أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعيد ناشيد - خمس فرضيّات حول القرآن






















المزيد.....

خمس فرضيّات حول القرآن



سعيد ناشيد
الحوار المتمدن-العدد: 3797 - 2012 / 7 / 23 - 22:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


                                                             
" الحضارة الإسلامية... حضارة فقه "، يقول الجابري[1]. لكن، لربّما كان آية الله محمد علي الطباطبائي أكثر دقة حين قال : " الحضارة الإسلامية إنما هي حضارة النص، وعلى رأسه نص القرآن الكريم"[2]. غير أن السلطة المعرفية للنص الديني لم تترك للعقل العربي الإسلامي من هامش لحرية التفكير خارج نطاق تفسير وتأويل "النص التأسيسي". فالرّاجح أن لحظة تدوين القرآن تمثل نسق الإسناد المعرفي والفعلي للعقل الإسلامي، خلاف ما يسميه الجابري وقبله أحمد أمين، بـ "عصر التدوين"، الذي كان بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث الهجريين.
ليس تاريخ الثقافة الإسلامية سوى تاريخ تفاسير وتأويلات وشروحات ظلّت تحوم، إرادياً أو لا إرادياً، حول "نص تأسيسي" كان ولا يزال يمثل نسق الإسناد المعرفي، ومن ثم فإنه عقال النظر العقلي ولجام الاجتهاد الشرعي.
وبالتالي، مع استنفاذ كل ممكنات التفسير والتأويل خلال مطلع العصر الحديث، توقف التاريخ الإسلامي عن الحركة، وأصيب بالعقم والعطالة.
وإذ يظن محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد وأبو يعرب المرزوقي ومحمد شحرور، وكثيرون غيرهم، أن معركة تأويل النص الديني لا تزال مفتوحة على ممكنات الاستئناف، وهي مفتوحة حتى أمام القوى العقلانية والعلمانية لتخوض فيها وتدلو بدلوها، إلا أني خلاف ذلك الظن، أفضل اقتراح فرضيات عمل مختلفة.
بكل نزاهة وتجرّد، وبعد كل هذا التاريخ التأويلي لقرآن صيّره المسلمون نصاً، ثم صيّروا النص نصاً مغلقاً، بل سلطة مطلقة، يتوجب الاعتراف في الأخير بأنّ الخطاب القرآني قد استنفد كافة ممكنات التأويل لغاية العصرنة والتحيين، وما عاد بوسعنا أن نضيف إليه فهماً جديداً سواء باعتماد آليات التأويل الباطني ( الفرق الباطنية )، أو التفسير الظاهري ( ابن حزم )، أو التفسير الإشهادي ( ابن عربي )، أو التفسير البلاغي ( الزمخشري )، أو التفسير الفلسفي ( فخر الدين الرازي )، أو تفسير القرآن بالقرآن ( محمد حسين الطباطبائي ) أو التفسير الاجتماعي ( محمد عبده )، أو التفسير الحركي ( محمد حسين فضل الله )، أو التفسير الاصطلاحي ( محمد شحرور )، أو نحو ذلك. فمن خلال كل الأوجه المتاحة والممكنة، يبدو أن عقال التأويل بلغ أقصى مداه الممكن من التمطيط والتمدّد، وما عاد يتيح لنا خطوة إضافية نحو عالم الحداثة السياسية والحريات الفردية وحقوق الإنسان.
وعلى سبيل الاستدلال، لسنا اليوم بقادرين على تصور أي تأويل حقوقي ومساواتي للآية (  للذكر مثل حظ الأنثيين ) سورة النساء، الآية 11، إلا أن يكون تبريراً لظروف نزول الآية بالنظر إلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي القائم زمن الرّسول، مثلما يفعل بصيغ مختلفة كل من أبي يعرب المرزوقي ومحمد عابد الجابري ومحمد شحرور، وذلك لأجل رفع الحرج عن حكم الآية. إلاّ أننا بهذا المنطق التبريري نقف موقف التماس الأعذار والبحث عن ظروف تخفيفية لأحكام قرآنية تبدو مجحفة بمقاييس العصر. بل لعلها تنكأ الجرح الذي تصطلح عليه رجاء بن سلامة بـ "جرح التفضيل الإلهي"[3]. ذلك الجرح الذي ليس بوسع أي تأويل جديد بلسمته، عدا اللجوء إلى آلية التعطيل، بمعنى تجميد حكم الآية. إلا أن حيلة التعطيل لا تقنع العقل السويّ ولا هي ترضي الفطرة السليمة.
وإذاً، لابد من مجابهة السؤال : ما هو مصير العلاقة بيننا وبين "النص المقدس"؟
بالتأكيد، القرآن كلام نتلوه ونرتله في صلواتنا ونتعبّد به. هكذا كنا وما زلنا نفعل منذ أربعة عشر قرناً. وهذا لا يطرح أي مشكلة دينية أو سياسية. لكننا حين نضفي على القرآن صفة الدستور الإلهي، فإننا لا نفعل سوى أن نقيد آراءنا ومواقفنا السياسية بمفاهيم وتصورات تنتمي إلى عصر القدامة.
ولعل التعصب الذي يبديه بعض المسلمين غالباً أو أحياناً حول المفاهيم السياسية (وتحديداً ما قبل السياسية) الواردة في النص القرآني، ليس أكثر من تغطية على عسر هضم أحكام نص صيّرناه "مقدسا"، مع أنه لا يناسب سوى المستوى النفسي والاجتماعي واللغوي لإنسان العالم القديم. ولسنا نجد من حيلة لتحيين أحكامه سوى التحايل عليها وتعطيل بعضها أو أكثرها. ثم يسكت الإسلاميون البراغماتيون عن هذا التعطيل أو يسمونه تعطيلا مؤقتاً لغاية تحقيق يوطوبيا المجتمع المسلم "جداً" في ميقات يوم غير معلوم. هكذا يقول لسان حال جلّ الإسلاميين اليوم. لكن مثل هذا الإخراج المهدوي السطحي لا يخفف شيئا من الإحراج؛ طالما كنا نعتبر النص وصايا إلهية مطلقة الصلاحية التشريعية في كل زمان ومكان.
لذلك، ما من مرّة دخلنا إلى حلبة النص إلا وانهزم أنصار العقل أمام أنصار النقل بفارق كبير في النقط. بل، حتى أنصار النقل الاجتهادي ينهزمون أمام أنصار النقل الحرفي. اللهم إن قرر الجميع تحييد النص عن حلبة الصراع السياسي. وهذا خيار عملي لكنه يحتاج لسند اجتهادي.
بكل تجرّد، مشكلتنا مع الخطاب القرآني أننا لم نعد نعيش في زمن السبي والفيء والجزية و( ما ملكت أيمانكم )، لم نعد نعيش في زمن ( النفاثات في العقد ) و( عتق رقبة ) وزواج أو طلاق ( اللائي لم يحضن ) ، إلخ. لذلك فقد أصبحنا إزاء معظم الأحكام والمفاهيم والتصورات القرآنية نشعر بالحرج والارتباك. ندرك غربة " النص المقدس " في العالم الجديد. وأحياناً، نناور باللغة الى حد اللغو كما يفعل محمد شحرور. وفي المقابل، يبدو السلفيون وكأنهم صادقون ومصدقون لما بين أيديهم من صريح النص.
إزاء هذا الموقف، لا يملك "المعتدلون" من فرصة للتخفيف من الحرج سوى ادعاء أن تلك الأحكام التي تحاور مجتمعا بدوياً من مجتمعات العالم القديم، تحتاج إلى اجتهاد لا يزال مفتوحاً على أفق غير منظور. أو أنهم غالبا ما يلوذون بالصمت.
الفرضية الأولى : القرآن ليس هو المصحف
تعترضنا بعض الأسئلة الأولية، ولابد من حسم القول فيها بعيداً عن رتابة التوظيف الأيديولوجي أو السياسوي أو السلطوي للدين :
السؤال الأول، هذا المصحف الذي بين أيدينا الآن، هل هكذا تركه الرّسول الأمين قبل وفاته؟
بالتأكيد لا. لماذا؟
المؤسف أن الأسباب كانت معروفة لدى القدماء. لكننا أصبحنا نميل إلى إنكارها، بفعل التضخّم القداسي للنص، وأيضاً بسبب أن المسلمين أغلقوا النقاش حول قضايا كان النقاش فيها إلى وقت قريب مفتوحاً. إذاً، لا بأس من التذكير بما كان متداولا في التراث قبل أن يجعله الكهنوت الديني المعاصر طابوها محرماً لا يمسه إلا "المغضوب عليهم".
لننظر في مستوى ترتيب السور، وأيضاً ترتيب الكثير من الآيات داخل السور :
التفكير في ترتيب السور ومعظم الآيات هو مجرّد اقتراح لم يبدأ التفكير فيه إلا في زمن خلافة أبي بكر الصديق، ولم يكتمل إنجازه إلا في زمن خلافة عثمان بن عفان. وفي الأصل، نزلت آيات القرآن منجّمة، أي متفرقة، ومات النبي ولم يتركها مرتبة في أي نص جامع.
أما عن قرار جمع القرآن، بمعنى تحويله من آيات "متناثرة" يغلب عليها الطابع الشفوي إلى نص موحد وكتاب محدّد، فقد كان هذا رأياً رآه الصحابة واجتهاداً اتخذه المسلمون بعد تردّد طويل، وبعد سنوات طويلة عن موت الرّسول. هذه العملية يصطلح عليها أستاذي جورج طرابيشي بـ " مصحفة القرآن "[4].
سيبدو مفهوم " مصحفة القرآن " أكثر دلالة، إذا اعتمدنا على تعريف بول ريكور للنص، الذي يقول فيه : " لنُسم نصا كل خطاب تثبّته الكتابة "[5]. تبعاً لهذا التعريف البسيط والأولي، يكون التثبيت بالكتابة ( المَصْحفة ) بمثابة الفعل المؤسس للنص القرآني. أي أن القرآن لم يصبح نصاً إلا بعد أن خضع "للتدوين"، مؤلفاً بذلك نسق الإسناد الفعلي للعقل الإسلامي - بخلاف مسلمة الجابري المنقوضة من طرف طرابيشي[6]-. وهكذا صار القرآن مصحفا مدوناً وفق ترتيب محدد للسور والآيات، بل وتبعا لقواعد متعارف عليها في الكتابة. وبوضوح أكبر نقول : قبل مصحفته لم يكن القرآن نصا بل كان وحيا وخطابا وحيانياً. وظل الأمر كذلك حتى وفاة الرسول. وبهذا النحو ندرك أن مصحفة القرآن هي محض اجتهاد بشري يحتمل هامش الخطأ، بصرف النظر عن النوايا. لكن المقصود أيضا ومن الناحية الفنية الصرفة، سيرورة رافقها تطور لغوي معقد من " التنقيط والتنوين والتقسيم والتحزيب "[7].
الوعي بالفرق "التكويني" بين المصحف والقرآن هو ما عبر عبد المجيد الشرفي بالقول : " فلفظ القرآن لا يصح أن يطلق حقيقة إلا على الرسالة الشفوية التي بلّغها الرسول إلى الجماعة التي عاصرته. أما ما جُمع بعد وفاته في ترتيب مخصوص ودُوِّن " بين دفتين "، فمن المعروف أن الصحابة أنفسهم لم يكونوا في البداية متفقين حول مشروعية هذا الجمع الذي لم يقم به النبي ولم يأمر به، فعارض عمر بن الخطاب مثلا الرأي الذي رآه أبو بكر في هذا الشأن قبل أن يشرح الله صدره لمبادرة الخليفة، وترددوا حتى في الإسم الذي سيطلقونه على هذه الظاهرة قبل أن يستقر الأمر على نعتها بـ "المصحف" أسوة –فيما تقول الأخبار- بما عرفه بعضهم عند الحبشة "[8].
وقد كتب القرطبي يقول : " كان القرآن في مدة النبي (ص) متفرقا في صدور الرجال، وقد كتب الناس منه في صُحف وفي جريد وفي لخاف (حجارة بيض رقاق) وظُرر (حجر له حد كحد السكين) وفي خزف وغير ذلك. فلما استحرّ القتل بالقرّاء يوم اليمامة في زمن الصديق رضي الله عنه، وقُتل منهم في ذلك اليوم فيما قيل سبعمائة، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن مخافة أن يموت أشياخ القراء، كأبيّ وابن مسعود وزيد، فندبا زيد بن ثابت إلى ذلك، فجمعه غير مرتب السور، بعد تعب شديد رضي الله عنه "[9].
وقد جاء في صحيح البخاري : "... أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أرسل إليّ أبو بكر مقتلَ أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستمر القتل بالقراء بالمَواطن فيذهب كثيرٌ من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر : كيف نفعل شيئا لم يفعله الرسول (ص)؟ قال عمر : هذا والله خير. فلم يزل عمر يُراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد : قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنتَ تكتب الوحي لرسول الله (ص)، فتتبّع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلتُ كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله (ص)؟ قال : هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. فتتبّعتُ القرآن أجمعُه مِن العُسُب واللخاف وصدور الرجال..."[10].
ويشرح جلال الدين السيوطي ذلك في قوله :
" وقد تقدم في حديث زيد أنه جمع القرآن من العسب واللخاف وفي رواية والرقاع وفي أخرى وقطع الأديم وفي أخرى والأكتاف وفي أخرى والأضلاع وفي أخرى والأقتاب فالعسب جمع عسيب وهو جريد النخل كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض واللخاف بكسر اللام وبخاء معجمة خفيفة آخره فاء جمع لخفة بفتح اللام وسكون الخاء وهي الحجارة الدقاق وقال الخطابي صفائح الحجارة والرقاع جمع رقعة وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد والأكتاف جمع كتف وهو العظم الذي للبعير أو الشاة كانوا إذا جف كتبوا عليه والأقتاب جمع قتب هو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه"[11].
لكن عملية مصحفة القرآن لم تكتمل إلا مع الخليفة الثالث عثمان بن عفان. وفي هذا الأمر رواية يحكيها الكثيرون، وقد جاء فيها ما يلي :
" قال ابن شهاب : ثم أخبرني أنس بن مالك الأنصاري أنه اجتمع لغزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق، قال : فركب حذيفة بن اليمان لما رأى من اختلافهم في القرآن، إلى عثمان، فقال : ان الناس قد اختلفوا في القرآن حتى والله لأخشى أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف، قال : ففزع لذلك عثمان فزعا شديداً، فأرسل إلى حفصة فاستخرج الصحيفة التي كان أبو بكر أمر زيدا بجمعها [وكانت بقيت عند أبي بكر ثم عند عمر الذي أودعها بدوره عند حفصة]، فنسخ منها مصاحف فبعث بها إلى الآفاق "[12].
إذاً، فهذا المصحف الذي بين أيدينا، ومن حيث ترتيب سوره وآياته ضمن نص جامع، ليس عملا توقيفيا كما يذهب ظن الكثيرين، وإنما هو محض اجتهاد وإبداع قام به المسلمون بعد زمن عن وفاة الرسول. ومعلوم أن الاجتهاد حمال لأوجه الصواب وأوجه الخطأ. بل، ليس يخفى أن ترتيب بعض السور أحيانا كان يتمّ بنحو إعتباطي. ومن أمثلة ذلك ما أورده أبو بكر بن أبي داود السجستاني في روايته :
" أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن فقام في الناس فقال : من كان تلقى من رسول الله (ص) شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في المصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان، فقُتل وهو يجمع ذلك، فقام عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال : من كان عنده من كتاب الله شيئا فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شاهدان. فجاء حزيمة بن ثابت فقال : إني قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوها، فقال : وما هما؟ قال تلقيت من رسول الله (ص) : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) إلى آخر السورة. قال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال : أختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختم بهما براءة"[13].
غير أن الرواية والتي اتفقت حولها معظم كتب التراث، تثير مسألة بالغة الخطورة، إذ إننا حتى ولو افترضنا تجاوزاً أن اشتراط شاهدين إثنين لتأكيد صحة أي آية قبل تدوينها، قد يضمن لنا عدم تسرب آيات غير قرآنية إلى القرآن –وهذا تجاوزاً طالما أن الشاهدين هما في كل مرّة بشر عاديون- إلاّ أن هذا الاشتراط لا يضمن لنا أمرين بالغي الأهمية :
أولا، إنه لا يضمن لنا عدم وجود بعض الأخطاء في الذاكرة الإملائية أو النحوية.
ثانيا، إنه لا يضمن لنا عدم استبعاد آيات قد تكون من القرآن لكنها لم تجد الشاهدين الإثنين أو لم تجد أحدهما. ولعل الآية السابقة التي أحضرها حزيمة بن ثابت قبل الاتفاق على وضعها في آخر سورة براءة، كانت ستُهمل فيما لو لم يتطوع عثمان ليشهد بأنها من عند الله. علما بأنه قال، يشهد بأنها من عند الله، ولم يقل، يشهد بأنه سمعها من رسول الله، كما هي العادة في مثل هذا الموقف.
السؤال الثاني، في مستوى الحجم، هل يتضمن المصحف كل ما نزل على الرّسول من آيات؟
نحن متأكدون من شيء واحد، وهو أن حجم القرآن الذي بين أيدينا أقل بكثير من حجم الآيات التي نزلت على النبي محمد. وذلك لشاهدين نصيين أساسيين :
أ‌-         على الأقل، لا توجد ضمنه الآيات المنسوخة والآيات المنسية. إذ هناك ضمن الناسخ والمنسوخ آيات نُسخت لفظاً وقراءة وكتابة، وهناك آيات نسيها الرسول قبل أن يحفظها أو قبل أن يمليها أو قبل أن يكتبها كتبة الوحي، وربما نسيها الجميع، ولم تعاود النزول ثانية، أو أنها على الأقل لم تعاود النزول بنفس الأسلوب التعبيري. وهو ما تؤكده الآية : ( ما ننسخ من آية أو نُنسِها نأت بخير منها أو مثلها ) سورة البقرة، الآية 106.
 
ب‌-   على الأقل، ألغي منه تنوع الألفاظ التي نزلت بها بعض الآيات؛ فالقرآن أنزل على سبعة أحرف كما هو مذكور، ما يعني أن كثيرا من الآيات نزلت أكثر من مرة بألفاظ وعبارات مختلفة. لكن أثناء جمع المصحف تم الاستغناء عن العديد من الألفاظ والصيغ التعبيرية.
وهذا الذي قلناه هو فقط في الحد الأدنى والذي تؤكده الشواهد النصية. لكن الأمر هو أكبر ممن ذلك.
المشكلة أن هذا القرآن الذي تحول منذ زمن عثمان بن عفان إلى "نص مقدس" ومغلق في ترتيب آياته وسوره، لم يعد يمنحنا أي فرصة لتفكيك وإعادة تركيب أجزائه بنحو يختلف عن المصحف الرسمي؛ فقد صار القرآن في الأخير نصا محكم الإغلاق. وبالتالي، فقدنا كافة الإمكانات التأويلية التي كان يتيحها لنا الطابع المفكك والمتناثر لأجزاء القرآن كما تنزلت وكما تركها الرسول. وهو الأمر الذي أفقر إمكانيات تأويل القرآن وحصرها داخل دائرة ضيقة، زاد من ضيقها أن النص ينتمي أصلا إلى عالم القدامة لغة وأسلوبا وأحكاماً.
السؤال الثالث، هذا المصحف الذي بين أيدينا، هل توجد كافة آياته وسوره على نفس المرتبة من القيمة والأهمية؟ لا. وذلك لثلاثة اعتبارات على الأقل :
أولاً، وكما نعلم ثمة آيات محكمات وأخرى متشابهات. في حين أن الآيات المحكمات أكثر دقة ووضوحاً. وقد جاء في القرآن : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخرٌ متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) سورة آل عمران، الآية 7.
يقول جلال الدين السيوطي : " قال تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات. وقد حكى ابن حبيب النيسابوري في المسألة ثلاثة أقوال، أحدها أن القرآن كله محكم لقوله تعالى كتاب أحكمت أياته؛ الثاني كله متشابه لقوله تعالى كتابا متشابها مثاني؛ الثالث وهو الصحيح إنقسامه إلى محكم ومتشابه للآية المصدر بها."[14].
وإن اختلف العلماء في تحديد الآيات المحكمات والآيات المتشابهات، إلا أنهم اتفقوا عموما حول أن الآيات المتشابهات هي الأقل وضوحاً. ويعرض السيوطي لأهم الأراء التي تبين ذلك الاتفاق :
" وقد اختلف في تعيين المحكم والمتشابه على أقوال. فقيل المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل المحكم ما وضح معناه والمتشابه نقيضه. وقيل المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل أوجها "[15].
ثانياً، إن الوحي قد يأتي بآيات خير من آيات أخرى. وقد جاء في القرآن : ( ما ننسخ من آية أو نُنسِها نأت بخير منها أو مثلها ) سورة البقرة، الآية 106. ما يعني أن هناك آيات قرآنية يجوز وصفها بأنها ( خير ) من آيات قرآنية أخرى.
ثالثاً، إن الرسول نفسه يعترف بأن بعض السور والآيات القرآنية هي التي تتمتع بالأفضلية، مثل آية الكرسي وسورة الإخلاص. بل كان يصر على اعتبار الفاتحة هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم، في صيغ كثيرة رواها البخاري ومسلم وغيرهما. وفي كل الأحوال، إن الآيات والسور "المفضلة" لا تدخل ضمن الأحكام والشرائع وإنما ضمن آيات التعبد الربوبي الخالص.
إذاً، المصحف الذي بين أيدينا هو أقل بكثير من حجم القرآن الذي نزل على النبي محمد، وآياته ليست جميعها على نفس القيمة والأهمية ودرجة الإتقان؛ فمنها الأكثر والأقل إحكاماً أي إتقانا، ومن بينها الأكثر والأقل "خيراً". ثم إن ترتيبها في شكل نص جامع مانع لم يكن قرار الله أو الرسول، وإنما هو اجتهاد المسلمين، فبأي معنى نقول عنه إنه كتاب "من تأليف" الله !؟
لقد نزل القرآن منجماً، متفرقا ومتشظياً. نزل في أوقات متنوعة، وفي مواجهة مواقف مختلفة، وأثناء ظروف متفاوتة. لذلك كان خاضعا لمبدأ الواقع الى درجة أنه لم يتخذ شكل حكاية كبرى مسترسلة في الزمان. لكنه نزل أيضا يحمل زمنه الخاص في بنائه وتركيبه. إنه زمن متكسر ومتقطع وشديد الالتواءات والانقطاعات. حتى قصصه وحكاياته لا تمتثل في الغالب لأي زمن انسيابي وخطي. زمن القرآن هو زمن الحلم. إنه زمن "اللاوعي الكوني"، حيث تتداخل كل الأزمنة وتشتبك مع بعضها البعض، منذ بدء الخليقة إلى غاية الوعود الأخروية. ليس لترتيب الآيات والسور أي مسار خطي تنتظم وفقه الأحداث. وهذا بخلاف بنية الزمن الخطي في كل من الأناجيل وأسفار التوراة، بل وفي "الكتاب المقدس" برمته.
لنقل إن زمن الأناجيل والتوراة هو زمن الرواية والملاحم، زمن "السرديات الكبرى"، زمن الوعي والمعنى والحضور. أما زمن القرآن فإنه بخلاف ذلك زمن الشعر والإشارات والومضات والشطحات والرؤى والأحلام. إنه زمن اللاوعي والانقطاع والغياب.
لم تنطلق سيرورة "مصحفة القرآن" خلال حياة الرسول؛ إذ لم يكن الرّسول يكتب الوحي بنفسه. ولو كان قد كتب الوحي بيديه لوجدنا أنفسنا منذ الوهلة الأولى أمام "نص مقدس". كان القرار أن لا يكتب الرّسول شيئاً من الوحي بنفسه : (  وما كنت تتلو من قَبْله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون ) سورة العنكبوت، الآية 48. وحين لجأ الرّسول إلى الاستعانة ببعض كتاب الوحي ( علي بن أبي طالب، أبيّ بن كعب الأنصاري، زيد بن ثابت، عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عثمان بن عفان... )، كثيراً ما كان يتغيب بعضهم عن عدد من "الحصص" لسبب أو لآخر، ما جعل "أرشيف" كل كاتب يختلف في بعض أجزائه عما دوّنه الآخرون. وأيضاً، إن جل الآيات التي تم حذفها بقرار من الوحي، أي أنها تعرّضت للنّسخ اللفظي ( قراءة وكتابة )، بقيت ضمن "أرشيف" بعض كتاب الوحي، بل ظلت في صدور من حفظوها عن ظهر قلب. وكان كتّاب الوحي يكتبون على أدوات متناثرة ( ألواح، جلود، جريد النخل، أحجار، عظام، وقطع قماش حريرية... )، يكدسونها في بيوتهم كيفما اتفق من دون تنظيم واضح ومتفق عليه. وفي المقابل، قليلا ما كان الرّسول يقول لهم : ضعوا هذه الآية في موضع كذا، أو الموضع الذي ذكر فيه كذا. لإدراكه أن هذا الطلب ليس عملياً، بسبب ظروف الكتابة خلال ذلك الوقت، وبسبب عدم الاكتراث بأهمية التدوين لغلبة الثقافة الشفهية.
في كل الأحوال، لا شيء يدل على أن الرّسول عمل على تحويل القرآن إلى " نص مقدّس "، أو أنه حاول ذلك. لم يكن يرغب في إضفاء أي قدسية على لحظة كتابة الوحي، لا شكلا ولا مضموناً، لم يكن يهتم بأدوات ووسائل وخطوط وفضاء الكتابة، لم يسع إلى إضفاء أي شكل من القدسية على أولى الصفحات المكتوبة. كان همه الأساس أن لا تتلاشى آيات الإعجاز البياني. لذلك كان يهتم بأن يحفظ كل واحد ما تيسر له حفظه.
ومن جهة ثانية، لا شيء يؤكد أن المسلمين الأوائل قد تعاملوا مع القرآن كـ "نص مقدس"، وهم الذين اختلفوا في بعض الآيات والسور القرآنية من دون أدنى إحساس بـ "التدنيس" أو شعور بالذنب. ولم يكن بعضهم يتحرج وهو يقول : صلينا بالآية كذا أو قرأنا بها قبل نسخها زمن الرسول، أو حذفها من مصحف عثمان. كان النسخ والحذف والنسيان ظواهر "طبيعية" ضمن ظاهرة تشكل الآيات القرآنية. وإن كنا قد أصبحنا اليوم نتحرج من مجرد التفكير في ذلك، فالسبب أننا لم نعد ننظر إلى القرآن إلا كـ "نص مقدّس".
الحديث المشهور عن عائشة حول الآيتين اللتين قيل إنهما ضاعتا من القرآن ( الرّجم ورضاع الكبير عشر ) يؤكد عدم إضفاء أي قدسية على النص، ليس من جهة ضياع الآيتين وحسب، وإنما بالأحرى لجهة ظروف تعامل المسلمين، وأولهم النبي، مع الآيات القرآنية المدونة. فقد ورد في مسند أحمد، عن عائشة : " لقد أنزلت آية الرجم، ورضعات الكبير عشرٌ، فكانت في ورقة تحت سرير في بيتي. فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بأمره، ودخلت دويبة لنا فأكلتها ". وفي سنن ابن ماجة " فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها "[16]. وهما الآيتان اللتان اكتفى الكثيرون بالقول إنهما نسخ لفظهما، أو تعرضتا للإنساء ( بذلك النحو ! ).
مقصود القول، إن الورقة الوحيدة التي كتبت فيها الآيتان، ظلت لفترة معينة تحت السرير الذي كان ينام عليه الرسول مع عائشة في بيتها، قبل أن يأتي حيوان ليلتهمها. وهو وضع لا يسمح بادعاء أي قداسة لـ "النص".
جرّاء العملية التي اصطلح عليها جورج طرابيشي باسم " مصحفة القرآن "، أصبح القرآن نصا، وأمسى النص سلطة مطلقة ومرجعاً مقدساً وحلاً سحرياً لكل مشاكل الحياة والسياسة والاقتصاد. وربما كان لـ "دم عثمان" الممتزج بالنسخة النهائية للمصحف دلالة رمزية زادت من حجم الشعور بالذنب، ومن ثمة الحاجة إلى نوع من إضفاء القداسة، لا سيما حين تحول عثمان إلى رمز للإمام المغدور.
لكننا في غمرة المزاد الديني العلني، نسينا الأساس، إذ ليس القرآن غاية في ذاته. غاية القرآن -وهو في الأصل مجرّد تأويل رسولي للإشارات الإلهية- هي ترسيخ مبدأ التوحيد الرّبوبي في وجدان الإنسان، ليس إلاّ. وأما التفاصيل فلا تعدو أن تكون مجرّد أدوات فرعية وعرضية ومقيدة بظرفي الزمان والمكان.
انطلاقاً من هذا التحديد، يجب أن يتجه مجهودنا اليوم نحو تحرير العقل الإسلامي من حالة الولاء لسلطة للنص -هذا النص الذي صار أقنوماً ثانياً أو ثالثاً من أقانيم الألوهية- والتوجه من ثمة إلى تحقيق انفتاح الوجدان الإسلامي على التوحيد الرّبوبي الخالص. ما يعني حاجة حضارتنا إلى الانتقال من " إسلام النص " إلى " الإسلام الرباني "، وفق مقاربة الآية : ( ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) سورة آل عمران، الآية 79.
الفرضية الثانية : عدم قابلية القرآن للتّفسير
تقوم مشروعية السلطة الدينية على أساس الادعاء بأنها قادرة على تفسير " كلام الله ". لكن خطوة إضافية قد تخطوها غالباً أو دائماً، قبل أن تزعم أنها ليست قادرة وحسب، وإنما هي الأقدر على تفسير " كلام الله ". وبعد هذه الخطوة تصبح السلطة الدينية تسلطا دينياً، بل كهنوتاً وطاغوتاً وجبروتاً.
بين السلطة الدينية والتسلط الديني نفس الفرضية المشتركة. إنها الفرضية التي تزعم أن تفسير " كلام الله " متاح فعلا، لكنه متاح فقط للقليلين. وبهذا المنطق تتحول المعرفة الدينية إلى سلطة دينية، بل إلى سلطة اجتماعية وأخلاقية وسياسية أيضا تمارسها قلة قليلة على أكثرية كثيرة.
متى أدركنا هذا المنطق، صار بوسعنا التحرّر من أوهام السلطة الدينية، كما تمارسها أو تحاول أن تمارسها بعض المؤسسات أو الجامعات أو الفضائيات أو الدول في العالم الإسلامي. وأمامنا هنا خياران فقط : إما أن نذهب بالمنهج الظاهري إلى أقصى مداه فنقرر أن " كلام الله " واضح بسيط، وفهمه ميسَّر لسائر الناس بلا استثناء ومن دون حاجة لوكلاء في الشرح والتفسير؛ وإما أن نذهب بالمنهج الباطني إلى مداه الأقصى فنقرر استحالة التفسير، بحيث نعتبر أن " كلام الله " لا يمكن لأي إنسان، كيفما كان، أن يدرك معناه ويبلغ فحواه، أإماماً كان أم عالما أم واعظا أم كاهنا أم كائنا من كان.
الخيار الأول قد يبدو مغرياً، لأنه يتيح لكافة الناس -وعلى قدم المساواة- إمكانية فهم واستيعاب " كلام الله " من دون حاجة إلى أي مرجعية تفسيرية أو سلطة تأويلية من شأنهما أن تفرضا الحجْر والوصاية لبعض العقول على سائر العقول. إلا أن القدرات الإقناعية لهذا الخيار تصطدم بعقبتين :
العقبة الأولى، تتعلق بالهشاشة التي قد تبدو عليها الكثير من الآيات القرآنية إن حملت على محمل الظاهر، مثل آيات الاستواء على العرش، على سبيل الاستدلال.
والعقبة الثانية، تتعلق بالغموض الشديد الذي يكتنف الكثير من العبارات القرآنية، إن بسبب الأصول اللغوية لبعض الألفاظ، أو بسبب قوة المجاز والاستعارة في عدد من الآيات القرآنية. وفي كل الأحوال، إن الخيار الظاهري في التفسير قد جُرب في تاريخ الثقافة الإسلامية مراراً، ولم يكن يمنع طائفة من الناس أن تدعي امتلاك الفهم الصحيح للنص كلما اختلف سائر الناس في التأويل.
أما عن الخيار الثاني، حول عدم قابلية القرآن لأي تفسير بشري، فنحن هنا أمام فرضية قد تبدو جديدة، لكنها تقوم على بداهة قديمة وتكاد تكون منسية.
لا يمكن لأي سلطة أو أي إنسان أن يزعما القدرة على إدراك معاني القرآن الكريم، مصداقاً للآية ( وما يعلم تأويله إلا الله ) سورة آل عمران، الآية 7. لماذا؟ لأن القرآن ليس إلا ترجمة تقريبية أو استشرافية للإشارات الغامضة والفائضة عن الذات الإلهية. وليس "الفيض" هنا باللفظ كما ظن الفقهاء، وليس بالمعنى كما اعتقد المتكلمون، وإنما بالإيحاء لا غير. ومن ثمة سمي الوحي وحياً.
وبلا شك، إن الحروف الغامضة والمبهمة التي تبدأ بها زهاء تسعة وعشرين سورة من سور القرآن  هي إشارت على الإصرار على الغموض والامتناع عن التفسير.
مثل :
-         ( ألم ) التي ترد في مطلع ست سور ( البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة ).
-         ( حم ) التي ترد في مطلع ست  سور ( غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف).
-         ( ألر ) التي وردت في مطلع خمس سور ( يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر ).
...
بل ترد حروف أكثر غموضاً وأشد "طلسمية".
مثل :
-         ( حمعسق ) التي وردت في مطلع سورة مريم.
-         ( كيهعص ) التي وردت في مطلع سورة مريم.
-         ( طسم ) التي وردت في مطلع سورة القصص.
...
وإذ اختلف كل المفسرين القدماء حول دلالاتها ومعانيها، فقد تواضعوا على أنها شديدة الغموض والإبهام. وسواء كانت تلك الحروف تُحيل إلى بعض حروف أسماء الله، أو الأدعية، أو هي حروف مبعثرة للقسَم الإلهي، أو ما إلى ذلك من محاولات التفسير التي اقترحها البعض. إلا أن كل ذلك لا ينفي عنها طابعها "الطلسمي". وربما هي تذكرنا بتقاليد التصوف اليهودي في تعاطيه مع الأبجدية العبرية.
لكن المؤكد أن إصرار البعض على التفسير قد أوقعه فيما يسمى بـ" غرائب التفسير " :
" من ذلك قول من قال في حمعسق إن الحاء حرب علي ومعاوية والميم ولاية المروانية والعين ولاية العباسية والسين ولاية السفيانية والقاف قدوة مهدي حكاه أبو مسلم ثم قال أردت بذلك أن يعلم أن فيمن يدعي العلم حمقى. ومن ذلك قول من قال في آلم معنى ألف ألف الله محمدا فبعثه نبيا ومعنى لام لامه الجاحدون وأنكروه ومعنى ميم ميم الجاحدون المنكرون من الموم وهو البرسام"[17].
وإن كان التفسير هنا ضرب من ضروب العبث، فمن العبث أيضا أن نتساءل حول الأحكام التي يمكننا أن نستخلصها من تلك الكلمات أو الآيات المبهمة، فيما لو كنا نعتبر القرآن دستوراً كما يردد أنصار نظرية الدستور القرآني.
لكننا نستطيع أن نتساءل -بنحو أكثر معقولية- عما إذا كان قصد تلك الكلمات بعث الشعور بالغموض؟ أليست تلك الكلمات ثمرات الغموض الصوفي والغنوصي والباطني الذي أدركه الرسول في اتصاله بمعارج الفيض الإلهي؟ أليس للغموض وظيفة تعبدية؟
وهل ثمة من وظيفة للقرآن أعظم شأنا من الوظيفة التعبدية، بعيداً عن كل أشكال الاستغلال السياسي والتوظيف الأيديولوجي؟
الفرضية الثالثة : الفاتحة تكرس الوظيفة التعبّدية للقرآن
ثمة تساؤل يثيره البعض حسب رواية روايات القرطبي، حول ما إذا كانت سورة الفاتحة جزءاً من القرآن. إذ هناك من يرى أنها " لو كانت قرآنا لأثبتها عبد الله بن مسعود في مصحفه "[18]؟ أم أنها مجرد دعاء للافتتاح وصلاة للتبرك قبل الشروع في تلاوة القرآن؟ اعتبارات الشك كثيرة :
أولا، تحمل سورة الحمد اسم الفاتحة، أو فاتحة الكتاب، وهو اسم غير مستمد من أي كلمة من الكلمات الواردة داخل السورة، بخلاف سائر السور الأخرى، وإنما يحيل الإسم إلى الصفة الافتتاحية، فقط بعد الانتهاء من ترتيب كافة السور.
ثانيا، عادة ما ننهي تلاوة الفاتحة بكلمة آمين. وهذه الكلمة، وإن لم تكن مكتوبة وإنما ننطقها شفويا، إلا أنها ترجح احتمال أن يكون الأمر مجرد دعاء للتبرك والتعبد.
ثالثا، من الواضح أن ترتيب السور خضع إلى حد كبير –وإن ليس دائما- لمعيار الطول. بحيث وضعت السور الطويلة في الأول، إلى غاية السور القصيرة في الأخير. وبهذا النحو، سيبدو اعتماد سورة الحمد في أول القرآن خروجا عن قاعدة الترتيب فيما لو كان الأمر يتعلق بمجرد سورة كسائر السور.
رابعا، تختلف سورة الحمد عن البنية الخطابية لجلّ سور القرآن المكي الأخرى؛ فهذه السورة لا تتحدث إلى شخص محدد أو أشخاص معينين، ولا تتحدث عن أي شخص محدد أو عن أشخاص معينين. في المقابل، فإن سائر سور القرآن المكي الأخرى لا تخلو من أحد الوجوه التالية : إما أنها تتكلم إلى النبي باستعمال فعل من أفعال الأمر (قل هو الله أحد – قل أعوذ برب الناس - قل أعوذ برب الفلق ... – قم فأنذر – إقرأ باسم ربك ... )، أو أنها تتكلم عن النبي لتواسيه أو تؤنبه (عبس وتولى – ألم يجدك يتيما فآوى - ... )، أو أنها تخبرنا عن شخص أو أشخاص معينين ( تبت يدا أبي لهب – لإيلاف قريش ... )، أو أنها تتحدث إلى جماعة معينة (ألهاكم التكاثر - ... )... وبالمقارنة، تبدو سورة الحمد وكأنها دعاء خالص من دون أفعال أمر، ومن دون مخاطب محدد، ومن دون جمل خبرية؛ وكأنها في الأخير محض صلاة للتعبد الربوبي.
إلا أن مشروعية مثل هذه الملاحظات والتساؤلات لا تضعنا بالضرورة أمام فرضية وحيدة،  وهي أن تكون السورة موضوعة أو مقحمة في القرآن. لا؛ بلثمة فرضية أخرى أكثر ملاءمة :
الفاتحة ليست سورة من بين سائر السور الاعتيادية للقرآن، لكنها أيضا ليست سورة خارج أو على هامش القرآن، وإنما هي سورة فوق- قرآنية. إنها على وجه التوضيح "أم القرآن"، كما يقول الرسول.
عن أبي سعيد بن المعلّى قال :  " كنت أصلي فدعاني النبي (ص) فلم أجبه، قلت : يا رسول الله إني كنت أصلي. فقال : "ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم". ثم قال : "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد". فأخذ بيدي. فلما أردنا أن نخرج قلتُ : يا رسول الله، إنك قلت ألا أعلمك أعظم سورة من القرآن. فقال : ( الحمد لله رب العالمين ) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه ". رواه البخاري في صحيحه[19]، و أورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن[20]، وذكره ابن كثير في تفسيره[21].
وأما لفظ المثاني الذي اختلف القدماء في فهمه، فقد حاول الشهيد محمود محمد طه مقاربة معناه في قوله : " ومعنى مثاني أنه ذو معنيين. معنى بعيد عند الرب، ومعنى قريب تنزّل للعبد "[22]. وبلغتنا، نستطيع الحديث عن معنى رباني بعيد ومعنى نصي قريب.
وهكذا نتأكد مرة أخرىأن ليست آيات القرآن جميعها على نفس القدر من الأهمية والدقة والإتقان؛ إذ ثمة آيات أكثر إتقانا ( المحكمات )، وثمة آيات ( خير )، بل ثمة بالأحرى سورة تعبدية من سبع آيات هي "أم القرآن"، بمعنى أعظم ما فيه، بل هي "القرآن العظيم".
الملاحظ أن سورة الفاتحة التي لا تخاطب أحداً محدداً ولا تخبر عن أحد بعينه، تمتلك وظيفة تعبدية خالصة. وهي تتخذ طابع صلاة ربانية لا تصح الصلاة من دونها. وبهذا النحو، فإن وضعيتها الافتتاحية أو فوق- القرآنية تؤكد الوظيفة التعبدية لسائر سور وآيات القرآن.
إن إعادة القرآن الكريم إلى وظيفته التعبدية من شأنها أن تخلصه من كل الاستعمالات "السحرية" التي حوّلته إلى وسيلة أسطورية لحل كل مشاكل السياسة والسلطة والاقتصاد والصناعة والمال والفلاحة والصيد البحري، بل وحتى مشاكل الصحة والصيدلة ونحو ذلك.
وظيفة القرآن ليست أن نقيم به دولاٌ وننشئ مؤسسات ونسنّ قوانين وتشريعات. إذ ليس من وظائف القرآن الاشتغال بقضايا السياسة والاقتصاد والعلم والمعرفة، وإنما وظيفة القرآن تعبدية فقط، مصداقاً للآية : ( ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مذكر ) سورة القمر، الآية 17.
الفرضية الرابعة : القرآن ليس أسلوب الله
مشكلتنا أننا لم نكتف فقط بتقديس القرآن كآيات، وإنما وجّهنا هذا التقديس نحو مصحف عثمان بتدوينه وترتيبه ولفظه وحرفه، وحتى برسمه، أي أبجديته الميتة والمقدسة في آن. ومرة أخرى، ليست المشكلة أن يقوم عثمان باعتماد مصحف رسمي؛ فهذا ما حاول القيام به سابقاه ( أبو بكر وعمر )، وإنما المعضلة قيامه بإحراق كافة المصاحف الأخرى، وهي أكثر من عشرين مصحفاً بحسب معظم المصادر التاريخية (مصحف أبيّ بن كعب، مصحف زيد بن ثابت، مصحف عبد الله بن مسعود...)، ما قد يوحي بأن القصد ليس شيئا آخر سوى إخفاء بعض المستندات.
أيا يكن، فإن إحراق سائر المصاحف يعني أن حجم الفروقات بينها كان معتبراً وربما مؤثراً. لكن، وبصرف النظر عن النوايا السياسية، والتي لا نملك إزاءها أي يقين مؤكد، فالحاصل أيضا أننا أضعنا إمكانيات مختلفة لتأويل القرآن وإيجاد مخارج معقولة لبعض الهنات النحوية والالتباسات الأسلوبية. وبوسعي أن أقدم مثالين بسيطين :
أولاً، ضمن المصاحف المحروقة كانت هناك مصاحف تعتمد على ترتيب الآيات والسور تبعاً لتاريخ النزول - من ضمن تلك المصاحف مصحف علي بن أبي طالب، كما يقال- وكان بوسعها أن تمنحنا رؤية أكثر دقة وأقل التباسا لمسألة الناسخ والمنسوخ، طالما أن الناسخ لا يمكن أن يكون سابقاً عن المنسوخ في ترتيب النزول.
ثانياً، بعض الالتباسات النحوية أو "حروف من اللحن" كما كان يقال، في مصحف عثمان، والتي أرهق إعرابها المفسرين، غير موجودة في بعض المصاحف الأخرى. مثلا يؤكد كل من الطبري والزمخشري في تفسيرهما للآية ( لا ينال عهدي الظالمين ) سورة البقرة، الآية 124، أن في بعض المصاحف الأخرى، التي أحرقها عثمان، كانت العبارة الواردة هي : لا ينال عهدي الظالمون.
المشكلة أننا حين نقدس القرآن مثلما نقدس الذّات الإلهية، وحين نعتبره كلاماً مطلقاً وأبدياً وسرمدياً يجاور الذات الإلهية أو يجاوزها أحياناً، فإننا نرتبك في فهم مسألة النسخ والإنساء. وحين نعتبره مصدراً لتشريع القوانين في كل زمان ومكان، ونجعله مرجعاً مقدساً للعلاقات الاجتماعية والإنسانية، وحلا سحريا لكافة المشاكل، فإننا في أحسن الظروف التأويلية نواجه الكثير من أحكامه الصريحة بالضيق والحرج. وحين نعتبره "كلام الله" الأبدي في اللوح المحفوظ فإننا نتحرج من تلك الالتباسات النحوية،  التي تذكرنا بمرحلة ما قبل بناء القواعد، مثل : ( لا ينال عهدي الظالمين ) سورة البقرة، الآية 124، حيث جاء الفاعل ( الظالمون ) منصوبا، أو ( إنا اعتدنا للكافرين سلاسلاً وأغلالا وسعيرا ) سورة الإنسان، الآية 4، حيث جاء الممنوع من الصرف (سلاسل) منوناً.
المشكلة أن تقديس النص واعتباره هو نفسه "كلام الله" بالتمام والكمال، قاد في النهاية إلى الإبقاء على "الهنات" النحوية كما هي  طالما الله لا يخطئ، والقرآن لا يحتمل التحريف. كل هذا، مقابل تفاسير لم تزد العبارات القرآنية إلا غموضا والتباساً.
ومثلا، بالنسبة للآية ( لا ينال عهدي الظالمين) سورة البقرة، الآية 124، فضّل ابن كثير في تفسيره عدم التطرق لإعراب الآية، بينما ارتأى الطبري أن يجعل (عهدي) فاعلا و(الظالمين) مفعولا به !
نعم، قد يبدو اقتراح الطبري مُرضياً للكثيرين، لكنه ليس مقنعاً لأحد؛ طالما أنه يخالف المعهود التداولي. فالمعروف والمتداول والبديهي أيضاً أن الإنسان هو الذي ينال العهد وليس العهد هو الذي ينال الإنسان.
وفي كل الأحوال، لو أننا لم نكن نقدس مصحف عثمان لكان بوسعنا أن نفترض بيُسر وسلاسة أن التعبير الأقرب إلى الصواب هو التعبير الذي اعترف المفسرون أنفسهم ( الطبري والزمخشري... ) بوجوده في المصاحف الأخرى : لا ينال عهدي الظالمون.
بعيدا عن منطق القداسة، ثمة تصورات أكثر معقولية ولا تتعارض مع الرّؤية الإيمانية، وهذا شريطة أن ننزع طابع العصمة والقداسة عن المصحف المكتوب، والذي هو منتوج اجتهادي كما سبق القول.
ومثلا، لا يجوز بأي حال أن ننسى أن كتّاب الوحي كانوا يكتبون الوحي قبل عشرات السنين عن ظهور قواعد اللغة العربية. وإن يكن تقعيد اللغة العربية قد اعتمد اعتماداً كبيراً على لغة القرآن، إلا أن القرآن ومثلما استعمل مفاهيم "سياسية" تنتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة، مثلما أشرنا وسنُبيِّن، فإنه استعمل أيضا "لغة" تنتمي إلى مرحلة ما قبل قواعد اللغة. وهذا ما يفسر أوجه الاختلال والقصور في النص المدون.
فضلا عن ذلك فلقد استعمل القرآن الرصيد اللغوي الشفوي، المتنوع أحيانا والمتنافر في بعض الأحيان، لمختلف القبائل العربية.
وليس يخفى أن ما قد يبدو نحواً عند البعض قد يكون لحنا عند البعض الآخر، وما يبدو خطأ من منظور المرحلة الكتابية، ربما لم يكن بالضرورة خطأ من منظور المرحلة الشفوية. ومرة أخرى، يبدو كل هذا معقولا ومقبولا فيما لو حررنا النص الديني من سحر القداسة.
وربما كان عثمان بن عفان أدق تعبيراً عن الموقف، فيما رواه أبو بكر بن أبي داود السجستاني عندما قال : " لما فُرغ من المصحف أتي به عثمان فنظر فيه فقال : أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئا من لحن وستقيمه العرب بألسنتها"[23].
بل، ثمة من سمى الأشياء بمسمياتها وتحدث عن أخطاء في المصحف المكتوب. فقد ورد " عن هشام بن عروة عن أبيه قال : سألت عائشة عن لحن القرآن : ( إن هذان لساحران )، وعن قوله : ( والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة )، وعن قوله : ( والذين هادوا والصابئون )، فقالت : يا ابن أختي هذا عمل الكتّاب أخطأوا في الكتاب "[24].
ثم إن " سعيد بن جبير قال : " في القرآن أربعة أحرف لحن : ( الصابئون )، ( المقيمين )، ( فأصدق وأكن من الصالحين )، و( إن هذان لساحران )"[25].
المقصود "الأخطاء" النحوية الواردة في الآيات التالية :
-         ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر... ) سورة المائدة، الآية 69.
-         ( لكن الرّاسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر... ) سورة النساء، الآية 162.
-         ( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) سورة المنافقون، الآية 10.
-         ( قالوا إن هذان لساحران يريدان... ) سورة طه، الآية 63.
بعيداً عن أي تهويل مجاني، يمكننا أن نقول :
إبان مرحلة "مصحفة القرآن"، كانت الكتابة العربية لا تزال في مرحلة التشكل وكانت لا تزال تكافح من أجل الاستقلال التدريجي عن مجال الكتابة الآرامية والكتابة السريانية.
وقد كان هناك قدر كبير من التساهل خلال زمن الرسول، مع الاختلاف اللفظي في قراءة الكثير من الآيات. بل من غير المستبعد أن الرسول كان يترك لكتّاب الوحي في بعض الأحيان بعض "حقوق" التصرف اللفظي فيما لا يمس جوهر المعنى.
هذا الانفتاح التفاعلي استفاذ منه المسلمون في علاقتهم مع الوحي أثناء التنزيل. لكن، عقب وفاة الرسول بدأ الشكل الهندسي المفتوح للآيات يتخذ تدريجيا شكلا هندسيا مغلقا. إلى غاية ظهور القرآن المصحفي.
وهكذا، جاء المصحف الذي نتلوه ونرتله في الأخير مُعبراً ليس فقط عن شخصية الرّسول، وإنما أيضاً عن أساليب النّحو والكتابة المعهودة لدى كتاب الوحي، وليعكس "مصادفات" تجميع وترتيب الآيات والسور، وانتقاء الحرف "المناسب"، وأسلوب التنقيط والتشكيل الذي حاول المسلمون التوافق عليه قبل وأثناء وبعد صياغة المصحف الرّسمي.
وهذا ما يعني أن القرآن الكريم، وإن كان رباني النفحات والإشارات، فإنه بشري الكلمات والعبارات.
الفرضيّة الخامسة : القرآن ليس خارج التاريخ
إذا استثنينا اجتهاد أحمد القبانجي وعبد الكريم شروس، وقبلهما –وإلى حد ما- معروف الرصافي، فإن كل ما قيل عن القرآن الكريم منذ وفاة الرسول إلى اليوم لم يخرج عن الفرضيات التأسيسية لخطاب القدامة، بل وللنظرة السحرية للعالم. حيث يبدو القرآن وكأنه " كلام ولغة وأسلوب " الله، الذي لا يخلو من ثلاث حالات : أما أنه مدون في اللوح المحفوظ ( حسب الخطاب الفقهي )، أو صاغه أو صنعه الله في ظروف مستحدثة ( حسب الخطاب الكلامي )، أو فاض باللفظ أو بالمعنى عن الذات الإلهية ( حسب الخطابين الصوفي والفلسفي ). لكن القرآن في كل أحواله يظل " كلام ولغة وأسلوب " الله، بكل ما يعنيه ذلك من معنى ( حسب الجميع ).
إنه نفس الباراديغم القدامي الذي دفع كلا من محمد شحرور ومحمد عابد الجابري إلى التسليم بأن القرآن الكريم ليس جزءا من التراث. وهذا خطأ كبير في القدير.
فقد أكد محمد شحرور في مقدمة كتاب الكتاب والقرآن بأنه " لا يعتبر الكتاب ( يقصد القرآن ) تراثاً، وإنما التراث هو الفهم النسبي للناس في عصر من العصور "[26] .
وهو نفس التأكيد الذي أعلنه الجابري في الجزء الأول من مدخل إلى القرآن الكريم حين كتب يقول : " لقد أكدنا مراراً أننا لا نعتبر القرآن جزءا من التراث. وهذا شيء نؤكده هنا من جديد، وفي نفس الوقت نؤكد أيضا ما سبق أن قلناه في مناسبات سابقة من أننا نعتبر جميع أنواع الفهم التي شيدها علماء المسلمين لأنفسهم حول القرآن... هي كلها تراث "[27].
وهكذا، إذ يتعاطى شحرور والجابري مع الأمر كمسلمة من مسلمات الإسناد، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل بأن تعطيل قدرة العقل على مساءلة المسلمات ومراجعة المرجعيات، لا يجوز عقلا. لا سيما بالنسبة للعقل النقدي.
ما لم يدركه شحرور والجابري هو أننا لن نتمكن من تجاوز خطاب القدامة السياسية وتحرير الإسلام من النظرة السحرية للعالم، ما لم نتجاوز مجموع الفرضيات التأسيسية التي تشكل النظرة القدامية إلى القرآن.
ليس الخطاب القرآني هو "كلام الله" النازل صدفة أو قصداً من سماء الغيب، تبعاً لباراديغم القدامة الدينية، وإنما هو قدرة النفس على الصعود والارتقاء لغاية تحقيق الاتصال. إلا أن الصعود هنا -وبخلاف الفلسفة- لا يكون برهانيا وإنما حدسيا مستنداً إلى ملكة الخيال.
النبوة، كما يقول أبو نصر الفارابي، هي أكمل المراتب التي يبلغها الإنسان بقوته المخيلة[28]. والنبوة، يضيف باروخ سبينوزا، " لا تتطلب ذهنا كاملا بل خيالا خصباً "[29].
ما يعني أن القرآن الكريم ليس كتاباً كتبه الله وأنزله من ملكوت السماء إلى السماء الدنيا أو إلى مسامع الرسول، وإنما هو ثمرة مجهود تخييلي قام به الرسول الأمين لأجل تمثل وتأول الإشارات الربانية كما التقطها من معارج الفيض الإلهي. وإذا كانت مراتب القوة التخييلية تتفاوت بحسب الأحوال، فقد انعكس ذلك على الآيات القرآنية، فجاءت متفاوتة في الدقة التعبيرية والإتقان البلاغي. إنه التفاوت الذي نجمت عنه مرتبتان من مراتب التنزيل، هما بحسب التعبير القرآني : ( آيات مُحكمات ) تمثل النواة الصلبة للقرآن، وآيات ( متشابهات ) تمثل الدوائر الأكثر هشاشة في القرآن.
والسؤال الآن : هل بوسعنا القول إن النص القرآني نص لا تراثيّ، أي إنه فوق التاريخ، ومن ثم فهو نص معاصر لكل العصور ومجايل لكل الأجيال؟ وتحديداً، هل بوسعنا أن نعتبر المفاهيم والقيم السياسية الواردة فيه، من قبيل الطاعة، والبيعة، والجزية، والشورى، والغنيمة، والفيء، والنفقة... ) مفاهيم معاصرة لنا أيضاً؟
ربما يبدو السؤال محرجاً، لكن الذي يجعله كذلك أننا دأبنا على اعتبار النص القرآني نصا مقدسا يعبر عن "أحكام الله" المطلقة بصرف النظر عن الزمان والمكان. وهذا خطأ. بل، فضيحة لاهوتية.
حين نظن أن القرآن هو " كلام ولغة وأسلوب " الله بالمعنى الحرفي وبالتمام والكمال، فإننا ننتهي إلى تقديس كل المفاهيم والتصورات الواردة فيه. فيتحول القرآن من خطاب تعبدي إلى عائق من عوائق التحديث.  
المشكلة بالأحرى، عندما نعتقد بأن التقابل بين مفاهيم الخلافة والبيعة والشورى والإمامة والطاعة، من جهة، وبين مفاهيم الديمقراطية والانتخابات والتصويت والتعددية والتداول على السلطة، من جهة ثانية، هو تقابل بين جهاز مفاهيمي ديني أو إسلامي يمثل جوهر الدين الإسلامي، وجهاز مفاهيمي مدني أو غربي يمثل جوهر الثقافة الغربية. وتحديداً، سيبدو التقابل وكأنه بين إرادة الله من جهة، وإرادة الإنسان الغربي من جهة ثانية. هذا أيضاً خطأ، بل خطيئة.
صحيح إن القرآن الكريم قد استعمل تلك المفاهيم القديمة والمتقادمة ضمن مجاله التواصلي. غير أن الاستعمال ليس دليلا على الملكية أو التملك. إذ لا يكفي أن يستعمل القرآن أي مفهوم حتى نقول عنه إنه أصبح مفهوماً دينيا أو إسلامياً أو قرآنيا، أو إنه صار هوية راسخة لنا. والحال أن إبداع أو إعادة إنتاج المفاهيم ليس وظيفة الحقل الديني، وبالأحرى ليس وظيفة القرآن الكريم. إنما إنتاج المفاهيم كان ولا يزال يتم داخل حقل معرفي آخر، هو الفلسفة حصراً، كما يقول فليكس غاتاري وجيل دولوز.
أما الإسلام فهو عقيدة غايتها توحيد وتنزيه الذات الإلهية. وعدا هذا القصد، تظل قضايا الشريعة والمعاملات ونظام العقوبات ومسائل الحدود والقصاص وتقسيم الإرث وحظ الأنثى وشهادة المرأة وطاعة الحاكم وقوامة الزوج ومعها كل المفاهيم والتصورات الواردة في " إسلام النص "، مجرّد تأويلات عرضية وفرعية للإسلام الرباني. وهي تندرج ضمن السياق التداولي الذي يناسب المستوى العقلي والوجداني لإنسان العالم القديم.
لم يكن العالم القديم عالماً أبدياً، ولم يُقرّر له أن يكون كذلك. بل، قدر الوجود أن " لكل شيء إذا ما تم نقصان "، وفق تعبير بليغ لأحد شعراء رثاء الأندلس. إنما العالم القديم مجرد عالم عرضي ونسبي وزائل، شأنه في ذلك شأن سائر العوالم البشرية. وقد قيل في القرآن المحمدي (  كل من عليها فان ) الرحمان- 26.
حين لا نتمثل هذا الوعي بالزوال، وبالفناء، وبالعرضية، وبالصيرورة التي هي قدر الوجود كما يرى هايدجر، بل هي جوهر الرّوح الإلهية حسب منطلقات هيجل، بل هي جوهر الألوهية نفسها وفق تصريح صريح للقرآن يصف الله بأنه ( كل يوم هو في شأن ) الرحمان- 29، حين لا ندرك الصيرورة والتغيّر كقدر إلهي، عندئذ يصبح الحنين إلى العالم القديم مجرد عصاب وسواسي ينتج العنف المجاني ويستوجب العلاج.
لا يكمن الفرق بين مفاهيم الخلافة والبيعة والطاعة والشورى والإمامة والجماعة من جهة، ومفاهيم الديمقراطية والتعددية والانتخابات والتصويت والتداول على السلطة من جهة ثانية، في أن هناك مفاهيم دينية أو إلهية أو غيبية أو إسلامية أو إنها تنتمي إلى الإسلام حصراً أو يمكن وصفها بالإسلامية، مقابل مفاهيم مدنية أو وضعية أو بشرية أو غربية أو إنها تنتمي إلى الغرب حصراً أو يمكن وصفها بأنها غربية. بل يكمن الفرق بكل بساطة ووضوح، في أن هناك جهازاً مفاهيمي ينتمي إلى العالم القديم بمختلف دياناته وثقافاته ومرجعياته، مقابل جهاز مفاهيمي ينتمي إلى العالم الجديد بمختلف دياناته وثقافاته ومرجعياته.
هذا يعني بواضح الإشارة وصريح العبارة، إننا حين نقرر استبدال مفاهيم القدامة السياسية الواردة في القرآن الكريم، من قبيل الخلافة والشورى والبيعة والطاعة والرعية والردة والجزية وأهل الذمة، وما إلى ذلك من مفاهيم سياسية (أو تحديداً ما قبل سياسية) تنتمي إلى العالم القديم وتعيق تطور الوعي الديمقراطي وقيم الحداثة السياسية، فإننا لن نكون قد تخلينا عن مفاهيم إلهية أو قرآنية كما يتوهم البعض، وإنما نكون قد قرّرنا فقط الابتعاد عن الاستغلال السياسوي والتوظيف الإيديولوجي لمفاهيم نص ينتمي إلى العالم القديم، ولا يملك من وظيفة أخرى غير الوظيفة التعبّدية.
وحين نتبنى مفاهيم الحداثة السياسية، من قبيل الديمقراطية والانتخابات والتّعددية والتداول على السلطة وحقوق الإنسان والمواطنة، فإننا نكون إزاء تبني مفاهيم تنتمي إلى العالم الجديد، والذي هو عالمنا الوحيد.
المطلوب منا أن نعي ونعترف بأننا أبناء العالم الجديد بمفاهيمه وتصوراته وتمثلاته، ولم نولد في غير هذا العالم الذي هو عالم الحداثة.
أما عن العالم القديم، عالم البيعة والطاعة والخلافة والفتنة... فأبلغ القول أن نقول : ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) البقرة- 134.


 محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى 1984، ص : 96.[1]
 آية الله محمد علي الطباطبائي، مجلة  البصائر، بيروت، العدد 22، شتاء 97، ص : 127.[2]
 رجاء بن سلامة، جرح التفضيل الإلهي، موقع الأوان، 01 آذار (مارس) 2007.[3]
 جورج طرابيشي، إشكاليات العقل العربي، دار الساقي، بيروت- لندن، الطبعة الرابعة 2011، ص : 63.[4]
 بول ريكور، من النص إلى الفعل، ترجمة محمد برادة وحسان بورقية، دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 2004، ص : 95.[5]
 جورج طرابيشي، إشكاليات العقل العربي ، الفصل الأول.[6]
 جورج طرابيشي، إشكاليات العقل العربي،  ، ص : 63.[7]
 عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة، بيروت، 2001، ص : 49.[8]
 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مراجعة وضبط محمد ابراهيم الحفناوي، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الثانية 1996، ص : 67.[9]
 رواه البخاري، وذكره السيوطي في الإتقان في علوم القرآن، تحقيق سعيد المندوب، دار الفكر، لبنان، الطبعة الأولى 1996، ص:1/161[10]
[11]   جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق سعيد المندوب، دار الفكر، لبنان، الطبعة الأولى 1996، ج:1، ص: 163، 164.
[12]  أبو بكر بن أبي داود السجستاني، كتاب المصاحف، تحقيق د. محب الدين عبد السبحان واعظ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية 2002، ج:1، ص : 202.
[13]   أبو بكر بن أبي داود السجستاني، كتاب المصاحف، تحقيق د. محب الدين عبد السبحان واعظ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية 2002، ج:2، ص : 224 و225.
[14]  جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق سعيد المندوب، دار الفكر، لبنان، الطبعة الأولى، 1996، ج:2، ص : 5.
[15]  السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج : 2، ص : 4 و5
 رواه أحمد وابن ماجة.[16]
[17]  جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق سعيد المندوب، دار الفكر، لبنان، الطبعة الأولى، 1996، ج:1، ص : 491.
 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق محمد ابراهيم الحفناوي، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الثانية 1996 ، ص: 131،  132[18]
[19]  الإمام البخاري، صحيح البخاري، المجلد الثالث، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة جديدة بدون تاريخ، كتاب تفسير القرآن، ص : 173.
 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق محمد ابراهيم الحفناوي، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الثانية 1996،ص:  125.[20]
[21] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، كتب هوامشه وضبطه حسين بن ابراهيم زهران، دار الفكر، بيروت، 1994، المجلد الأول، ص : 16.
 محمود محمد طه، نحو مشروع مستقبلي للإسلام، المركز الثقافي العربي (بيروت) ودار قرطاس (الكويت) الطبعة الأولى 2002، ص:168.[22]
[23]   أبو بكر بن أب داود السجستاني، كتاب المصاحف، تحقيق د. محب الدين عبد السبحان واعظ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية 2002، ج:2، ص : 228.
[24]  السجستاني،  كتاب المصاحف، ج:2، ص : 235.
 السجستاني، كتاب المصاحف، ج:2، ص : 232.[25]
 الدكتور محمد شحرور، الكتاب والقرآن، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة التاسعة 2009، ص : 36.[26]
 محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، شتنبر 2006، ص : 19.[27]
 أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم وتحقيق الدكتور ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، 1986، ص : 116.[28]
 باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى 2005، ص : 129.[29]






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,545,511,047
- رائف بدوي: شاب سعودي يواجه الظلام
- خمس فرضيَّات حول الوحي
- أخلاق الحداثة و-أخلاق- النفاق
- لماذا أقول: أنا مسلم؟
- عندما نسينا ماركس
- ما هو القرآن؟
- وسائل الإعلام وثقافة الجموع (3
- من بيروت إلى التراث.. تأشيرة عبور باسم جورج طرابيشي
- الاعتذار عن الاستعمار: هل نستحق الاعتذار؟
- النّار والمَعبد
- هل العلمانية مجرّد خدعة بَصرية؟
- ما نتعلمه من سيون أسيدون وما تعلمناه
- الحادي عشر من شتنبر.. مرتين: أضواء على معمار ما بعد الحاثة
- العلمَانية المَعْطوبَة بين الهَوَسُ الجِهَادِي والهَوَسُ الص ...
- هل ستكون هناك حرب عالمية خامسة؟
- حوار لم يكتمل مع قيادة حزب البديل الحضاري المنحل
- سعيد ناشيد في برنامج حواري حول اليسار الفرنسي و الإسلام
- اليسار الفرنسي و الإسلام .....دفاعا عن العيش المشترك
- تحالف الأصوليات
- إعادة بناء مركز التجارة العالمي


المزيد.....


- هل يوافق الله على الحرب ؟ / مجدى زكريا الصايغ
- طريقة ابن الصيرفى فى عرض المادة التاريخية / أحمد صبحى منصور
- حديث عن البهائية والدستور / رياض حسن محرم
- خير أمة .. بالسلوك لا بالمعتقد / علي جديد
- إحترام وإبتكار إشارة مرور أجدي من تطبيق شريعة محمد.. / عدلي جندي
- عندما كنت ملحداً قصة هدايتي ج49 / محمد الحداد
- عن الختان وثقافة القهر / جورج حزبون
- لعنة الاستراتيجيا / أحمد التاوتي
- أتكون الثورة نكبة على شعبنا ؟ / طلعت رضوان
- حملة اسلمة العرب المسيحيين في قطاع غزة لمصلحة من؟؟ 2 / سمير الحكيم


المزيد.....

- مصادر:السلطات الليبية تطالب النايل سات بوقف بث محطتي تلفزيون ...
- صحف القاهرة: عنان يبرئ مبارك والإخوان يجتمعون بتركيا
- تنظيم "الدولة الاسلامية" يعلن ذبح صحافي أمريكي ويهدد باعدام ...
- صحف العالم: البابا فرانسيس قد لا يعيش لعامين أو ثلاثة
- عبد الرحمن الراشد في الشرق الأوسط:العبادي جاء بشرط واحد، ألا ...
- مسيحيو شمالي العراق ومآسي النزوح هربا من داعش
- المخاطر تحدق باليزيديين الهاربين من جحيم الدولة الإسلامية با ...
- تنظيم -الدولة الإسلامية- يبث تسجيلا لعملية -قتل صحفي أمريكي- ...
- تقرير: الأحزاب الدينية في مصر تواجه شبه الحل
- مقتل قيادي في الدولة الإسلامية على يد حزب الله عند الحدود ال ...


المزيد.....

- القرآن وكَتَبَتُه(1) / ناصر بن رجب
- محمد يتوه بين القرى / كامل النجار
- مقدمة في تاريخ الحركة الجهادية في سورية / سمير الحمادي
- ريجيس دوبري : التفكير في الديني / الحسن علاج
- الدين والثقافة .. جدل العلاقة والمصير / سلمى بلحاج مبروك
- رسائل في التجديد والتنوير - سامح عسكر / سامح عسكر
- مالك بارودي - محمّد بن آمنة، رسول الشّياطين: وحي إلهي أم شيط ... / مالك بارودي
- أصول أساطير الإسلام من الهاجادة والأبوكريفا اليهودية / لؤي عشري وابن المقفع
- أصول أساطير الإسلام من الأبوكريفا المسيحية والهرطقات / لؤي عشري
- تفنيد البشارات المزعومة بمحمد ويسوع / لؤي عشري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعيد ناشيد - خمس فرضيّات حول القرآن