار تترك في الرماد بذرها.
وتوجه بكلامه إلى الكولونيل التركي:
- كولونيل عابدين، أين قاذفات لهبك؟
- هل أنت متأكد مما تقول فرانك لانج؟ سأل الكولونيل التركي مترددًا.
- ثق بلانج، يا دين الكلب، وأحضر قاذفات اللهب، نرفزت أبولين دوفيل.
وبإشارة من إصبعه، كانت عشر قاذفات لهب تحيط بالغابة، وبعد بضع دقائق، تم حرقها، وتابع الركب طريقه.
قبل أن يصلوا إلى حلب من الشمال، أعلمتهم الشاشات الإلكترونية أن المعركة حامية الوطيس بين بيادق الجيش والمتمردين ليس ببعيد عن أسوارها. وعلى عكس مدينة الباب الصغيرة، كانت حلب مدينة كبيرة، لكن قوتهم الصغيرة كانت سريعة الحركة، فطوقت بيادق الجيش المطوقين للمتمردين، ومارست ضغطًا كبيرًا عليهم. رأت الكابتن عجيلي كيف مزقت الشابات الثلاثة أحجبتهن من تحت الركبة كي يساعدهن ذلك على الحركة، وكيف مع الهجوم سقط الشال عن رؤوسهن، دون أن يبالين به. كان شعرهن كلهن أسود طويلاً، وهن من الجمال يفقن جمال العميلة المزدوجة. بكت الكابتن عجيلي من الفرح، فمسحت أبولين دوفيل لها دمعها، وشدتها بحنان إلى صدرها.
جاء فوج من المتمردين من الرقة قرب الفرات شرقي حلب، وفوج ثان من حارم قرب إنطاكية غربي حلب، وشددوا الخناق على بيادق الجيش، حتى اضطروهم إلى الهرب أو الاستسلام. دخل فرانك لانج وفرقته حلب المحررة بين هياكل الدبابات النظامية المحترقة، وجاء الناس من كافة الشوارع لاستقبالهم، وهم يهتفون للثورة، ويرفعون الشعارات: لن نركع إلا لله! الله معنا! الله أكبر! تناول الجنرال وحيد القرن قطعة خشب متفحمة، واقترب. شطب من الشعار الأول "إلا الله" تحت نظرات البعض المستنكرة، وأبقى "لن نركع"، ومن الشعار الثاني "الله"، وبدلاً منه كتب "الجنرال وحيد القرن". غدا الشعار "الجنرال وحيد القرن معنا"، وهو يشير إلى نفسه، فانفجر الكل ضاحكًا. لكنه أبقى على الشعار الثالث، مضطرًا، لما وجد نفسه محمولاً على الأكتاف، والكل يصرخ: الله أكبر! الله أكبر!
كانت من بين الصارخين ثلاث فتيات يرتدين الجينز، ويطلقن شعرهن على ظهورهن، فالتقين بالمحجبات سابقًا، وذهبن كلهن إلى شاحنة الاتصالات، فرحبت بهن أبولين دوفيل وغادة عجيلي.
- أنا اسمي سلوى، قالت إحدى الفتيات.
- أنا اسمي لمى، قالت الثانية.
- أنا اسمي ريما، قالت الثالثة.
- نحن بنات سيئات، عادت الأولى إلى القول.
- بنات وسخات كما يقال عنا، همهمت الثانية.
- بنات تستحق الموت، بكت الثالثة.
أخذتهن أبولين دوفيل بين ذراعيها، وهي تبكي، وكل الموجودات يبكين.
- الثورة ولدتكن من جديد، همهمت الشابات الثلاث اللواتي كن محجبات.
بقيت ثلاث بؤر فساد في حلب طلب السكان من فرانك لانج القضاء عليها، فذهب بنفسه على رأس مجموعة من رجاله إلى دار الضرائب، وأرسل الكولونيل عابدين إلى السجن، ورجا الجنرال وحيد القرن التوقف قليلاً عن أكل المحلبية بالفستق الحلبي أطيب ما تصنعه الحلبيات، والذهاب إلى المسجد. في دار الضرائب، وجد القمندان لانج المدير يحتجز موظفيه، وهو يهدد بإطلاق النار عليهم، إذا ما لم يتركوه يغادر البلاد ليخلص من مطالبة الدولة للأموال التي لطشها. وفي السجن، وجد الملحق العسكري التركي السابق ضابط السجن يقتل النزلاء السياسيين، دون أن يطالب بشيء، فقط لأن دمشق طلبت منه ذلك، وهو سيقتلهم كلهم عن بَكرة أبيهم، ثم سيطلق رصاصة في حلقه. وفي المسجد، وجد الجنرال السوري الإمام يقفل الباب على المصلين، لأنهم سيموتون، إذن فليصلوا، ولينقذوا أرواحهم.
كان الخطر يهدد جميع الذين في دار الضرائب، وفي السجن، وفي المسجد، وفي اللحظة ذاتها، أشعرت أبولين دوفيل القادة الثلاثة باقتراب ثلاث طائرات مروحية، فأخذوا حذرهم ومن هم معهم، وما لبثت الجهنميات الثلاث أن بدأت تقصف، وتفجرت البؤر الثلاث بفضلها، ولكن ما فعله المقاتلون بها كان خاتمة المطاف لها. قذفوها بالصواريخ دون أن يخطئوها، وتم بالفعل تحرير حلب.
قرب أسوار القلعة المقوضة، احتفى أهل حلب بمحرريهم الذين قضوا ليلتهم معهم، نصبوا موائد الأكل في الدمار، ولم تكن المقابر الجماعية غير بعيد عنهم، كانوا يريدون أن يحتفلوا بالحرية على هواهم، أحياءً وأمواتًا.






































































القسم الثالث

الطريق إلى حماة لم تكن سهلة، كانت مليئة بالأخطار، لكن الجنرال وحيد القرن لم يكن يأبه بذلك، كان يأكل الكافيار، ويشرب الشمبانيا، وهو يقتل مع القاتلين رهطًا من الذئاب، ثم رهطًا من الضباع، ثم رهطًا من الثعالب. اختفت كل هذه الضواري من شاشات الأجهزة الإلكترونية، وظهرت عند باب كل قرية يمضون بها مجموعة من الرجال الملتحين تسوق مجموعة أخرى من الرجال الملتحين متهمة إياها بالخيانة، ومجموعة من الرجال الملتحين تسوق مجموعة أخرى من الرجال غير الملتحين متهمة إياها بالإلحاد، ومجموعة من الرجال غير الملتحين تسوق مجموعة أخرى من الرجال الملتحين متهمة إياها بالجهالة، ومجموعة من الرجال غير الملتحين تسوق مجموعة أخرى من الرجال غير الملتحين متهمة إياها بالعمالة. كان فرانك لانج يتردد في تصفيتهم، لكن الجنرال وحيد القرن، كان يأمر بقتلهم في الحال. اعترضت بعض النساء طريقهم، ودفعت إلى الموت أزواجهن، كما جاءهم من جبال النصيرية العديد من الظمأى، فأسقاهم الجنرال مما يشربه من شمبانيا، وأطعمهم مما يأكله من كافيار. أشار الكولونيل عابدين إلى ثلاث مجموعات متصارعة فيما بينها، الأولى مسيحية، والثانية علوية، والثالثة سنية. بعد أن تعبوا وجاعوا، ألقى عليهم بالطعام، فنسوا لماذا هم يتصارعون فيما بينهم، وجاءوا ليأكلوا، والملحق العسكري التركي السابق يهمهم: الجوع لا دين له.
بعد قليل من التراشق بالبنادق بين المقاتلين وبيادق الجيش، جاء البيادق ليستسلموا، وحصل العناق بين الطرفين، تآخى الجميع، ودخلوا حماة معًا، حماة التي هدموها حيًا حيًا وعمارة عمارة وبيتًا بيتًا. كان بعض الشبيحة هنا وهناك، لكنهم صعقوهم صعقًا، وكلما توغلوا في حماة كلما علت أصوات النحيب. رأت أبولين دوفيل أطفالاً ذهبوا ليشتروا الخبز، وظلوا في أماكنهم مكربنين، وسمعت غادة عجيلي غناء لعصافير ماتت، وبقي الغناء من بعدها. أخذت الشابات الست المرافقات لهما ينادين: يا عادل، ويا محمد، ويا جريس، ويا سعد الله، ويا إدوارد... ولا أحد يجيب. لم يكن تحرير حماة يثير الفرح في النفوس كتحرير حلب، فوقف الجنرال وحيد القرن في سيارة الجيب بطوله، وراح يشرب نخب الموت في حماة. جذبه السائق من ذراعه، وأجلسه، فلطمه الجنرال، وأمره بتركه يبكي حماة على طريقته. عاد يقف بطوله في سيارة الجيب ، ويصرخ: حبيبتي حماة! أفرغ قنينة الشمبانيا على جسدها، وانفجر باكيًا.

* * *

سار الركب، وقد تضاعف عدده، حتى بحيرة حمص، وهناك أقاموا معسكرهم. ذهبت الشابات ليسبحن بملابسهن، فضحك عليهن الشبان. كانت بعض المحجبات الجديدات يسبحن هن أيضًا بأحجبتهن، فتبين من تحتها مفاتنهن. كن يضحكن ضحك الأطفال، فلا قانون كان هناك، ولا إله. كن العلة الغائية، وكن الضرورة الحتمية. انتهى الشر، وانتهى الخير. كان لا معنى للتقوى، وكان لا معنى للمعصية. أطلت أبولين دوفيل برأسها من الإستافيت، وابتسمت لجمال الطبيعة. كانت الطبيعة أنثوية أكثر من أي وقت آخر.
- غادة، تعالي، وانظري، نادت الكابتن دوفيل.
جاءت غادة، ونظرت، وهي تمسك يد الشقراء الفرنسية، وتبتسم.
- هذه جنتنا، همهمت الكابتن عجيلي.
جذبتها إلى الداخل، وقبلتها من ثغرها قبلة طويلة، لم تفق منها لا الواحدة ولا الأخرى إلا على نحنحة فرانك لانج.
- تعال، أيها الفُطر، هتفت أبولين دوفيل، وهي تجذبه من يده.
- جئت من أجل شيء آخر، قال رجل التحري الخاص.
- تعال فرانك، هتفت غادة عجيلي، وهي تجذبه من يده الأخرى.
- أردت أن أطمئن إذا ما كان التشويش لم يزل ساريًا، هنا على شاطئ بحيرة حمص لا حرب هناك، الحرب انتهت على شاطئ بحيرة حمص.
- يا دين الكلب!
- كما تقولين.
كانتا قد جذبتاه إلى داخل المركبة، وأغلقتا بابها بالمفتاح. عريتاه، وتعرتا، وثلاثتهما يقهقه، ثم اختلطت أجسادهما مدة نصف ساعة من زمن الطغاة والعتاة، مدة كافية لملء العالم بالذهب والأحلام.


* * *

لم يكن الأمر سهلاً مع حمص كما كان مع حماة، كان على المقاتلين أن يحرروا حمص شارعًا شارعًا ودوارًا دوارًا وحيًا حيًا. سقط الكثير منهم في معركة حمص، لكنهم قضوا على كل بيادق الجيش. جرح الجنرال وحيد القرن في كتفه، والكولونيل عابدين في ساقه، واضطرت كابتن دوفيل وكابتن عجيلي إلى حمل السلاح والقتال إلى جانب الرجال. ماتت عاهرات حلب الثلاث شهيدات، وكما فعلت المحجبات الثلاث الأولى، قطعت المحجبات الأخريات أحجبتهن حتى ما تحت الركبة أو ما فوقها، ونفلن شعرهن، وخضن غمار المعركة خفيفات كأرياش النعام.
- ما زلنا بعيدين عن دمشق، يا أولاد الشرموطة، كان يصرخ الجنرال وحيد القرن، وسائقه يضمد له كتفه.
- خذ، اشرب هذا، يا جنرالي، قال السائق، وهو يفتح له قنينة شمبانيا، هذا يساعد على تخفيف الألم قليلاً.
- وهل تعتقد أنني أخشى الألم؟ رمى الجنرال السوري، وهو يعب الشمبانيا من فوهة القنينة عبًا. آه ما أحلى طعم الحرب!
- طعم الحرب أم طعم الشمبانيا؟ ناكده السائق.
- طعم الحرب، أيها الأبله! صاح الجنرال وحيد القرن، فلو لم يكن للحرب طعم الشمبانيا لاخترعته.
- هنيئًا مريئًا، يا جنرالي، تمتم المقاتل.
- وأنت، لماذا لا تشرب؟
- خوفًا من غضب الله.
- اشرب، واترك غضب الله عليّ.
تردد السائق بعض الشيء، ثم اختطف القنينة، وشرب على قهقهات الجنرال.
- ماذا قلت؟
- آه! ما أحلى طعم الخطيئة.
وانفجر كلاهما ضاحكًا. قبّل الجنرال سائقه من الخد، وأمر:
- هيا بنا، لننه هذا النيك!
- تحت أمرك، يا جنرالي.
وانطلق السائق بالسيارة الجيب إلى قلب حمص، فلحق به فرانك لانج والكولونيل عابدين والكابتن دوفيل والكابتن عجيلي، وانقضت كل الفرقة على الأعداء. ومن الخطوط الورائية للقتال، كان فلاحون ينبثقون بعرباتهم ودوابهم، وهم يهيمون على وجوههم، بعد أن مضى الشبيحة بقراهم. وكان تحرير حمص، واستقبال أهل حمص لهم كالأبطال.

* * *

قال فرانك لانج للكولونيل عابدين:
- جرحك خفيف، كولونيلي، ولكني أنصحك بالاستراحة، وبالاهتمام بنفسك من هنا حتى دخولنا دمشق كي تكون قويًا بقدر "المليار".
- يكفي أن تذكرني بالمليار كي أغدو أقوى رجل في العالم حتى ولو كان لي من الجراح ما يغطي كل جسدي، هتف الكولونيل عابدين.
- أعرف أنك شجاع بطبعك.
- أنا شجاع بطبعي؟ إنك لمخطئ والله، وربما لهذا أردت امتلاك قوة ذرية تعوضني القليل من هذا الشعور بالنقص.
كانت الشمس حامية جدًا في حمص، وكان فرانك لانج يتأمل أشعتها على يده، ولا يسمع له:
- يبدو لي أنك مشغول عني بأمر آخر، قال الملحق العسكري التركي السابق.
- هل تعرف أن للشمس قوة ملايين القنابل الذرية؟ همهم رجل التحري الخاص دون أن يتركه يجيب. تنفجر فوق، بم، بم، ولكن الأرض تعرف جيدًا كيف تدافع عن نفسها. أتدري كيف؟ ولم يتركه يجيب، اكتشفت الأقمار الصناعية أن الأرض تدافع عن نفسها بغلافها الممغنط.
- للأرض مقدرة عجيبة.
- مقدرة عجيبة لوجودها العجيب، وكل تلك الحيوانات القارضة التي تريد أن تقضم سوريا إلى الأبد ولا تعرف أن لسوريا كالأرض مقدرة عجيبة لوجودها العجيب.
- هذه الليلة سأرتاح في حمص، وأنا أستنشق رائحة الموت.
- رائحة الحياة، فلا رائحة للموت، كنا نظن أن للموت رائحة، وعلى الأرض لا موت هناك، على الأرض الموت حياة.
وهم ينامون ملء جفنيهم، إذا بأبولين دوفيل وغادة عجيلي تصرخان في آذانهم:
- يحاولون استعادة حمص! يحاولون استعادة حمص!
وإذا بالطائرات الحربية تنقض عليهم، وتقذفهم بالصواريخ، فيموتون بالعشرات. جاءت فرقة من بيادق الجيش من تدمر وأخرى من اللاذقية، مما اضطرهم إلى الانسحاب، والعودة إلى حماة، وهم يلهثون، وينقلون جرحاهم.

* * *

في حماة، استقبلهم نوع آخر من المنتفضين، لم يكونوا من الإسلاميين، ولم يكونوا من الليبراليين، كانوا يسمون أنفسهم "مقاتلي الظل". هذا لا يعني أنهم لم يكونوا متدينين، كانوا لا يعرفون إذا ما كانوا علمانيين أم غيره. لم يكونوا الشيوعيين من مداهني النظام، ولا من أصحاب الملل. أرادوا أن يحبوا سوريا على طريقتهم، فإذا بهم ضد الجميع، ضد البعثيين أول من هم ضده، وبعد ذلك ضد الجميع. لهذا كانوا يعملون في الخفاء، في الظل، وحدهم، ولم يكونوا يعملون مع أحد. الآن وبيادق الجيش يحاولون استعادة حماة، خرجوا من الظل، وبانوا كالأقمار هنا وهناك.
- لن نعطيهم الفرصة على استعادة حماة، قال أحد مقاتلي الظل لفرانك لانج.
- بيادقهم يصلون من خناصر شمال شرقي حماة، شرح القمندان لانج، ومن سلمية جنوب شرقي حماة، ومن مصياف غربي حماة، وخاصة من حمص جنوبي حماة، وبأعداد هائلة.
- حماة محاصرة من كل جانب هذا صحيح لكننا لن نسمح لهم بإعادة احتلالها، قال ثان من مقاتلي الظل.
- سنتركهم يجيئون، قال ثالث من مقاتلي الظل، وسننقض عليهم من الخلف.
- حرب العصابات هذه هي، همهم فرانك لانج، لكن عددنا تناقص كثيرًا، عددنا لا يسمح لنا بالقتال على جبهتين هي في حقيقتها جبهة واحدة، أعني من أمامهم ومن ورائهم.
- هناك شنشار، قمندان لانج، قال الجنرال وحيد القرن، وهو يقضم تفاحة حمراء، وصدد والنبك.
- ثلاث مدن جنوب حمص لا حماة، همهم الكولونيل عابدين.
- لهذا، من أجل ردهم عن حماة، يجب تحرير حمص، قال مقاتل الظل الأول.
أطلت أبولين دوفيل برأسها من الإستافيت، وقالت:
- المتمردون في شنشار وصدد والنبك يسيرون نحو حمص.
أطلت غادة عجيلي برأسها من الإستافيت، وقالت:
- بيادق الجيش ينسحبون من حمص، ويسيرون نحو حماة.
- علينا أن نعيقهم عن التقدم نحو حماة في الوقت الذي يعيد فيه الثوار تحرير حمص، قال فرانك لانج.
- عندئذ سنرميهم بين فكي الكماشة، أولاد الشرموطة، نبر الجنرال وحيد القرن، وهو يقذف تفاحته الحمراء قبل أن ينهي عليها.
وبالفعل هذا ما حصل، فكانت هزيمة بيادق الجيش في حماة بعد قتال دام طوال الليل، واستعادة حمص مع الفجر والمؤذن يؤذن للصلاة، وكان اللقاء الأسطوري بين المقاتلين من الناحيتين.

* * *

في بهيبة، كان السكان يحتفلون بعرس شاب وشابة عندما وصلت طلائع الركب إلى مشارفها، تحت شمس زرقاء. أصر أهل العروسين على أن يشارك المقاتلون فرحهم، ولما كانوا لم يزالوا تعبين، وجدها فرانك لانج فرصة ليرتاحوا. اغتسلوا، وحلقوا، وبدلوا ثيابهم. بعضهم نام حتى المساء، وبعضهم تكاسل تحت شجرة، ودخن سيجارة. أكل الجنرال وحيد القرن قطعة لحم من كبش كان يشوى قبل كل الآخرين، وشرب ملء طاس من اللبن الرائب، ثم عرج بعد ذلك على صدر الكنافة، فملأ جاطًا نسفه في دقيقة واحدة. تألقت أبولين دوفيل في ثوب فلكلوري أحمر، وكذلك غادة عجيلي في ثوب فولكلوري أصفر. أحاطتا بالعروس كشيطانها وملاكها، فكانت للناظر عرائس ثلاث، ولهذا كان المشهد فريدًا. رقصوا، وغنوا حتى تعبوا. زفوا العروسين، وذهبوا بهما إلى حجرة منعزلة على كف الحقل. تركوهما لسعادة ليلة الدخلة، وعادوا يرقصون، ويغنون حتى أغفوا، وناموا. في الصباح، ذهبوا ليتفقدوا العروسين، فوجدوهما في ثياب العرس ذبيحين.

* * *

في دوما، قرب دمشق، حرق رجال الشبيحة والمخابرات حقول القمح، واقتحموا البرّاكات. نقلوا جرار الزيت إلى شاحناتهم، وكل حيوان أليف، وخلعوا عن سواعد النساء أساور الذهب والفضة. رموا الرجال في السجون، وانفردوا بالشابات الصغيرات والشبان الصغار للتحقيق معهم، وفي الواقع للتحرش بهم. اغتصبوا بعضهم، وهؤلاء يصرخون. تسلل الفارون من الجيش، وراحوا يقوسون المجرمين واحدًا واحدًا. أطلقوا سراح الأطفال في الوقت الذي وصل فيه الركب، فكان اتفاق المقاتلين والفارين من الجيش على السير إلى دمشق من الشمال معًا. ومن الجنوب، سيتقدم مقاتلو درعا وإزرع والكسوة، وبالتالي سيكون تحرير العاصمة بعد أن يطبقوا بفكيهم على بيادق الحرس الرئاسي.
قالت أبولين دوفيل، عبر السماعة التي في آذان فرانك لانج والجنرال وحيد القرن والكولونيل عابدين، إن انفجارًا هائلاً وقع في بناية الأمن الوطني. أبلغ رجل التحري الخاص رئيس الهاربين من الجيش النبأ، فضحك بجذل، وقال، وهو يتمنى ألا يكذب على نفسه:
- لقد بدأ العد العكسي لسقوط النظام.
قالت غادة عجيلي في آذان محدثيها:
- هناك ضحايا، لكننا لا نعرف كم.
- ولا من هم، أضافت الشقراء الغولية.
- سيكون دخولنا إلى دمشق هذه الليلة، أكد رئيس الهاربين من الجيش. رفاقنا يقاتلون في بعض الأحياء، وهم بانتظارنا، وبانتظارنا أيضًا المهام كثيرة.
- نحن لن تكون لنا سوى مهمة واحدة، قال الجنرال السوري، وهو يشرب عصير التفاح الشامي من قنينة.
- مهمتنا نحن هي احتلال القصر الرئاسي في حي المهاجرين، قال فرانك لانج.
- نعم، هذه هي مهمتنا التي تكلفنا بها، أضاف الكولونيل عابدين.
- مهمتنا الوحيدة، همهم الجنرال وحيد القرن.
- لا بد من التنسيق بيننا، قال رئيس الفارين من الجيش، أنتم أكثر من يعلم، ماكينة الحرب جهنمية، وقبل احتلال القصر الرئاسي يجب كنس كل الخراء، وبكلام آخر يجب احتلال كل دمشق.
- يجب احتلال كل دمشق؟ سأل قمندان فرقة الذهب.
- يجب احتلال كل دمشق، ألح رئيس الفارين من الجيش، وبشتى الطرق... من شتى الطرق.
- نحن لا نعرف سوى طريق واحدة إلى دمشق، همهم فرانك لانج.
- طريق واحدة مباشرة، همهم الجنرال وحيد القرن، وهو يقذف قنينة العصير فارغة.
- طريق واحدة مباشرة، همهم الكولونيل عابدين، لكنها وعرة أصعب من أية طريق أخرى في العالم.
- كل الطرق تؤدي إلى دمشق، هتف رئيس الفارين من الجيش.



القسم الرابع

منذ تركهم لدوما باتجاه حي المهاجرين، لم يتوقفوا عن القتال لحظة واحدة. كانت ردود فعل بيادق الجيش ردود فعل المهسترين الفاقدين لعقولهم، فكان استعمال كل أنواع الأسلحة بما فيها الطائرات المروحية والدبابات. وفي أحد شوارع حي الثغرة، كان رجل في الأربعين يقبل فتى في الخامسة عشرة من ثغره، وقع عليهما عملاء المخابرات، وراحوا يطاردونهما، نصفهم يطارد اللوطي، واللوطي يرتعد من الخوف، ونصفهم يطارد الفتى، والفتى يرقّصهم دون أن يقدروا على الإمساك به. اختبأ لوطي الأربعين خلف باب إحدى العمارات، وهو يلهث لهاث السمك الميت الحي، وعندما ظن أنه أفلت منهم، خرج، وإذا بهم يجيئون في أعقابه. وصل إلى داخل البناية التي يسكن فيها، وطلب المصعد ليصعد إلى الطابق الرابع، لكنه أخذ الدرج، وهم أخذوا المصعد، وفي اللحظة التي أراد فيها إغلاق بابه عليه، غادروا المصعد، ودفعوه إلى الداخل، ثم إلى الشرفة، وقذفوه منها. وبينما هم ينظرون من فوق إلى الجثة الهامدة على الأرض، ضربت الشرفة قذيفة فجرتها، وفجرتهم معها.

- هذا هو الشغل، هتف الجنرال وحيد القرن، وهو يلتهم قرن إيمة بالفستق الحلبي.
- الطريق لم تزل بعيدة إلى القصر الرئاسي، قال فرانك لانج.
- أعرف، يجب القضاء على كل أولاد الشرموطة، قال جنرال الأكل، وهو يلقي بباقي قرن الإيمة في جوفه.
- هل تريد آخر جنرالي؟ سأل السائق، وهو يفتح ثلاجة صغيرة في سيارة الجيب.
- دعني أرسل صاروخين آخرين أو ثلاثة إلى تلك العمارة كي تنهار كلها، وتعيق تقدم الدبابات، أجاب الجنرال وحيد القرن.
وأمر رجاله:
- أريدهم أن يلحسوا غبار نعلي، هؤلاء المغفلون!
انطلقت الصواريخ، والسائق يقدم لجنرال الطعام قرن إيمة ثانٍ بالفستق الحلبي.
- أنت أهل لكل هذا جنرالي، همهم السائق الباسل، بالصحة والعافية.
- الحمد لله على أن كل العمارات خالية من أهلها، قال الكولونيل عابدين.
- انتبهوا جميعًا، قال صوت أبولين دوفيل في آذانهم، المروحيات تقترب.
- لسنا على الأسطح، رد فرانك لانج، فلن نهتم.
- لكن بضعة صواريخ أرض-جو من الجميل أن تقيم فوق الرؤوس حفلة من الأسهم النارية، علقت غادة عجيلي.
- خسارة أنني وغادة في جوف الإستافيت لا نحتفل معكم، قالت الكابتن دوفيل، وهي تضحك، والكابتن عجيلي تضحك معها.
وإذا بطائرات مروحية ثلاث تنبثق فوقهم، وترشقهم، وبدورهم يرشقونها، ويسقطون إحداها على الصرخات الجزلة للفرقة.

بدنا نعبي الزنزانات
وبدنا نملّي المعتقلات
وبدنا نفضّي الروسيات
كرمال الأمة الأسدية

نحنا جنودك يا بشار
على صباطك نحنا غبار
لعيونك منهدّ الدار
انت الديموقراطية

مطرح ما بتمشي وبتدوس
نحنا منركعلك منبوس
رح ندعسلك كل مدسوس
متل وحوش البرية

- بنتي، سيأكلونك، رجت الأم ابنتها.
- ماما، دعيهم يأكلونني، ردت البنت على أمها.
- بنتي، فكري فيّ.
- ماما، أفكر فيكِ.
- بنتي، أنا أمك فكري فيّ.
- ماما، قلت لك أفكر فيكِ، أفكر فيكِ.
- بنتي، فكري فيّ أكتر شوي.
- ماما، أفكر فيكِ أكتر من شوي، التفكير كثيرًا مضيعة.
- بنتي، من سيبقى لي من بعدك؟
- ماما، سيبقى لك الله من بعدي.
- بنتي، لن يبقى لي الله من بعدك.
- ماما، لا تكفري أرجوك.
- بنتي، لن يقبل الله أن تتركيني وحدي.
- ماما، سأعود إليك، إن شاء الله سأعود إليك.
- بنتي، يا ويلي، يا شحاري!
- ماما، لا تبكي، أرجوك!
- بنتي... بنتي... ضاعت بنتي...

- انتبه! قال فرانك لانج لأحد المقاتلين، تلك الفتاة ذات الفستان القصير ترفع منديلاً أبيض.
جاءت الشابة تجري لتلتحق بالمقاتلين.
- هل تريدين إيمة بالفستق الحلبي؟ سأل الجنرال وحيد القرن الفتاة، وهو يمد لها قرنه، والبوظة تسيل من كل نواحيه.
- لا، أشكرك، ردت الشابة، وهي ترسم على شفتيها ابتسامة ساحرة.
لحوس القرن، ثم رماه، ودعسه، وهو يشتم بينما السائق يخفي ضحكه بأصابعه.

نحنا أسودك لا تهتم
بدنا نعبي الساحة دم
الشغلة أبدًا مو بالكم
نحنا عنا النوعية

بلا حرية بلا بطيخ
مؤامرة جايه من المريخ
ما عنا هندوس وسيخ
ولا عنا زردشتية

يا بو الجبين العالي
بفديك بروحي ومالي
ومشان عيونك يا غالي
أنا بدبح أهلي بشبرية

ركضت أم مع أطفالها تحت مطر القذائف، وهي هلعة، لا تعلم أين تذهب. وجاءت أم أخرى بصغيرها في عربة، تركض هي الأخرى هاربة، فأوقفها اثنان ضخما الجسد يعلقان على زنارهما شتى أنواع السكاكين والعصي والأسلحة الخفيفة.
- أنا بعرضك، ابتهلت الأم للأول.
- قولي بطولك، ألقى المجرم، وانفجر ضاحكًا عليها، وصاحبه يطبطب على ردفيها.
- أنا بعرضك، ابتهلت الأم للثاني، خليني أمشي. ابني صغير، حرام عليكم.
أخذ الشبيحي الأول يرفع تنورتها، والأم تحاول منعه، بينما رفع الثاني الصغير من عنقه، ثم من ساقه.

قال الله... حرية وبس
رح نفرمهم متل الخس
كلن كم مليون مندس
ما بيشكلوا الأغلبية

بدونك نحنا منتبهدل
تطلع عكتافي وتتدندل
أعلامك ضرب المندل
كشف المجموعة السلفية

إرهابيه مالون حل
مشانك درعا رح نحتل
لا منكلّ و لا منملّ
لتصير إبادة جماعية

ترك الشبيحي الأول المرأة، وأمسك الصغير من ساقه الثانية، والصغير يصرخ باكيًا بأعلى صوته.
- صوت هذا الصرصار مزعج، فما رأيك؟ قال الشبيحي الأول.
- مزعج إلى حد الموت، قال الشبيحي الثاني.
عادت الأم تبتهل، وهي تذرف مر الدمع، لكنهما فسخاه، فسقطت المرأة مغشيًا عليها. قذفاها بجثة الصغير، وذهبا بكل هدوء واطمئنان.

اسمك بالعالي مرفوع
وصوتك للسما مسموع
لو شعبك مات من الجوع
رح ننتخبك أبدية

ما عنا رأي ورأيين
عنا نورك يعمي العين
انت كبيرنا يا زين
انت ملك البشرية

ما إلنا بعدك اتنين
انت والرب ربين
انت العين وكحل العين
انت الرسالة النبوية

اقترب المقاتلون من الأم ورضيعها المفسوخ، فأخذ الجنرال وحيد القرن يجمجم: أولاد الشرموطة! أولاد الشرموطة!
- خراء كل هذا، قال فرانك لانج.
- خراء أسود، همهم الملحق العسكري التركي السابق.
- يا رداءة الخراء! يا رداءة الخراء! جمجم قائد الحملة.
حملوا الأم ورضيعها القتيل إلى الخلف، وواصلوا تقدمهم.

وقف الشاب طويلاً أمام فترينة فيها فستان أبيض، وهو يحمل مطرقة ضخمة. فجأة، حطم الزجاج، وتناول الفستان الأبيض. ابتسم لسرقته، كان سعيدًا، أكثر الأحياء سعادة. فجأة، اخترقته سلسلة من الطلقات، ولطخ بدمه الفستان الأبيض.

- خراء أسود، عاد الكولونيل عابدين إلى القول.
- لم أره، قال أحد المقاتلين.
- لم تره، وهو هناك بوضوح الشمس، راح الكولونيل عابدين ينبر.
- لا يوجد شمس كولونيلي، همهم المقاتل. سماء دمشق غائمة.
- الصورة، ألا تفهم الصورة؟ ردد الكولونيل التركي وكله غضب.
- صحيح، سماء دمشق غائمة، همهم فرانك لانج.
- ألا يوجد شيء نضعه في القفا؟ سأل الجنرال وحيد القرن.
- إيمة بالفستق الحلبي، جنرالي، أجاب السائق.
- إيمة بالخراء الحلبي تريد القول، نبر الجنرال السوري.
- وعلى أي حال ثلاجة الجيب توقفت، جنرالي، عاد السائق إلى القول.
- ألم أقل لك إيمة بالخراء الحلبي؟
- سأشوي لك زرافة حال وصولنا القصر الرئاسي جنرالي، قال السائق.
- أنا لا أحب لحم الزرافات، جمجم الجنرال وحيد القرن.
- سماء دمشق غائمة، عاد فرانك لانج يهمهم.

منعتهم الطريق التي قسمتها قذائف الدبابات –كما ظنوا في البداية- إلى اثنتين من التقدم إلى حي العجمي، كانوا لم يزالوا بعيدين عن حي المهاجرين، ومن المستحيل ترك مركباتهم، أضف إلى ذلك أنهم كانوا بحاجة ماسة إلى المصفحات. وهم في أقصى حيرتهم، سمعوا صوت مِجرفة آلية، ورأوا يدًا تلوح لهم. كان أحد العمال الذي أوضح أنهم هم الذين فتحوا الطريق لأجل شبكة ليفية، وأخذ يردم الحفرة، مما جعلهم يواصلون طريقهم.

والقصف بدأ يزداد، ذهب أحدهم إلى النافذة ليرى إذا ما كانوا على مقربة. جاءت زوجته، وقالت إنها لم تر أحدًا، فأكد العكس، وهم يصعدون للقبض عليه. سخرت به، وقالت إنهم لا يقلقون به، وهو آخر من يهمهم، لكنه عاد يؤكد العكس. راح يذرع حجرته منتظرهم جيئة وذهابًا، وظل يذرع حجرته جيئة وذهابًا حتى تعب، فجلس، ومدد ساقيه، وراح ينظر إلى الباب. وبالفعل اندفع الباب، وظهروا، فابتسم لهم، وهو يرفع يديه ليقيدوه، ويسوقوه إلى التحقيق، فالتعذيب، فالمعتقل، لكنهم بعد أن فتشوا في كل مكان، تركوه، وذهبوا.

- المروحيات تعود إلى الظهور، قالت أبولين دوفيل في آذانهم.
لكن الطائرات المروحية قصفت من كانوا على الأسطح، وغادرت ساحة القتال. جاءتهم مجموعة من الجوعى، وهم يسألون إذا كان لديهم شيء يؤكل، فأخذ الجنرال وحيد القرن يلعنهم، ويدفعهم، ويطردهم: يا أرذال الخراء! سأذيب الإيمة بالفستق الحلبي في أقفيتكم! مضوا بماخور، فخرجت من الإستافيت الكابتن دوفيل تتبعها الكابتن عجيلي، وهما تقولان لم تعد التكنولوجيا بكثير نفع، وكل شيء يجري في الوقت ذاته مع تقدمهم، ودخلتا الماخور، وكلاهما تحمل سلاحًا رشاشًا. كان بعض المقاتلين يختبئون هناك، وقبل أن يخرجوا إلى القتال عانقوا بنات الماخور.
- أنقذن حياتنا، قال أحدهم.
بكت البنات على الباب، فقالت لهن أبولين دوفيل:
- سأعود دون هذا في المرة القادمة، وهي تشير إلى سلاحها.
مسحن شعرها الذهبي وشعر الكابتن عجيلي الليلي، وابتسمن لهما، ورائحة البخور الآتية من المنزل المقابل تملأ الأنوف. ذهبت الضابطتان لتريا، فوجدتا شيخًا ذا لحية يبخر فرج زوجه، وهو يتوسل إلى الله: أريده صبيًا يا رب! أريده صبيًا يا رب! انطلقت صرخات من الطابق العلوي، فخفت أبولين دوفيل وغادة عجيلي إلى الصعود، وهما تشهران سلاحهما. كان أحدهم يطعن زوجته حتى الموت، وهو يصرخ: أريد أن أكون حرًا! أريد أن أكون حرًا! قادته المرأتان إلى القمندان لانج، فأعطاه سلاحًا ليقاتل ريثما تنتهي المعركة، ويسلمه إلى سلطة الثورة. قاتل الرجل أحسن قتال، لكنه، وهم يتركون حي العجمي إلى شارع 6 تشرين، سقط قتيلاً. وبينما هم يصعدون الشارع الشهير، جاءت مجموعة من الشبان تريد القتال معهم، كانت الصلبان تتدلى من أعناقهم، فسألهم الجنرال وحيد القرن إذا كانوا قد هربوا من الدير، فانفجروا كلهم ضاحكين، وإذا كان معهم شيء يؤكل غير الإيمة بالخراء الحلبي، فانفجروا مرة أخرى ضاحكين.
- خراء أسود، خراء أسود، جمجم الكولونيل عابدين، وهو يرفع السائق قتيلاً بين ذراعيه.

عند ملتقى شارع فارس الخوري، داهم رجال المخابرات بعض المجتمعين في كهف إحدى المقاهي، وأخذوا باعتقالهم، ومن وشى بهم يشتم البعث والبعثيين، فصفعوه، وقالوا له اخرس يا نذل، يا من وشيت بأصحابك! وساقوه إلى التحقيق، فالتعذيب، فالمعتقل، مثله مثل الآخرين. وما أن غادروا المقهى حتى اقتحمها فرانك لانج وصحبه، وجعلوا منها محطتهم قبل الذهاب إلى المزرعة، فالجحيم مزرعة، والنعيم مزرعة، وكلاهما واحد لمقاتلي الذهب.

- أكل، صاح الجنرال وحيد القرن بصاحب المقهى، وهو يمزق الضماد المحيط بكتفه، أعطنا شيئًا يؤكل، وبسرعة، كي نواصل النيك!
- وهل ستدفعون؟ سأل صاحب المقهى.
- سندفع، قال فرانك لانج، ولكن ليس الآن، سندفع لك ذهبًا.
تبسم أفراد القيادة الخمسة عن لؤلؤ.
- سنعود، وسندفع لك مقابل ما نأكل بالذهب، عاد فرانك لانج إلى القول.
بانت على وجه الرجل أمارات عدم الفهم، فصاح به الجنرال:
- أسرع يا صاحبي، بالذهب نأكل، وبدون الذهب نأكل، لكننا لن نستعمل أُيُورَنَا الضخمة معك، وكما قال لك سندفع مقابل ما نأكل بالذهب إن شاء الجنرال عمك وحيد القرن محسوبك.
- ذهب ستي أم علي، غمغم الرجل قبل أن يستجيب.
تراخى المقاتلون، وهم يجلسون، هنا وهناك، ورموا أسلحتهم جانبًا. وما هي سوى بضع دقائق حتى أحضر صاحب المقهى صحون اللبنة والزيتون الأسود والأبيض والأخضر والأحمر والأصفر و... و... و... الله أكبر! والمخللات والمتبلات وعشرات الأرغفة المحمصة. أكلوا كما لم يأكل أحد، وشربوا في الأخير الماء المثلج المعطر بماء الورد. قال الجنرال وحيد القرن، وهو يجس كرشه:
- إنها ألذ وجبة أكلتها في حياتي.

عادوا يتوغلون في شارع 6 تشرين، والمواجهة مع بيادق الجيش على أشدها. وصلهم نفير سيارة إسعاف لم تتمكن من العبور بسبب منع الدبابات لها، فدفعهم ذلك إلى إرسال العشرات من قذائفهم المضادة للدروع، حتى استطاعوا أن يضطروها إلى التراجع، وفتحوا الطريق لسيارة الإسعاف. مرت سيارة الإسعاف بهم قبل أن تأخذ طريقها إلى مستشفى تشرين، فرأوا المرأة التي على وشك الولادة تبتسم لهم، فابتسموا لها. انفجر فجأة صاروخ في كنيسة صغيرة خرج على أثره الخوري، وهو يلطم، ويشتم الإسلام والمسلمين.
- إنهم أولاد الشرموطة، يا خالي، نبر الجنرال وحيد القرن، يعرفون أنها كنيسة، وخلال تراجعهم ضربوها ليضربوا ما بيننا، خوري بلا مخ!
وبالفعل، برز بعض المسلحين من الكنيسة الصغيرة، وأخذوا بإطلاق النار عليهم، وهم يصرخون: أنتم الوحوش، يا أصحاب اللحى! أيها السفلة، يا خراء التخلف!
- أين لحيتك، يا أبولين دوفيل؟ سأل فرانك لانج متهكمًا.
والآخرون: ستنتصر دولتنا، أيها الأوغاد، فالله يحب سوريا، وسوريا تحب بشار!
- وسوريا تحب قفاي، أرعد الجنرال وحيد القرن، بقدر ما يحب قفاي خراي بالفستق الحلبي.

انبثق أحد الخطباء من شارع فرعي، وأخذ مدحًا بنظام النور والتطور، لكن استمرار تراجع بيادق الجيش كان سببًا في تراجعه عما قاله، وأخذ يطري نظام الظلام والتخلف، وما أن عاد بيادق الجيش إلى مواقعهم حتى عاد يطري نظام النور والتطور، وعندما رأى الكابتن دوفيل والكابتن عجيلي كيف تقاتلان كمائة رجل، أخذ يطري المرأة، ويحيي دورها في الإحياء والتجدد، وهو يرقّص حاجبيه لهما، ويغمزهما، فطردتاه الضابطتان، وكنستا الطريق من كل الحثالات على شاكلته.

- هل تعرفين لماذا المايوه البيكيني اسمه بيكيني؟ سألت أبولين رفيقتها.
- سماء دمشق الغائمة هي التي أوحت إليك بذلك؟ سألت غادة ردًا على سؤالها.
- هناك برق، قال فرانك لانج.
- لا رعد هناك، قال الكولونيل عابدين.
- ستمطر من حظنا، قال فرانك لانج.
- المايوه البيكيني اسمه بيكيني لأنك لمّا ترتدينه ينطق بجمالك، بيك... بيك... بيك... قالت الكابتن عجيلي، وهي تطلق ضحكة.
- دمشق كأنها مضغوطة في زجاجة، عاد فرانك لانج إلى القول، والمطر يلطف من حدة الاختناق.
- هل من بحر قريب من هنا؟ سألت الكابتن دوفيل.
- بحر بيروت أو بحر اللاذقية، أجابت العميلة المزدوجة، والبرق يشم السماء من جديد. بيك... بيك... بيك... أضافت الكابتن عجيلي، وهو تطلق ضحكة ثانية.
- البرق دون رعد، هذا يعني أنها لن تمطر، قال الكولونيل عابدين، وهو ينزع الضماد عن ساقه.
- البرق هو برق قذائفنا، شيء بهيّ، تبعًا لاختراقِ أُيُورِنا، قال الجنرال وحيد القرن. في هذه اللحظة المهيبة، حتى غادة وأبولين لهما أعظم أير!
- أرى أنك لا تعرفين، طيب، لا بأس، همهمت الشقراء الفرنسية، المايوه البيكيني اسمه بيكيني لجزيرة تحمل نفس الاسم.
- بيك... بيك... بيك... عادت غادة عجيلي إلى القول، وهي لا تتوقف عن الضحك.
- هل تعلم أنني من برق واحد أستطيع إنارة كل دمشق، قال رجل التحري الخاص.
- أو إحراقها، علق الجنرال السوري، وهو يأمر بحصد بيادق الجيش عن بكرة أبيهم.
- جزيرة الحب، همهمت أبولين دوفيل، وهي تقاتل.

وهم على أبواب المزرعة، كان بعض المتظاهرين في شارع الثورة يدعسون العلمين الروسي والصيني بغل وحنق كبيرين، وكانوا يرفعون صورة إحدى الفتيات.

- إنها تشبهك، همهمت أبولين دوفيل.
- الفتاة؟ همهمت غادة عجيلي.
- ببيكيني أم بدون بيكيني إنها شديدة الشبه بك.
- لهذه الفتاة قصة.
- ما هي؟
- قصة لا علاقة لها بالبيكيني.
- احكيها.
- لأنها أجمل فتيات الجامعة...
- وبعد ذلك؟
- ألقوا القبض عليها.
- لا لسبب إلا لأنها أجمل فتيات الجامعة؟
- وإلى اليوم لا أحد يعرف شيئًا عنها.
- يا دين الكلب!
- كما تقولين.
- هل يرعبهم الجمال إلى هذه الدرجة؟
- يرعبهم.
- إلى هذه الدرجة؟
- الجمال سياسة بقدر ما يرعب بقدر ما يملأ النفس بالرضى.

سمعوا صراخ أحدهم، كان يطالب بإعدامه لأنه سب الزرافة، فاتهمه الناس بالجنون. وعندما سبها بالفعل، راحوا يضحكون عليه. وكان آخر يشاهد كيف يساق كل أفراد أسرته الذين وشى بهم إلى التحقيق، فالتعذيب، فالمعتقل، ولما وجد نفسه وحيدًا انتحر.

- لماذا لم تمنعوه من الانتحار، يا رداءة الخراء؟ سأل فرانك لانج.
- عندما وصلنا كان كل شيء متأخرًا، أجاب العقيد عابدين.
- يا للخسارة، لقد فهم خطأه، همهم رجل التحري الخاص.
- لكننا أنقذنا حياة آخر في اللحظة المناسبة.
- أنقذتم حياة آخر في الل...
- كان خوافًا.
- مثلك و...مثلي. أريد القول أحيانًا.
- كان يريد أن يبقى النظام.
- هذا لأنه كان خوافًا.
- لكنه مات، وهو يقاتل معنا ببسالة.

رأوا أحدهم، وهو يتسلق عمودًا غير مبال بتبادل إطلاق النار على الرغم من شدته، وأنزل العلم الفلسطيني المحشور بين علمين سوريين. راح يهتف "تحيا فلسطين"، فأرداه رئيس بيادق الجيش قتيلاً. وفي اللحظة ذاتها، انبثقت من بين الدخان فتاة، وهي تجذب فتى من يده، وتقول لهم: زوجوني إياه!
ضحك فرانك لانج، وقال للفتاة:
- ولكننا لسنا مكتبًا للزواج.
- أراد أبي أن يزوجني من واحد غني رغمًا عني، أوضحت الفتاة، وهذا الشاب فقير أهرب معه لأنني أحبه. إنها مناسبة لن تتكرر ثانية.

وعلى بعد عشرة أمتار، كان بعض المنبطحين على الأرض الذين نهضوا ما أن وصل ركب المقاتلين، وهم يقولون إنهم يريدون أن يصبحوا ثوريين. وكان بعض المتسلقين على الشجر هناك أيضًا، وهم يرفضون النزول، ويقولون في العهد القديم أم في العهد الجديد إنهم سيبقون على ما هم عليه. جاء ملتحون أرسلهم الجيش، لم يقولوا أرسلهم الجيش، وقالوا إنهم جهاديون، وبدل أن يقاتلوا الجيش قاتلوا الثوريين، فقاتلهم الثوريون، وقاتلوا رفقاهم من ملتحين غير جهاديين، وقاتل الكل الكل من مدنيين وغير مدنيين، والزرافة تضحك عليهم، والناس يبكون منهم، ومن دمعهم تصنع الزرافة شعبيتها. وهم في عز المعمعة، جاء بعض الملتحين الشقر، وراحوا يقاتلون في صفوف الثوريين.

- هؤلاء الجهاديون من عندنا، كشفت ضابطة المخابرات الخارجية.
- من عندنا! من عندنا كيف؟ احتار فرانك لانج.
- من عندنا.
- من عندنا، يا رداءة الخراء!
- من عندنا، جهاديون من عندنا.
- جهاديون، وتقولين من عندنا!
- لا تكن حساسًا إلى هذه الدرجة، لانج. إنهم من عندنا، كما أن هناك آخرين من عند غيرنا.
- وأمي القحبة أنا من عند من؟
- إنها براغماتية كل حرب أهلية، فأين الغرابة في هذا؟
- الغرابة أن أمي القحبة لها لحية شقراء هي الأخرى.
- لانج، أنت تخرف، فهل لي لحية شقراء أنا؟
- ولكنك أنت، أنت هنا ليس إلا من أجل مليار دولار ذهب، حصتك من كل هذا النيك، كما يقول الجنرال وحيد القرن.
- اذهب ونك أمك القحبة إذن إذا كنت تريد ألا تفهم.
- ولكنك أنت، أنت هنا ليس إلا بصفتك غير الرسمية، كابتن دوفيل، يا رداءة الخراء!
- قلت لك اذهب ونك أمك القحبة إذا كنت لا تريد أن تفهم، يا دين الكلب!
- ولكنك أنت، أنت هنا ليس إلا للرقص على جثة أمي القحبة وليس على جثة سوريا.
- تعال لنرقص إذن على جثة أمك القحبة، هيا، تعال.
وراحت ترقص، والكل ينظر إليها بعين الشفقة. كانت الصواريخ تنطلق من كل مكان بينما أبولين دوفيل ترقص، تأخذ هذا، وتأخذ ذاك، تقهقه مع هذا، وتقهقه مع ذاك، وفي الأخير، انفجرت تبكي، فأخذتها غادة العجيلي بين ذراعيها. بعد قليل، صاحت الفرنسية الشقراء:
- لا تنظروا إليّ هكذا، كلكم يرقص على جثة سوريا، ولا أحد بينكم بريء.

حضر أحدهم، وهو يرفع يافطة كتب عليها "لحى للبيع مقابل بعض الملاليم".
- بعض الملايين؟ سأل الكولونيل عابدين.
- بعض الملاليم، أجاب الجنرال وحيد القرن.
- بعض الملاليم! احتار الكولونيل التركي.
- بعض الملاليم، أعاد الجنرال السوري، وانفجر ضاحكًا.
انفجر فرانك لانج ضاحكًا، وانفجرت أبولين دوفيل ضاحكة، وانفجرت غادة عجيلي ضاحكة، وانفجر بعض المقاتلين ضاحكين.
- لحى للبيع مقابل بعض الملاليم، المنيك! همهم الجنرال، وانفجر من جديد هو وكل من كان معه ضاحكين.

جاءهم المجرمون من غير الشبيحة الذين أُفرج عنهم ليتحالفوا معهم، لأنهم انقلبوا على جلاديهم قالوا، وجاءهم نصف أفراد المجلس الوطني، وهم يشتمون النصف الثاني، ثم جاءهم أفراد النصف الثاني، وهم يشتمون النصف الأول. وما لبث نصف النصف أن راح يشتم نصف النصف الآخر، ونصف الربع، ونصف الثُّمن، والواحد، ونصف الواحد، فنظرت أبولين دوفيل وغادة عجيلي إلى الشقوق في غمام دمشق، ورأتا النصف الأسود للشمس. كان المقاتلون قد أخذوا بتحطيم مصابيح الأعمدة، ولم يعرفوا لماذا، ربما لأنهم لا يخافون من الظلام، وربما لأنهم لا يريدون أن يروا طريقهم في الليل جيدًا. قال لهم البعض إن رئيس الهاربين من الجيش في سوق الحميدية، وهو ورجاله قد نهبوا كل شيء فيه، وقال لهم البعض الآخر الشيء نفسه عن رئيس الشبيحة والشبيحة.

- ونحن؟ سألت أبولين دوفيل.
- ونحن ماذا؟ سأل فرانك لانج.
- هل سننهب كل شيء في سوق الحميدية؟
- فكري فيما ينتظرنا وراء أسوار قصر المهاجرين.
- وماذا يعني ذلك؟ سوق الحميدية شيء آخر.

لم يكن البقاء في المزرعة أمرًا سهلاً، كان عليهم أن يقاتلوا دون توقف، وكانوا تعبين جدًا. نام بعضهم من وراء المتاريس، وبعضهم الآخر واصل القتال. عندما التحق بهم أفراد من حزب الله عن خطأ، تجاهلوا الأمر، فقط ليناموا، وتركوا مقاتلي حزب الله يدافعون عن المتاريس في وجه بيادق الجيش. نهضوا في الصباح، وقد ارتاحوا، واستعادوا قواهم، وأعلموا اللبنانيين بالحقيقة، فلم يبالوا، واكتفوا بقول: الآن جاء دورنا لننام. جاءهم من دفعت لهم إيران مالاً ليقاتلوا مع بيادق الجيش، وسألوا إذا ما كان هنا أبطال الجيش. قالوا لهم هنا طلائع "المحررين"، أولئك الذين لهم أُيُورٌ كبيرة، فلم يذهبوا. أخذوا يقتلعون الورد الجوري من الحدائق، فقصفتهم الطائرات المروحية. كانت مناسبة لإسقاط اثنتين أو ثلاث، فجاء الأولاد، وبدأوا يلعبون لعبة الشرطة والحرامية، والنار لم تنطفئ بعد. وقع أحد الأولاد على سلاح رشاش، فأطلق على صغار حي المزرعة، وأردى معظمهم قتلى. لم يتوقف عن اللعب، كان بعضهم لم يزل حيًا، وكانت اللعبة لم تنته بعد. وفي الطرف الآخر من حي المزرعة، كان رجال الأمن يصفون أفراد عائلته من صغيرها إلى كبيرها، فنادوه، لكنه لم يستجب لهم. رفع السلاح الرشاش، ورشق في الهواء رشقتين. هرب المجرمون، وتساقطت بعض الطيور الغريبة. حمائم بيضاء ذات مناقير سوداء، كانت حول سيقانها خواتم. نقل خاتمًا في كفه، ورأى كتابة بالعبرية كان الولد يقرأها كما يقرأ العربية: لا تقتلوا الطير.

- هذه الخواتم حول سيقان الحمائم تقول كلها بالعبرية "لا تقتلوا الطير"، قال الجنرال السوري.
- لا بد أن هذا كود، قال الكولونيل التركي.
- ماذا يعني ككود؟
- لا تقتلوا الطير.
- إنه لغريب ككود.
- لماذا لم يقولوا لا تقتلوا النعام؟
- أو الأرانب؟
- لماذا بالعبرية وليس بالعربية أو بالروسية؟
- هناك الكثير ممن يقرأ العبرية والقليل ممن يفهمها.
- والروسية.
- بالعبرية للتدخل الأجنبي.
- وبالروسية كذلك للتدخل الأجنبي.
- ولكن الكود بالعبرية وليس بالروسية.
- لتأكيد أن كل هذا مؤامرة أجنبية فقط لا غير.
- وبالروسية كذلك لتأكيد أن كل هذا مؤامرة أجنبية فقط لا غير.
- التأكيد حصل بالعبرية.
- لنفي التأكيد الحاصل بالروسية.
- لا تقتلوا الطير، شيء مذهل ككود.
- لو لم يكن بالعبرية لمضى كل شيء بشكل طبيعي.
- وهذا بالضبط ما يهدف إليه الكود، ألا يمضي كل شيء بشكل طبيعي.

أخذت مدافع دبابات الجيش تقصف منطقة القصور، والصالحية، وحدائق أبي جرش، لم يكن القصف عشوائيًا، كان القصف يستهدف أصحاب الفيلات من الموظفين الكبار والتجار والأثرياء الجدد، لتحييدهم، فبعد الفشل الذي لحق بالنظام من تحييد الغالبية الصامتة بالسيارات المفخخة، راح يحاول تحييد القلة الصامتة، حليفته الإستراتيجية، بقذائف من جهنم، فتركه القمندان لانج يفعل، ونجح في التسلل وفرقته من المزرعة إلى الجسر الأبيض.






































القسم الخامس

اقتتل رجال فرانك لانج وبيادق الجيش تحت سماء ملبدة بالغيوم، فاستعملت كل أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ولشراسة الطرفين تم تدمير الجسر الأبيض، وكل المنطقة التي تحمل اسمه، ووجد القمندان الفرنسي نفسه مضطرًا للتراجع وفرقته إلى المزرعة. حملوا جرحاهم، وتركوا مركباتهم المعطوبة، والدخان الكثيف يتصاعد كما لو كان يتصاعد من فوهات البراكين، فلم يعرفوا أين يضعون أقدامهم. كان العالم كله أنقاضًا، ونهار دمشق كله ظلامًا، فلم تر أبولين دوفيل فوهة المَصْرِف الذي سقطت فيه، وهي تصرخ "لانج"، مَصْرِفٌ يدور عميقًا كحلبة زالقة. لمح فرانك لانج ذهبها تحت خُوذتها، وهو يبرق قبل أن ينطلق من المعلوم إلى المجهول معها، ووصله صدى النداء، فلم يكن له خِيار آخر غير اللحاق بها. ألقى سلاحه وأمشاطه وقربته وكل ما يعيقه عن الانزلاق، وقفز، وإحساسه بالخطر كان أكثر من أي وقت آخر.
بعد دوران مدوخ مصحوب بصرخة لا تنتهي، ويده تضغط خوذته خوفًا على رأسه، وجد فرانك لانج نفسه يسقط على ظهره في حضن من الرمل بعد أن قذفه المَصْرِفُ من فوهته المعلقة في الهواء. اعتدل في جلسته، وهو يَجُسُّ كل عضو من أعضاء جسده، لئلا يكون كسر قد لحق به أو رَضّ، ولم يلحظ أبولين دوفيل غير بعيد عنه. كانت تجلس على طرف جذع يعترض سيل ماء قذر، وقد خلعت خوذتها، وألقتها إلى جانب سلاحها المحطم عند قدمها.
- هل كل شيء على ما يرام؟ سألت ضابطة المخابرات الخارجية.
- أعتقد ذلك، أجاب رجل التحري الخاص، وهو يجدها في مجاله المغنطيسي، ويخلع خوذته، ويلقيها، ثم ينهض.
- نحن كما ترى في أحشاء دمشق.
- الظلام ليس شديدًا.
- هناك في الجدران بعض الكوى.
- وهناك سيل، ليس الكوثر ما في شك.
- رائحته ليست محتملة.
- كيف تريدينها أن تكون، رائحته؟ رائحة التوت والروم كما هي رائحة المجرة؟
اقترب منها، فنهضت، وقالت، وهي تضرب السلاح بقدمها، وترتعش:
- لم يعد نافعًا.
أمسك فرانك لانج يدها، وهمهم:
- كابتن دوفيل، أنا هنا.
ترامت بين ذراعيه، وهمست:
- أنا خائفة، أيها الفُطر.
- أنا هنا، عاد رجل التحري الخاص يهمهم.
- فوق الأمر يختلف، أما هنا...
شدها إلى صدره بقوة، وهمس:
- قلت لك أنا هنا.
دفعها بكل رقة من أمامه، واتجها نحو السيل. كان عليهما أن يتبعا الماء الجاري، فمن المفترض أن يكون هناك مصب عند نهايته، وكان الماء الجاري من الكثافة بحيث يصعب عليهما السير فيه. لكنهما كانا يتركانه إلى الضفة بين مسافة وأخرى، ثم يتسع السيل، فيضطران إلى الخوض في رواسبه. لم تعد هناك كوى تخترقها الأشعة، فأخرج فرانك لانج مصباحًا من جيب سترته، وعلى هالته تابعا طريقهما إلى حيث لا يدريان.
وهما يقتربان من نفق يعارض النفق الذي كانا فيه، وصلتهما أضواء شموع، وشيئًا فشيئًا ظهرت لهما ثقوب كبيرة في الجدران مسكونة كلها من طرف أناس كما لو كانوا قادمين من العصر الحجري. اضطرتهما صخور انحرف السيل بسببها من أخذ هذا النفق، فأمسكت أبولين بذراع فرانك، وألصقت كتفها بكتفه. وقف صغارهم وكبارهم، نساؤهم ورجالهم، على حواف ثقوبهم، وراحوا يحدقون فيهما، هم وقططهم راحوا يحدقون فيهما. كانت للقطط رؤوس كبيرة ووجوه مستديرة، وهي تحدق كما يحدق البشر، وكانت للكائنات الغريبة هيئة الوحوش في ثيابها الجلدية، وهي تبدو بشعورها الطويلة وأجسادها الملوثة كما يبدو الأنبياء الأوائل. كان أولئك البشر الذين ليسوا بشرًا يجمدون في وقفاتهم، وكانوا يلقون على العابِرَيْنِ نظرات لا حياة فيها. غادر البعض الثقوب إلى ضفة السيل، وعند مرور الفرنسيين بهم، مدوا أياديهم، ولمسوا شعر أبولين دوفيل، وخديها، وثدييها، وكتفيها، وخصريها، وفخذيها، وساقيها، وقدميها، وهذه تجمع نفسها على كتف فرانك لانج، وكذلك فعلوا بفرانك لانج، وفرانك لانج يراقبهم بحذر، وبحذر يداوم على السير معها، إلى أن وجدا نفسيهما وحيدين من جديد، ولكن ليس إلى وقت طويل، إذ بدأت تظهر لهم داخل أنفاق متقاطعة مجموعات من المشوهين المسلحين بشتى أنواع الأسلحة الذين ترتع بين أقدامهم آلاف الفُوَيْرات، وتتسلق سيقانهم، وتملأ جيوبهم، وتسعى للوصول إلى صدورهم، فتتساقط، وتحاول من جديد. سألهما أحد المسلحين المشوهين بنبرة خشنة:
- ماذا تفعلان هنا؟
فقالا:
- سقطنا من مَصْرِف.
شد الرجل السترة العسكرية لفرانك لانج، ثم السترة العسكرية لأبولين دوفيل، وسأل:
- ما هذا؟
- سترة عسكرية، قال فرانك لانج.
- قفاي! أعرف أنها سترة عسكرية، عوى الرجل.
كانوا أقرب إلى الخارجين على القانون من أي شيء آخر، فغامر رجل التحري الخاص بنفسه قائلاً:
- قاتلنا إلى جانبكم.
- قاتلا إلى جانبنا، صاح الرجل بالمسلحين المشوهين الذين أطلقوا صرخة تعبر عن رضاهم، لكنه أخرسهم بحركة آمرة من يده، وعاد يسأل بنبرة خشنة: قاتلتم إلى جانبنا ضد من؟
حار فرانك لانج في أمره، وهو ينظر إلى أبولين دوفيل طالبًا عونها.
- ضد الذين أنتم ضدهم، همهمت ضابطة المخابرات الخارجية.
- ضد الذين نحن ضدهم، صاح الرجل بالمسلحين المشوهين الذين عادوا يطلقون صرخة تعبر عن رضاهم، لكنه أخرسهم من جديد بحركة آمرة من يده، وأخذ يقول: نحن الذين لا دين لنا ولا شرف أشرف الكائنات على الأرض! فأطلق المسلحون المشوهون صرخات عديدة تعبر عن رضاهم، ولم يخرسهم هذه المرة.
أرادا الذهاب، فأوقفهما:
- إلى أين؟
أشار فرانك لانج إلى أحد الأنفاق.
- هذا النفق يذهب إلى سوق الميدان التي استعادها الجيش، قال الذي لا دين له ولا شرف، خذا ذاك النفق، سيذهب بكما إلى نهر عيشة، نهر عيشة ما زال لنا.
- شكرًا جزيلاً، همهم فرانك لانج، وهو يسحب أبولين دوفيل من ذراعها.
عجلا في السير، وذهبا. سارا ساعة أو يزيد، في السيل تارة، وعلى الضفة تارة، إلى أن وصلا قرب شلال من الماء القذر. تسلقاه من جانبه، وفوق وجدا نفسيهما على رصيف مبلط فيه أكداس مكدسة من الجرحى، يعالجهم طبيب وممرضتان بإلصاق العلق على جراحهم. كان العلق يزلق على وجوه بعضهم وأجساد بعضهم كما لو يزلق في بحيرة من الزيت.
- ستفرغ أوردتهم من الدم، همهمت أبولين دوفيل، وهي تدير وجهها اشمئزازًا.
- إنها الطريقة الوحيدة لمعالجة المتمردين، قال الطبيب، ونحن ينقصنا كل شيء، لو كانوا في المستشفيات لتمت تصفيتهم.
- أعرف أن العلق من وراء كل حياة، همهم فرانك لانج، ولكن ليس أي علق.
- ما أن يمتص العلق الدم، وينظف الجرح ننزعه، وبعد وقت قصير لا يتجاوز الساعة يندمل الجرح، فسّر الطبيب، العلاج الطبيعي للجريح هذا هو أحسنه.
- تريد القول العلاج البدائي، قالت أبولين دوفيل.
- إذا شئت، رد الطبيب، لكنه من أنجع الوسائل.
أطلقت الشقراء الفرنسية صرخة كتمتها بأصابعها على منظر العلق، وهو يزلق في الفم المفتوح لأحدهم.
- وللعلق حاسة سادسة كحواسنا، علّق الطبيب، هذا الجريح ينزف من داخله، لهذا السبب.
- لهذا السبب ماذا؟ استوضحته أبولين دوفيل عما يقول.
- لهذا السبب يزلق من الفم، وربما يزلق من مكان آخر، ألقى الطبيب ضاحكًا.
سبقت ضابطة المخابرات الخارجية رجل التحري الخاص إلى مغادرة المكان، والطبيب يقول لفرانك لانج ردًا على سؤال ما إذا كانت الطريق إلى نهر عيشة:
- نعم، إنها الطريق إلى نهر عيشة.
- هل ما زلنا بعيدين؟
- ليس كثيرًا.
- شكرًا جزيلاً. هذا العلق الصغير شيء مدهش!
- ولكن حذار من العلق الكبير!
خف رجل التحري الخاص إلى الذهاب من وراء أبولين دوفيل، وأبولين دوفيل تواصل السير بسرعة دون أن تلتفت، وتقول:
- تجدهم الآن احتلوا القصر الرئاسي، وتوزعوا الذهب فيما بينهم.
- هذا ما فكرت فيه، همهم فرانك لانج. نحن بالنسبة لهم ميتان، وإلا كانوا قد جاءوا للبحث عنا.
- كيف يجيئون للبحث عنا ومن مصلحتهم أن نغيب عن الوجود؟
- لا تسيئي الظن فيهم.
- برهاني على ذلك أنهم لم يجيئوا في أثرنا، هكذا سيضاعفون حصصهم.
- كل هذه السبائك وتريدينهم أن يضاعفوا حصصهم؟
- إنه لعالم جشع العالم فوق، يا عزيزي لانج، ليس فيه من العلق سوى كبيرِهِ.
- أنت أيضًا؟
- أنا أيضًا ماذا؟
- لا شيء.
فجأة، إذا بهما أمام هرم من الأجهزة الإلكترونية، حاسوبات وشاشات وكونسولات ولويحات وتلفونات، تلفونات لا تعد ولا تحصى. كان أولاد ينقلونها عبر نفق جانبي طويل مربوطة على ظهور كلاب سلوقية، أو في أفواهها، وهذه تعض عليها كما لو كانت تعض على طريدة من طرائدها. نقلت أبولين دوفيل بين أصابعها هاتفًا محمولاً آخر موديل، وبعد أن قلّبته، وضعته في جيبها، وكذلك فعل فرانك لانج بحاسوب محمول صغير بصغر الكف. أخذ الأولاد يحضرون أدوات الإستافيت الإلكترونية، أدوات تعرفها ضابطة المخابرات جيدًا.
- انظر، صاحت أبولين دوفيل استغرابًا.
- هذا صحيح، همهم فرانك لانج، إنها أدواتنا.
- لماذا تجيئون بها؟ سألت أبولين دوفيل أحد الأولاد.
- نحن لا نجيء بها، صحح الصبي، نحن نسرقها.
- لماذا تسرقونها؟
- سنبيعها بالقطعة.
- ولماذا تبيعونها بالقطعة؟ إنها تعمل تمامًا.
- بالقطعة نبيعها بضعف ثمنها.
- بسبب الثورة؟
- لا.
- إذن بسبب ماذا؟
- بسبب لا شيء.
أعطاهما ظهره، وراح يركض أمام كلبه، والكلب من العناء لا يستطيع اللحاق به، فجاءت بنات ملطخات أعمارهن لا تتجاوز التاسعة، وهن يدخن سجائر طويلة. أرادت أبولين مداعبتهن، فتراجعن، واختفين.
مشيا حتى أنهكهما التعب، ارتمت ضابطة المخابرات الخارجية بين ذراعي الطين، وراحت تعبث فيه بأصابعها. كان فرانك لانج يتأمل مفاتنها، ويقول لنفسه: تظل أبولين دوفيل ساحرة وهي نظيفة وهي قذرة. جلس قربها، وخلع حذاءه، وراح ينزع الطين عنه ليجعله خفيفًا، ثم لبسه. عندما انتهى، خلع حذاءها، وراح ينزع الطين عنه، وجعله خفيفًا كحذائه. ألبسها إياه، ونهض. أعطاها يده، وأوقفها. قال لها:
- نحن على وشك الوصول.
- وكيف عرفت؟
- أظن أنني سمعت صوت موج، إنه نهر عيشة.
أرهفت السمع، ولم تسمع شيئًا.
- للأذن وهمها تمامًا كالعين، همهمت أبولين دوفيل.
ابتسم فرانك لانج، وهمهم:
- لأول مرة أعرف كُنْهَ المعرفة.
سارا خلال نصف ساعة، وإذا بهم أمام أكداس مكدسة من بقايا القذائف، فسألت أبولين دوفيل:
- منذ متى ونحن تحت؟
- لست أدري، أجاب فرانك لانج. يخيل إلي منذ وقت طويل.
- ليس بقدر كل هذا.
- بيادق الجيش من أعتى البيادق، يستهلكون من القذائف في ساعة ما استهلكه الألمان خلال أيام في فيردان.
- أليس كذلك؟ وصلهما صوت خشن من وراء أكداس القذائف، ما استهلكه الألمان خلال أيام في فيردان؟
وظهر رجل دميم يحمل سلاحًا رشاشًا من وراء أكداس الصواريخ، يتبعه دميم مسلح ثان، فثالث، لما رأتهم أبولين دوفيل خفت لتحتمي في ظل رجل التحري الخاص.
- لم أشارك فيها معركة فيردان، رمى الرجل الدميم متهكمًا، وأنتما هل شاركتما فيها؟
- نهر عيشة، همهم فرانك لانج، ألسنا على مقربة من نهر عيشة؟
انفجر الرجال الثلاثة ضاحكين ببلاهة.
- يسأل إذا كنا على مقربة من نهر عيشة، غمغم الرجل الدميم متهكمًا من جديد. ومعركة فيردان؟
- سنترككم يا أصحاب، قال فرانك لانج، وهو يهم وأبولين دوفيل بالذهاب، فأوقفهما الرجلان الدميمان الآخران مهدديْنِ إياهما بسلاحيهما.
- ليس قبل أن نشارك كلنا في معركة فيردان، رمى الرجل الدميم بخشونة، وهو يرفع سترة الفرنسية الشقراء بفوهة سلاحه.
- نحن فرنسيان، سارعت ضابطة المخابرات الخارجية إلى القول، وهي تحاول منع رعشة في صوتها، ونحن هنا من أجل حريتكم، نحن هنا من أجل الحرية، الحرية بلا زيادة.
انفجر الرجلان الدميمان الآخران يضحكان ببلاهة، والرجل الدميم الأول بقي عابسًا، وهو يحاول فتح سترة أبولين دوفيل ليرى صدرها، مهمهمًا كالغائب "الحرية بلا زيادة"، إلا أنها صاحت:
- هيه! أوقف هذا، يا دين الكلب!
ودفعته.
أراد فرانك لانج الانقضاض على الرجل الدميم، فمنعه الدميمان الآخران، وهما يدفعانه بسلاحيهما إلى ركام القذائف المستعملة، بينما شج الأول رأس أبولين دوفيل، وأسقطها أرضًا. أخذ يمزق ثيابها، وهو يهمهم كالممسوس في عقله "الحرية بلا زيادة"، حتى عراها تمامًا، ورجل التحري الخاص تحت تهديد الدميمين الآخرين اللذين لم يتوقفا عن الضحك ببلاهة لم يكن بوسعه أن يفعل أي شيء كان. انهار، وفي خياله بدأت النيازك تتساقط ملتهبة، ثم لا تلبث أن تنطفئ. مد يده نحو السديم، وكأنه يطلب عون النجوم، بينما قفزت أبولين دوفيل في الطين محاولة الهرب، فانقض عليها الرجل الدميم من ظهرها، وثناها. جعلها تسقط على الأربع، وهو يلتصق بظهرها، ويجذبها من شعرها كمن يجذب فرسًا من ناصيتها.
- اصهلي! أخذ الطاغية يأمر، هيا اصهلي! وهو ينزرع في ظهرها، وفي الوقت ذاته يجذبها إليه. اصهلي! وراح يصهل. اصهلي! يا ماخور الجولان، اصهلي! وأخذ يضربها على وركيها. قلت اصهلي! وراح يصهل. اصهلي! اصهلي! يا ماخور الجولان، اصهلي! عندئذ راحت أبولين دوفيل تصهل. نعم، هكذا، اصهلي! اصهلي! اصهلي! يا ماخور الجولان، اصهلي! وراح يصهل، وراحت تصهل، وراحا يتناوبان الصهيل، وراحت الحوافر تطرق الرؤوس، رؤوس على مد النظر كالصخور، راحت تطرق الرؤوس، تخترق العيون، وتفجر الأدمغة، وتطرق الرؤوس، تبحث عن الأجساد دون أن تجدها، فتطرق الرؤوس، ويغدو العالم فضاء ممتدًا مليئًا برؤوس البشر، وتطرق الرؤوس، وتمزق الشفاه، تهرق الدماء من الأفواه، وتطرق الرؤوس، وتعود وتطرق الرؤوس، نعم، هكذا، اصهلي! فتصهل، ويصهل، والدميمان الآخران لا يتوقفان عن الضحك الهستيري، بينما كان فرانك لانج يطلق حشرجة طويلة تعني موت الروح. فرانك لانج الصُّلْب العود القوي الشكيمة ابن النجوم لم يعد موجودًا على الرغم من كل ذلك الظل، ظل القمر الذي كان له، فالإنسان ليس خارجه، الإنسان داخله، الإنسان هو داخل الإنسان، وداخله ليس أحشاءه، داخله ليس غائطه، داخله روحه، والغائط هو كل هذا، الغائط هو أبولين دوفيل، الغائط هو الخيل، حوافر الخيل، الصهيل، الغائط هو الذهب، السراب، الحرية، الغائط هو الأنا، خطأ الوجود، الوجود. الغائط هو الوجود، خطأ الوجود، الأنا. الغائط هو الأنا. اصهلي، فتصهل، انبحي، فتنبح، انتحبي، فتنتحب. الغائط. هو. الأنا. الغائط خطأ الوجود. الوجود. الغائط صواب العدم. العدم. كان الكون ذرة غائط. ذرة غائط كالضوء ليست موجودة، كانت العدم، ثم انتفخت بقدر الكون، وتفجرت. الكون. العدم. الوجود. البداية. النهاية. القذارة. الخير. الشر. ومن جديد القذارة. الإنسان هو القذارة. هو الدمامة. هو الصهيل. هو الموت. هو صهيل الموت الدائم.
قذفها المجرم بقدمه لما قضى غرضه، فراحت تتلوى كالدودة في الطين، وتند عنها حشرجات من يحتضر. جمد صاحباه على منظره، كان له وجه لا حياة فيه، فكأنه خرج على التو من قبره. راح بهما ضربًا وشتمًا، وجعلهما يجثمان، ويلحسان نعليه. قهقه عند ذلك محبورًا، وقال جاء دوركما. انقض ثلاثتهم على فرانك لانج، وعرياه. جذباه إلى مكان من هياكل القذائف يصل حتى خاصرته، ولعقه واحد، بينما الثاني انحنى، وجعله يدخل فيه. ذرف رجل التحري الخاص الدمع كامرأة، وهو يواصل اختراق الخسيس، وهذا يصرخ من اللذة. لكنه سقط في الصمت فجأة، كان الجنرال وحيد القرن قد أرداه قتيلاً، بعد أن صرع المغتصب للربة الشقراء، وولى الثالث الأدبار. ظل ابن النجوم يواصل اختراق الوغد، وهو يعرف أنه مات. ركبه مس من جنون، فراح يصرخ، وهو فيه، ويضرب برأسه في القذائف المستعملة، والدم يتفجر من فم الخسيس. ولما قذف كل كيانه، تركه يتساقط كقذارة كانها الإنسان مذ كان الإنسان.





























القسم السادس

رفعت غادة عجيلي أبولين دوفيل من الطين، وساعدتها على ارتداء ثيابها. بقي الكولونيل عابدين صامتًا، والجنرال وحيد القرن يساعد فرانك لانج على ارتداء ثيابه. كان الملحق العسكري التركي السابق ينظر إلى جثتي القتيلين، وهو يفكر أن هذا العالم لا يمكن تغييره، هذا العالم يجب تفجيره بقنبلة نووية تودي بالأخضر واليابس، فتزول البشرية، وتكون بذلك راحة لنا. تقدم، وبقدمه قلب الميتين على ظهرهما، فظهر وجهان لا أكثر منهما دمامة، فالموت يضاعف القبح، لكنه لا يضاعف الكره، وعند ذلك، تبدأ سلسلة من الأفكار المتسلطة في رأس الإنسان كشرط معطل للوجود، يدفعه إلى إقحام نفسه في متاهة الأخلاق.
- صحيح، همهم الكولونيل عابدين، كل هذه الخسة نالت ما استحقت، وأنا لو كان الأمر يتوقف عليّ لفعلت أكثر، لأنهيت على العالم، لأن كل واحد منا موضوع للخسة.
- هل هذا لأن فرانك لانج انتقم من غريمه على طريقته؟ سأل الجنرال وحيد القرن.
- فرانك لانج لم ينتقم، عاد الكولونيل عابدين إلى الهمهمة، فرانك لانج مارس العنف الجنسي كما مارسه هذا الوغد على أبولين دوفيل.
- لقد حصلت على متعتي، همهم رجل التحري الخاص.
- ليس أنا، همهت أبولين دوفيل، بل وللحق أقول حصلت على بعض متعتي.
- البربرية تظل إنسانية، همهمت غادة عجيلي.
- ليس هذا ما أود الوصول إليه، قال الكولونيل عابدين. لقد وقعت جريمة، والصدفة فقط من جعلت من هذا القاتل ومن ذاك الضحية، كل واحد منا مؤهل ليكون هذا أو ذاك. وبناء على ذلك، أقترح أن نحمل الجثتين، ونذهب إلى أقرب مركز للشرطة. القانون وحده ما يبت في المسألة، وعلى هذا الأساس وحده يمكننا أن نقطع باقي العمر مرتاحي الضمير.
- كل الذين قتلت دون قانون يردعك، وتريد الآن أن تلجأ إلى القانون، لأن جرذين كهذين الخسيسين قتلتُهما دفاعًا عن النفس؟ سأل الجنرال وحيد القرن.
- ليس دفاعًا عن النفس، اعترض الكولونيل عابدين.
- دفاعًا عن قفاي، نبر الجنرال وحيد القرن، دفاعًا عن أي شيء، أنت لا تنكر أنني قتلتهما دفاعًا عن رفيقينا.
- لم يكن فرانك لانج في موقف يوجب الدفاع عنه، ألقى الكولونيل عابدين.
- هذا صحيح، همهمت غادة عجيلي.
- هذا صحيح، همهمت أبولين دوفيل.
- حتى أنتِ كابتن دوفيل! عاتب فرانك لانج بمرارة.
- لكنني لست مع أن نذهب إلى أقرب مركز للشرطة، سارعت ضابطة المخابرات الخارجية إلى القول. الحرب هي قانونها، تحت أم فوق لا مكان إلا لهذا، وهذا ما كان.
- تسمين هذا حربًا؟ وبخها الملحق العسكري التركي السابق، حتى حرب أهلية ليست هي، وما الأمر سوى صراع حول السلطة بين خراءين أحدهما استبدادي والآخر استبدادي – لأصحاب اللحى وغير اللحى رؤية واحدة في نهاية المطاف - صراع تطور من سلمي من طرف إلى استعمال العنف من طرفين. إذن لكل واحد أسبابه الخاصة به في كل هذا النيك، كما يقول الجنرال وحدي القرن، ونحن الأوائل. هل تنسين لماذا أنت هنا كابتن دوفيل؟ نحن هنا من أجل مليار دولار ذهب لكل واحد منا نستولي عليه ثم نعود إلى ديارنا.
- لنكمل مهمتنا، همهم فرانك لانج، ثم سنفكر في مصير هذين الجرذين الميتين.
- بل في مصيرك فرانك لانج، وفي مصير الجنرال وحيد القرن، قال الكولونيل عابدين بنبرة حاسمة، عندما تغدوان أسبابًا لغيركما. ضميركما لن يسمح لكما بنكران ما حصل، ولا فكركما، فأين الخير؟ وأين الشر؟ ولنحكم، أين القواعد؟
- لن نفكر في مصير أحد، قالت أبولين دوفيل، لقد دفعت وحدي ثمن خسة الآخرين، وما دفعته كاف ليبرئ حتى يهوذا.
- لنخرج من هنا، طلب الجنرال وحيد القرن لكن أحدًا لم يتحرك من مكانه. سأخرج وحدي إذن، لكنه لم يتحرك من مكانه.
- كنت أظن أنني بالعلم أستطيع إصلاح العالم، همهمت غادة عجيلي، لهذا أردت شراء هارفارد، أكسفورد، أو السوربون.
- كنت أعتقد أنني بالرأفة أستطيع إصلاح الأخلاق، همهمت أبولين دوفيل، لكن العهر للبشر مادة ترف.
- كنت أرى في ملء المعدة والأمعاء إصلاح الوجود، همهم الجنرال وحيد القرن، إلا أن هؤلاء البشر كل ذهب العالم لا يكفي جوع أقفيتهم وأفواههم.
- كنت أحلم بالقوة كوسيلة لاستتباب السلم، همهم الكولونيل عابدين، فإذا بالسلم شيء مستحيل في كل مكان على الأرض، وليس فقط في سوريا.
- يا رداءة الخراء، يا رداءة الخراء، يا رداءة الخراء! همهم فرانك لانج، نحن نحلم أكثر مما نفكر.
عاد الرجل الدميم الثالث الذي هرب منذ قليل على أصابع الرجل من وراء ركام القذائف المستعملة، وهو يشهر سلاحه، وأطلق مرديًا غادة عجيلي قتيلة، قبل أن يولى الأدبار من جديد. لحق به الكولونيل عابدين، وقتله. وبعد ذلك، جاء مطأطئ الرأس.
- كان عليّ أن أقتله، همهم الكولونيل عابدين بعناء.
همهمت أبولين دوفيل، وهي تبكي، وتهز غادة عجيلي في حضنها كمن تهز طفلتها:
- كل ذهب العالم لا يعادل شعرة واحدة من شعرات هذه السورية!
عاد الكولونيل عابدين إلى القول:
- كان عليّ أن أقتله.
- لو لم تقتله أنت لقتلته أنا، قال فرانك لانج.
- كان عليّ أن أقتله، قال الكولونيل عابدين للمرة الثالثة.
- ليس القانون وحده ما يبت في المسألة، همهم فرانك لانج.
- تريد القول هناك قانون الغير وهناك قانون النفس، همهم الملحق العسكري التركي القديم، وأنا كنت قانون نفسي، لهذا قتلت.
- لنكمل هذا النيك، همس الجنرال السوري الشجاع.
سار الجنرال وحيد القرن باتجاه المخرج المؤدي إلى نهر عيشة، تبعه الكولونيل عابدين، فرجل التحري الخاص. طبعت أبولين دوفيل قبلة على ثغر غادة عجيلي، وتركتها تضطجع في الطين، والتحقت بالآخرين.
لم يكن نهر عيشة نهرًا ككل الأنهار، كان عبارة عن طبقة حصى قطعوها تحت سماء ملبدة بالغيوم إلى كفر سوسة. وفي كفر سوسة لم يكن هناك أي أثر لقتال، وكأن المنطقة جناح طائر مقطوع عن دمشق. مضوا بجنازة كلب، ونساء بورجوازيات في ثياب الحداد على عيونهن نظارات سوداء ضخمة يرشقن النعش بتويجيات الورد. كان عازف ناي يعزف لحنًا حزينًا، والنعال تتمايل على الإيقاع، وهي في كامل سعادتها. على باب مكتبة، وقف كاتب من مدينة الله كان مريضًا بالطاغية، فبَصَقَ البراق عليه ليبرأ حتى أغرقه بالبَصْق. عندما نظروا إلى ما في المكتبة من كتب في امتداح الطاغية: الطول العرض الجمال الدلال، أخذ الدمع يسيل من بين سطورها كما تسيل الأنهار. لكن صيحات وصلتهم على حين غِرة، فالتفتوا ليروا جمعًا من الجنود الشبان، وهم يهتفون: بالدم بالروح نفديك يا جبار! بقوة وصدق وحمية، وهم يقفزون، دون أن ينتبهوا إلى صور الطاغية تحت أحذيتهم. ولتعبّر موظفات السفارة الصينية عن شرفهن وبراءتهن وإخلاصهن، بقرن بطونهن، بينما ألقت موظفات السفارة الروسية بأنفسهن من النوافذ.
تركوا كفر سوسة إلى مجمع كلية الطب والآداب، ووجدوه ركامًا على ركام، والصرعى بالقنابل الكيميائية بالعشرات، بالمئات، بالآلاف. كان الموت بشعًا، أكثر ما يكون بشاعة، وكانت الجريمة جميلة، أكثر ما يكون جمالاً. هل هذا هو الله المحب لسوريا؟ هل هذه هي المؤامرة الخارجية؟ هل هذا هو وطن الألف وردة جورية؟ وهم في طريقهم إلى حديقة تشرين، كان الفارون من الجيش يقاتلون في شارع عدنان المالكي، فعملوا على تجنبهم. كانت فرقتهم تقاتل في شارع إبراهيم هنانو إلى جانب مجموعة من مقاتلي الظل خرجت من ظلال موت كان موت دمشق نفسها، موت دام عشرات الأعوام، فالتحقوا بالرجال، وقادهم فرانك لانج، والناس يصفقون للأبطال، ويهتفون بحياتهم، حتى القصر الرئاسي في حي المهاجرين. لم تكن المعركة سهلة مع الحرس الجمهوري إلا أن مقاتلي الذهب الأربعة تمكنوا في الأخير من اختراق القصر.
وجدوا القصر الرئاسي خاليًا، لا أحد فيه غير موظف ربما كان واحدًا من رجال البروتوكول لبدلته السوداء اللماعة وعقدته الفراشية السوداء اللماعة وحذائه الأسود اللماع، كان يريد الموت على سور القصر لا لشيء إلا لإسْمَنْتِهِ السميك. جذبه الجنرال وحيد القرن من خناقه، وقال له:
- الأكل، أيها المغفل! أين الكافيار؟ أين الشمبانيا؟ أين الإيمة بالفستق الحلبي؟
أخذ البروتوكولي يتلعثم، فراح به ضربًا.
- نحن في حالة تقشف بسبب الحرب، أوضح البروتوكولي، أكلنا من الفول حتى أصبحنا فولاً، ولم يبق منه شيء.
- فول في قصر ملك البشرية لعمك وحيد القرن ملك الأكل!
- وكتحلاية...
رفع الرجل رأسه إلى صور الملالي التي تزدان بها الجدران، وراح يبكي.
بحثوا عن الذهب في كل مكان، وأول ما بحثوا في الحجرة المحصنة تحت الأرض، فلم يجدوه.
- وأنا على كل حال لم أعد أريده، ذهب الموت هذا، همهمت أبولين دوفيل تعبة.
- ولا أنا، لم أعد أريده، همهم فرانك لانج تعبًا.
- ولا أنا، ولا أنا، همهم الكولونيل عابدين تعبًا.
- أما أنا، فأريده، أوه! كم أريده، صرخ الجنرال وحيد القرن، وأقل تعب لا يبدو عليه.
- بسبب الذهب ماتت غادة، حوريتي الصغيرة، كما يعني اسمها، ومات كل شيء معها، همهمت أبولين دوفيل ودمعة تسيل على خدها، كل العاهرات وكل المحجبات يبكين معي.
- موت غادة، موت سوريا، موت العالم، موت النجوم، همهم فرانك لانج.
- عالم لا يستحق تشظيه، فهو وُلِدَ مشظى، همهم الكولونيل عابدين.
- إنها الناحية الشيطانية في الذهب، طنَّ الجنرال وحيد القرن، لهذا هو ذهب، وأنا لهذا اللهذا أريده، أوه! كم أريده.
- كل العاهرات والمحجبات يبكين معي على غادة، عادت أبولين دوفيل إلى القول، دموعهن اللؤلؤ، ساخنة دموعهن أكثر من كل ذهب العالم.
- ذهبنا إليه بعد أن قرر كل شيء عنا، وخدعنا، قال الكولونيل عابدين.
- صادقة دموعهن أكثر من كل ذهب العالم.
- لقد اختار الذهب عنا، قال فرانك لانج.
- حرة دموعهن أكثر من كل ذهب العالم.
- اختار الذهب عنا في باريس، وفي دمشق سنختاره، قال الجنرال وحيد القرن. الدكتاتورية أم الذهب؟ الذهب. الحرب الأهلية أم الذهب؟ الذهب. الحرية أم الذهب؟ الذهب. وفجأة: أي منايك خراء نحن! بحثنا في كل مكان ما عدا...
وذهب يركض إلى الحديقة التي أول ما حط القدم فيها، رأى زرافة جميلة، تقضم الورق من قمم الأشجار، بكل ليونة الكون، وتبتسم بنعومة. جاءوا من ورائه، وابتسموا لابتسامة الزرافة. اقتربت منها أبولين دوفيل، فنزلت الزرافة برأسها حتى خد الإلهة الشقراء، ورضبته بلسانها.
- هناك، صاح الجنرال وحيد القرن، وهو يشير إلى باب ضخم في أقصى الحديقة.
راح يركض، وفتحه، فإذا به مسدود بالإسمنت. حاروا في أمرهم، فعضلاتهم لن تنفع، ولا الرصاص. وهم ينظرون من حولهم إذا بقنبلة تنفجر في المكان الذي كانت فيه الزرافة، وتمزقها. رأوا رأسها معلقًا على رأس شجرة، وساقاها على رأس شجرة أخرى، وجسدها متناثرًا على الورد الجوري والرياحين. كان ثلاثة أو أربعة من حرس القصر الرئاسي هم من فعلوا هذا بمدفعهم المتمترسين خلفه فوق السور، وكانوا على وشك إرسال قنبلة ثانية، فكلمهم الجنرال السوري. اتفق معهم على اقتسام سبائك الذهب إذا هم فتحوا الباب المسدود بالإسمنت بضربة من مدفعهم. وكان أن فعلوا، وفي الداخل كان الذهب بالأطنان، أكثر من مائة طن، مائتان، وربما ثلاثة، كل ذهب سوريا كان هناك. صرخ الجنرال وحيد القرن من الفرح والذهول، وحمل سبيكة، وعضها، وأخذ يعوي، ثم عاد يصرخ حتى بح صوته، وشيئًا فشيئًا أدرك أن لا أحد يصرخ سواه. ابتلعه الصمت كالآخرين، وطأطأ رأسه. وضع السبيكة في جرابه، وغادر المكان معهم، وكل الحزن في العالم يثقل هامته. رأوا كيف راحت تلك الكائنات الغريبة تتوارد وأولئك المسلحون المشوهون والجرحى الزاحفون بعلقهم والسارقون الصغار للأجهزة الإلكترونية والملوثات الصغيرات المدخنات للسجائر الطويلة، وكيف حملوا سبائك الذهب، وفي لمح البصر اختفوا. وصل رئيس الفارين من الجيش، فأخذ الأربعة بالأحضان واحدًا واحدًا. علق الأوسمة على صدورهم، وخرج بهم إلى الجماهير التي زحفت لتحيي الأبطال، وتحتفي بالانتصار. خلعت المحجبات أحجبتهن احتفاء بالقضاء على النظام القديم، وطارت الحمائم ذات المناقير السوداء، لكن الغيوم في سماء دمشق لم تنقشع، والشمس في أزقتها لم تدخل. كان الوهم سيد الأشياء، فالنظام القديم لم يتم القضاء عليه، والناس في رؤوسهم اعتادوا على البطش حكمًا. أبدلوا العنيف باللطيف، إلا أن النتيجة بقيت واحدة. حكمت الثورة على الحرية بالسجن المؤبد، فالثورة تدرُّب، والحرية تدرُّب، والديمقراطية تدرُّب، والحلم، والحب، والسفر، وكل شيء في الحياة تدرُّب، كل شيء، القريب والبعيد، الأليف والغريب، التعيس وغير التعيس، والتدرّب يأخذ وقتًا. كانت الثورة بحاجة إلى جيل لتتحقق، والباقي إلى أجيال. أعادت المحجبات ارتداء أحجبتهن ذات اللون الأسود، ورأين العالم من تحتها كفردوسٍ شمسُهُ لا تغيب أبدًا.


باريس الاثنين 2012.07.23









































في نفس السلسلة

1) فرانك لانج، أبولين دوفيل و شيطان طرابلس
2) فرانك لانج، أبولين دوفيل و البحث عن أبولين دوفيل
3) فرانك لانج، أبولين دوفيل و زرافة دمشق
4) فرانك لانج، أبولين دوفيل و قصر رغدان
5) فرانك لانج، أبولين دوفيل و الصلاة السادسة
6) فرانك لانج، أبولين دوفيل و مدينة الشيطان
7) فرانك لانج، أبولين دوفيل و هنا العالم



























































أعمال أفنان القاسم

المجموعات القصصية

1) الأعشاش المهدومة 1969
2) الذئاب والزيتون 1974
3) الاغتراب 1976
4) حلمحقيقي 1981
5) كتب وأسفار 1988
6) الخيول حزينة دومًا 1995

الأعمال الروائية

7) الكناري 1967
8) القمر الهاتك 1969
9) اسكندر الجفناوي 1970
10) العجوز 1971
11) النقيض 1972
12) الباشا 1973
13) الشوارع 1974
14) المسار 1975
15) العصافير لا تموت من الجليد 1978
16) مدام حرب 1979
17) تراجيديات 1987
18) موسى وجولييت 1990
19) أربعون يومًا بانتظار الرئيس 1991
20) لؤلؤة الاسكندرية 1993
21) شارع الغاردنز 1994
22) باريس 1994
23) مدام ميرابيل 1995
24) الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون 1995
25) أبو بكر الآشي 1996
26) ماري تذهب إلى حي بيلفيل 1999
27) بيروت تل أبيب 2000
28) بستان الشلالات 2001
29) فندق شارون 2003
30) عساكر 2003
31) وصول غودو 2010
32) الشيخ والحاسوب 2011
33) تراجيديا النعامة 2011
34) ستوكهولم 2012
35) شيطان طرابلس 2012
36) زرافة دمشق 2012
37) البحث عن أبولين دوفيل 2012
38) قصر رغدان 2012


الأعمال المسرحية النثرية

39) مأساة الثريا 1976
40) سقوط جوبتر 1977
41) ابنة روما 1978

الأعمال الشعرية

42) أنفاس (مجموعة قصائد أولى – ثلاثة أجزاء) 1966
43) العاصيات (مسرحية شعرية) 1967
44) المواطئ المحرمة (مسرحية شعرية) 1968
45) فلسطين الشر (مسرحية شعرية) 2001
46) الأخرق (مسرحية شعرية) 2002
47) غرافيتي (مجموعة قصائد فرنسية) 2009
48) غرب (ملحمة فرنسية) 2010
49) البرابرة (مجموعة قصائد أخيرة) 2008 – 2010

الدراسات

50) البنية الروائية لمصير الشعب الفلسطيني عند غسان كنفاني 1975
51) البطل السلبي في القصة العربية المعاصرة عبد الرحمن مجيد الربيعي نموذجًا (جزءان) 1983
52) موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح 1984
53) البنية الشعرية والبنية الملحمية عند محمود درويش 1984
54) بنيوية خاضعة لنصوص أدبية 1985 – 1995
55) دفاعًا عن الشعب الفلسطيني 2004
56) خطتي للسلام 2004
57) شعراء الانحطاط الجميل 2007 – 2008
58) نحو مؤتمر بال فلسطيني وحوارات مع أفنان القاسم 2009
59) حوارات بالقوة أو بالفعل 2007 – 2010
60) الله وليس القرآن 2008 - 2012
61) نافذة على الحدث 2008 - 2012


ramus105@yahoo.fr












زرافة دمشق رواية الثورة السورية، تم نسج حبكتها اعتمادًا على عنصر وهمي لا علاقة له بالثورة لا من قريب ولا من بعيد، فالذهب الذي يذهب من أجله إلى دمشق بطلا أفنان القاسم التيميّان في سلسلته السوداء، فرانك لانج، رجل التحري الخاص، وأبولين دوفيل، ضابطة المخابرات الخارجية، وصحبهما، ألزمهم خوض غمار معارك تحرير البلاد مدينة مدينة من الحدود التركية إلى القصر الرئاسي، قصر المهاجرين، وفي الطريق يبرز كل البؤس الإنساني عبر تضحيات السوريين وتواطؤ بعضهم وتيه البعض الآخر.

يركز الكاتب في هذه الرواية على عبث الوجود، فأي معنى للثورة، وسماء دمشق غائمة في الصيف، وليس هناك من فرق كبير بين الضحية والجلاد؟ "أنا قانون نفسي"، تقول إحدى الشخصيات، لكن هذا القول لا يبرر جسامة الفعل الذي لولاه لما كانت الحرية، فما العمل إذن والحرية نفسها مهددة بمن يجيء بها؟

ما يراهن عليه العرض شيء آخر، شيء يبقى في دائرة المحتمل، فكل الرواية تدور وقائعها في هذه الدائرة، وكل وقائع الرواية هي وقائع محتملة، ليس لأن الثورة خلال كتابة هذه السردية لم تتحقق، وليس لأن الكاتب يخشى أن يعارض قدر السوريين، ولكن لأنه يريد للسوريين قدرًا مغايرًا.









* أفنان القاسم من مواليد يافا 1944 عائلته من برقة قضاء نابلس له أكثر من ستين عملاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية ومجموعة شعرية ودراسة أدبية أو سياسية تم نشر معظمها في عواصم العالم العربي وتُرجم منها اثنان وثلاثون كتابًا إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية، دكتور دولة ودكتور حلقة ثالثة من جامعة السوربون ودكتور فخري من جامعة برلين، أستاذ متقاعد عمل سابقًا في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة المركزية الفرنسية وجامعة مراكش وجامعة الزيتونة في عمان والجامعة الأردنية، تُدرّس بعض أعماله في إفريقيا السوداء وفي الكيبيك وفي إسبانيا وفي فرنسا...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,284,109,377
- البحث عن أبولين دوفيل رواية الثورة المصرية
- نافذة على الحدث الأعمال الكاملة
- حوارات بالقوة أو بالفعل
- دمشق كروما فاشية فأينهم مقاتلو الظل؟
- الله وليس القرآن الأعمال الكاملة
- الجنس والله
- الكون لم يخلقه الله
- الإسلام دراسة أعراضية
- فولتير والمثقفون العرب
- ردًا على سامي أبي الذيب الله وليس القرآن
- شعراء الانحطاط الجميل
- البؤساء فكتور هيغو الجزء الأول
- شيطان طرابلس
- ستوكهولم
- تراجيديا النعامة
- الشيخ والحاسوب
- وصول غودو
- مؤتمر بال الفلسطيني وحوارات مع أفنان القاسم في كتاب
- أمين القاسم الأيام الفلسطينية
- خطتي للسلام الاتحاد بين الفلسطينيين والإسرائيليين


المزيد.....




- بعيداً عن فعاليات جائزة المعلم العالمية.. ما الذي فعله هذا ا ...
- ناصر بوريطة يجري مباحثات بمراكش مع نائبة الأمين العام للأمم ...
- 31 مارس أخر موعد للترشح لكتاب القصة العربية حول العالم
- فيلم -نحن- يحقق 70 مليون عائدات في عطلة نهاية الأسبوع الأولى ...
- مهرجان? ?تطوان? ?لسينما? ?البحر? ?الأبيض? ?المتوسط? ?يحتفي? ...
- وزير? ?الثقافة? ?المغربي?: ?قانون? ?الصناعة? ?السينمائية? ?ف ...
- شيرين عبد الوهاب تخرج عن -صمتها الإلكتروني-
- بنشماس من مكناس: - نخشى معاول الهدم من الداخل و على الحزب أن ...
- ندوة شعرية عن ديوان -حضن الريح- للشاعر الكبير محمد السخاوي
- باريس: احتفالية كبيرة بمناسبة مشاركة سلطنة عُمان كضيف خاص في ...


المزيد.....

- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر
- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - زرافة دمشق رواية الثورة السورية