أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - خليل كلفت - كلمات فى عشية جولة إعادة الانتخابات الرئاسية فى مصر















المزيد.....


كلمات فى عشية جولة إعادة الانتخابات الرئاسية فى مصر


خليل كلفت
الحوار المتمدن-العدد: 3760 - 2012 / 6 / 16 - 11:33
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


كلمات فى عشية جولة إعادة
الانتخابات الرئاسية فى مصر
بقلم: خليل كلفت
1: ظلَّ الشعب والقوى السياسية على مدى الشهور السابقة، أىْ منذ وعد المجلس العسكرى بتسليم السلطة إلى رئيس جمهورية منتخب قبل نهاية يونيو 2012، فى انتظار اليوم الموعود الذى يقترب الآن. وربما لم يخطر على بال الكثيرين أن ذلك اليوم سيشهد تسليميْن، وليس تسليما واحدا، للسلطة: تسليم السلطة التنفيذية لرئيس الجمهورية "المنتخب"، وتسليم السلطة التشريعية للمجلس العسكرى بعد حل مجلس الشعب. ورغم أن حل مجلس الشعب كان مرجَّحا إلا أن ما يترتب عليه من إعادة السلطة التشريعية إلى المجلس العسكرى لم يبرز على السطح كنتيجة منطقية لهذا الحل.
2: ومهما يكن من شيء فإن وعد تسليم السلطة لن يتحقق لأسباب عديدة. فالحقيقة أن الموعد المضروب سيشهد ليس فقط إضافة سلطات رئيس الجمهورية إلى السيطرة الفعلية للمجلس العسكرى، بحكم خضوع الرئيس الجديد للمجلس المذكور، كما كنا نتوقع، أو حتى قيادته الفعلية له فى حالة رئاسة "الفريق" أحمد شفيق بالذات التى تعنى بقاء منصب رئيس الجمهورية فى أيدى العسكر، بالسلاسة النموذجية المفترضة لعلاقات التبعية الفعلية والسيطرة الفعلية بينه وبين المجلس. ومن ناحية أخرى فإن تسليم السلطة التشريعية للمجلس يجعل منه مشرِّعا للسلطتين التنفيذية والقضائية ومراقبا للسلطة التنفيذية، وذلك إلى أن يتم انتخاب پرلمان جديد على أساس دستور تضعه لجنة تأسيسية للدستور يشرف المجلس العسكرى على تشكيلها. وبهذا تكتمل أركان السيطرة الرسمية والفعلية لهذا المجلس حتى انتخاب الپرلمان الجديد.
3: وعند انتخاب الپرلمان الجديد الذى سوف يصنعه المجلس العسكرى على عينه، واستعادته "الرسمية" بالتالى للسلطة التشريعية، سوف تكتمل السيطرة الفعلية للمجلس العسكرى على مؤسسات دولة الثورة المضادة التى قام بصورة مباشرة بتشكيلها: مؤسسة رئاسة الجمهورية على رأس السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والدستور الذى هو أساس كل المؤسسات والتشريعات والقوانين والتطبيقات والممارسات الفعلية للسلطة. ويمكن بالطبع أن نتوقع الاعتراض بأن الشعب ممثلا فى الناخبين الذين يشاركون فى الاستفتاءات والانتخابات الپرلمانية والرئاسية هو الذى ينتخب رئيس الدولة، وهو الذى ينتخب نواب الپرلمان، وهو الذى يقوم بإقرار الدستور من خلال الاستفتاء العام. غير أن مثل هذا الاعتراض لا قيمة حقيقية له، لأننا لسنا إزاء انتخابات نزيهة أو نصف نزيهة أو عُشْر نزيهة. وليس ما سبق كل شيء؛ ذلك أن التسليم الذى تمّ الآن بالفعل للسلطة التشريعية من الپرلمان إلى المجلس العسكرى، والتسليم المزمع للسلطة التنفيذية من المجلس العسكرى إلى رئيس الجمهورية الجديد، سبقهما مباشرةً قرار وزير العدل بمنح الضبطية القضائية لرجال المخابرات والشرطة العسكرية، هذا القرار الذى يمكن اعتباره بمثابة إعادة لفرض قانون الطوارئ أو تمهيد لذلك بعقوباته التى تصل مثله إلى الأشغال الشاقة المؤقتة (وصولا حتى إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو الإعدام)، والذى لا يعيد الجيش إلى ثكناته بل يفرض سيطرة الشرطة العسكرية والمخابرات العامة على الحياة المدنية بصورة شاملة.
4: وقد جاء القرار فى توقيت محدَّد أىْ قُبَيْلَ صدور حكمىْ المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية ما يسمى بقانون العزل وبعدم دستورية قانون انتخاب مجلس الشعب، وقُبَيْلَ جولة الإعادة بما يعنى الاحتياط به لردود الفعل المحتملة المرتبطة بما يترتب على الحكميْن المذكورين من استمرار أحمد شفيق فى الانتخابات الرئاسية، وحل مجلس الشعب على الفور، وحل مجلس الشورى عند الطعن فى انتخابه على أساس نفس القانون، وعدم إقرار انتخاب الاجتماع المشترك لمجلسىْ الشعب والشورى للجمعية التأسيسية للدستور، بالإضافة إلى أىّ توظيف آخر لهذا القرار فى إحكام دستورية أىّ اعتقالات فى المستقبل.
5: وإلى أن يتمّ إقرار الدستور الجديد، وانتخاب الپرلمان الجديد، سوف تظل السلطة التشريعية التنفيذية، الفعلية والرسمية، متركزة فى أيدى العسكر وبصورة تفوق من الناحية الرسمية والفعلية عهود مبارك و السادات و عبد الناصر. وسنكون بالطبع إزاء دولة إدماجية (كورپوراتية) عسكرية بكل معنى هذا التعبير. ولكنْ هل سيتغيَّر الوضع بعد أن يكون لدينا دستور جديد وپرلمان جديد؟ الحقيقة أن الدستور والپرلمان اللذين سيأتى بهما المجلس العسكرى ويخلقهما خلقا، مع تقديم المشيئة طبعا، لن يختلف معهما الأمر. ذلك أن السياق العام لما يجرى فى مصر من أعلى منذ الثورة إنما هو إعادة بناء مؤسسات الدولة بزعم أنها مؤسسات دولة الثورة بينما هى مؤسسات دولة الثورة المضادة من الناحية الفعلية. ومن المنطقى أن تكون مؤسسات الثورة المضادة، كما يحدث فى مواجهة كل ثورة فعلية فى كل مكان وزمان، مؤسسات أكثر قمعية واستبدادا وشمولية وفاشية وعسكرية وإدماجية من مؤسسات الدولة قبل الثورة، لأن مهمتها القمعية أكبر بما لا يقاس بطبيعة الحال من كل قمع فى الأوضاع العادية.
6: وتسود، حتى بين الثوار والثوريِّين، أجواء من الإحباط والحيرة بعد صدور الأحكام الخاصة بالرئيس المخلوع مبارك، ونتائج الجولة الأولى من انتخابات رئاسة الجمهورية، وقرار الضبطية القضائية، وأخيرا حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون "العزل" وقانون انتخابات مجلس الشعب، بما يترتب عليهما من الرئاسة المرجَّحة بل الأكيدة ﻟ أحمد شفيق، وتسلُّم المجلس العسكرى للسلطة التشريعية، بكل ما يترتب على هذين التطوُّريْن المهميْن. ويتسع نطاق اتجاهىْ المقاطعة والإبطال، غير أن إدراك أنصار هذين الاتجاهين لمحدودية تأثير قيامهم بتسجيل موقفهم يجعل الكثيرين منهم عرضة للإصابة بالإحباط وحتى باليأس أحيانا، رغم أن فوز شفيق بالرئاسة وحل مجلس الشعب كانا متوقعين دون شك، مع الصعود الصاروخى ﻟ شفيق وتجنيد أجهزة وإعلام الدولة لخدمة حملته الدعائية، ومع الحرب التى تشنها الدولة ضد الإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسى، ومع الحرب التى تتصاعد منذ فترة بين الإخوان المسلمين والقضاء بما فى ذلك المحكمة الدستورية العليا.
7: وقد بدأت الاحتجاجات الجماهيرية بقوة هائلة فى أعقاب فوز شفيق و مرسى، وصدور أحكام البراءة المباشرة والبراءة المحتملة فى محكمة النقض (للاثنين المحكوم عليهما بالسجن المؤبد) فى قضية مبارك وعدد من رجاله وأعوانه. ومن المحتمل أن هذه الاحتجاجات الجماهيرية كانت الأوسع والأعمق منذ 11 فبراير 2011. غير أن هذه الاحتجاجات الجماهيرية أخذت تضعف لأنها احتجاجات ضد أحكام قضائية من ناحية، وضد نتائج انتخابية من ناحية أخرى، وبتأثيرٍ من عدد من مرشحى الرئاسة الخاسرين وعدد من القيادات الذين انضموا إلى جوقة أنه لا اعتراض على أحكام القضاء ولا على إرادة الشعب من خلال انتخابات نزيهة أو شبه نزيهة مزعومة.
8: على أن من الحكمة أن نبتعد عن أجواء الإحباط والحيرة، مدركين أن رئاسة شفيق لا يمكن أن تكون الكلمة الأخيرة فى صراع الثورة والثورة المضادة. ولن يكون النظام الاستبدادى الشمولى الإدماجى الاستغلالى الفاسد الوشيك، استمرارًا لنفس المعادلة القائمة فى الوقت الحالى، الكلمة الأخيرة. فالثورة المستمرة تسكن فى روح الجماهير العاملة والفقيرة التى حولت الانتفاضة إلى ثورة شعبية، والتى تدهورت أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية أكثر من تلك التى ثارت ضدها منذ قرابة سبعة عشر شهرا. وتتمثل ينابيع استمرار الثورة فى هذه الجماهير الشعبية التى لم تتحقق الأهداف الأساسية لثورتها التى حققت مع هذا منجزات هائلة على رأسها إسقاط الرئيس السابق مع التمديد والتوريث والعديد من رجاله الذين كانوا يمثلون أبرز رموز استبداد وفساد العهد البائد، وكسر حاجز الخوف، وعودة الروح إلى الشعب، والتسييس الواسع النطاق للشعب، وخبرات الممارسة الواسعة النطاق لمختلف أشكال الاحتجاج، وإرهاصات وبدايات تكوينات الديمقراطية الشعبية من أسفل متمثلة فى التعددية الحزبية والنقابية والصحافية الوليدة، وفى اكتمال بروز الأهداف والمطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحقيقية للجماهير الشعبية والعاملة والفقيرة، باعتماد نضالات الفعل الثورى.
9: ومن الناحية السياسية فإنه يمكن القول إن التحالف الذيلى الذى ارتضاه الإخوان المسلمون والسلفيون والوهابيون مع المجلس العسكرى طوال الفترة السابقة منذ الثورة، والذى شهد الأزمة المتوقعة منذ البداية على أساس أن المجلس العسكرى إنما كان يقوم بتوظيف تحالف مؤقت مع الإخوان المسلمين والإسلام السياسى فى مهمة تصفية الثورة، تحقيقا لمصالح الطرفيْن بوصفهما ممثليْن سياسييْن لقطاعيْن متميزيْن من قطاعات نفس الطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية، ومقابل مكاسب مؤقتة مثل المجيئ بهم كأغلبية ساحقة فى مجلسىْ الپرلمان من خلال انتخابات زيَّفتْ إرادة الشعب فى سياق عُرْسٍ مزعومٍ للديمقراطية، ومثل منحهم تصاريح إقامة أحزاب على نحو مخالف للإعلان الدستورى الذى تنص مادته الرابعة على أنه "لا يجوز مباشرة أىّ نشاط سياسى أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى". وينبغى أن تكون هذه النهاية للتحالف العسكرى الإسلامى درسا بليغا للعديد من الثوريِّين الذين ظلوا يروِّجون لفكرة أننا لسنا إزاء تحالف مؤقت، للقيام بوظيفة بعينها، بل إزاء تحالف إستراتيچى طويل الأمد يمكن أن يصل إلى حد تسليم السلطة للإخوان المسلمين وفقا لاتفاق أمريكى سعودى مزعوم مع المجلس العسكرى؛ وكأن النظام فى مصر يمكن أن ينقاد لأوامر أمريكية مهما كانت هذه الأوامر ضد مصالحه وضد وجوده ذاته، وأيضا كأن أمريكا يمكن أن تتحالف، دون ضرورة قهرية فريدة لا مناص منها، مع الإسلام السياسى حتى بعد 11 سپتمبر 2001.
10: ويرجِّح بعض هؤلاء الثوريِّين أن يتَّبع المجلس العسكرى تاكتيك التزوير الموصوف بالناعم أو "الشيك" بعيدا عن التزييف الفجّ فى جولة الإعادة، الأمر الذى قد يفرض وفقا لتصوُّراتهم وأوهامهم وصول محمد مرسى إلى منصب رئيس الجمهورية. والحقيقة أن التصعيد الحالى الذى نسف كل أساس للتحالف الطويل الأمد فى الحقبة الحالية بين المجلس والإخوان (نتيجة للشهية المفتوحة إلى حدّ التلمظ البالغ السفه للإسلام السياسى وللإخوان المسلمين فى المحل الأول فى إطار ما يسمى بظاهرة "التكويش" دون حدود ودون حذر) يستبعد تماما مثل هذا التطور. ومن ناحية أخرى فإن الأرقام المحتملة للتصويت تجعل التزوير الناعم لصالح أحمد شفيق أكثر من وارد. وإذا ذهبت أصوات مرسى وأغلب أصوات أبو الفتوح فى الجولة الأولى إلى مرسى فى الجولة الثانية، بافتراض فشل أىّ محاولة محتملة ما من جانب المجلس العسكرى لشق الصفوف بين الإخوان الذين صوتوا ﻟ مرسى والسلفيِّين الذين صوتوا ﻟ أبو الفتوح فى الجولة الأولى، فإن أصوات مرسى لن تتجاوز تسعة أو عشرة ملايين صوت على أكثر تقدير، على حين أنه إذا ذهبت أصوات شفيق وأصوات عمرو موسى و معظم أصوات حمدين صباحى فى الجولة الأولى إلى أصوات شفيق فى الجولة الثانية فإن الرقم الإجمالى لهذه الأصوات سوف يتجاوز الرقم الإجمالى لأصوات مرسى بصورة مريحة. وبالطبع فإن نسبة الإقبال على التصويت سوف تختلف بصورة غير متناسبة بين المرشحيْن الرئاسييْن؛ ومن شأن هذا أيضا أن يصبَّ فى صالح شفيق بحكم التراجع العام للمركز السياسى للإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسى.
11: وفى سياق إجبار الإسلام السياسى على العودة إلى موقع الرضى بالمساومات والصفقات الصغيرة كما كان الحال فى أواخر عهد مبارك، وبالطبع وفقا لرد فعله على الضربات التى تُكال إليه فى الوقت الحالى (الاستسلام أو المقاومة، المتواضعة أو الكبيرة) سوف يتحدد موقف المجلس العسكرى من الإخوان المسلمين والإسلام السياسى ومستوى تصعيده ضدهم. وفى سياق عدم استعداد الإسلاميِّين للانتحار فى مواجهة غير متكافئة مع المجلس العسكرى ومختلف قطاعات الرأسمالية التابعة المعادية لأيديولوچيا الإسلام السياسى، يمكن أن نتوقع درجة من الاعتدال من جانب المجلس العسكرى فى التصعيد ضدهم حيث يمكن أن يكون هذا التصعيد تطورا من الأفضل تفاديه فى المدى المباشر. ولا شك فى أن المجلس العسكرى سوف يرتاح إلى أن يكون ردّ فعل الإخوان المسلمين معتدلا، رغم تجريدهم من معظم أدوات الصراع أو حتى البقاء السياسى الرسمى، ليكون تصعيده ضدهم معتدلا بدوره، تفاديا لأىّ مواجهة قاسية تعكِّر صفو العُرْس الديمقراطى المزعوم داخل مصر وأمام العالم. وربما بقيت للإسلام السياسى أحزابه الحالية زمنا آخر إنْ لم تجرِ ملاحقته بصورة متواصلة بطعون على دستورية هذه الأحزاب المخالفة للإعلان الدستورى أصلا. وسوف يتوقف هذا بدوره على مستويات الصراع السياسى المحتمل بين الفريقيْن وبالأخص على مستويات ردود الفعل الإخوانية والإسلامية. وقد شهدنا أمس مظاهرة سلفية تطالب بإلغاء مبدأ الحكم بأىّ دستور أصلا لصالح الحكم بالشريعة (أىْ عدم الاكتفاء بتديين الدستور) غير أن اتساع نطاق مثل هذا الاتجاه، خاصةً من جانب الإخوان، لا يمثل احتمالا قويا.
12: وبالطبع فإن الاتجاه العام للنظام فى المدى المتوسط والطويل يتمثل فى العودة إلى الحل الأمنى لمشكلة وجود الإسلام السياسى واحتمالات المزيد من تطوره فى المستقبل. ولم يقتصر الحل الأمنى الذى اتبعته عهود ما بعد حركة 1952 على الإسلام السياسى، بل جرى اعتماد هذا الحل الأمنى كموقف إستراتيچى ضد كل قوى المعارضة وبالأخص ضد الإخوان والشيوعيِّين. ولم يقتصر موقف انقلاب 1952 المعادى للديمقراطية على عدم تحقيق بند الديمقراطية من البنود الستة الشهيرة لذلك الانقلاب بل تجسَّد ذلك الموقف قبل كل شيء فى العصف الكامل والشامل بالحريات الديمقراطية النسبية للعهد الملكى الاستعمارى بفضل ثورة 1919 ودستور 1923. وظلت هذه السياسة المعادية للديمقراطية ديدن عهود عبد الناصر و السادات و مبارك. وهى السياسة المستمرة فيما يسمى بالفترة الانتقالية، التى توشك فى زعم منظميها على الانتهاء، هذه السياسة التى ستتواصل فى عهد الرئيس القادم المفروض على الشعب: أحمد شفيق. ولا شك فى أن هذا الحل الأمنى المتواصل جزء لا يتجزأ من الحكم الفاشى الشمولى الذى لم ينفتح وما كان له أن ينفتح مطلقا على الحل الديمقراطى التعددى بحكم طبيعة الرأسمالية التابعة فى بلدان المستعمرات وأشباه المستعمرات السابقة. ولا شك فى أن الديمقراطية الشعبية من أسفل تمثل أداة المقاومة الثورية لهذه المعاداة المتأصلة للديمقراطية، كما تمثل المعنى الصحيح الوحيد للديمقراطية فى ظل الرأسمالية بوجه عام.
13: وبطبيعة الحال فإن رئاسة أحمد شفيق للجمهورية الثانية المزعومة سوف تعنى، كما سبق القول، ما هو أسوأ من مجرد إعادة بناء نظام مبارك. غير أن هذه الرئاسة لن تعنى أن الثورة قد تمت سرقتها أو تصفيتها، بل سوف تعنى فقط، بالإضافة إلى "المحاولات" المحمومة المتواصلة لسرقتها وتصفيتها، بداية مرحلة جديدة حافلة بنقاط ومحطات الصراع بين الثورة المستمرة والثورة المضادة المتواصلة: النضال الثورى والقانونى فى سبيل إسقاط شفيق فى سياق إسقاط نظام مبارك وخلفائه، ومواجهة الاستفتاءات الدستورية والانتخابات الپرلمانية القادمة من خلال الفعل الثورى وتاكتيك المقاطعة، وعلى وجه الخصوص بناء مؤسسات وأدوات الديمقراطية الشعبية من أسفل فى مواجهة قيام المجلس العسكرى والليبراليِّين وبقية الممثلين السياسيِّين للرأسمالية التابعة ببناء مؤسسات دولة الثورة المضادة.
14: وإذا كان التطور المنطقى لسياسة الثورة المضادة هو قيام حكم عسكرى شمولى من أعلى، كما يحدث دائما فى الثورات بوجه عام، فإن هذا لا يعنى ما يرجِّحه بعض الثوار والثوريِّين من انتقال المجلس العسكرى إلى طريق التصفية الحربية العنيفة للثورة بعيدا عن طريق التصفية التدريجية المتَّبعة منذ الثورة رغم العنف وحتى المذابح المتكررة. فالحكم الشمولى الفاشى الإدماجى لا يحتِّم طريق الحرب الأهلية فى تصفية الثورة ولا يعنى الجنون الحربى الهستيرى لكثير من الأنظمة الفاشية بالضرورة أن يتصف كل حكم من هذا النوع بنفس الجنون الحربى. ذلك أن التجربة التاريخية تعلِّم الأنظمة الديكتاتورية الفاشية أن المواجهة الحربية تعنى تصفية هذه الأنظمة وطبقاتها المالكة وليس تصفية الشعب أو حتى الثورة.
15: وهناك مَنْ يتحدثون عن ضرورة وواجب تقدُّم الثورة مباشرة نحو الاستيلاء على السلطة السياسية بدلا من إدراك أن الجُمَل الثورية لا تكفى لتمويه حقيقة أن الاستيلاء على السلطة مسألة عسكرية تفتقر إليها الثورة على الأرض، مع أنها رغم سلميتها هزمت قوات وزارة الداخلية ويمكن أن تهزم كل قوات أخرى من موقف الدفاع عن النفس، وليس من موقع الهجوم المغامر، كما حدث فى ليبيا، وكما يحدث حاليا فى سوريا واليمن، وكما حدث فى الثورة الإيرانية وفى ثورات كثيرة سابقة ولاحقة. وهناك أيضا مَنْ يتحدثون عن الكفاح المسلح وينطوى هذا فى الأوضاع الراهنة على نفس العبث الصبيانى الذى يقوم بوظيفة تسهيل تصفية الثورة.
16: ويسخر أحمد شفيق من شعار "يسقط الرئيس القادم" باعتباره موقفا صبيانيا ضد رئيس لم يعرف أحد مَنْ هو وما طبيعة وخصائص حكمه، غير أن القوى الحقيقية للثورة تعرف أن الرئيس القادم هو أحمد شفيق، وتعرف طبيعة حكمه الاستبدادى الفاسد القادم استنتاجا من كونه من رجال نظام مبارك، ومن واقع أنه كان رئيسا للوزراء فى فترة 29 يناير إلى 3 مارس 2011، أىْ فى فترة القمع الدموى للثورة، ولأنه كان من أركان الفساد فى العهد البائد كما تكشف القضايا المرفوعة ضده. ولهذا ترفع قوى الثورة دون تردد شعار "يسقط الرئيس القادم أحمد شفيق" (وهو رئيس "معزول" دون شك وفقا للقانون الذى أصدره مجلس الشعب، وأقره المشير، ونُشِرَ فى الجريدة الرسمية، والذى كان قائما بالفعل عند استبعاده من الترشيح على أساسه، قبل القبول المخالف لذلك القانون عند تظلُّمه، حيث لا يترتب على حكم المحكمة الدستورية بعدم دستوريته فى وقت لاحق إبطال حقيقة أنه كان ساريا بالفعل عند الترشيح وعند قبول التظلم). وتناضل قوى الثورة فى سبيل تحقيق الأهداف الأساسية لثورة 25 يناير 2011 المجيدة التى يتمثل شعارها الجامع أو الناظم فى الديمقراطية الشعبية من أسفل. وهنا تمثل مقاطعة الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية موقفا ثوريا لصالح الفعل الثورى بكل نضالاته، ويمثل "الإبطال" فيها موقفا قريبا من المقاطعة بمبررات تفصيلية غير مُقْنِعة بالمرة، فيما تمثل المشاركة فيها موقف المشاركة "الإيجابية" حقا فى بناء مؤسسات دولة الثورة المضادة. وينبغى أن تكون المقاطعة جزءًا من تطوير وتصعيد الفعل النضالى الثورى لإسقاط نظام مبارك وخلفائه بقيادة المجلس العسكرى والرئيس القادم (ما لم تحدث معجزة): أحمد شفيق.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,868,934,256
- النسوية - أندرو ڤنسنت
- النساء يحركن العالم - فيديريكو مايور و چيروم بانديه
- محاكمة ثورية للرئيس مبارك وأسرته ورجاله وإلغاء الانتخابات ال ...
- مع متاهات أرقام الانتخابات فى مصر
- مأتم ديمقراطية المجلس العسكرى والإخوان المسلمين فجر الديمقرا ...
- أساطير الجبال والغابات - برنار كلاﭭيل
- هاجس الحرب الأهلية فى مصر
- أساطير البحيرات والأنهار - برنار كلاڤيل
- أضأل امرأة فى العالم - كلاريس ليسپكتور
- أسطورة الفترة الانتقالية وحقائق المسار الفعلى للتطورات فى مص ...
- مقالات مترجمة فى الفن التشكيلى
- أساطير البحر - برنار كلاڤيل
- الإعداد للموت (قصيدة)
- غنوة
- مشاكل تخلُّف (قصيدة)
- سبع قصائد لناظم حكمت
- أربع قصائد لبورخيس
- تسع قصائد للشاعر البرازيلى: مانويل بانديرا
- الترجمة فى سياق ما بعد كولونيالىّ
- الأب ضد الأم وقصص أخرى


المزيد.....




- سفارة جمهورية العراق في بلغراد تستقبل ابناء الجالية العراقية ...
- ترامب يوجه سهامه نحو رئيس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي
- مروحية عسكرية ضخمة تهبط على موقف للسيارات في مدينة أمريكية
- بدء رمي الجمرات في مشعر منى
- التحضير على أشدّه في بكين وبيونغ يانغ لزيارة الرئيس الصيني إ ...
- علماء يكشفون سبب إيمان الناس بنظريات المؤامرة!
- علماء يطورون خوارزمية لتنظيم تناول القهوة!
- احذر.. واتس آب -يحذف- ذكرياتك القديمة!
- طالبان تفرج عن 160 مدنيا وتحتفظ بـ 20 رهينة
- -معاريف-: -صفقة القرن- ستبصر النور قريبا


المزيد.....

- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- كيف اصبحت اسرائيل قلب النظام الاقليمي ؟! / إلهامي الميرغني
- التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المص ... / الحزب الشيوعي المصري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - خليل كلفت - كلمات فى عشية جولة إعادة الانتخابات الرئاسية فى مصر