أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خلود العدولي - النفس الانتحاري في الرواية اليابانيّة














المزيد.....

النفس الانتحاري في الرواية اليابانيّة


خلود العدولي

الحوار المتمدن-العدد: 3776 - 2012 / 7 / 2 - 19:42
المحور: الادب والفن
    


قد يكون الانتحار أحد أهمّ أشكال الاحتجاج لدى الكتّاب، أو قل هو آخر أعمالهم الإبداعيّة. وهو شكل من أشكال رفض عدم إنصاف الحياة لحيواتهم التي تستحق أكثر مما هم عليه. قد يترجم الانتحار عمقا عاطفيّا لم يجد طريقة إلا في التداوي بالموت. فالكاتب من أكثر الكائنات هشاشة.
خذ مثلا الأدب اليابانيّ الذي يعدّ من أكثر الأدب اتساما بلغة الموت وهاجس الانتحار، فالرّوائي ميشيما اليابانيّ أقدم على الانتحار سنة 1970 معتمدا في ذلك على ما يسمّى "السيبوكو" وذلك في المقرّ الإقليمي لقوّة الدّفاع الذّاتي البرّية وقد أقدم على هذا بسبب غيرته على سيادة بلده الوطنيّة، كاحتجاج على بعض مضامين الدستور الياباني آنذاك.
السيبوكو: هي طريقة من طرق الانتحار التي تعود إلى شعوب السّاموراي وتتمثّل في طعن النفس بعد قراءة قصيدة من الهايكو، إذ كانوا يعتقدون أن ذلك مشرّف لهم وسبب في بلوغ العظمة.
أمّا كابواتا صاحب نوبل نوبل 1967 فقد كان مسكونا باليأس منذ نعومة أظفاره إذ عاش منذ صغره حزينا وملففا بالموت من كلّ النواحي. فقد فقد والديه وأخته الوحيدة وجدّته وهو لم يتجاوز سن الخامس عشرة. اضافة إلى هشاشته العاطفية والتي نلمسها في رواياته. ففي روايته الشهيرة "صوت الجبل" يعتمد فيها البعد الإيحائي لإبراز ما فعله اليابانيّون بعد الحرب العالميّة الثانية لتجنيب بلادهم الدمار الشامل. أمّا في "الجميلات النّائمات" الحاملة لأبعاد رمزيّة تعكس أسئلة وجوديّة، نفسيّة وفلسفيّة إذ تحمل فكرة تبدو غريبة تسرد قصّة منزل متفرّد في طوكيو يتردّد عليه عجّز برجوازيون ويدفعون أموالا طائلة مقابل التّمتع بجمال "النّائمات الجميلات الصغيرات" ومن ثمّ النوم بجانب أجسادهم اليانعة والحارّة فبينما يكنّ في نوم عميق تنطلق الشيخوخة في رصد المتعة التي يمنحها ايّاهم الجسد المستسلم للنوم وللحلم. وتأخذنا الرواية بالتحديد إلى كيان البطل العجوز "ايغوشي" المختلف عن باقي الزبائن الآخرين فهو في السابعة والستين والذي ما زال أكثر نشاطا وتساؤلا وبحثا عن الخبايا. فكواباتا يكتب من أجل مداعبة أحبّته في قبورهم. وليناقض مشروع الموت بأحد أسبابه التي هي الكتابة. نحن نكتشف في هذه الرواية عمق عاطفة كواباتا من خلال البطل الذي يصارع النّوم السّاكن في جسد الفتاة. هذا الجسد الصارخ بصمت وعراء، ايغوشي يدخل بذلك حربا ضارية هدفها بعث الحياة في جسد الفتاة المحنّط، هكذا يمارس كواباتا الكلمات لزلزلة شبح الموت. فلم تكن حياة بطله إلا جملة من المغامرات النسائيّة المتكاثرة في مخيّلته وهو على سرير المتعة جنب الجميلة النّائمة. وخلال السّاعات التي يقضّيها على السّرير كان يتساءل مقلّبا جسد الفتاة فتراوده فكرة من الشفة وذكريات من العنق ورؤيا من النهد، هكذا يقرأ ايغوشي تفاصيل جسد الجميلة النائمة وجسد الإنسانيّة وأشدّ رغباتها عمقا. ففي معانقة بطل كواباتا للجسد الفتيّ الراضخ صورة أعمق وأكثر دلالة معانقة كواباتا نفسه للحياة. وماذا تكون الحياة إلا حيّة سامّة تلدغ الكاتب فتلحقه بركب الأموات؟. لذلك سيعتبر كواباتا الموت أكثر حياة من الحياة نفسها وأكثر حرارة. الرواية بطلها مسكون بالسّؤال إلى حدّ أنّه يجعلك تعتقد أن منزل الجميلات النائمات من أكثر الأماكن غموضا في اليابان كلّها. يطرح ايغوشي سؤال "بما حقنت الفتاة؟ ونوّمت؟" وهو على واقعيته ما هو إلا انشغال وجودي عميق يعدّ مبحث كواباتا وغيره من الروائيين والأدباء. فالحياة من ناحية الأخرى دائما ما تتصف بعدم تطابقها مع آمالهم لذلك فمن الصعب التأقلم معها لما تغرسه الحياة من ألم متواصل. فحول الإنسانيّة يكمن مدار الرواية، فهو مدار إنساني بحت كالحبّ والوحدة والجنس...
فمن هذا المدار الجهنميّ نستقي صورة إنسان كواباتا. فبطله بطل متطوّر لا يكفّ عن الإصرار وعنفا في كشفه للأسرار وفي هوسه بكسر حواجز ذاك المنزل، وهو كهوس كواباتا أيضا والرّائيين في اختراقهم لقوانين الحياة الصّارمة، تتطوّر لدى العجوز ايغوشي رغبة اجراميّة في حقّ الفتيات النّائمات من أجل سبب وحيد المتمثّل في إيقاظ الفتاة النائمة وهو ما يختزل صراعه مع العجز وما يعكس عجز كواباتا عن إيقاظ الحياة. فعبادة الموت عند الكتّاب اليابانيين ليست إلا سمة من سمات عواطفهم الهشّة ومحاولة منهم لاثبات وجودهم وكينونتهم بطريقة ما. فهم يحملون طقوس الموت في ذواتهم ويحاولون تمرير هذا الموت في نصوصهم الرّوائيّة. يعدّ هذا التمرير بمثابة العطاء الموجّه للقارئ. فكلما وهب الكاتب حياته وكيانه للقارئ كلّما تجذّر فيه الموت أكثر. هذا الانتحار الأدبي هو نهاية شكل من أشكال الاحتجاج: إبداع دمويّ يخلّف الطمأنينة في نفس الكاتب بعدما ما أرهقه السؤال الذي من بين واجباته إرهاقنا ـ نحن القرّاءـ بالبحث.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,281,479,362
- حانة الكلمات
- جيل البيت في الرواية الأمريكية -the beat generation-


المزيد.....




- مصر تسترد قطعتين أثريتين من سويسرا
- حلمي بكر عن شيرين: مطربة عظيمة لكن مشكلتها في لسانها
- بعيون رحالة بريطاني.. ثلاثة آلاف عام من تاريخ العرب
- متحف فيصل بن قاسم بقطر.. عندما تؤسس الهواية أكبر متحف شخصي ب ...
- الرئيس الغابوني يغادر المغرب في ختام مقام طبي
- العثماني في لقائه مع تجار مكناس:-لي ماعجبوش الحال ينزل من ال ...
- فنانون وإعلاميون ينعون ضحايا عبّارة الموت التي قلبت أفراح نو ...
- إبنتا كيدمان تشاركانها التمثيل
- قريبا... استئناف عمل المركز الروسي للعلوم والثقافة في دمشق
- رواية -من دمشق الى القدس- للروائي يزن مصلح


المزيد.....

- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر
- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خلود العدولي - النفس الانتحاري في الرواية اليابانيّة