أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الحسين شعبان - كي لا تطمس الحقيقة















المزيد.....

كي لا تطمس الحقيقة


عبد الحسين شعبان
الحوار المتمدن-العدد: 3799 - 2012 / 7 / 25 - 17:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



شهد نحو 40 بلداً من البلدان التي جرت فيها تحوّلات وتغييرات ما سمّي “مسار العدالة الانتقالية”، وإنْ ظلّ الجدل محتدماً والنقاش دائراً حول آفاقها وحدودها والنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها . وهو ما نراه اليوم بحدّة في بلدان ما أطلق عليه الربيع العربي، لاسيما بعد الإطاحة بالأنظمة الحاكمة السابقة، وخصوصاً في تونس ومصر وليبيا واليمن .

وتعتمد العدالة الانتقالية على طائفة من التدابير والإجراءات القضائية وغير القضائية للوصول إلى الحقيقة وكشفها، وذلك بحد ذاته واحد من الأهداف الأساسية لها، أما الهدف الثاني الموازي له، فهو يسعى لتقديم مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان للمساءلة . ويقوم الهدف الثالث على جبر الضرر المادي والمعنوي والعمل على تعويض الضحايا أو ذويهم مما لحق بهم من غبن وأضرار، ويُعد الهدف الرابع للعدالة الانتقالية وتتويجاً لجميع الأهداف هو إصلاح الأنظمة القانونية والدستورية والقضائية والأمنية لمنع تكرار ما حدث والالتزام بالمعايير القانونية خلال إنفاذها لحكم القانون .

والعدالة الانتقالية بهذا المعنى هي أداة لفحص وفهم آليات الأنظمة الاستبدادية والسلطوية السابقة والعمل على تفكيك بنيتها، ولها في الوقت نفسه دور تربوي كبير، لاسيما إذا استطاعت مساعدة الأفراد والمجموعات على التخلص من منطق الثأر والكراهية، والانتقال إلى منطق الحق والعدل، والعمل على تربية الأجيال على الثقافة الحقوقية، التي تكفل حقوق الإنسان وتسعى لحمايتها وتأمين مستلزمات تحقيقها: دستورياً وقانونياً وقضائياً وتربوياً وثقافياً واجتماعياً .

ولعل تجارب العدالة الانتقالية سواءً التي حصلت في الحرب العالمية الثانية، لاسيما في ألمانيا وما تبعها من تجارب في تشيلي والعديد من الدول أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا وبعض البلدان الآسيوية والإفريقية، وتجربة البلدان الاشتراكية السابقة، هي تجارب معقدة ومسارات متعددة ومتنوعة، وإنْ كانت الأهداف العامة الأساسية تشكل مشتركاً لها وقاعدة حقوقية وأخلاقية، لكن لكل بلد خصوصيته ومساره، وبقدر ما يمكن الاستفادة من التجارب والخبرات التي سبقت بلدان الربيع العربي، الاّ أنه لا يمكن استنساخها أو تقليدها بشكل أعمى، ولا بدّ من أخذ الظروف الخاصة والتطور التاريخي والاجتماعي والعوامل الدينية والاقتصادية والقانونية بنظر الاعتبار، وذلك بهدف وضع آليات للمسار الذي يمكن أن تتخذه العدالة الانتقالية في كل بلد بما يتمتع به من أوضاع وظروف .

إن موضوع العدالة الانتقالية المتعدد الأبعاد يقع في قلب تحوّلات كل مجتمع من المجتمعات التي تشهد تغييرات وتحوّلات سياسية، بما يؤدي إلى الوقوف بصورة عميقة عند ما حصل من ارتكابات، ليحلل آليات عمل سياسات العنف والإقصاء والتهميش، وفي الوقت نفسه ليضع ضوابط للتخلّص من آثارها وقطع الطريق عليها للعودة .

وبقدر كشف الحقيقة أولاً والمساءلة ثانياً والعمل على تنظيم سبل إنصاف الضحايا ثالثاً ثم بلورة سياسات اجتماعية واقتصادية وثقافية وتربوية وتشريعات ناظمة وقضاء ضامن وأجهزة أمنية حامية، لجعل احترام حقوق الإنسان مدخلاً لرؤية جديدة لقضية الحقيقة بحيث تؤطّر مجتمعاتنا، فإن مسألة السلام المجتمعي وإقرار التنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر تكون قد خطت خطوات مهمة على هذا الطريق .

إن الثورات التي حصلت في تونس ومصر وتبعتها العديد من البلدان العربية، التي نجحت فيها أو التي لا تزال تعيش مخاضاً، كانت قد رفعت شعارات تدعو للحرية وتحقيق الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، بما تضمنه من مبادئ المساواة، تحتاج اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى إطلاق مسارات للعدالة الانتقالية، بحيث تصبح قضية احترام حقوق الإنسان جوهرية في مسألة التحوّل الديمقراطي، وأساساً مستقبلياً لتضميد جراح الماضي، وذلك وفقاً لتحكيم معايير السلم الاجتماعي والمجتمعي وإقرار التعددية والتنوّع .

ولا شك أن مسار العدالة الانتقالية ليس مستقيماً، وستعتوره الكثير من العقبات والمصاعب، خصوصاً إذا تحوّلت المبادئ العامة إلى تطبيقات وبرامج، وذلك لارتباط عملية الكشف عن الحقيقة بمصالح أطراف وجهات عديدة ومختلفة، في السابق والحاضر، الأمر الذي يتطلب العمل من دون أية ازدواجية في المعايير من خلال رؤية حقوقية شاملة بعيداً عن الانحيازات الآيديولوجية أو الانتماءات الحزبية أو الدينية أو القرب أو البعد من هذا الفريق السياسي أو ذاك، سواءً في السلطة الجديدة أو خارجها، لتأمين الأدوات والآليات الفاعلة والموارد البشرية والاقتصادية لكشف الحقيقة كاملة، ولمعرفة كل ما جرى والمساءلة على الارتكابات، لاسيما وأن المسألة تتعلق بأجيال وأزمان تقادمت وإن كانت تلك “الجرائم” لا تسقط بالتقادم، مهما طال الزمن .

إن مسألة إبعاد مسار العدالة الانتقالية عن التجاذبات السياسية أو سيطرة أو هيمنة جهة رسمية عليها أو غير رسمية، أو إخضاعهما لمنطق التقاسم والمحاصصة، ضرورية جداً لنجاح هذا المسار ولتأكيد الثقة بأهميته، ولاسيما بإشراك أصحاب الاختصاص من منتجي المعرفة سواءً من المؤرخين أو علماء السياسة أو الفقهاء القانونيين أو الخبراء الأمنيين، فضلاً عن بعض قادة الرأي والفكر في مؤسسات المجتمع المدني، وذلك لوضع مسار طويل ومتدرّج بحيث تتراكم فيه المعرفة والخبرة بحثاً عن الحقيقة .

وبقدر الحاجة عربياً إلى مثل تلك الخبرة والمعرفة، فقد أسهم المعهد العربي لحقوق الإنسان بقسطه الوافر في هذا الميدان من خلال تنظيم دورات ومحاضرات وندوات على مدى يزيد على عقد من الزمان تخصّ إبعاد هذا المسار عن الاحتواء السياسي والآيديولوجي، وجعله مستقلاً وتكييفه ضمن قواعد الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، وقد تم مناقشة هذا الأمر مؤخراً على مستوى إقليمي في مؤتمر نظمه المعهد بالتعاون مع المنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة ومؤسسات دولية أخرى .

وبالطبع فقد ذهبت العديد من البلدان إلى إحداث هيئات مستقلة للعدالة الانتقالية، وفي تجربة تونس تم تأسيس وزارة لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، ولعلها يمكن أن تكون تجربة مفيدة لربط المسارين لأنهما ينتميان إلى جذر واحد أو قيامهما على قاعدة واحدة .

إن نجاح مسار العدالة الانتقالية يتطلب فتح حوار وطني ومعرفي وقانوني شامل، حول الحقيقة الغائبة أو المغيّبة أو التي يُراد التستر عليها، من خلال شهادات للضحايا أو ذويهم، وهنا لا بدّ من إعداد فريق من أصحاب الاختصاص في المجالات المختلفة وتوسيع دائرة الاستشارة لكل من له خبرة بالموضوع، والأمر له علاقة بالثقافة السائدة حيث لا ينبغي أن يأخذ الإقرار بالتظلم، لاسيما للانتهاكات السابقة، شكل إحسان أو مكرمة، بل النظر إليها وإلى الضحايا بمن فيهم الشهداء، انطلاقاً من معايير الكرامة والدفاع عن الحقوق ضد الارتكابات والاقصاء .

وإذا كانت العدالة الانتقالية مساراً لعدم طمس الحقيقة، بل العمل على كشفها كاملة، فلا بد من التأكيد والعمل على أن يكون دورها ضمانة جديدة للتطور السلمي بعيداً عن عوامل الانقسام والكراهية والحقد، ولا يمكن لبلد يريد أن يحقق التنمية، البناء على هذه الأسس التدميرية، والقاعدة التي يجب البناء عليها في مسار العدالة الانتقالية هي حقوق الإنسان، كما لا يمكن لسياسات العزل الشامل والتجاذبات السياسية الاقصائية، بناء مستقبل زاهر، وتلك إحدى العبر الضرورية، التي على الحكام الجدد والقوى المجتمعية السياسية والمدنية والدينية، الاستفادة منها .

لعل مناسبة هذا الحديث هي الذكرى ال 14 لانبثاق المحكمة الجنائية الدولية في روما يوليو/تموز ،1998 وكانت قد دخلت اتفاقية روما حيّز التنفيذ في العام ،2002 ومنذ عامين تقرر اعتبار يوم 17 يوليو/تموز من كل عام “يوم العدالة الجنائية” لاستحضار موضوع عدم الإفلات من العقاب، لا عبر قاعات المحاكم فحسب، وإن كانت أساسية، بل في إطار أوسع لتحقيق العدالة والمصالحة والسلام الدائم .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,094,192,747
- الربيع العربي وديناميات التأثير الإقليمي
- حكاية الدستور الثاني في العالم الحديث
- جدار برلين الثاني !
- من باليرمو إلى دوكان
- صبراً جميلاً وعزاءً حاراً لفقدان الراحل جاسم القطامي
- الثورة التونسية ومسار التغيير العربي
- المسيحيون والبيئة الطاردة
- النموذج الإسلامي
- يوسف سلمان يوسف ... فهد- الأخيرة
- الاتجار بالبشر
- يوسف سلمان يوسف ... فهد ( 3 – 3 )
- يوسف سلمان يوسف ..(فهد)-( 2 – 3 )
- تعويض الضحايا!
- يوسف سلمان يوسف -فهد-...(1 – 3 )
- زمن الفتاوى ومغزاها
- خمسة آراء بصدد المسألة الكردية في العراق
- السياسة في معناها
- حلّق في فضاءات شاسعة وسبح في بحور واسعة-*الجزء الثاني
- الحق في الجمال
- الأسرى الفلسطينيون والوعي النقدي المطلوب!


المزيد.....




- شاهد عيان على هجوم ستراسبورغ: -بعد إطلاق النار، هرب الجميع ...
- الملك سلمان في ذكرى بيعته.. سياسات لم تكن معهودة
- ارتفاع عدد ضحايا حادث مدينة ستراسبورغ الفرنسية إلى أربعة قتل ...
- لماذا قررت قطر الخروج من أوبك؟
- أوتاوا تعرب عن قلقها من توقيف الصين دبلوماسيا كنديا سابقا
- رئيس هيئة الأركان العراقية يشيد بمواقف روسيا
- الأردن .. الرزاز يستجيب لمطالب معتصمي الدوار الرابع.. (فيديو ...
- استنفار رجال الشرطة الفرنسية في شوارع ستراسبورغ
- الطيب البكوش: لا سبيل لحل أزمات المغرب للعربي بدون عقد القمة ...
- قاذفتان روسيتان في فنزويلا.. ما الرسائل؟


المزيد.....

- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الحسين شعبان - كي لا تطمس الحقيقة