أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاتف بشبوش - عبد الفتاح المطلبي , بين السرد والتهويم .............1















المزيد.....



عبد الفتاح المطلبي , بين السرد والتهويم .............1


هاتف بشبوش
الحوار المتمدن-العدد: 3766 - 2012 / 6 / 22 - 02:23
المحور: الادب والفن
    




عبد الفتـاح المطلبـي , بين السرد والتهويم .............1


قطرات الشعر المطرية التي تنزل من سماء عبد الفتاح المطلبي , تنزل على أنساغ الاعشاب لا على القفار والرمال , أنه يكتب كي يزلزل قناعات العالم القديمة والتي تريد أن تجعلنا خارج الزمن والعقل , الكتابة الشعرية لديه , محاربة باللسان في حقل لساني , اجتماعي, ثقافي ,متناقض, معقد , وهي تقوم في هذا المستوى لافي مستوى الحزب او الجمهور او المنظومة الاجتماعية كما يقول ادونيس. يجول الشاعر عبد الفتاح في الوهم فيعطينا نتائج في غاية الفعالية , وكأنها مثل النبوءة التي تتحقق في وقت ما , بعد ان تنبأ بها الشاعر وهو يرسم خيالاته وأوهامه . ولذلك فأن إختلاط الحقيقة بالوهم , هي كما عباس بن فرناس الذي كان يحلم بالطيران قبل اختراع الطائرة . التهويم الذي ينطلق من العمق البوحي للشاعرعبد الفتاح يأتي بمثابة وصايا , كتلك التي أدلى بها الى رفاقه (أوديسيوس) البطل الملحمي في ذهابه الى إيثاكا , وكيفية مواجهته للموت مرات عديدة , لنرَ ماقاله ُ في نص ( وصايا ,تهويمات).

إن أطفأتَ إتون الشمس/ او احتطبتَ الهواء/ أو استعرتَ جناحي ْعقاب/فانكَ ابداً لن ْتستطيع/ هل تعبر وهو واقف/ كأفعى الكوبرا/ لن تستطيع/ الموتُ برزخ كؤود/ ثورُ عنيد/ ربما انْ اغويته بغلالةٍ من فتنة/ او عطر اخير/ ربما يهدأ فيمنحك ظهره ُالمكين.

في هذه الثيمة الرائعة نجد أنفسنا ننادي الموت كما ناداه يوما الروائي الكبير عبد الرحمن منيف في شرقه المتوسط (انت ايها الموت ماذا لو اتيت ؟ انك مجرد بغل ولابد ان اركبك لكي اصل الى الجنة , لايهم المشوار , سواء ان كان بعيدا او قريبا ولكن الاهم ان اتحداك وان لااخاف منك) .
في هذه الثيمة يشترك التساؤل والاشتراط اللذان يؤديان الى الاستحالة والمستحيل ومتى استطعنا العبور الى الجانب الاخر من الممكن ان نحصل على الحياة , لكننا نلعب لعبة القدر , لعبة المقامرة بالجسد بايولوجيا , وهذه المعاني الصوفية السامية , قد جسدها لنا جليا الممثل والمخرج العالمي الذي يكره اليهود ( ميل جبسن) في فيلم من تأليفه وأخراجه يحمل اسم(Apocalypto) وفي المقدمة يقول المؤلف بكلمة مختصرة , ( لايمكن لأحد أن يتجاوز مصيره ) , الفلم يصوّر لنا مدى وحشية البشرية وقتالها المستمر في العصور البدائية , منذ ان كان الانسان عاري الاّ من ورقة التوت التي تستر عورته , وحيث كان القتال بالفأس والخناجر وكيف كان يواجه الانسان أبشع صور القتل , وكيف كان الالم من جراء حز الرقاب بالسكين او غرز السهام في البطون , من دون مورفين أو دواء يخفف من حدة الاوجاع . ففي مشهد من الفلم , يمر رتل من المقاتلين الاشداء في غابة موحشة , الكل يمرعدا شخص واحد تلدغه افعى الكوبرا فينتهي في الحال , ولم يفعل له رفاقه سوى انهم أعانوه على الموت , هذا الرتل وفي مشهد من الفلم يصطحب بعض الاسرى ويبعيهم في سوق النخاسة , ويشتريهم احد الملوك , ويستخدمهم كأضحية لكسوف الشمس , حيث كانت تقاليد القبيلة البدائية هذه , هي تقديم أضحية بشرية وذبحهم أمام الناس حين تصاب الشمس بالكسوف. وفي هذا المشهد من الفلم تبدأ عملية الذبح أمام الملك والملكة في برج عالي جدا وامام الناس المتجمهرين بالالاف أسفل البرج يهللون وينشدون الاغاني , بينما يقف رتل الاسرى المساقين الى الذبح كأضحية واحدا تلوى الاخر , يتم سحب أحدهم من قبل الجلادين ويوضع على صخرة الذبح التي تجعل منه مقوسا بحيث تكون بطنه مواجهة للشمس ومواجهة للخنجر الذي سيمزق بطنه من اسفل الاضلاع وبسرعة البرق يقوم الجلاد بشق البطن عرضا بخنجره ويقوم بأخراج القلب الذي لايزال ينبض داميا ويرفعه ُعاليا لكي يراه الشعب الذي يبدأ بالتهليل ثم يقدم في الحال الى الملك والملكة كوجبة طعام شهية طازجة , أما الرأس فيقطع بالسيف الذي يتلقفه السلّم العالي من البرج ويتدحرج سريعا الى الناس الذين يتسابقون في الحصول عليه , ويعقبه الجسد الذي يصل الى الناس ويقطع اربا بين هذه الحشود الغفيرة كوجبة غذاء حار , وهكذا تستمر عملية الذبح واحدا تلوى الاخر , حتى ترجع الشمس الى حالتها الطبيعية , فيعلن الجلاد أمام الناس بأنتصار هذه الامة العظيمة وقيم الدين او الاساطير التي تحكمهم , ولتذهب هذه الاضحية البشرية القادمة كأسرى من القبائل الاخرى , الى الجحيم . . وفي مشهد مثير للشفقة والحزن , حيث يقف بطل الفلم على صخرة المذبح ويرفع الجلاد خنجره كي يغرزها في بطنه , لكن الشمس ترجع الى حالتها الطبيعية وينتهي الكسوف في نفس اللحظة التي أرادت ان تمزق بطنه , فيأمر الملك بوقف عملية الذبح فترجع الخنجر الى غمدها , و ينجو البطل من الموت في اللحظة العجيبة الغريبة , إنهُ القدر الذي قال عنه المؤلف في البداية ( لايمكن لأحد أن يتجاوز مصيره).
نستنتج من خلال هذا الفلم الذي يتطابق في الرؤيا تماما , مع قول الشاعرعبد الفتاح في ثيمته أعلاه , من انّ البشرية هزيلة ومجرمة , ونعرف كذلك مدى الاستهانة بالانسان نفسه والجهل الذي عاشته البشرية على مر العصور . كما وأننا لو استطعنا الهروب من الموت مرات ومرات ( مثلما تخلّص بطل الفلم في اللحظة النهائية الفاصلة بين موته وحياته) , لكننا ربما نموت في المرة القادمة بقطعة سكاكر , انه الموت( ذلك البرزخ الكؤود) , حينما يأتي وبأصرار لجوج لايمكن لنا اللحاق في السؤال ,لان الاجوبة التي ننتظرها تكون قد شاخت واعتلّت ولا علينا سوى ان نرضخ للاستعانة بأغماضة أعيننا من قبل الاخرين,كي نهجع هجعتنا الابدية ونلحق بأسراب الملايين من الذين ماتوا ودفنوا واصبحوا صمتا غير مرئي .
هي هذه الطريق المؤدية الى الموت وشأنها الذي يكون أحيانا شبيه الطريق المؤدية الى التيه كما نرى أدناه......
هذا شأن التيه
يتقدم بك
يرجع بك القهقري
يعلو بك فلا ترى
وعندما تتسائل
تكون الاجوبة قد هرمت
وكلت عيونها
فلا تسمع الا مفتريات

التيه هو الرؤيا المفقودة امام جادة الصواب , مغازلة المجهول , مهما كان , تيه الفرد او تيه الامم , او تيه الفكرة , التي تأخذ طريقا غير معلوم , التيه المخيف الذي ينزرع في الامم التي تصنع الدكتاتور , وتجعل منه ماردا يتحكم في مصائرها , فماذا قال الشاعر بشأن ذلك ...
هذا القلب كفيف بلا عصا
الاوغاد خزقوا عينه
كيف يصل الى القرى البعيدة
القرى السعيدة
حيث تهجع الملائكة

هذه الابيات تحمل في طياتها الروح الدارمية العراقية والسباق في التشاؤم واظهار الالم , ولم لا , فكل عراقي له مأساته الخاصة التي زرعها صدام وأزلامه فينا نحن العراقيين على مدى السنوات المظلمة من حكم البعث وأوغاده .. .. من هم الاوغاد , هل هم أزلام البوليس السري , وممارساتهم القبيحة ضد الانسانية , هل هم أولئك لذين قتلوا لوركا , او جعلوا من بابلو نيرودا يموت في حسرته بعد اسبوع من موت سلفادور الليندي في تشيلي , ام هم ازلام البعث الذين ملئوا العراق بسجونهم , أو تسببوا في أذيّة الكثير من الوطنيين أمثال شاعرنا موضوع البحث . في زحمة هذه الامور وخيباتها , كان شاعرنا أمام غمامة سوداء بلا متكأ , فكيف له ان يحقق الاماني المنشودة , او يلحق بايثاكا , حيث تحرسه ملائكة الحياة , او ربما اراد الشاعر ان يصف لنا الحياة الحرة الكريمة التي يحلم بها , وهو شاعر الجمال والسحر, والخمر فنراه يقول في هذه الفلقة القمرية ادناه ...

ايها الفاتن كغادة/ الباهر كبرق/ المقدام كقلب عاشق/ ايها الشعر/ اشرب حتى الثمالة/ نخبك الاخير/وغن لحنك الاثير / واخطف اخر قبلة من ثغر الحبيبة/ ثم اطلق رصاصة على رأسك ومت/ خير من سماع الدمدمة/ او ان ترقص مجبرا على جثة/ لطائر غريب مر مصادفة/ ليقتلهُ الجزع فوق رابيتك.

الشاعرهو الاكثر أناقة في انتقاء الحروف من بقية أجناس الادب , الشاعر جرئ في الحب ومخاطراته , يزج نفسه في لوعات العشق , ولايهمه انْ لم يخرج منه معافى , المهم هو الاقدام والشجاعة على ممارسة ذلك الحب الذي سرق لبه , لكنه في لحظات الارهاص والانكماش الفكري والانبجاس في الاحاسيس , يلجأ الى تجريب الثمالة بالخمرأو بالشعر , ( أيها الشاعراشرب حتى الثمالة نخبك الاخير) , ربما اراد الشاعر ايصال فكرة مفادها ,انّ الشعر الردئ وقائليه واصحاب المنابر والهدايا قد جعلوا من الشعر كائنا ميتا ولذلك يتوجب عليه انْ يشرب نخبه الاخير , او يفترض من هذا الشعر اذا امتلك ذرة من الكرامة او وخزة ضمير ان يطلق رصاصة الرحمة على حروفه وليذهب الى الجحيم مادام قد اصبح غير ذي فاعلية مجدية في هذا العالم الملئ بالمتناقضات , فخيرا لهذا الشعر انْ يفعل ذلك بدلا من انْ يرى البراءة على مذبح الجريمة وهو يصفقُ مجبرا وذليلا , اذ كان صدام وزبانيته يعدمون الابرياء في الشوارع , كما حصل مع النساء الخارجات عن قانون الشرف كما يدعي صدام الملعون ( لآنّ الشرف لدى هذه الشعوب هو في أقذر منطقتين من جسم الانسان ). وتم قطع رقابهنّ بالسيف وأمام جمع غفير من المؤمنين الذين تجمعوا خوفا واجبارا لكي يرقصوا وتنشد الاناشيد المزيفة على اعدامهنّ . ولذلك يصرخ الشاعر صامتا , يصرخُ أنْ تعالي , تعالي لنبتعد عن هذه الارض الملوثة بالعار , كما نقرأ في نص( سراب ـ تهويمات) والذي يتكون من عشرة حلقاتٍ ذهبيةٍ رائعة ............

تعالي معي/ دون لوازمك ِالمغرية/ عيناكِ والشعر والخصر رفقة/ ودعينا نتسلل سرابين نحو المجرة// فالهوى فوق كوكبنا معضلة / حديد وكبريت/ وانفجارات تترى/ نهود العذارى تجذ , جماجم مثقوبة/تباع بأروقة البر/ يابلال ماحاجتك لقبو تحت المنارة.

في أحلك الظروف يلوذ المرء بالعشق , وخصوصا في لحظات الحرب والدمار والكوارث الطبيعية والامراض, لكي تتعادل المعادلة , هناك موت وهنا اخصاب وتناسل , هناك عدم وفناء وهنا عشق وولادة , الموت مارد قديم , والحب طائر متجدد , يأخذنا نحو بروج السعادة , او فوق بساط الريح الذي يتنقل بنا بين الاروقة التي لانراها سوى في الحلم , فالشاعر يحلم دائما بأحلامه الطوباوية او الواقعية أحيانا , انه يسأل ولايجيب .عبد الفتاح المطلبي في نصه هذا يدعو الى ترسيخ الحب على طريقة اصنعوا الحب وليس الحرب , والتي ايدها الفيلسوف الرياضي برتراند راسل ايام الشعارات ضد الحرب في فيتنام , كما وانّ كل الحروب هي قتل للآخوّة.
يحاول الشاعر الابتعاد عن هذه الارض التي باتت مرتعا للسفاحين والقتلة والمجرمين , والمتآمرين , والذين يستخدمون فتاوى الدين في تمرير القتل والديناميت والذبح على الهوية , كما وان الشاعر اراد ايصال فكرة , بأنّ القتل يأتي من بيوت الله ويا للاسف , بيوت الله التي من المفترض ان تكون مليئة بالدعوات الى المحبة , مليئة بما يشير الى اسم الرب , لكنها اليوم مليئة بالاعتدة والسلاح , والاقبية لخزن كل مايشير الى الدمار والقتل , وكأن الحروف التي يجب انْ تـُضغطُ للترتيل , اصبحت بمثابة ضغطة على الزناد بكل حروفها المدمرة لتمزيق الاجساد البشرية البريئة الى اشلاء, ولذلك أشار الشاعر الى ذلك بكل مرارة وحسرة والم في قوله( يابلال ماحاجتك لقبو تحت المنارة ) .
يستمر الشاعرفي مناشدته للرحيل من هذا الكوكب الذي أوشك على الدمار الشامل , كما الدمار الذي صوّره لنا فيلم( القيامة2012) , حيث ينتهي الكوكب بطوفان شامل , كما حصل منذ قرون عديدة في الحضارات البائدة , ولم يسلم منه سوى باخرة واحدة تطفو على مياه البحر , من بطولة جون كوزاك واماندا بيت واخراج رولاند ايمريتش .
الشاعر يلهج بكلمة تعالي لنرحل من هذا الكوكب كما يقول ادناه ..
تعالي لنرحل
سرابين
الى كوكب لايزال رضيعا
يمص حليب الاله
كيف يسخط
ونحن نضحكه ملئ شدقيه
منا ......... علينا
لحظة الضحك
كدنا نموت
الم تشبع الطرقات من الموت
ام الموت يعشق اسم العراق

( أنهما سرابان) ومن يستطيع الامساك بالسراب,انها دعوة للتماهي مع الخلاص , واللامرئي , كي يفلت من هذا الكون الغريب الذي يبدو فيه كل شئ رخيصا ومهلهلا .
الموت دائما يحوم حول ارض العراق , وبشكل يختلف عن بقية شعوب العالم , وانا اكتب هذه السطور وقد شاهدت في التلفاز موت العديد من الابرياء في بغداد في انفجار سيارة مفخخة نصبها الاوغاد الذين يقتلون باسم الرب الرحيم . فقلت في نفسي لقد اصاب الشاعرعبد الفتاح بهذه الثيمة الاليمة والمفجعة , كلنا يتجه صوب السراب , انا وانت والحمار , كلنا نموت انا من الحب والملك من الضجر والحمار من الجوع , كلمات كنا نقرأها في السبعينات كانت تعني الموعظة , ولكن اليوم نرى الكثير يموتون في العراق عدا الحمار,الحمارهو الوحيد الذي لاتصيبه الكواتم , ولكن في الاونة الاخيرة , بدأ المتأسلمون يفخخون الحمار , ويتم تفجيره بين جمع غفير من الناس , ليقتل عددا أكبر من الابرياء.
تعالي لنرحل
سرابان نحن
منذذ الازل

قادمون من الازل ياتجاه صوب السرمدية .. تعالي هنا دعوة صريحة لقبول الفناء برحابة صدر, انه الفناء الماضي والحاضر والقادم , مهما لهثنا وتعبنا , وشددنا الازر, في ان نلحق بالوجود , ونبتعد كثيرا عن العدم , وجدنا انفسنا قاب قوسين او ادنى منه , مهما تقاسمنا الهموم والافراح وجدنا انفسنا في نهاية الهاوية المؤدية الى السراب , مهما اكثرنا من الولادة والتناسل , وجدنا انفسنا في حفلة للموت الجماعي المؤلم , الانسان مولود ميت , كلانا انا وهي ومهما استمتعنا بانطباق أفواهنا , نجد انفسنا , مولودون في بوابة السراب المؤدية الى السراب .
وقبل ان يرحل الشاعر لابد له ان ينقش صراخه في أعمدة التأريخ , أن يشد الازر مع المضطهَدين الذين أنهكهم خذلان الموت , وشياطين الظلام الذين تسلّلوا في غفلة من الزمن , وأوصلوا شعوبنا الى هذا المآل الحقير .... لنراه في نصه ....

( شيطان الان ـ نص تهويمه) .....

من بين فسيفساء سجادة فارسية أوسلجوقية / لا أعلم /هو الذي يعرف/فكلاهما بارع في النقش/الشيطان ينظر لي بريبة/وعلى حين غفلة / ربما تهويمة نوم/ تسلل الى سلة الآراب.


ربما يشير الشاعر هنا الى المعترك الدائر بين الاتراك والفرس ومصالحهم في العراق , حيث يتساوى الاله والشيطان , في ظل هذا المعترك الذي يخسر فيه الانسان فقط , الانسان الذي تتحكم به إرادات الملوك والمرائين والجلاوزة .

يردد الملك تمتماته/بصوت عال/رافعا قبضتيه/ من خلال كُمّين مطرزين/يصيح بالشعب/مدد...مدد..معفر ببخور أخضر/من شرفته هناك/فوق عمالقة من أسمنت مسلح/ يطل دائما على ساحات التحرير/ من هناك تعاقب الملوك ابدا / ادمنوا النظرات الينا من فوق/ معهم قارورة عسل تبدو لهم كبيرة/ ورؤسنا تحت/ تبدو لهم صغيرة/سر الابعاد/ فوق وتحت.

في هذه اللوحة السينمائية المتحركة الرائعة , استطاع الشاعر ان يتشاعر سينمائيا , ان يعطينا صورة واضحة للملوك الاباطرة الذين سحقوا شعوبهم وتمادوا من الاعالي في ضرب الانسان وتعذيبه ايما تعذيب , في هذه المقاطع التي استطيع ان اراها مجسدة في فيلم عالمي للمثل الرائع القادم من امريكا اللاتينية ( أنتونيو باندرياس) والممثل العجوز انتوني هوبكنز, في فلم ( زورو), ففي الفلم نرى كيف كان الحاكم يصنع سبائك الذهب على اكتاف الشعب المغلوب على أمره وخصوصا السجناء في الاحكام الثقيلة . في الفيلم يتفق انتوني هوبكنز وهو المدافع عن حقوق الفقراء والذي يحمل ضغينة للحاكم , حيث ان الحاكم قتل زوجته وسرق ابنته ,وزجهُ في السجن , وبعد مضي عشرين عام استطاع الهروب من السجن , وبدأ بملاحقة الحاكم , ويتفق مع بطل الفلم أنتونيو باندرياس ( زورو) في القضاء على الحاكم , وبالفعل يتم القضاء عليه ورميه من أعلى الشرفة التي كان ُيلقي منها خطبه المزيفة على السجناء , وفي مشهد مثير يشفي غلّة المظلوم , حين يُرمى من فوق وهو حي مع سبائك الذهب, فيلقفهُ الشعب الغاضب , ويمزقهُ اربا . انها لحظات ثأر المظلوم على الظالم , انها صرخة التحت على الفوق , اي معترك (سر الابعاد ) ولابد من منتصر في يوم من الايام , وهذه الصورة كانت من المفروض ان تحصل لصدام حسين . ويستمر الشاعر في نصرته للفقراء والمساكين وهذا دأب الشاعر الحقيقي , اذ عليه ان يكون لصيقا للمحرومين , كما نرى في ذيول تهويماته ....
ذيــول ...نص تهويمي
كدأب زرقة السماء
تنظر من عليائها للمساكين
لا تفعل شيئا يرد لهم الإعتبار
تتلهى بالضحك على آلام تبدو كالذيول
يجرجرها فقراء مبتسمون

دموع البشر تكفي لتحريك طاحونة ماء , ألا تكفي اذن لتحريك الله ليرى مايصيب الانسان من دمار . الانسان يُلقى في هذه الارض وحيدا , بلامُعين , ضعيفا في مطحنة الحياة المدمرة , ووسط هذا العالم الملئ بالظلم , والسخرية , العالم المحكوم من قبل الاثرياء , وقوانينهم التي وضعت اساسا لحماية مصالحهم وما على الفقير سوى الطاعة والصمت والخوف من هذه القوانين المجحفة , فبقي الانسان معذبا ومعرضا للسخرية حتى اليوم , وكأننا نعود الى عالم الاساطير من جديد وكيف كانت الآلهة تسخر من الانسان , كما حصل مع سيزيف والذي حكمت عليه الآلهة ذلك الحكم المعروف , وظلّت الالهة تضحك على سيزيف وهو في عمله الشاق برفع الصخرة , وهذه الدوامة من العذاب الابدي . فهذه الآلهة هي بمثابة الدكتاتور المسلط على رقاب البشر.
كدأب الدكتاتور إذا هرم
ينجب دكتاتورا آخر
بذيل أطول أو أقصر
لكنه ذيل دكتاتور

في شعوبنا التي مزقتها الاديان , يبقى الدكتاتورلاينجب الا ابناَ دكتاتورا , ولايخلفُ الخنزير الاّ خنزيرا مثل أبيه , حتى اصبحت وراثة الخنازيرعادة لدى هؤلاء السفلة , ولدى حكام الشرق , وليس لدى المضطهَدين سوى الاحتجاج في الساحات , أو دك قضبان السجون ,أو الموت في المكان , كما في احتجاج الشاعر أدناه ..
كدأب ساحات الإحتجاج
تفتح ذراعيها
لشبان عُزّل
و لرصاص أعزل
تسيل دماء عزلاء كذيول
خلف رصاصة راكضة، لها ذيل
ذيل من نار

يحتج الشعراء الوطنيين طيلة حياتهم الادبية ولايستكين لهم قرار ابدا , ولايرهبون الموت , كما قال الشاعر الكبير سعدي يوسف(
اننا لانرهب الموت ولكن/ ياجميع الاصدقاء , ياجميع الشرفاء/ ارفعوا اصواتكم من اجل شعبي/ اننا نطلب من اعمالكم صيحة حب ورصاصة .
لقد اقترب الشاعر عبد الفتاح كثيرا في ثيمته اعلاه من الشاعر سعدي يوسف , لكنه يتألم على المكانة الدونية التي تصلها الامم احيانا نتيجة تراكمات كثيرة من الظلم والتعسف الذي ينتهي بها الى التأخر في اللحاق بركب الامم المتحضرة الاخرى , لنقرأ ماهي مكانة هذه الامم , حتى في ذيل القرن .....
اليوم قال لي صديقي
الأمم حجزت أمكنتها في رأس القرن
وركبته حتى ذيله
أما نحن فقد عدنا خائبين
نتأمل قرنا آخر
وهذا القرن لم نجد مكانا حتى في ذيله


العالم المتحضر الذي استطاع من خلال أدباءه ومبدعيه , وصف المستقبل القادم , كما في الرواية الرائعة للكاتب جورج اورويل عام 1984 التي كتبها عام 1948 فهو ينظرالى العالم التكنلوجي المتطور والمتفوق على الجهل والتخلف الذي ما زال ينخر في كل معالمنا الحضارية . ولذلك بقيتْ أمصارنا على حالها , وأزقتنا محنطة منذ سنين .......
نسير في شوارعنا المحنطة
منذ اغتيال الزعيم
أنا و صديقي نثرثر
نتذكر الأيام الخوالي

منذ اغتيال الزعيم الوحيد الذي جاء ليخدم هذه الامة بشرف , لكنه لقى حتفه على ايدي السفاحين والقتلة وجلاوزة البعث , ولم يتبقَ لنا غير الحنين الى تلك الايام الخوالي والثرثرة , والثرثرة هي للضعيف , يقولون ان بوذا العظيم له اذان كبيرة وفم صغير , اي انه شديد الاصغاء قليل الكلام , اما نحن فلنا اذان صغيرة وفم كبير للثرثرة اللامجدية وعدم الاصغاء للاخرين.
خوفنا ورعبنا وضعفنا في أوطاننا من الحكام المجرمين , جعلنا لانحصد من هذه الحياة غير الخيبات وخسران الحلم والامل ,واللجوء الى الايام الخوالي التي تجعل من الشاعر يهيم مع مخيلته في البراري , كي يخلو مع النفس التي غالبا ما تكون قلقة لدى الشعراء , ولذلك قال في نصه ادناه ...

شجرة في البرية ـ تهويمات

وجلستُ تحتَ شجرةٍ لا يدّعيها أحدٌ
هكذا في بريةٍ تهربُ منها الضِبابُ
خوف َ الأفاعي
وتتجنبها الافاعي
خوف مخالبَ صقورٍ غرثى
ولا تغري غراباً ضلّ طريقه
عن سربٍ ناعق

من المؤلم جدا أن يرتكن الشاعر وحيدا كما نبتة الفطر وتنخسف أواصره بالعالم الخارجي , او يكون بتلك الروح القفارية التي ضاقت الامرين والتي لم تخضر الا بوجود الحبيب او الفكرة التي يتعلّق بها الشاعر ( قلبي وحشة ليل وعيونك نهار / روحي جدبة وضاقت بحبك خضار) وهذا ماجاء بصوت المطرب العراقي الحنون قحطان العطار المنفي في ديار الغربة , فماذا يفعل المرء في التصحر الذي يشمل القيم الاخلاقية والمنظومة الاجتماعية بشكل كامل .
يشير الشاعر هنا الى الحياة التي نعيشها اليوم مهما اخضرّت الروح في البرية الجهمة , تعيد لنا دورة الحياة والتي يعيش فيها البعض على الاخر والبقاء للاصلح والاقوى ,, في الحروب تموت العساكر ..وتظل الجثث عرضة للصقور والغربان والافاعي .. والتي هي بدورها تتلقى الخلاص عن طريق الحيوانات الاقوى , ولم يكن مصيرها سوى أعماق الارض , لتكمل دورة الحياة العقيمة,, الحياة هذه التي نحن فيها نقف طوابير ننتظر حصاد المنجل .
وأنتَ , أنت ايها الموت
من يعرفك لولا الحياة
فلماذا تخطفها خطف المناجل
أيتها الشجرة التي لا يدّعيها أحد
تعالي واسمعي صمتيَ المجلجلَ
فهو الوحيد الذي يبزغُ مثلَ غيم
من يعرفك لولا الحياة
ربما يمطرُ يوماً


ربّ لحد ٍ قد صار لحدا ًمرارا.....ضاحكاً من تزاحم الاضداد ... هذا ماقاله ابو العلاء المعري

لابد للشاعر أن يتناول الموت , بكونه النهاية البايولوجية للاجساد , النهاية المحتومة , او المارد الذي يطاردنا مهما كانت سرعتنا في الجري والركض للابتعاد عنه , فهو المنتصر دائما وابدا , بل كل هذه البشرية جمعاء تنتظر في طوابيرها طيّعة لحصاد المنجل , كي يُلقي بها دماَ صديدا , يجف تحت تراب هذه الارض التي لاتشبع في يوم ما من حصاد هذا المنجل الكريه . الموت الذي جعل الشاعر الكبير سعدي يوسف يكتب كي لايشعر بوحدته القاتلة في لندن , ولذلك قال (لمن اكتب الان .. اكتب كي لا اموت وحيدا) .

بل أرفق بالروح
من همس مخاتل
كل ما فيه ومنه وإليه
بذارٌ في وهدة ِ ملح
أنا و أنت الآن أيتها الشجرة
يابسان لا يدعينا أحد
نعرف ماننتظر



انتهت انصاف اعمار العراقيين وهم خائفون من تربص المخاتلين وآذانهم في زمن البعث المجرم , والروح التي ظلّت دائما مطاردة من قبل الرب او من قبل رجالات الامن , الروح التي حيرت الكثير من العلماء والفلاسفة , ولكنها على الارجح هي خدعة رجال الدين , وياليتها شئ يباع في زجاجات تعطي القوة لليوتوبيا , لكي نتنفسها . الروح التي وضعت كما قال الشاعر كبذرة في أرض صبخاء ولاتعرف التناسل ولاتعطينا من الثمر اللذيذ أبدا , وهذه الشذرة تتردد بلغتها الدارجة على أفواه العراقيين نتيجة الظلم والاضطهاد فكانوا يقولون ( لو كان أبي زرعني في أحد الشوارع القذرة من أوربا) أو ( أنني ولدتُ بالخطأ) .استطاع الشاعر أن يوظفها هنا كأستعارة رائعة , وجاءت كلاما شعريا لاينقصه شئ . ثم يعود الشاعر بخاطره الحزين , ومشاعره اليائسة في النهاية , فيقول( انا وانت ايتها الشجرة يابسان) ...فهو المصير المحتوم في هذا التواجد الوقتي لوجود الانسان الذي ينتظر مصيره المأساوي شاء أم ابى , فليس هناك فائدة من العيش لفترة اطول اذا لم تكن لدينا قوة اكبر , ليس هناك من فائدة في اللقاء الذي تحجبه الاستحالات العديدة في هذا الكون اللامتناهي , خصوصا الاستحالات التي تحلّ في لقاءات الاحبة , مثل اللقاء النهائي الذي جمع الممثلة الجميلة صوفيا لورين والممثل مارشيلو ماستروياني في الرائعة السينمائية ( زهرة عباد الشمس ) ,, تلك الزهرة التي تدير نفسها الى الشمس دائما , فنحن مسيرون دائما في مصائرنا كما زهرة عباد الشمس . في الفيلم يفترق العاشقان بسبب الحرب , ويؤسر البطل في روسيا وتذهب هي للبحث عنه , وتسألُ عنه في كل مكان من أرض روسيا ولكن دون جدوى . فتعود هي الى أرض الوطن , يائسة على اعتبار أنه قد مات هناك , في احد المعارك . و بعد نهاية الحرب وفراق طويل , يعود الحبيب الى ايطاليا ويلتقي العاشقان في مشهد مثيرٍ وفي غاية من الحزن , الحبيب الذي جاء ليلتقي حبيبته والزواج منها , قد سمع صراخ طفل رضيع من غرفتها , فعرف أنها قد تزوجت , وبكى الاثنان وسالت الدموع التي استحالت الى الفراق مجددا , بل اليباس و الفراق والصمت الابدي .الصمت الذي أدى بالشاعر أن يسمعنا صراخه الصامت في النص أدناه .....

في نص مزاميرـ نص صامت

ربما حرف وحرفين
وربّ الآهُ
ربّ الصرخة الحبلى بأحلام الجياع
هي من يفتح أقفال القماقم
ربما!!

الشاعر اختار عنوان الصمت للنص , في حين نحن نقرأ في النص ( ربّ الصرخة الحبلى) , ولاضير في ذلك , لأنّ الصمت في الغابة هو حوار الصمت مع الصمت اي انه كلام , والكلام ربما يكون صراخا بوجه الطغاة او تأويلا آخر , حيث يعوّل شاعرنا في النهاية بصراخ الفقراء والجياع , ثورة الجياع تعادل الثورات المسلحة وكانها النار الاكول في الهشيم , تدمر قلاع وحصون الاباطرة , انها تهزأركان المؤسسات الامنية والاستخباراتية كما حصل في العراق عام 1991 وكيف رأينا الابطال وهم يطاردون فلول البعثيين الذين ارتدوا زي النساء كي يفلتوا من قبضة الفقراء والجياع . فهناك الكثير من شواهد التأريخ بذلك , في كل بقاع الارض وعلى مر العصور , والكثير من الشعراء قد شاركوا في ثورات الجياع ومنهم ( رامبو) الذي نجى بالصدفة في كومونة باريس التي اشترك بها مع العديد من الفقراء ضد الكنيسة والنظام الحاكم , وفي حينها قال ماركس قولته الشهيرة( غلمان باريس يهاجمون السماء) . ويستمرالشاعر عبد الفتاح في تخيلاته وتهويماته , يريد الخلاص , وابتغاء اليوم الجميل , ولذلك أهدانا هذه الابيات الرائعة من محاكاة الحيوان في مخياله الادبي....

قالت نملةٌ يا أيها النمل اخرجوا
فذا يومٌ جميل
ثم قالت : ربما
صرخ النملُ جميعا ربما!!
اخرجوا!!!!!!
العفريت مات


بالمخيلة نستطيع ان ننتقل من مملكة الحيوان الى مملكة الالهة , وبالمخيلة ننال الحرية وهي قوة اللامعقول و المضي ضد الجاذبية الارضية وباستطاعة الانسان ان يرتفع في الهواء مثل الفقير الهندي , المخيلة هي الحلم عكس مايقوله ( القيصر) عندما رفض انقاذ مكتبة الاسكندرية وهو يقول على المصريين ان يعيشوا حياتهم بدلا من ان يحملوها بواسطة الكتب .
أن الكثير من الانظمة المستبدة تسقطها الشائعات والاقاويل التي تتناولها الالسن , لأنها بمثابة المطرقة اليومية التي تحلحل أسفين الطغاة , انها الجرس المتكرر في آذان النائمين لعلهم يستمعوا فيصحوا ويكونوا في اول الرتل الذي ينادي بالتغيير والخلاص , في هذه الثيمة أراد الشاعرأنْ يوضح لنا كيف كان المجتمع العراقي , وتلك القصة الطريفة التي تحكي عن ذلك الاسد اذا ما دخل المدينة فان الجميع يهرب خوفا وهلعا من زئيره , وفي يوم من الايام كمَنَ الثعلب( ابن آوى) الى الاسد في الطريق الذي أعتاد عليه يوميا , حيث وضع عقدة في الحبل الذي ربطه في جذع شجرة , وعندما جاء الاسد يزأر , هرب الجميع الى بيوتهم , ولكن الاسد علّق في عقدة الحبل, فظل يدور حول الشجرة حتى سقط في الحفرة التي حفرها له الثعلب , واخذ الثعلب يصرخ ويصيح بالناس أن اخرجوا لقد تخلصنا من الاسد , ولن تدوم الفرحة , حيث ان هناك فأر خبيث بدأ يقرض بالحبل , حتى انقطع وتخلص الاسد من العقدة والحفرة , وبدأ يتجول في المدينة بدون زئير , لكن الناس هربت من جديد والكل ترك عمله ومصدر رزقه .. لكن الاسد اتجه خارج المدينة للرحيل منها دون ان يفعل شيئا , وهو يقول لهم , اخرجوا من بيوتكم ولاتخافوا فانا راحل من هذه المدينة , لان المدينة التي يربط فيها الثعلب( ابن آوى) والذي يحلّ هو الفأر , هذه ليست مدينة , انما ديرة مخانيث , فأنا تاركها لكم ,, وهكذا بدأت الناس تتنفس من جديد ,,وهذا ماحصل ايام الجيش الشعبي والبعثيين الذين هم ( عبارة عن ابن آوى والفأر) الذين كانوا بأيديهم الربط والحل .
يموت العفريت , ينطلق الشاعر , حاله حال الاخرين , يتنفس الصعداء , يتمتع بالحرية ,يشرق يومه وغده , يتأمل قليلا , ولآنه ابن العراق يبقى خائفا مرتهبا رغم كل هذا الشروق كما نرى في نصه( أراجيف) .....

أراجيف ........
نص تأملي , روحي, جمالي , تتألق فيه المعاني الحسية والابداع , يحاكي الطبيعة , يتعاشر مع بني الانسان , يحمل شئ من الفلسفة , يغور في معاني الحياة والغازها التي حيرت الكثير من الكتاب , نص ابتعد فيه الشاعرعن السياسة ومشاغلها ليريح النفس قليلا , بعيدا عن الشد والجذب , والتي تتعب الاعصاب , فقال فيه ....

الغدُ عندما يشرق
يرهبني بمجهوله
سأقول له
لا تكن عنصريا
لتصطفّ مع يومي و أمسي

الانسان يخافُ الدخول في بوابة الشيخوخة المؤدية الى الموت , ولذلك الشاعر يمتعض من هذه الفكرة ويعتبرها عنصرية من قبل الغد القادم , ان كل خطوة تقادم تعني المستقبل وهي نفسها تعني الشيخوخة والكبر , تعني الفراق الابدي مع الامس واليوم , ولذلك الشاعر كان كارها للمستقبل في هذا المنظور , وهناك الكثير من الادباء الذين أرقتهم هذه الفكرة , ومنهم همنغواي الذي راح يتصور نفسه وهو في عمر السبعين , اي أعطى انطباعه عن المستقبل الذي كان له بمثابة الغمامة .ولذلك كان يفكر في انْ يضع حدا لحياته , التي انتهت بالانتحار.وهناك الكثير من الادباء ممن لهم النظرة التشاؤمية اتجاه الحياة والوجود , لكن شاعرنا هو من المتفائلين , وهو ممن ينظرون الى الحياة بكونها بمثابة النهر الذي لابد له ان ينتهي في المصب , وهو يجري على سليقته وطبيعته , النهر يجري من المنبع ( الولادة) وينتهي في المصب ( الموت) , والمصب نفسه هو الميلاد الجديد , وهذه هي سلسلة الحياة والموت التي لاتنتهي , ولذلك قال الشاعر في ثيمته الرائعة من نفس النص ...

عندما أدركت أن الحياة
فائقة الجمال
مغادرتها خسارة كبرى
منطقة لا يتكرر المرور بها
صنعتُ حلمي الفريد
بالعودة إليها


الوجود الابدي صعب المنال للذات الواحدة, الانسان هو الخاسر الوحيد في الحياة المليئة بالمتناقضات والالم , لانه يمتلك العقل والاحاسيس, الحياة عبارة عن عطاء دائم , للأسرة , للمجتمع , للفكر أو للحب , لكنها في النهاية لاتعني غير الرحيل , والفناء والعدم. لكن الشاعر تؤرقه هذه النتيجة الحتمية , , فراح يبحث عن الحلم وهو البديل لتلك الدراما الحزينة لنهاية الانسان , يحلم بالرجوع الى الحياة مرة اخرى بطريقة أو يأحرى , بالرغم من أننا لم نجد من مات ورجع وأخبرنا عن الموت ومجرياته .
الشاعر اراد العودة بالحلم او التناسخ الجيني , ربما بعد الاف من السنوات يولد الكثير من التشابه بين بني البشر , وهذه الفكرة نجدها لدى الديانة البوذية , التي تقول بأن الحياة لاتنتهي , بل هي عبارة عن دائرة من الحيوات والموت , ومن الممكن ان يأتي الانسان في يوم ما , وفي زمن ما , ولو بعد ملايين السنين , بنفس النسخة , كما نقول ( هناك من الشبه أربعين) .هذا يعني ان الحلم يتحقق دون دراية من الانسان لأنه يكون قد فاتت آلاف السنين على موته البايلوجي .
ورغم كل هذه الامور من الفناءات والحيوات الزائلة , لكن تبقى مغريات الحياة التي تحمل الاسم الانثوي , وذلك للدلالة على اغواء الحياة لنا , وانصياعنا التام لمغرياتها , ولذلك قال الشاعر في سطوره التي سبقت السطور اعلاه.......

الحياة أنثى فاتنة
الوقوع في غرامها صُلب المشكلة
وعين الحل

ولكن هذا لايعني أنّ الانصياع للمغريات , ترك الامور الحساسة والمهمة للشاعر المتماهي مع القضية الانسانية والدفاع عنها , والذود عنها بكل مايملك .
الشاعر الناصع لايخاف المتربصين , لانه لايحمل في كفوفه سوى الخطوط التي خطتها الطبيعة , ولايحمل في حقيبة الحياة غير أوداجه وجوانحه , ومن يريد التأكد فليتقدم وليفحص في وضح النهار, لافي آناء الليل . أنه لايشبه ساسة اليوم , المتبجحين بالدين وتعاليمه , لكنهم في نفس الوقت سرّاق محترفين, راحوا يتمادون في الحياة , بينما شاعرنا يمتطي صهوة النزاهة والشفافية , لايهاب الموت في سبيل العدالة , بل راح يتدرب على الموت والخلاص , كي لايهتز اذا ماوقعت الملمات في وقتها ...

لا تسرف في الحياة
لأنها قابلة للنفاذ
وتدرب على الموت
لأنه قادم
واصنع ماشئت من الأحلام
لعلك تتدارك الفجيعة

كما كان يفعل الكثير من الابطال الذين اصبحوا رموزا شاخصة على مر العصور , كما فعلها الثائر الافريقي ( لو مومبا) الذي قتل من قبل الاستخبارات الامريكية , وقبله المجالد العظيم سبارتكوس قائد ثورة العبيد , الذي تدرب كثيرا على الموت والاحلام وفي كل مرة يخرج منها منتصرا , وحتى ميتته الاخيرة , كان يصرخ بوجه جلاديه الرومان , وبقيت صرخته حتى اليوم تخيف الطغاة والجبابرة .
الشاعر عبد الفتاح , قد مرّ بالكثير من الفجائع والملمات التي أثرت به , ومنها طبائع الغدر وعدم الوفاء , والخيانة من بني الانسان , وما اكثرها ....... لنرَ من الالم الكثير من هذا القبيل في النص التالي .....

ظننتك لي أخا

ظننتكَ لي اخا وظننتُ اني
اعاند فيكَ دهري ان يخني
وكم لعبتْ بقلبي وسوسات
وكذّب بعض فعلك بعض ظني
.......
ترى هل يثمر العاقول تمرا
وهل الاّ انغراز الشوك اجني
.....
واني لأجتويه ليجتويني
على ليلاه كلا ً قد يغني

انها دعوة صريحة لفضح أولئك , الذين يخونون الود , ان أمثالهم من الصعب أكتشافه الاّ بعد ان يأخذ ما كان يرمي اليه , ولذلك نرى في البلدان المتحضرة وبالاخص , البلدان الاسكندنافية , الدولة هي الراعية للانسان في كل شؤونه المادية وغيرها , فلا يحتاج المرء الى مساعدة الاخرين حتى وان كانوا من الاقربين (وظلم ذوي القربى اشد مضاضة على المرء....من وقع الحسام المهند). ايضا في بلدان الصقيع لايمكننا ان نجد صداقة تصل حد النخاع , لأنهم باردون مثل ثلوجهم , لكن هناك صديق وصداقة , وفي هذه الصداقة والاخوّة البسيطة لايمكن ان يتخللها الخداع والغدر كما حصل لشاعرنا عبد الفتاح , ولذلك لم نجد اي من الجرائم الجنائية في هذه البلدان الاّ القليل .
يتألم المرء لمثل هذه المواقف التي لم يحسب لها حساب , انها تثير الغثيان والقئ , انها تزرع في المقابل شيئا غير مألوف ٍينغرز وهو غير قادر على التخلّص منه , انها الاشياء غير المرئية ,بل الحسيّة التي تؤلمنا من الداخل , واشد انواع الالم في علم النفس , هو الالم من الداخل , لانه يصرخ بنا من الاعماق , اما الالم الخارجي , كضربة من عدو او صديق في الوجه مثلا, هذه من الممكن ان تندمل في يوم ما , ولكن الالم الداخلي هو ذلك الذي يبقى مع النبض والاحساس والوجود, وهذه تحتاج الى الصبر الطويل كي تمحى من الذاكرة .ورغم ذلك بقي الشاعر صلبا في مواقفه ولم يضل عن جادة الصواب في تعامله مع الاخرين وفي بقية الامور الحياتية , كما في النص أدناه .........

في نص ماضلّ قلبي

شكا الفؤاد ولكن ليس من عدم
بل من تهافت سعي السوس في الشجر
خبزي كفافي وأحلامي ملّونة
ولايخيط جلابيبي سوى ابري
أتزدري الكف ان باهت بأبيضها
ماكان قارون الا من بني سقرِ
وكل شمس أطلّت لي بها سهمِ
أنا شريك جميع الناس بالقمرِ

كل الابيات عبارة عن واقع معاش وكثيرا ما نرددها يوميا , الخبز هو الرمز الذي اتخذه الكثير من الشعراء الكبار ومنهم محمود درويش( أحنُ الى خبز أمي /وقهوة أمي/ وتكبر فيّ الطفولة /يوماً على صدر يومي ) وهذه الكلمات قد غناها المطرب الشيوعي البارع مرسيل خليفة . الخبز الذي اتخذه الروائي الفرنسي كزافييه دو منتبان في روايته الشهيرة ( بائعة الخبز) ,علي ابن ابي طالب قال( آه من قلة الزاد ووحشة الطريق) .
ثم يعرج الشاعر الى الحياة البسيطة التي يعيشها الفقراء وكيفية ترقيع الاثواب ( الفقر سجّانُّ وحشي) , و هذه نراها في ارشيف الشعر العراقي العامي ( هاك ابرة هاك الخيط خوية ارد اكلفك , ومشكك الدلال شلّه على عرفك ) .. لكن الشاعر يخيط اثوابه بيده , التواضع والدلالة الواضحة على انتماء الشاعر الى الطبقة الاجتماعية التي لاتحب ان ترتقي الى الابراج العاجية , انها التي تعيش على عرق جبينها , انها الشغيلة المكافحة والمتعبة على طول الخط , انها المناضلة دائما ضد الطغاة , انها الثورية في كل العصور , انها التي ترفع بيارق التغيير دائما وابدا وحتى هذه الساعة .
اما ابيض الكف فهي استعارة جميلة ( هذه كفوفي بيضاء) حين نعرض أكفنا على الاخرين كدليل على مصداقيتنا في الوضوح والشفافية , وعدم السرقة والتلاعب بأموال الاخرين , كما انها الكفوف التي تحمل الاصابع , الاصابع التي تنطلق بنا الى عالم الابداع , الكفوف التي نتحسس فيها الجنس اللطيف , وهي تذهب الى الجلد الناعم أو تلمس حرير الاثواب , أو الكفوف التي تمسح دموع عيون النساء , اذا ما بكين في لحظة شوق وحرقة والم , أوعلى فقد الاحبة لسبب ما , انها الكفوف التي لاتبحث عن ملك قارون ( لاملك قارون عندي ) , انها كفوف شاعرنا البيضاء والناصعة نصاعة قلبه الكبير والغافي بين ضلوعه البيضاء في الليالي التي كنا لانُحسدُ عليها في أيام البعث البغيض , لكنها اليوم تحمل الكثير من الفوضى والقتل والدمار , انها الايام التي تحمل نذير الشؤم , لنرى الشاعر ماذا قال عن الليل ...... يتبــع

هــاتف بشبــوش/عراق/ دنمارك





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,868,150,068
- حميميّة ُّ بلاتعقيد
- رائحة ُ الموز
- سجّادة بلون الكلب
- واكا .......واكا
- سامي العامري يستمحيَ بالورد , بينما الاخرون يعزفون بالمخالب
- الثائر , الضابط الشيوعي محمد منغستو
- صباح خطاب , محدّث ُّ , يتخذ ُ الانسانَ محورا للعالم , فينغمس ...
- طفلُ الصليب*
- وظيفةُّ في قبر
- مكي الربيعي ,ملكُ الشوارع, في شيخوخةِ حلم القصيدة, يكتبُ نصا ...
- رجلُّ بكلّ التفاصيل
- حامد المالكي والحوارية المثيرة بين أبي طبر والعميد زهير( الم ...
- إحتجاجُّ دنماركي
- صباح محسن جاسم صرخةُّ صامتةُّ , تمتد من فم الجوع حتى سيماءِ ...
- حطام ُّ متناثرُّ
- إعدام
- هللّويا............
- مساربُّ عدميّةُّ ضيّقة
- علياء...............
- منجلُّ نهديها الكاعبين


المزيد.....




- مصر.أدب الرسائل:رسالة الرفيقه عبير الصفتى الى ابنتها وروحها ...
- يُصدر قريبًا «صوت الغزالي وقِرطاس ابن رشد» للباحث والناقد ...
- مفتي تترستان يتحدث إلى الصحفيين عن حجاج روسيا
- وفاة الفنان المصري ناجي شاكر مصمم عرائس -الليلة الكبيرة-
- الترجمة في الحج.. 80% لا يتحدثون العربية
- صدور العدد الجديد من مجلة -إبداع- عن الهيئة العامة للكتاب
- الممثل الكوميدي الأمريكي جيم كيري يعلق على هجوم الحافلة المد ...
- قصيدة( ستالين) الساخره للشاعر الروسي الكبير- أوسيب ماندلشتام ...
- نيك جوناس وبريانكا شوبرا يؤكدان خطوبتهما
- شاهد.. بوتين يرسم على سيارة الوزيرة العروس النمساوية تهنئة ب ...


المزيد.....

- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاتف بشبوش - عبد الفتاح المطلبي , بين السرد والتهويم .............1