أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - في نقد الطب الإعجازي المسيحي والإسلامي















المزيد.....


في نقد الطب الإعجازي المسيحي والإسلامي


حسن محسن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 3752 - 2012 / 6 / 8 - 21:00
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    




صالح بن محمد بن أبي الأشرس، أحد مشاهير المحدِّثين، أورد الذهبي في (سير أعلام النبلاء) ضمن ترجمته أنه مرض فحاول التداوي بالعسل وبالحبة السوداء التي وردت بهما بعض النصوص والأحاديث النبوية التي تؤكد قوتهما الشفائية للأمراض، فازدادت حمّاه وتفاقمت، فدخل عليه أصحابه وهو يرتجف من أثر المرض وارتفاع الحرارة ويقول: "بأبي أنت يا رسول الله، ما كان أقلّ بصرك بالطب". علّقَ الذهبي على هذا الخبر بقوله: "هذا مزاح لا يجوز مع سيد الخلق، بل كان رسول الله (ص) أعلم الناس بالطب النبوي".

يعتبر (شفاء المرضى) أحد أهم مواضيع المعجزات في السياق النصي الديني المقدس مما يعكس حجم مشكلة المرض في المجتمعات القديمة. ففيما عدا نصوص القرآن فيما يتعلق بشخص النبي محمد بالتحديد، فإن نصوص العهدين القديم والجديد تزخر بقصص شفاء المرضى من جانب أنبيائها أو آلهتها ضمن سياق روائي إعجازي واضح. فالرواية النصية تفترض ضمناً أن فعل (الشفاء) هو محصور فقط بالمعبود (الله - الرب) وهو مصدره الوحيد، وهي فكرة موجودة صراحة في سفر (الملوك الثاني) الإصحاح (5: 7) (هل أَنا الله لكيْ أُمِيتَ وأُحيِيَ حتى إِنَّ هذا يُرسلُ إليَّ أَنْ أَشفيَ رجلاً مِنْ بَرَصِهِ؟)، ويكررها القرآن على لسان إبراهيم (وإذا مرضتُ فهو يشفين). ولهذا السبب فإن النص الديني المقدس يفترض فعل (الشفاء) كدليل بديهي، عند تجليه، على صدق الدعوى أو الرسالة الإلهية لمن قام به. ولهذا السبب بالذات فإن نصوص العهد الجديد تزخر بقصص معجزات الشفاء من كل صنف ونوع يقوم بها المسيح، فهو يشفي من الحمى كما في متى (8: 14-15)، لوقا (4: 38-39)، يوحنا (4: 46-52)، ويشفي من العمى كما في متى (9: 27-30) و (20: 29-34)، مرقس (8: 22-25) و (10: 46-52)، لوقا (18: 35-43)، يوحنا (9: 1-7) [لاحظ هنا أن المسيح (تفل على الأرض وصنع من التفل طيناً وطلى بالطين عيني الأعمى)، وأيضاً في مرقس (تفل في عينيه)، فبغض النظر عن ملاحظة انخراط المسيح في ما يشبه الـ (طقس) خلال عملية الشفاء هذه بدلاً من ابراز (المشيئة الإلهية) المفترضة فيه فقط، فإن مسألة قوة اللعاب الشفائية في الثقافة الدينية التاريخية الشرق أوسطية، والإسلامية لاحقاً، سوف تتكرر في نصوص متعددة وفي الممارسات الطقسية العلاجية لرجال الدين وهي تستحق التأمل والدراسة ومحاولة فهم أصل تلك الممارسة ودوافعها الأصلية]، ويشفي من الصمم والخرس كما في لوقا (11: 14)، مرقس (32-35) [لاحظ هنا أن المسيح (تفل) أيضاً]، ويشفي من انحناء الظهر كما في لوقا (13: 10-13)، ويشفي من داء البطن (الاستسقاء) كما في لوقا (14: 2-4)، ويشفي من النزيف المزمن عند النساء كما في متى (9: 20-22)، مرقس (5: 25-29)، ويشفي من الشلل (الفالج، الشلل الكامل، شلل اليد) ومن الجنون (إخراج الشياطين) والبرص وإعادة الأذن المقطوعة كما في نصوص متعددة في الأناجيل الأربعة. هذا المنشأ الإلهي المُفترَض في الذهنية الدينية لفعل الشفاء هو الذي جعل كاتب الإنجيل يحرص على أن يؤكد أن البرهان الوحيد الذي أعطاه المسيح لتلاميذه ليؤكدوا صدق دعوتهم للناس هو "شفاء المرضى": (ودعا تلاميذهُ الاثنيْ عشر، وأَعطاهُم قوَّةً وسُلطاناً على جميع الشياطين وشفاء أَمراضٍ. وأَرسلهم ليكرزوا بملكُوت الله ويشفوا المرضى) لوقا (9: 1-2).

الملاحظ في هذه النصوص المقدسة كلها أنها دائماً تتحاشى الكلام عن سبب المرض إلا فيما يتعلق بالجنون الذي تفترضه على أنه بسبب أرواح شريرة أو شياطين تلبست أجساد المرضى. فسبب المرض، إلا فيما يتعلق بالجنون، هو خارج نطاق الفعل الإعجازي للمقدس، أو ربما هو خارج قدرته التوصيفية. النص يفترض ضمناً من دون أن يقول ذلك صراحة أن المرض هو من فعل (آخر) مختلف ويحتاج للمقدس أن يعارضه ويهزمه. ولذلك في النص المقدس المسيحي عندما يغيب شخص (الإله) أو مَنْ منحه قوته كما في قصة الحواريين، فلابد للوساطة الإلهية أن تتجلى بطريقة ما حتى يحدث الشفاء كما في هذا النص: (وفي أورشليم عند باب الضان بِرْكة يقال لها بالعبرانية بيت حسدا لها خمسة أروقة، وفي هذه كان مضطجعاً جمهور كثير من مرضى وعمي وعرج وعسم يتوقعون تحريك الماء، لان ملاكاً كان ينزل أحياناً في البركة ويحرك الماء. فمن نزل أولاً بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه) يوحنا (5: 2-4). لاحظ هنا أن كاتب الإنجيل يفوته تماماً أن يذكر كيف عرف هؤلاء أن ملاكاً هو الذي يحرك الماء؟ والحقيقة هي أن الافتراض البديهي في الذهنية الدينية لمصدر فعل الشفاء هو الذي ألغى شرح السبب، وهذه الذهنية هي التي افترضت وتوهمت أن تحريك الماء لابد أن يتم بواسطة ملاك دون غيره، فمن غير المعقول في تلك الذهنية أن يكون (الآخر) هو (الشافي)، فإذا كان هناك شفاء فلابد أن يكون المصدر (إلهي) ولا شأن لأي سبب آخر، دنيوي أو شيطاني، فيه. هذا السياق يعكس بجدارة الإطار الثقافي الذي تجلت فيه هذه النصوص. فهي وليدة رحم الفضاء الفكري التي تجلت فيه أول مرة بجدارة، ولا ينبغي لها أن تتعداه أو أن تتجاوزه. فكأن (المعجزة)، كنص مقروء، هي ابنة زمانها أيضاً، وليس من المفترض، أو ربما ليس باستطاعتها، أن تتعدى هذا الزمان بإطره الثقافية والفكرية والنقدية. فحتى للمعجزة، من وجهة نظر النص المقدس، حدود ليس في مقدورها إطلاقاً أن تقفز عليه. كما أن هذه (المعجزات) لا تعطي أبداً أساليب الوقاية من الأمراض، فهي لا "تكتشف" جديداً للوعي الإنساني ولا لمعارفه وعلومه ولا تقدم حلاً لمشكلة المرض، وكأن ذلك ليس مهمتها إطلاقاً ولا ضمن نطاق اهتماماتها. كما لا يهمها إطلاقاً الاستمرارية الزمانية للمعجزة الشفائية، بمعنى أنه لا يهمها أن تقدم لك الشفاء كـ (دواء) ذي وصفة دقيقة محددة يستخدمه أيضاً من سوف يأتي بعد الواقعة التي يراد لها، فقط، أن تثبت كـ (نص) يتم استخدامه كدليل (جدلي) لصدق الدعوى. (المعجزة) هنا (عاجزة)، بمعنى أنها غير قادرة على اكتشاف السبب ولا على توصيف الحل. فمعجزة (الشفاء)، كما هو الحال مع كل المعجزات الأخرى في النصوص المقدسة، هي أداة جدلية فقط ضمن صراع دعوي – عقائدي، ولا وظيفة ثانية لها إطلاقاً. هي (نص) وليست (تأريخ)، ولذلك هي تفقد صفتها العجائبية عند نقد النص.

هذا الإسهاب القصصي في شفاء المرضى من جانب بعض أنبياء العهد القديم وعلى الخصوص للمسيح عيسى في نصوص العهد الجديد قابله صمت كامل في نصوص القرآن عن أية معجزة للنبي محمد. بل على العكس، فنصوص القرآن تؤكد على أن دعوة النبي محمد قد خلت من أية معجزة. فعلى كثرة طلب المعارضين للدعوة الإسلامية من النبي محمد لمعجزات حتى يؤمنوا به وبرسالته، كانت نصوص القرآن تقف موقفاً ثابتاً بالرفض القاطع لتلك الطلبات. بل نجد تذمراً واضحاً في نصوص القرآن من جانب المعارضين للدعوة فيما يتعلق بغياب المعجزة كما في (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه) [طه: 133]، (فليأتِنا بآية كما أُرسل الأولون) [الأنبياء: 5]، (ويقول الذين كفروا لولا أُنزل عليه آيةٌ من ربه) [الرعد: 7]، بل إنهم يؤكدون ويحلفون بأغلظ الأيمان بأنهم سوف يؤمنون لو أتتهم معجزة (وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) [الأنعام: 109]. وتتكرر تلك المطالبات للنبي محمد لتحدد حتى نوعية المعاجز المطلوبة حتى يؤمنوا بدعوته كما في [الإسراء: 90 – 93] و [هود: 12] و [الفرقان: 7-8]. وكان رد القرآن على تلك المطالبات بأن الآيات (المعجزات) هي فقط عند الله [الأنعام: 109]، وأن النبي محمد لا يستطيع أن يأتي بمعجزة من دون إذن من الله [الرعد: 38]، وأنه فقط بشر ورسول ونذير [الإسراء: 93] و [العنكبوت: 50]، وأن المعجزات حتى وإنْ جاءت، وإنْ حلف المشركون وأقسموا، فإنهم لن يؤمنوا [الأنعام، 109] و [تفسير الطبري]. ويبدو أن النبي محمد قد كثرت عليه تلك المطالبات بمعجزة (آية) إلى درجة أنه شعر بـ "حرج" من نوع ما، فجاء ردُ القرآن بنبرة عالية حادة قاسية بالرفض من جهة، وبالتحدي له على معنى [لن تكون هناك معجزة، فماذا أنت فاعل؟] من جهة ثانية، وبالهجوم اللفظي عليه شخصياً من جهة ثالثة: (وإنْ كان كبُر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فلا تكونن من الجاهلين) [الأنعام: 35]. ثم جاء أخيراً قرار القرآن بصورة نهائية وقطعية فيما يخص طلب المعجزات: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذَّب بها الأولون) [الإسراء: 59]، أي لن تكون هناك معجزة بسبب أمم سابقة قد كذّبت بالمعجزات، وانتهى الأمر.

هذا الغياب الكامل للمعجزة فيما يخص النبي محمد في نصوص القرآن، بل والتأكيد على منعها، دفع نصوص الحديث المنسوبة له إلى استدراك هذا الجانب وباسهاب بدا فيه أن قصصه المعجزة تتكاثر كلما كان المصدر الإسلامي أبعد زمنياً من فترة الإسلام الأول. فجورج طرابيشي في كتابه (المعجزة أو سبات العقل في الإسلام) أحصى عشر معجزات فقط في سيرة ابن هشام [توفي 218 هـ] ليتضخم هذا العدد إلى نحو أربعين معجزة عند الماوردي [توفي 450 هـ]، ثم ليزاد هذا العدد إلى نحو مئة وعشرين معجزة عند القاضي عياض [توفي 544 هـ]، ثم نقرأ عند علي بن برهان الدين الحلبي [توفي 1044 هـ] في كتابه (السيرة الحلبية) بأن النبي محمد قد "أُعطيَ ثلاثة آلاف معجزة". بالطبع، ومع هذا النمو المضطرد في قصص المعجزات النبوية كلما مرت القرون، كان ولابد أن نصوص الحديث المنسوبة للنبي محمد أن تقول شيئاً عن معجزات الشفاء، إلا أنها ذهبت خطوة أبعد من خلال محاولتها أن تتدارك أوجه القصور في المعجزة الشفائية الكتابية، وقدمت لنا "وصفات" طبية متعددة للعلاج، إلا أنها بقيت، كما هو الحال في المعجزات الإنجيلية على الخصوص، ابنة زمانها وبجدارة.

تعدد الأحاديث المنسوبة للنبي محمد التي تصف الشفاء من أمراض متعددة. فهناك أحاديث عن الحبة السوداء (التي فيها شفاء من كل داء إلا السام) والسام هو الموت، والسنا والسنوت لأنهما أيضاً فيهما (شفاء من كل داء إلا السام)، لكن المشكلة أنه بينما يُعرف السنا على أنه نبات حجازي، اختلفت الأقوال على ثمان معاني على ماهية السنوت ولا أحد يعرف بالضبط المعنى الصحيح له، وهناك أحاديث عن السعوط [هو أن يقطر في الأنف سائل فيه دواء ليستثير العطاس] واللدود [هو دواء يُدخل بواسطة الاصبع في فم المريض ثم يُحرك الإصبع داخل الفم ليجول فيه]، والمشي [يُقصد به الدواء المسهل لأنه يجعل المريض يمشي كثيراً إلى موضع قضاء الحاجة]، وهناك أحديث عن الحجامة لأنه (يُذهب الدم ويُخِف الصلب ويجلو البصر)، وعن الاكتحال بالأثمد لأنه (يجلو البصر ويُنبت الشعر)، وعن الحناء للقروح والصداع، وعن دواء عرق النسا على أنه إلية شاة أعرابية تذاب ثم تشرب على الريق، ودواء الملدوغ الرقية والقراءة عليه، وماء الكمأة لأمراض العيون، وتمر المدينة العجوة للسم والسحر وأمراض القلب، بل هناك أحاديث عن أبوال الإبل وألبانها ضمن أحاديث أخرى متعددة. والمفهوم الشائع في الذهنية الإسلامية أن ما وصفه النبي محمد كعلاج لبعض الأمراض يحمل بين طياته مصدراً إلهياً، وبالتالي فإن هذه الأحاديث تحمل قيمة طبية على درجة عالية حتى وإن أنكرها العلم الحديث. وهذا المفهوم هو ما قامت عليه تجارة شعبية رائجة كان روادها بعض رجال الدين أو مُدَّعيه، وكان ضحاياها، مادياً وصحياً، قطاع عريض من المسلمين البسطاء ذوي النوايا الحسنة والإيمان العميق. ولكن الحقيقة، كما تبرزها أفعال النبي نفسه، معاكسة تماماً لهذا المفهوم الرائج وتبين أنه لا علاقة إطلاقاً لأي معرفة إلهية بهذه الوصفات الطبية وأنها ليست أكثر من المعرفة الطبية الدارجة في زمنه، عرفها غيره أولاً ومن ثم عرفها هو منهم ثانياً، ولا شأن لها بأي مصدر إلهي أو معصوم. الاقتباس الآتي من كتاب (نقد نص الحديث) لكاتب هذه المقالة:

"تحدثنا سيرة النبي أن معرفته الطبية كانت نتيجة لسؤال أطباء العرب المشركين ووفودهم عليه. فقد روي أنه أمر سعد بن أبي وقاص أن يأتي الحارث بن الحارث الثقفي عندما كان كافراً مشركاً ليستوصفه في مرض نزل به، ويُعقّب ابن عبد البر القرطبي على هذه الحادثة بقوله (فدلَّ ذلك على أنه جائز أن يُشاوَر أهل الكفر في الطب). وصحابي آخر اسمه ضِماد الأزدي، جاء في ترجمته (كان صديقاً للنبي (ص) في الجاهلية، وكان رجلاً يتطبب ويَرقي ويطلب العلم)، وأنه كان (يداوي من الريح). وكانت [زوجته] السيدة عائشة تصف للناس الأدوية من بعض أمراضهم، فسألوها عن علمها هذا، فأجابت: (إن رسول الله (ص) كان يَسقُمُ [يمرض] في آخر عمره، وكانت تَقْدُم عليه وفود العرب من كل وجه، فتَنْعَتُ له الأنعات، وكنتُ أعالجها له). ومن هنا نعرف أن ما كان يقوله النبي محمد، وتتناقله مصادر الحديث على أنه (طب نبوي)، هو ليس أكثر من المعرفة الطبية العربية التي كانت متداولة في زمانه، و[هي] عند المشركين أكثر مما كان بيد المسلمين. وللتدليل على هذه النقطة بالذات، جاء في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان قوله: (كنت مع النبي (ص)، فانتهى إلى سُباطة قوم، فبالَ قائماً)، يشرح الإمام النووي سبب ذلك بواسطة نقله لتفسير الشافعي: (إن العرب كانت تستشفي لوجع الصُلب بالبول قائماً، فترى أنه كان به (ص) وجع الصلب إذ ذاك). هذا الفعلُ من النبي محمد ليس أكثر من المعرفة الطبية المتداولة في عصره، والتي نعرف اليوم أنها لا تحمل أي تأثير على وجع الصُلب ولا على غيره. وقس على هذا كل ما جاء عن النبي محمد في هذا الشأن حتى حديث جناح الذبابة المنسوب للنبي في صحيح البخاري والذي يستقتل مسلمو اليوم لإثبات صحة محتواه من دون جدوى. فعلى فرض صحة نسبة الحديث للنبي، فهو ليس أكثر من المعرفة الطبية المتداولة في زمنه بغض النظر عن صحتها من عدمه، ولا شأن للوحي الإلهي بها لا من قريب ولا من بعيد".

ويسترسل كاتب هذه المقالة في كتابه (نقد نص الحديث):

"السيرة أيضاً نقلت لنا روايات عن محاولات للعلاج تولاها النبي محمد بنفسه ولم تُفلح. منها أن أسعد بن زرارة أخذه وجع في حلقه يُقال له "الذبح"، فقال النبي: (لأبلغن في أبي أمامة عذراً)، فكواه بيده، فمات. وكأنما استشعر النبي هنا أن اليهود سوف يستغلون هذه الحادثة للتشكيك في نبوته وصدق رسالته، فقال: (ميتة سوءٍ لليهود، يقولون: فَهَلاّ دَفَع عن صاحبه؟ وما أملك له ولا لنفسي شيئاً). وكذلك اعترض بعض المتأخرين على وصف النبي العسل لمن اشتكى استطلاق بطنه على أساس أن (العسل مُسهل، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟)، واستدعى هذا الاعتراض أن يوصف صاحبه بأنه (مُلحد) و (جاهل) من جانب شارح صحيح البخاري. ولكن هذا الاعتراض كان من الوجاهة بحيث اضطر شارح الصحيح بأن يفترض أن المريض كان استطلاق بطنه من "التخمة"، أي كثرة الأكل، فوجب أن يُوصفَ له العسل "لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء" . ولكن، وبما أن هذا التعليل هو محض افتراض لا برهان عليه، اضطر الشارح، ابن حجر العسقلاني، إلى مواجهة حقيقة الأمر وإن كانت بصورة مترددة خجولة. فهو ينقل قول الخطابي: (الطب نوعان، طب اليونان وهو قياسي، وطب العرب والهند وهو تجاربي. وكان أكثر ما يصفه النبي (ص) لمن يكون عليلاً على طريقة طب العرب، ومنه ما يكون مما اطلع عليه بالوحي). وحقيقة الأمر هنا هي أنه ليس فقط (أكثر) الطب النبوي كان على طريقة طب العرب، بل أن (كل) الطب النبوي هو كذلك، وهو ليس بمعصوم فيه ولا شأن للوحي بالطب، ولا داعي أصلاً لنبز ذلك المعترض بالملحد أو الجاهل".

وقد انتبه ابن خلدون إلى هذه الحقيقة، فكتب في مقدمته: "وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارثاً عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح منه البعض، إلا أنه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج. وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة و غيره. والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عادياً للعرب. ووقع في ذكر أحوال النبي (ص) من نوع ذكر أحواله التي هي عادة و جَبَلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل. فإنه (ص) إنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع [يقصد قصة تأبير النخل] فقال: أنتم أعلم بأمور دنياكم. فلا ينبغي أن يُحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك و صدق العقد الإيماني فيكون له أثر عظيم في النفع. و ليس ذلك في الطب المزاجي و إنما هو من آثار الكلمة الإيمانية كما وقع في مداواة المبطون بالعسل ونحوه" .

والملاحظ أن هناك آية قرآنية تختص بالتداوي بالعسل في سورة النحل (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس)، وأكد محتواها حديث منسوب للنبي محمد: (الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي). إلا أن المحدودية التجريبية لمجالات التداوي بالعسل أوقعت شارحي القرآن أنفسهم في حيرة، وذلك على عكس ما توحيه التجارة الرائجة اليوم للعسل ومشتقاته في المحيط الإسلامي باسم هذه الآية السابقة وباسم ذلك الحديث المنسوب للنبي محمد. بل إن العسل قد يكون مضرٌ جداً ويؤدي إلى مضاعافات خطيرة في بعض الأمراض كداء السكري مثلاً. وقد انتبه المسلمون لذلك في وقت مبكر، فنرى الرازي في شرحه للآية السابقة يقول: "فإن قالوا: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة؟ قلنا: إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال، بل لما كان شفاء للبعض من بعض الأدواء صَلُحَ بأن يوصف بأنه فيه شفاء". أما القرطبي فيعقد مقارنة لا تنفي الإشكال ولا تلغيه، ولكنه يريد منها التخلص بالقول بأن هذا مخصوص ببعض الأمراض دون عمومها وإن أتى على صيغة العموم، ثم لينتهي به التقرير بأنه شفاء لمرض واحد فقط وهو استطلاق البطن. يقول القرطبي: "إن قال قائل: قد رأينا من ينفعه العسل ومن يضره، فكيف يكون شفاء للناس؟ قيل له: الماء حياة كل شيء وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يضاده من علة في البدن (...) على أن النبي (ص) قد حَسَم داء الإشكال، وأزاح وجه الاحتمال، حين أمر الذي يشتكي بطنه بشرب العسل. فلما أخبره أخوه بأنه لم يزده إلا استطلاقاً أمره بعود الشراب له فبرىء". ثم يذكر القرطبي اعتراض من أسماهم بـ "زنادقة الأطباء" بأن العسل مسهل فكيف يوصف لمن به الإسهال، وهو نفس الاعتراض الذي أوردناه أعلاه في المقالة ورده شارح صحيح البخاري، إلا أن القرطبي يزيد عليه بأنه يلزم مَنْ يتناول العسل أن يأخذه "بعقد نية وحسن طويّة، فإنه يرى منفعته ويدرك بركته". فعلى رأي القرطبي فإن الدواء للمريض يلزم أن يتم أخذه بنية حسنة وإلا لم ينفع، ولكن، وعلى احتمال أن هذا أيضاً لم يُجدي نفعاً، فإنه يسترسل ليؤكد: "ولسنا نستظهر على قول نبيّنا بأن يصدقه الأطباء، بل لو كذّبوه لكذبناهم ولكفّرناهم وصدّقناه (ص)".

الخلاصة هي أن ما يُعرف في المحيط الإسلامي بـ "الطب النبوي" ما هو على الحقيقة إلا معرفة دارجة في زمن النبي محمد ومتداولة في الفضاء المعرفي في وقت نشوء هذه الأحاديث أول مرة. بل إن مصادر هذه المعرفة الطبية، إنْ صحّت نسبة هذه الأحاديث للنبي، كان ضمنها بالتأكيد مَنْ لا يَمُتّ للإسلام بأية صلة من الأعراب والمشركين. وكما هو الحال في النص المقدس المسيحي، فإن تلك النصوص تتحاشى أيضاً الكلام عن أسباب الأمراض، والوقاية إلا على معنى الحجر الصحي كما في أحاديث الطاعون، ولا تقدم أدوية مركبة ذات وصفات محددة غير مشكوك في عموماياتها أو فاعليتها. وعلى هذا فلا وجود حقيقي لـ "معجزة" طب أو شفاء في جميع ما يتداوله المسلمون من نصوص.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,681,081,073
- حوادث أكل لحوم البشر في التاريخ الإسلامي
- شذوذ مفهوم الوطنية في الذهنية العربية
- في إشكالات السيرة النبوية
- في إشكالية العصمة النبوية
- من إشكالات المجتمع الكويتي
- هل لا تزالون أمة ً أمّية؟
- رسالة يهوذا، الذي خان المسيح، إلى الحُكام العرب
- إشكالية اغتصاب المرأة في الفقه الإسلامي
- مقالة في أن العلمانية تحمي الدين من احتمال الاستبداد
- إلغاء ملتقى النهضة وزيف شعارات الحرية
- مقالة في أن لا كهنوت في الإسلام مقولة خاطئة
- خطورة التسويق للنموذج السعودي للحداثة … الاستقواء بالسلطة ضد ...
- السذاجة الإسلامية كما تتجلى في قضية حمزة الكاشغري
- أفضل هدية في عيدها أن نتصارح مع الكويت
- في العلمانية ومفهوم الليبرالية والهدف منهما
- ديموقراطية الشذوذ القَبَلي
- أرى خلل الرماد وميض نار - الحالة الكويتية
- عندما يقول الغرب لكم: إن قبائلكم ومذاهبكم يثيران الاشمئزاز ا ...
- الكلمة التي ألقيتها في الحلقة النقاشية عن مواقع التواصل الاج ...
- إنها قشور دولة


المزيد.....




- هل انتهت مرحلة الطائفية في لبنان ؟ + فيديو
- -قسد- تؤكد التنسيق مع واشنطن وموسكو حول مصير معتقلي -داعش-
- الكنيسة الأرمنية تبدأ احتفالاتها غدا بعيدي الميلاد والغطاس
- صور لصاحب فتوى تفجير جامع النبي يونس
- 40 ألفا يؤدون -الجمعة- في المسجد الأقصى رغم إجراءات الاحتلال ...
- الإفتاء: الاقتصاد غير الرسمي وسيلة لتمويل التنظيمات الإرهابي ...
- شاهد: زيارة في أروقة "بيت الذاكرة" اليهودية المغرب ...
- شاهد: زيارة في أروقة "بيت الذاكرة" اليهودية المغرب ...
- عقب صلاة الفجر.. الاحتلال يقتحم المسجد الأقصى ويوقع إصابات
- قائد الثورة الاسلامية: دك القاعدة الاميركية من ايام الله


المزيد.....

- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - في نقد الطب الإعجازي المسيحي والإسلامي