أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خليل كلفت - أساطير البحيرات والأنهار - برنار كلاڤيل















المزيد.....



أساطير البحيرات والأنهار - برنار كلاڤيل


خليل كلفت

الحوار المتمدن-العدد: 3729 - 2012 / 5 / 16 - 00:19
المحور: الادب والفن
    


برنار كلاڤيل

أساطير البحيرات والأنهار

ترجمة: خليل كلفت

العدد:
- برنار كلاﭭيل
- خليل كلفت
- الطبعة الأولى:




لـ سيسيل
Pour Cécile



هذه ترجمة لكتاب Légendes des lacs et rivières
تأليف Bernard Clavel
الصادر عن دار Hachette, Paris,
Dépôt: mai 1996














المحتويات
- مقدمة......................................................
- الأفعى المجنحة (فرنسا).....................................
- رجل نهر "أويو" المرعب (بلچيكا)............................
- لوريلاى (ألمانيا)...........................................
- فئران بحيرة كونستانس (سويسرا)...........................
- بحيرة الحسرة (إيطاليا)......................................
- كوبرى الشيطان (إسپانيا)....................................
- ثلاثة أنهار من الدموع (فنلندا)................................
- ملك السلمون (آبرلندا).......................................
- البحيرة التى لا تتجمد أبدا (إسكتلندا)...........................
- شيخوخة ملك تماسيح الكايمان (السنغال).......................
- موت نهر (ليبيا)..............................................
- فتاة المستنقع الصغيرة (مدغشقر)..............................
- ثلاثة سيول (المكسيك)........................................
- بحيرة السيف الكبير (تونكين)..................................
- غولة النهر (الهند)............................................
- بِِرْْكة النار (روسيا)............................................











مقدمة

ربما اعتبر بعض القراء أن من غير المجدى مطلقا نشر رواية جديدة لأساطير رُوِىَ بعضها من قبل مرات عديدة. وأنا أعتقد، من ناحيتى، أن الطابع الفريد للأساطير يتمثل فى أنها تُرْوَى باستمرار على مر الزمن. وقبل أن تدخل فى الكتب، تطورت هذه الحكايات عبر القرون، من جيل إلى جيل، ورُوِيَتْ وأعيد تشكيلها على ضوء نيران الحطب على أيدى أولئك الذين كانوا يسمونهم رُواة السهرات. وبالتدريج قامت الطباعة ثم الوسائل السمعية البصرية بإسكات هؤلاء الرواة، غير أن روحهم بقى وهذا ما يجدر بنا الاستمرار به.
وعندما يعكف المرء على هذا الكنز الخرافى الذى ينتمى إلى العالم كله، فإنه يكتشف أن نفس الأسطورة الواحدة رحلت فى كثير من الأحيان من قارة إلى الأخرى؛ وأنها تحولت؛ وأنها غيرت من أسلوبها ومن طابعها حسب شخصية الراوى ووفقا لمزاجه. ويحررنا هذا الاكتشاف من كل إكراه. لأنه، بالفعل، يوجد مخزون غير قابل للنفاد من التيمات، والحكايات، والشخصيات التى يمكن أن يغترف منها المرء من أجل متعة أن يروى لنفسه قصة. واحتراما للروح، منح الراوى لنفسه دائما حرية أن يسلك طريقا تسير فيه حكايته، متغيرة ومجددة شبابها ـ وإنْ جاز لى القول ـ عند كل منعطف.
وأنا أعتبر بالتالى أن المرء يمكن أن يؤلف مجموعة شخصية يروى فيها أساطير. ومن أجل عمل هذا، أعرف أيضا أن المرء يمكن، حتى دون قارئ آخر سوى ورقة بيضاء، أن يجد فى هذا الكثير من المتعة.
وإذا كنت قد وضعت "الأفعى المجنحة" على رأس هذا الجزء الأول، فليس هذا فقط لأسباب عاطفية مرتبطة بذكرى أمى وبمسقط رأسى. كما أن هذا ليس فقط لأننى شديد الإعجاب ﺒ مارسيل إيميه Marcel Aymé. إنه لكل هذا، ولكنه بصورة خاصة لأن "الأفعى المجنحة" تبدو لى النموذج الأكمل للأسطورة التى اضطلع بتناولها كاتب عظيم، بكل حرية، ليصنع منها إحدى الروائع.
والواقع أن عبقرية مارسيل إيميه، ومزاجه، ومعرفته الواسعة بعالم الفلاحين سمحت له بإحياء الأفعى المجنحة، كشخصية أسطورية متجددة الشباب، بين بشر زماننا. فمن وحش، صنع فتاة ذات جمال غريب تجوب جبال "الچورا" حاملة فوق شعرها تاجا مزينا بياقوتة. وبالتأكيد فإن من الصعب تماما، بعده، تناول هذه الشخصية من جديد! ولا شك فى أن الصورة التى منحنا عنها هى التى تنتهى إلى فرض نفسها، وسوف تجعلنا الشابة الجميلة ننسى الوحش. ومع هذا بدا لى أن من المثير أن نستعيد الأفعى المجنحة كما كانت قبله، أىْ كما كانت ترويها لى أمى التى لم تقرأ، بالطبع، كتابه.
غير أن من الجلى أننى، مستعيدا بذاكرتى أحاديث أمى، قد قمت بالتأكيد بتعديلها، كما كانت هى نفسها قد قامت بتعديلها عن أمها، وأمها من قبلها. ذلك أننا لا نعيش نفس الزمن، وليس لنا نفس المزاج.
وقد امتنعت هنا عن عمد عن معالجة الأساطير الميثولوچية الكبرى. ذلك أنها تماثيل لم يعد من المسموح لنا أن نقوم بإعادة نحتها. وقد فضلت أن أنزوى لحظة فى صحبة أبطال أقل شهرة بكثير. ومعهم، أحس بأننى على راحتى. فَهُمْ يتحدثون بلغة ميسورة للجميع، وأعرف جيدا أنهم لن يلومونى على قيامى أحيانا بإدخال قليل من الجدة إلى وجودهم الطويل الذى قام بالفعل رواة، قبلى، بتشكيله.
ويستطيع القراء وحدهم أن يقولوا ما إذا كان الخبز جيدا، غير أن ما أريد تأكيده هو أن العجينة ذات ثراء لا نهاية له، وأن الخميرة ما يزال لها مفعولها، وأننى بتشكيلها على هذا النحو، بكل حرية، استعدْتُ عطر طفولتى ولون الحكايات التى خلقت أجمل أحلامى.
وبتأليف هذا الكتاب إنما استعدت إلى حد ما طفولتى الخاصة، سواء بالنسبة لما كان قريبا جدا منى فى المكان أو بالنسبة لما كان يشكل، على مسافة أبعد، جزءًا من عالم الهروب. وسأضيف أننى، فى كل مرة كان لى فيها الخيار بين أساطير عديدة من نفس العائلة الأسطورية، كنت أحتفظ دائما بتلك الأقل شهرة.
والآن، يبقى لى أن آمل أن يجد القراء الشباب متعة فى متابعة مغامرات أبطالنا بقدر المتعة التى أحسست بها فى اكتشافهم وإعادة خلقهم من أجل هؤلاء القراء.
برنار كلاڤيل












الأفعى المجنحة
(فرنسا)

الأفعى المجنحة؟ ولكن الأفعى المجنحة، يا صغيرى، ثعبان، وباختصار، فعندما أقول ثعبان لا ينبغى أن نتخيل شيئا يشبه الحية أو الحنش. لا. ولنبدأ بأنها: أضخم كثيرا. أضخم كثيرا من الحية بل أضخم حتى من الإنسان. ولا أعرف على وجه الدقة، ولكنها على الأقل فى طول نصف المطبخ، وقادرة على الوقوف منتصبة القامة على ذيلها. وبالإضافة إلى هذا فإن لها جناحين أسودين، مثل جناحىْ خفاش، ولكنهما أضخم مائة مرة.
هل رأيت من قبل صورا لمحاربين صليبيين؟ نعم. حسنا، إن جسم الأفعى المجنحة يبدو وكأنها ترتدى زَرَدًا من الصلب. وعندما تكون غاضبة فإن حلقات هذا الزرد تأخذ فى التموج وفى قذف شرارات. وشدقها نفس الشيء إذْ يمكن أن يطلق عليك قذيفة من النار من أمتار عديدة. ولسانه طويل وحادّ مثل نصل السيف. لسانٌ أخضر له بريق المعدن ويخرج من حلق أحمر تماما. ومن ناحية أخرى، ليس لهذا الحيوان سوى عين واحدة. عين ضخمة حمراء.
وحش، عجبا!
تسأل ما إذا كنت أنا قد رأيتها؟ بالطبع لا. ليحفظنى الرب من مثل هذا اللقاء! ولكن عندما كنت صغيرا جدا، عرفت رجلا مُسِنًّا كان يعرف رجلا أكبرسنا منه كان جده قد التقى برجل مسن رأى الأفعى المجنحة كما أراك فى هذه اللحظة. كان ذلك ذات مساء جميل فى الربيع. فى العهد الذى كان فيه ذلك الرجل ما يزال شابا. كان اسمه باربيرو. وكان يقيم فى مزرعة على شاطئ نهر "إين" مع أمه التى كانت أرملة. ولم تكن أسرة غنية، وكان يودّ للغاية أن يتزوج ابنة مالك كبير مجاور. غير أن الأوقات كانت صعبة، وكان والد تلك التى أحبها قد قال:
"لا مال، لا فتاة!"
حسنا. فى ذلك المساء، كان عائدا بعد غرز أوتاد سياج. وكان يحمل مطرقته الخشبية على كتفه وسار متمهلا يفكر في جميلته.
أدار الطرف الخشبى الحاد. واقترب من النهر، فماذا رأى؟ رأى ضوءًا بدا أنه ينساب على الماء. تقرفص خلف دغل، وأخذ يحملق، قرص نفسه ليتأكد من أنه ليس نائما. لا يا عزيزى. هذا ليس حلما. إن الأفعى الجنحة هناك هى التى تسير على الماء نافخة النار. وهى تغطس، وتصعد إلى السطح مرة أخرى، وتنفض جسمها، وتضرب بجناحيها، وتطلق شظايا من الزبد، وتعكر الماء كما يمكن أن تفعل ريح عاصفة.
راقبها باربيرو لحظة. ليس هناك أىّ شك: إنها الأفعى المجنحة بالفعل. وقد سمع كبار السن يتحدثون عنها كثيرا بما يكفى لأن يكون متأكدا من أنه لم يخطئ الظن.
ومع هذا حيّره شيء ما، ذلك أنه لم ير شيئا يلمع على جبهتها. فقد قيل له دائما أن الأفعى المجنحة تضع عينها عند حافة الأنهار قبل أن تسبح وأن هذه العين ياقوتة تساوى ثروة، غير أنه كان من الصعب عليه أن يعتقد أنه يمكن أن تسنح له، هو باربيرو المسكين، فرصة كهذه.
وراقب من جديد لحظة، مرتعبا قليلا مع ذلك، ولم ير مطلقا شيئا أحمر عل جبهة الوحش. وعندئذ، أخذ يزحف نحو حافة النهر، دون أن يترك مطرقته، ومع أخذ احتياطات قط مُطارَد. واختفى فى الحشائش، وراقب المكان، ومن وقت لآخر كان يرفع رأسه ليتأكد من أن الوحش ما يزال يتخبط بعيدا فى مجرى النهر.
وأخيرا، ومن فرط تحريك أنفه عند مستوى الحشائش، انتهى إلى اكتشاف الجوهرة. كانت الياقوتة أضخم حتى من كل ما كان يمكن أن يجرؤ على تصوره. كانت ضخمة مثل رأس رضيع جيد الصحة. وصار باربيرو مفتونا تماما بها. ومقطوع النفس ظل يحدق لحظة فى هذه الشمس الحمراء الضخمة الملقاة على رمل شط صغير.
وباربيرو فتى شجاع، وقوى، ورشيق. رجل لا يتردد فى مواجهة بقرة حرون أو ثور صغير سيئ الطبع. وهو يفكر فى قوته، وفى سرعته، وأيضا فى كل الذهب الذى تمثله الياقوتة والذى سوف يسمح له بالتأكيد بالزواج من تلك التى يحلم بها.
وهو يتذكر، بالطبع، أن آخرين قبله جربوا المغامرة وأنهم جميعا التهمتهم الأفعى المجنحة أو شعب الثعابين الذى تحكمه. ولكنه، باربيرو، سيكون أسرع من الآخرين.
ويتقدم خطوة أو خطوتين، ويرى حية ضخمة تلتف حول نفسها إلى جانب الياقوتة. نظرة دائرية: لاشيء آخر. وإذا كانت هذه الحية هى كل ما وجدته الأفعى لحراسة كنزها، فليس هنا ما يخيف رجلا!
ويلتفت باربيرو إلى الوراء. ويذهب الوحش مع التيار دون أن يبالى بشيء. ومعتقدا أنه ماكر جدا، يقول الفلاح لنفسه أن الأفعى المجنحة بدون عينها لابد أنها لا ترى شيئا، وأنها ستجد صعوبة كبيرة فى مطاردته. وبالتالى فإنه إذا قتل الحية لن يكون عليه إلا أن يجرى.
وتاركا قبقابه ليكون أخف، يثبِّت بين يديه بحزم أداته، ويتقدم بلا ضوضاء، وعندما يشعر أنه على مسافة مناسبة تماما يُدير مطرقته بقوة بالغة ويوجه إلى الحيوان الزاحف ضربة تسحق ثورا. ولم تجد الأفعى وقتا حتى لرفع رأسها. وتذكروا أن هذا كان فى الربيع، وأن الثعابين تكون أيضا فى حالة استرخاء إلى حد ما.
وتاركا المطرقة والقبقاب، يلتقط باربيرو الياقوتة وينطلق جاريا فى اتجاه القرية.
وبالطبع فإن الأفعى المجنحة هى التى تملك جناحين ولكن، فى تلك اللحظة، كان باربيرو هو الذى يبدو أنه يطير. ولم يحدث مطلقا من قبل أن جرى بمثل هذه السرعة. ولم يحدث مطلقا من قبل أن قفز بمثل هذا الارتفاع من فوق الحواجز.
ولكى يجرى بصورة أفضل، وضع الياقوتة داخل قميصه، مشدودة إلى صدره. وهو يشعر بها فوق جلده، باردة مثل قطعة من الثلج.
إنه يجرى منذ وقت غير قصير، وهو يرى بالفعل النوافذ المضاءة للمنازل الأولى وهى تتراقص بعد المرج، عندما ينطلق فحيح طويل من النهر. فحيح لم يسمع مثله من قبل مطلقا. وتصل إلى ظهره ريح حارّة وتبدأ الياقوتة فى السخونة.
ويدرك باربيرو أن الأفعى المجنحة تطارده، ولكن القرية قريبة جدا، قريبة جدا... ويحاول أن يجرى بمزيد من السرعة ولكن فى نفس الوقت الذى تبدأ فيه الياقوتة فى إحراقه فى صدره، ها هى الزواحف تخرج من الأسيجة، ومن الأدغال، ومن كتل الأعشاب، تماما وكأنها تنهمر من السماء كالمطر.
ويحاول باربيرو أن يتجاوزها، غير أن حية تَعُضّ كعب قدمه اليسرى بينما يلتف حنش أخضر صغير حول ساقه اليمنى. وخلفه، يقترب الفحيح وتصير الريح أكثر إحراقا. أما الياقوتة فإنها تصير مثل فحم ساخن يلتهم جلده.
عندئذ يشعر الصبى المسكين بأنه ضائع ويفتح قميصه ويترك الحجر الكريم يتدحرج على المرج.
وفى الحال، يهدأ الفحيح، وتعود الريح باردة، وتختفى الثعابين.
وبطريقة أو بأخرى، ووجهه وجسمه مغطيان بالعرق، يعود باربيرو إلى منزله. وتذهب أمه بفزع تبحث عن الحداد الذى كان طبيبا شعبيا إلى حد ما. ويضع الرجل على جرح القدم ومكان احتراق الصدر لزقات من الكرنب المهروس، المخلوط بأوراق نبات الأرقطيون وباللبن الرايب المرشوش ببرادة الحديد.
وكان من الصعب على الناس تصديق أن الشاب التعيس قد التقى بالفعل بالأفعى المجنحة، ولكن الجروح فى جسمه كانت شاهدة على ذلك. ثم، إنهم فى اليوم التالى، وقريبا جدا من قبقابه ومطرقته التى كانت ما تزال تضغط على الحية المسحوقة، عثروا فوق الرمل على أثر لم يكن من الممكن إلا أن يكون أثر الأفعى المجنحة.
ولا حاجة إلى أن أقول لك أنه لابد أن باربيرو قد احتفظ من المغامرة بذكرى حزينة. ومع هذا فإن جاره، عندما علم أنه أقدم من أجل ابنته على مثل هذه المخاطرة الكبيرة، قرر أن يزوجه من تلك التى أحبها. ولم يكن هناك شيء يأسف عليه هذا المزارع الغنى، لأن باربيرو كان فتى متينا ونشيطا، وقد استطاع أن يجنى من أراضى والد زوجته ثروة صغيرة. والواقع أنه لم يفقد عقله إلا فى اللحظة التى رأى فيها الياقوتة، لكنه كان أعقل من كثير من الآخرين عندما تركها قبل أن تلتهمه الأفعى المجنحة.
وعلى كل حال فإننى أنصحك، إذا التقيت بالأفعى المجنحة ذات يوم، بأن تمرّ بعيدا دون أن تنظر كثيرا إلى ياقوتتها. فالمرء لا يجنى شيئا من الطمع فى مثل هذه الثروة. والحقيقة أن حظا حسنا هادئا خير من مغامرة يخاطر فيها المرء بأن يفقد حياته.


رَجُل نهر "أويو" المرعب
(بلچيكا)

كان "أويو" فى سالف الزمان نهرا أعمق كثيرا مما هو اليوم. ويتساءل الواحد منا أين يمكن حقا أن تكون قد ذهبت مياه الأنهار ومجارى المياه، وإنما على هذا النحو تصير هذه المياه أندر بصورة متزايدة.
وباختصار ساد على طول نهر "أويو" خوف شديد كان يأتى من شخص لم يره أحد مطلقا. وكان الناس يسمونه رجُل نهر "أويو" المرعب، حتى دون أن يعرفوا ما إذا كان أشبه برجل أو وحش. والواقع أنه كان يتصرف مثل حيوان متوحش مخيف، حيث أنه كان يتغذى فقط على قلب ضحاياه.
ويؤكد الناس أنه كان يدين إلى هذا الغذاء بموهبة الرؤية ليلا، وفى قاع الماء، وحتى من خلال الجدران الأكثر سمكا.
وعنما كان يريد أن يخطف ، مثلا، شابة تغسل فإنه كان يغرى الشابة بأن يضع فوق المياه، تحت عينيها بالضبط، خاتما من الذهب، أو مشطا مرصعا بقطع الماس، أو عقدا من اللآلئ الخالصة. وبطبيعة الحال فإن الشابة كانت تغطس ذراعها فى الماء لتمسك بالجوهرة، وفى تلك اللحظة كانت تجذبها قوة خفية إلى قاع النهر.
وكان يحدث أيضا أن يرغب رجُل نهر "أويو" المرعب فى قلب طفل. عندئذ كان يُعَوِّم على بعد أمتار قليلة من الشاطئ قاربا صغيرا جدا، بأشرعة بيضاء لأن كل الأطفال يحبونها.
وبالنسبة لسكان الوادى، كانت هذه الحياة لم تَعُدْ حياة. كانت الشابات يرفضن غسل الملابس، ولم يَعُدْ الأطفال يريدون الذهاب إلى المدرسة التى كانت إلى جانب النهر بالضبط. ولهذا كان على السكان أن يفكروا فيما إذا كان ينبغى بناء مدرسة أخرى ومغسل بعيدا عن نهر "أويو"، عندما اختفت امرأة عجوز جدا. وكان هذا شيئا جديدا، لأن رجُل نهر "أويو" المرعب لم يحدث، فيما تعى ذاكرة الأجداد، أن خطف إلا الأطفال والشابات. غير أن الحداد واثنين من الفلاحين، الذين لم يكونوا سكيرين كبارا، كانوا يؤكدون أنهم رأوا بالفعل المرأة المسكينة وهى تنكفئ برأسها أوّلا فوق مقعد غسيلها، ثم تختفى تحت الماء، تجذبها قوة خفية.
وبلا أدنى شك فإن رجُل نهر "أويو" المرعب قد قام أيضا ببعض حِيَله. وبكى الناس داخل أسرتها كثيرا على المرأة المسكينة، وأسفت عليها القرية كلها لأنها كانت تعرف النباتات العلاجية.
ومرّ أكثر من اثنى عشر شهرا اختفى خلالها أيضا أربعة عشر طفلا وثمانى شابات. ومن جهة أخرى فإنه ذات صباح، فيما كانت ضبابة كثيفة تنام على المياه الساكنة، رأى الناس الطبيبة الشعبية وهى تعاود الظهور. وكان يبدو أنها فى أتم الصحة والعافية، وعندما استقرت فى مقعدها المربع وابتلعت منقوع نبات طبى ساخن جدا، أخذت تحكى:
"تصوروا، قالت، أن رجُل نهر "أويو" المرعب قد جرّنى إلى داخل مسكنه وهو عبارة عن نوع من الكهوف فى قاع جبل صغير منعزل شديد العمق. وكنت أعتقد أنه سيلتهم قلبى، ولكن لم يحدث هذا على الإطلاق. وعندما وصلنا إلى مسكنه بدأ يتكلم بمنتهى اللطف، وسألنى عما أريد أن أشرب، وما أريد أن آكل، وما إذا كانت عندى رغبة فى أن أستريح... وأخيرا، عجبا، أساليب سَيِّدٍ بالغ التهذيب. وأنا؟ هل تصدقون أن كل هذا الماء أزال عنى العطش، وأن الانفعال سدّ شهيتى. قلت له أننى لا أحتاج إلى أىّ شيء، وأننى أريد فقط العودة إلى بيتى. وأجابنى: والروماتيزم، كما يمكنكم أن تتصوروا، بالنسبة لحياة كهذه فى قاع الماء، ليس فيه ما يدعو إلى الدهشة. وحاولت أن أشرح له أن هذا ليس مكانا ملائما لامرأة عجوز. ليس هنا ما يمكن عمله! إنه لا يريد أن يتركها تخرج من مسكنه. حسنا! عندما رأيته أكثر عنادا من جماد، قلت سأضع له قائمة الأعشاب الضرورية، وعندئذ أرحل. قام بقطف الأعشاب وعاد بكل ما طلبته. وعلى هذا النحو وعلى مدى عام، قمت بالعناية بزوجته. وهى اليوم تتمتع بصحة كاملة."
القرية كلها سمعت هذه الحكاية. وغير مصدِّقين، كان بعض الشبان يبتسمون ويلكزون بعضهم البعض بالمرفق، غير أن الأشخاص الذين فى سن الرشد كانوا يهزون رؤوسهم بتفهُّم.
وعندما سكتت المرأة، ساد صمت طويل، ثم سأل شخص ما :
"وماذا أكلتِ، خلال كل هذا الوقت؟"
خفضت الطبيبة الشعبية عينيها، وفركت ذقنها قبل أن تجيب، بصوت مرتعش قليلا.
"أنا ، كما تعلمون، لا أدقق فى الطعام. إن رجُل نهر "أويو" المرعب هو الذى كان يقوم بالطبخ... وكان يحتفظ بوصفاته عنده. ولم أطرح عليه أسئلة مطلقا. وكل ما أستطيع قوله لكم هو أنه يطبخ اللحم والسمك، مع أعشاب لا أعرفها لأنها تنمو فى قاع النهر. ولكن هذا ليس سيئا على الإطلاق."
عاد كل شخص إلى بيته، وعادت حياة القرية إلى ما كانت عليه. وبدأت الطبيبة الشعبية من جديد العناية بالناس، وواصل الأطفال الاختفاء، ورفضت الشابات أكثر فأكثر غسل الملابس.
ومع هذا كان هناك شيء ما يُحَيِّر زوج الطبيبة الشعبية وأطفالها. فعندما كانوا يجلسون إلى المائدة، على سبيل المثال، ويطرق الباب شخص ما، كانت الطبيبة الشعبية تقول:
"إنه فلان."
ولم تكن تخطئ مطلقا. وأحيانا، كانت تحدّق فى الجدار وتقول:
" عجبا، ها هو الأب ماشام أو الأم شوز العائدة من السوق."
وإذا انحنى شخص من النافذة فقد كان من الممكن أن يكتشف أنها ترى جيدا جدا عبر الجدار.
أدركت الأسرة كلها بذهول ما حدث: مدعوةً خلال عام إلى مائدة رجُل نهر "أويو" المرعب، لابد من أن المرأة المسكينة أكلت قلب طفل. ولم يكن فى هذا مطلقا شيء يدعو إلى السرور، غير أنه كان ينبغى تدبُّر الأمر ببذل قصارى الجهد فى ذلك بحيث أن بقية القرية لم تعرف هذا السر المرعب.
فقط كان ما يجهله الجميع هو أنه، إذا كانت الطبيبة الشعبية ترى من خلال الجدران، فإنها كانت تملك أيضا موهبة رؤية ماكان غير مرئى.
والواقع أنها، ذات يوم ذهبت فيه لتغسل الملابس، التقت، فى الشارع المنخفض، برجُل نهر "أويو" المرعب. كان يتنزه باطمئنان، مقتنعا ببقائه غير مرئى على الإطلاق.
"عجبا، قالت، ماذا تفعل فى هذا المكان؟ وزوجتك كيف حالها مع الروماتيزم؟"
تساءل الناس الذين كانوا يمرون ما إذا كانت الطبيبة الشعبية قد فقدت عقلها، لكى تشرع على هذا النحو فى الكلام فى الفراغ. وكانوا أكثر دهشة أيضا عند رؤيتها تترك سلة ملابسها وتمضى نحو النهر وهى تتخبط، بذراع يمتد أمامها، تماما وكأن شيئا ما هائل القوة يجرها رغم أنفها.
"اتركنى! صرخت. لقد عالجت زوجتك. لا أريد أن أعود إلى النهر. اتركنى! النجدة! النجدة!"
رجُل نهر "أويو" المرعب، الذى كانت هى وحدها القادرة على سماع صوته، استمرّ فى جرّها قائلا:
"لديك موهبة رؤيتى... وفى يوم أو آخر سوف تمسكين بى. إنك ستختفين الآن. وهذه المرة لن تخرجى من الماء."
لم تكن المسكينة إلا على بُعْد خطوات قليلة من الشاطئ، عندما لمحها الحداد. أدرك ما كان يحدث. وممسكا ببلطة، قفز وأخذ يضرب بكل قواه. كان يضرب أمام الطبيبة الشعبية وعلى عكس ما كان يعتقد الشهود المذهولون، لم يكن يضرب فى الفراغ. كان يحس به جيدا. وعندما سقطت المرأة المحرَّرة على الحشائش، رأى الحداد حول قبضته آثارًا تركتها اليد الهائلة لرجُل نهر "أويو" المرعب.
عادت الطبيبة الشعبية إلى بيتها وهى ما تزال مذهولة، غير أن منقوعا من الأعشاب كان كافيا لجعلها تستعيد كل نشاطها.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد لدى الشابات أىّ سبب يمنعهن من القيام بالغسيل، وحتى الأطفال السيئون كانوا مضطرين للذهاب إلى المدرسة.
أما الطبيبة الشعبية فإنه يقال أنها كفَّتْ عن الرؤية من خلال الجدران.
لوريلاىْ
(ألمانيا)

إذا هبطت ذات يوم فى مجرى نهر الراين فى قارب، سيشير لك المراكبية، قرب الشاطئ الأيمن، إلى صخرة لوريلاىْ المرتفعة التى يغلى فى سفحها ماء النهر. وستنظر فى صمت، وستنتظر أن يتجه مركب نحو موجة أقل صخبا لتسأل من كانت حورية الماء تلك وماذا كانت قصتها. وسيروونها بألف طريقة وطريقة، ولكن كل أولئك الذين سيكلمونك عن لوريلاىْ سوف يتطابقون فى القول بأنها كانت ذات جمال فريد.
ومن ناحيتى، سأحكى لكم قصتها مثلما سمعتها من فم مراكبى عجوز، متقاعد منذ سنوات، ولم يعد يستعمل قاربه إلا ليأتى ليتأمل الصخرة عند غروب الشمس. وربما كان يأمل فى أن تعود حورية الماء ذات مساء وأن تكون لديه الفرصة ليتأملها كما استطاع أسلافه البعيدون أن يفعلوا. وكنت ما زلت صغيرا جدا عندما باح لى الرجل العجوز بذكرياته، ولاشك فى أنه مات منذ أعوام، ولكن حديثه بقى فى ذاكرتى. ودون تغيير كلمة واحدة فيها، فإن ما قاله لى هو الذى أرويه عليكم اليوم.
"تخيَّلْ، يا صغيرى، أن مياها كثيرة جرت بين هذين الشاطئين منذ اختفت لوريلاىْ. ولا أستطيع أن أقول لك كم من الأعوام، كم من القرون مرت، لكننى أعرف أن الرجال كانوا يتقاتلون فى ذلك الحين بالسيوف، وأنه لم يكن قد تم بعد اختراع هذه الحروب المروعة التى روت الأرض بدم الأبرياء وجعلت مياه الأنهار تحمرّ.
"فى ذلك الزمن، كانت المراكب تهبط أو تصعد فى مجرى النهر بقوة المجاذيف. بعضها كان يجرّها الرجال، وبعضها كان يجرّها الخيل. وربما سيحكون لك أن لوريلاىْ كانت نوعا من جنيات الماء (السيرينيات) ذات جمال بالغ، وأنها كانت تغنى راقدة على صخرتها، لتجعل رجال السفينة يفقدون عقولهم، ولتجذب القوارب إلى صخور الشاطئ. أما عن جمالها فقد كانت جميلة. بحيث أنه ما من أحد رأى إلى الآن مطلقا فتاة متألقة إلى ذلك الحد. أما صوتها فمن الصحيح أيضا أنه كان رائعا. ولكنها لم تكن مخلوقة شريرة. على العكس. كانت بالأحرى كائنة طيبة وكانت تغنى لتجعل المراكبية ينسون قسوة عنائهم وأخطار هذا النهر المقدس الذى يكون طبعه شريرا فى كثير جدا من الأحيان، ويُقال حتى أنها كانت تشير بإصبعها للمراكبية إلى الجهة التى توجد فيها أسراب السمك. ولكننى، كما ترى، لست متأكدا من هذا مطلقا. وكنت أعتقد من باب أولى أن هذا تلفيق، لأن حوريات الماء تنتمى إلى حد ما إلى فصيلة الأسماك ولا ينبغى لها أن تكون سعيدة إلى ذلك الحد برؤية الأسماك تتخبط فى عيون شبكة. حسنا، هذا ما هو معروف إذن لكل المراكبية الذين كانوا يرونها، فى ضوء الأشعة الأخيرة الغاربة، وهى تغسل شعرها الذهبى الذى كان يهبط إلى مستوى أردافها. ولكن، بطبيعة الحال، لم يكن من الممكن لحضور حورية بمثل ذلك الجمال على الصخرة أن يبقى سرًّا بين المراكبية. وعلى المراكب، كان يوجد أحيانا مسافرون، وكل أولئك الذين رأوا لوريلاىْ مرة كانوا يتحدثون عنها لكل من يرغب فى الاستماع إليهم. غير أنه كان هناك "كونـْت" قوى النفوذ وبالغ الغنى، اسمه ألبرشت، قرر ابنه ذات يوم أن يخطف لوريلاىْ. وها هو يأتى على ظهر حصانه الأسود إلى الشاطئ ويطلب من نوتىّ عجوز مثلى أن يقوده إلى سفح الصخرة. الرجل النهرى العجوز، الذى لم يكن أحمق، قال لنفسه أن فكرة الصبى تنطوى بالتأكيد شيء ما منحرف، ورفض. ولكن النبيل الشاب كان من عادته أن يتصرف على هواه، وها هو يجرد سيفه من غمده. فماذا يستطيع الرجل العجوز أن يفعل؟ لا شيء مطلقا. لا شيء سوى أن يأخذ مكانه على مقعد التجذيف ليجذب بعزم فى اتجاه الصخرة. وها هو شفق الغروب، فالضوء أشقر والظلال كلها رمادية، وهذه هى الساعة التى تفضلها الحورية. وكانت بالضبط فوق صخرتها وبدأت تغنّى. بقى الشاب صامتا لحظة، وكان مصابا بالذهول، ثم ها هو يبدأ فى الصراخ على النوتى:
"ـ عجِّل بالرسوّ! بالرسوّ عند هذه الصخرة!"
"توقف العجوز عن التجذيف وقال بهدوء:
"ـ مستحيل... لا أحد استطاع مطلقا أن يرسو هنا. أنت ترى جيدا أنه توجد دوامات وأمواج يمكن أن تحوّل مركبى إلى فطيرة."
"غضب الشاب، وأخذ يهدد، ولكنْ لأن العجوز لم يكن يريد أن يصغى إلى شيء، انتهى إلى أن يطلب:
"ـ اقترب بأكبر قدر ممكن. وسأقفز جيدا حتى الصخرة."
"حاول رجل النهر أن يقنعه ولكنْ لأن الشاب القوى المعافى ركب رأسه وأخذ يتوعد، كان لم يبق إلا أن يتوقف أقرب ما يكون إلى الصخرة. وإذا بالشاب النبيل يقفز. وهو مرن ورشيق، ولكنْ رغم كل شيء كانت قفزته قصيرة. وفى الحال أخذ الموج يدور به وسط مياه النهر. ومقيدا داخل دروعه، ومثقلا بأسلحته، ينزلق دون أن يستطيع النوتى أن يحاول عمل أىّ شيء لإنقاذه. ويجرى البحث دون جدوى عن جثمانه، ولن يعثر أحد عليه أبدا.
"وعندما يعرف موت وريثه الوحيد، يصاب الكونت ألبرشت بغضب مرعب. ويبدأ بالهجوم على المراكبية ويريد إعدام ذلك المراكبى الذى قاد ابنه إلى سفح الصخرة. ولكنْ، فى هذه المهنة التى يتصارع فيها الرجال دائما ضد النهر والعواصف، فإنهم يعتادون على التكاتف فيما بينهم. لا أحد يقبل أن يتكلم، ولا يتوصل الكونت إلى التعرف على اسم ذلك الذى يبحث عنه. وعندئذ يحوِّل غضبه نحو لوريلاىْ ويأمر قائد حراسه بالقبض عليها. ويعلن أن هذه المخلوقة إنما هى ساحرة وينبغى إحراقها حية.
"من جهة أخرى، من الشاطئ، مع أنه لم يكن يستطيع رؤيتها، إلا أنه سمعها تغنى، وبدلا من أن يغوى كما كان يغوى المراكبية دائما، كان هذا الصوت يؤجج غضبه أكثر.
"وبالتالى رحل القائد ودزينة من جنوده فى مركب ليقوموا بالهجوم، وبقوة الحيلة والعناد، وبعد غرق كثير من رجاله، نجح فى التسلق إلى قمة الصخرة التى لجأت إليها الشابة. وأخذ يصرخ:
"ـ أنا أعتبرك ساحرة! أنت قتلت ابن سيدى، وسوف يتم تقييدك فوق كومة من الحطب وحرقك فى فناء القصر!"
"كان يريد أن يقبض على لوريلاىْ واقتيادها، إلا أنها، مرتعبة،أخذت تصرخ:
"ـ أيها النهر تعالَ لنجدتى! أوه! أيها النهر! أنقذنى من غضب البشر! لم أرتكب أىّ شرّ، أنقذنى من الظلم!"
عندئذ وكأن سدًّ فى اتجاه منبع النهر يحجز البحيرات كلها قد تحطم فجأة، أخذ النهر يتسع. ولم يكن ماؤه سوى غليان للزَّبَد، وملأ صوته الوادى بهزيم الرعد.
"جرف الماء الجنود والقائد. ولم يعرف أحد مطلقا ماذا جرى لهم، غير أن الشيء المؤكد هو أن لوريلاىْ اختفت أيضا فى المياه. ولن يراها أحد فوق صخرتها. ومنذ ذلك الحين صار مراكبية نهر الراين حزانى عندما يمرون هنا.
"وعلى وجه الخصوص، ففى بعض الأمسيات، عندما تصبغ الشمس الصخرة باللون الذهبى، وعندما تتجمع دوامات النهر عند شعر لوريلاىْ الأشقر، يحدث أن نسمع صوتها. صوت عذب ونقى مثل المنابع التى تولد فى سفح تجمعات الثلوج، صوت يصعد من الراين مع الهبة الأولى لرياح الليل."
















فئران بحيرة كونستانس
(سويسرا)

فى الوقت الحاضر، عندما نتحدث عن مجاعات كبرى فإنها تكون دائما فى بلدان نائية نستدعيها إلى الأذهان. ففى أوروبا، على سبيل المثال، لم يعد يحدث أن تصل جماعات سكانية بكاملها إلى حد الموت لانعدام الطعام. ولم يكن الأمر كذلك قديما ومنذ قرون وقعت كوارث عديدة وعنيفة دمرت كل الأراضى التى تحيط ببحيرة كونستانس. وكانت الأمطار عنيفة إلى حد أن جريان المياه لم يجرف المحاصيل فقط، بل كذلك جانبا كبيرا من الأراضى القابلة للزراعة. وانهارت منازل، وانجرفت جوانب من الغابة إلى البحيرة وكأن الجبل قد انتقل من مكانه.
وعندما عادت الشمس، استمر الجو أياما وأياما أكثر برودة من كل ما شهد الناس فى هذه البلاد فى يوم من الأيام، بحيث صار من المستحيل إعادة زراعة الحقول. وكان ينبغى أن يتركوا الصيف ينتهى، ثم أن يقضوا شتاء لا يستطيعون أثناءه إلا أن يهتموا بأن يعاودوا الصعود من أرض قاع الوادى.
وأؤكد لكم أن المشهد لم يكن فيه ما يسرّ.
وبالطبع، فلأن المحاصيل تلفت لم يكن لدى أحد شيء يأكله وحلـَّتْ المجاعة الكبرى.
ومع هذا، كان يوجد، على شاطئ البحيرة، فى ذلك الحين قصر ضخم تحيط به من كل جانب أسوار عالية، كان يحرسها جيش من المرتزقة ليلا ونهارا. إنه قصر ڤاسبورج، وكان من أملاك سيد جوتينجن الغنى جدا، وكان هذا السنيور يستخدم عاملين كثيرين لخدمته ولخدمة بلاطه. وبين الوصيفات كانت توجد إنسانة طيبة تناهز الستين من عمرها، وكان السنيور يكبر أمام عينيها. وكانت هى الوحيدة التى تجرؤ على أن تقول له بصراحة رأيها فى تصرفاته. وعندما علمت أن مئات الأطفال ماتوا من الجوع فى الأراضى المجاورة، وعندما علمت أن عائلات بكاملها ظلت بلا مأوى، وبلا موقد، وبدون أقل قدر من الطعام، قالت لسيدها:
"على كل حال، يجب عليك أن تسارع إلى مساعدتهم. عندك فى مستودعات ومخازن غلالك مؤن احتياطية كثيرة لن تحتاج إليها طوال الأعوام الخمسة القادمة. قم بتوزيع نصفها فقط وهذا يكفى لإنقاذ هؤلاء الناس. وما ستعطيه سيسمح لهم بانتظار المحصول القادم، ولن يجعلك هذا فقيرا."
استاء السنيور بشدة من الأمر، وبكثير من الغضب فى صوته، صرخ:
"أنا أمنعك من الكلام عن هذا. اهتمى بعملك. كل هذه الفئران يمكن أن تختفى، إننى أحتقرها. وبمجرد أن تغدو ميتة، سيأتى غيرها لتأخذ مكانها."
الخادمة، التى كن لها أقارب عديدون بين الضحايا والتى كانت هى نفسها متحدرة من هؤلاء الذين سماهم سيدها <هؤلاء الفئران>، جرحها قوله جرحا عميقا. ورافضة أن تأكل بصورة طبيعية فى الوقت الذى كانت المجاعة تهدد أقاربها، قررت أن تغادر القصر.
وفى ذلك المساء نفسه، عند هبوط الليل، عبرت الباب السرى للقصر وابتعدت فى الظلمة الكثيفة التى كانت تلقيها الأسوار وبرج القلعة على شاطئ البحيرة. كانت الريح باردة، وكانت الأمواج تهدر، وكانت الليلة سوداء تحت سماء بلا نجوم.
وعندما قطعت بضع مئات من الأقدام، بدا لها أن الجو الذى تتنفسه أكثر نقاءً. وتوقفت لحظة، وعادت لتنظر إلى أضواء برج القلعة وتخيلت منضدة الطعام المغطاة حيث سيأتى السنيور ومن معه ليتخذوا مكانهم حولها فى غضون أقل من ساعة. بصقت على رمل الشط، وقالت:
"أيها الأنانى البائس، أنت لا تستحق أىّ شفقة!"
لقد أحبت هذا الرجل وكأنه ابنها هى، لكنها الآن كرهته. وكان عليها بالتالى أن تجد أهل القرية الأكثر قربا الذين يتجمعون فى بعض الأكواخ القابلة للسكن. ووزعت عليهم القليل من الطعام الذى كانت قد استطاعت أن تجلبه فى سلتها ثم قالت لهم:
"يوجد فى القصر ما يطعمكم جميعا. السنيور رفض أن يعطينى القمح الذى طلبته من أجلكم، ولكن إذا قدمت الأمهات له أطفالهن المحتضرين، آمل أن لا تكون لديه قسوة الاستمرار فى الرفض."
حدد الناس اثنتى عشرة من الأمهات اللائى حضرن عند بوابة القصر، تحمل كل واحدة منهن طفلا هزيلا كالمومياء. وعندما رآهم، جعل حراسه وكلاب حراسته يطردونهم صائحا فيهم:
"هل ترغبن مع هذا فى أن أحرم نفسى من كلابى لإطعام أطفالكن؟ كلابى هى حراسى الأوفياء، أما أطفالكن فلا شيء!"
عادت الأمهات وحكيْن ما حدث. وبكت بعضهن، ولكن الأخريات كانت نظرتهن جامدة وباردة حيث كان يبدو على وجوههن غضب شديد.
"إذا تركتم أطفالكم يموتون فى ظل قصر يكثر فيه الطعام، فهذا يعنى أنكم لم تعودوا رجالا."
عندئذ تسلـَّح آباء الأطفال المهددين بالآلام الأكثر فظاعة، وأعمامهم، وأخوالهم، وإخوتهم الكبار، بالأوتاد، والمناجل، والفئوس، والذرّايات، وزحفوا إلى القصر. وكان هؤلاء البؤساء أكثر كثيرا من الحراس، غير أنهم كانوا يعرفون كيف يفلحون الأرض فى حين تعلم الجنود أن يقاتلوا. ولم تستمر المعركة سوى بضع ساعات. وكان القتلى أكثر من مائة فلاح، وجرى دفع الآخرين إلى مخزن للمحاصيل ملحق بالقصر حيث حبسهم الجنود.
السنيور الذى شهد المعركة من فوق أسواره، أمر بإحاطة مخزن المحاصيل بأحزمة الحطب. وأعلن:
"كل فئران الحقول هذه سوف تهلك مختنقة بالدخان ومشوية. وهكذا ستفقد بقية الفئران الرغبة فى أخذ غلالى."
وبمجرد أن تم وضع أحزمة الحطب فى المكان، أشعل قائد الحراس فيها النار. ولأن الخشب كان جافا جدا، ارتفعت ألسنة اللهب العالية فى الحال وصارت الحرارة شديدة إلى حد أن كل الجنود عادوا إلى القصر المحمى بسوره الحجرى، وارنفعت استغاثات وعويل مع سحابة كثيفة من الدخان. وقال السنيور:
"استمعوا إذن إلى الفئران وهى تصرخ."
وما كاد ينطق بهذه العبارة حتى كانت آلاف الفئران تخرج من أتون النار الحامية. ولكنها كانت هذه المرة فئرانا حقيقية. كانت فئرانا رمادية ضخمة وكانت تطلق صيحات قصيرة حادة. وقد خرج منها الكثير والكثير إلى حد أنه كان يمكن القول أن فيضا من الرماد كان يتدفق من المحرقة. هذا النهر من الزغب، حيث كانت تلمع ملايين من العيون الصغيرة الحادة، اتجه أولا نحو مياه البحيرة، حيث انفصل إلى تيارين، ومال نحو القصر الذى صارت أسواره محاصرة فى الحال.
أخذ رُماة سهام السنيور فى إطلاق السهام فى حين أخذ الجنود الآخرون يصبون عليها الزيت المغلى من فتحات البراميل، غير أن الفئران كانت كثيرة العدد إلى حد أنه ما كان بوسع شيء إبطاء تقدمهم. فكر الفئران لحظة فى التسلق على طول الجدران للهجوم على المرتزقة، ولكن لا، لم يحاول التسلق أحد. وأخذت الفئران جميعا تقرض أسفل الأسوار، وقد أحدثت هذه الملايين الصغيرة من الأسنان القاطعة ضجة غريبة مزعجة. وقد قرضت كثيرا إلى حد أن الكتلة الضخمة للقصر انزلقت فى الحال نحو البحيرة حيث ابتلعتها المياه، فأثارت أحزمة الزبد. وتدفقت الأمواج عالية على حواف نار أحزمة الحطب، التى بدأت تلتهم سقف مخزن المحاصيل، فأغرقتها فى الحال. واستطاع السجناء أن يخرجوا وهم يسعلون ويعطسون، فى حين أن الفئران، وقد انتهت مهمتها، اختفت فجأة وكأنما بفعل السحر.
ومنذ هذا اليوم، عندما تكون مياه البحيرة صافية جدا، يمكن أن يلمح المرء، إذا مرّ بمركب على مسافة بضع دزينات من الأمتار من الشاطئ، شبح سنيور قاسٍ يطفو بين الطحالب وصخور البحيرة باحثا عن روحه.







بحيرة الحسرة
(إيطاليا)

توجد فى إيطاليا بحيرات كثيرة، ولكن من العبث أن تبحث عن بحيرة الحسرة، لأنها اختفت منذ قرون عديدة.
ومع هذا فقد كانت بحيرة صغيرة جميلة ترقد فى أحضان جبال تكسوها غابات. وكانت البلدة لطيفة إلى درجة أن أميرة مرت بها وقعت فى حبها وقررت أن تبنى هناك قصرا تأتى لتعيش فيه مع ابنها.
وبالنسبة لطفل فى العاشرة من عمره، كانت الغابات الضخمة والمياه الهادئة جنة حقيقية. وبالطبع، طلب الصبى قاربا. ولأن أمه لم تكن تستطيع أن ترفض له طلبا فقد أمرت فى الحال ببناء زورق جميل جدا تعلم الطفل بسرعة أن يقوده بمهارة كبيرة.
صياد عجوز، كان يأتى لبيع السمك لمدير القصر، قال ذات يوم للأميرة:
- طفل وحده تماما فوق مياه هذه البحيرة، ليس هذا فى منتهى الحكمة. فى هذه البلدة، يحدث أن تهب الريح فجأة. وإذا فوجئ الطفل بالعاصفة، فهل تظنين أنه يمكنه أن يعود إلى الشاطئ؟
شكرت الأميرة الصياد العجوز، لكنها أضافت:
- لا تقلق، أيها الصياد. ابنى أمير، والأمراء يستطيعون أن يفعلوا كل شيء لأنهم أقوى وأذكى من الآخرين.
وعلى هذا فذات صباح، كانت فيه البحيرة مصقولة مثل مرآة، ركب الطفل قاربه واندفع نحو عرض البحيرة. ومن نافذتها، أخذت الأميرة تراقبه وهو يجذب مجاذيفه بنشاط. وفكرت فى زوجها الذى كان يحارب لا أدرى أين، وقالت لنفسها:
- عندما يعود، سيكون فخورا بابنه.
كان الطفل فى وسط البحيرة تقريبا، عندما أظلمت السماء فجأة وراء الجبل. وأخذت الغابة تزمجر، تسوطها الرياح ونـُدَف الثلج.
صارت المياه سوداء كالحبر وارتفعت أمواج هائلة يعلوها الزبد، مندفعة وكأنها حيوانات مذعورة من شاطئ إلى الآخر.
أخذت الأميرة تصيح، طالبة النجدة من الصياد العجوز الذى قفز إلى داخل قاربه وبذل كل ما كان بوسعه لإنقاذ الصبى.
سقط المطر ونـُدَف الثلج بغزارة إلى درجة أن الأميرة سرعان ما لم تعد ترى، لا قارب طفلها ولا قارب الرجل العجوز.
انتحبت، وصلتْ، وهاجمت، واحدا بعد الآخر، خدمها ومدير قصرها؛ وتضرعت إلى السماء، غير أنه لا شيء استطاع أن يهدئ من غضب الرياح الآتية من الجبل.
استمرت العاصفة ساعات. ثم، عندما انتهى وابل المطر وعاد الهدوء، كانت بحيرة بلا قارب هى التى ظهرت تحت الشمس الساطعة. ولم يعثروا إلا على بقايا زورقين حطمتهما الأمواج.
عندئذ، جمعت الأميرة كل الفلاحين والصيادين فى المنطقة المجاورة، ودفعت لهم مبالغ كبيرة لكى يعملوا بلا انقطاع فى حفر قناة تسمح بتفريغ البحيرة من مياها. وبين عشية وضحاها، تم نزح المياه من البحيرة، غير أنهم لم يعثروا، فى القاع، إلا على هيئة غامضة لرجل عجوز يمسك بين ذراعيه هيئة طفل. وبالفعل، كان الحجر الجيرى فى قاع البحيرة قد صنع من الغريقين تمثالا واحدا بحواف غير مضبوطة.
غادرت الأميرة ـ يائسة ـ قصرها وراحت تهيم على وجهها فى الغابات المجاورة. حاول الناس دون جدوى أن يواسوها، غير أن نظرتها سرعان ما جعلت لا أحد يريد الاقتراب منها. وانتشرت شائعات تقول إنها ذات عين شريرة وأن أىّ شخص ينظر إليها يغامر بأن يصير مجنونا.
هكذا عاشت المرأة البائسة عدة أشهر أخرى، ثم، مع دخول الشتاء، ماتت من الجوع، ومن البرد، وبالأخص من اليأس، فى جوف الوادى العريض؛ فى أعماق قرارة ما كان من قبل بحيرة جميلة.
تلك هى البحيرة التى لم يعد يتكلم عنها أحد إلا بحزن عميق والتى عمّدها الناس، منذ اختفائها، باسم بحيرة الحسرة.









كوبرى الشيطان
(إسپانيا)

إذا عبرتم ذات يوم نهر يوبريجات الذى يصبّ فى البحر فى جنوب غرب برشلونة فربما سلكتم طريق كوبرى الشيطان. وليس فى الأمر ما يخيف، فليس هناك على الإطلاق كوبرى يؤدى إلى الجحيم، وأنا أعتقد أن الشيطان لا ينبغى أن يكون سعيدا بأن ذلك العمل الفنى موجود هناك للتذكير بإحدى مغامراته الفاشلة.
فمنذ عدة قرون، عندما كانت تلك المنطقة قليلة السكان، عاشت هناك إمراة عجوز وحيدة على الشاطئ الأيسر للنهر، وكانت تذهب كل يوم تبحث عن جرة ماء صالح للشرب من ينبوع كان موجودا على الشاطئ الأيمن. غير أنه، ذات مساء فى الخريف، هبت على جبال البيرينيس عاصفة لم تشهد هذه الجبال مثلها مطلقا منذ ذلك الحين. وسقط المطر بمنتهى الشدة إلى درجة أن نهر يوبريجات فاض فجأة، وأخذ يجرف أشجارا ضخمة مقتلعة إلى الشواطئ. وكان الفيضان قصير الأمد بقدر ما كان عنيفا وفى اليوم التالى عاد النهر إلى مجراه غير أن الكوبرى كان لم يعد هناك.
وعندما خرجت المرأة العجوز من مسكنها حاملة جرتها، أخذت تنوح وتشكو. قالت منتحبة:
"يارب يا مولاى، كيف سيكون حالى بدون ماء صالح للشرب... يارب السماء، أغثنى، أنت تعلم تماما أننى لا أستطيع أن أحيا بدون ماء!"
وإذا كانت هذه المرأة قد تكلمت بهذه الطريقة فإن هذا لا يعنى أنها كانت ذات إيمان شديد الرسوخ، والدليل: لم يكن الرب الذى تضرعت له هو الذى أتى لمساعدتها، بل الشيطان. الشيطان الذى من المحتمل أنه هو الذى أطلق عاصفة الليلة السابقة ومرّ من هناك فدخل مسكنها؛ هكذا، بكل بساطة، ودون أن يبدو عليه أىّ شيء. قال:
"أتريدين إقامة كوبرى آخر؟ لا بأس. أستطيع إقامة كوبرى لك فى غضون ساعات، لكن بشرط.
- تكلم على كل حال
- سيكون لى روح أوّل من يمرّ على هذا الكوبرى".
بالطبع خمنتم ما أراده الشيطان، إنه روح المرأة العجوز.
أخذت المرأة تحكّ كعكة شعرها فى مؤخرة رأسها بأظافرها الطويلة القذرة، وفكرت للحظة، غير أنها ـ لأن الشمس التى كانت قد ارتفعت فى السماء ساعتها كانت تؤجج عطشها ـ انتهت إلى القول:
"اصنعْ الكوبرى على كل حال، وسنفكر فى الأمر جيدا.
- لا، لا، قال الشيطان. يجب أن توافقى.
- حسنا، طيب. أنا موافقة!"
بمجرد سماع هذه الإجابة، طرقع الشيطان أصابعه الجافة وكأنها صناجات. عندئذ ظهرت فجأة، من كل ناحية، عفاريت صغيرة ذات قرون وبدأت تعمل. كانت عفاريت كثيرة وماهرة إلى حدّ أن الكوبرى تم بناؤه فى أقل من ساعة.
كوبرى جميل جدا من الحجر ظل بوسعه أن يقاوم كل ثورات النهر، ولا يزال يقدم إلى يومنا هذا خدمات عديدة.
"ها أنت ترين، قال الشيطان، أن عندى وسائل. وسائلى أنا. وأستطيع الوفاء بوعودى".
غادرت العفاريت، وجلس الشيطان بجوار المرأة العجوز وانتظر.
كانت الشمس تزداد حرارة وكانت المرأة العجوز تزداد عطشا. ومع ذلك، بقيتْ على المقعد الحجرى، وظهرها لواجهة منزلها. ومن وقت لآخر، كانت تغمغم:
"عظيم.. هذا كوبرى جميل جدا... ولم يعد هناك سوى الانتظار لرؤية من الذى سيمرّ عليه لأول مرّة".
الشيطان، الذى كان يعرف كم من الصعب تحمـُّل العطش، لم ينفد صبره. كان يراقب المرأة العجوز من زاوية عينه، وكان يبتهج برؤيتها تعرق بقطرات كبيرة.
وكان هذا الانتظار قد دام ثلاث ساعات كاملة، عندما نهضت المرأة العجوز فجأة. وابتهج الشيطان عندئذ لأن المرأة العجوز اتجهت نحو الكوبرى. وأخذ يتابعها بعينيه، ولكنها عندما وصلت إلى الشاطئ، توقفت، وتقرفصت، وأخذت تقول بصوت خفيض جدا ولطيف جدا:
"مينيه، مينيه، مينيه... تعالَ بسرعة، يا صديقى".
وعندئذ رأى الشيطان قطا عجوزا ـ كان يصطاد بالقرب من الشاطئ الأخر ـ داخلا الكوبرى. وأسرع، ولكن بعد فوات الأوان. كان القط الذى عبر الكوبرى بعدة قفزات، يمسح جسمه برجلىْ المرأة العجوز التى كانت تضحك قائلة:
"إذن! ها قد تم الدفع لك! هل يلائمك هذا، روح قط؟"
الشيطان، الذى لم يكن قد احتاط بتحديد أنه يطالب بروح إنسان، رحل ذليلا، منتزعا روح القط الذى بدا، مع ذلك، أنه ليس متأثرا بهذا على الإطلاق.






















ثلاثة أنهار من الدموع
(فنلندا)

فى قديم الزمان، عاشت فتاة رائعة الجمال، مع أمها وأخيها الشاب، فى منطقة خصبة وادعة تمضى فيها الحياة بلا صدمات، وكأنها فى ربيع دائم. ولم تجلب الثلوج والسماء الرمادية فى فصول الشتاء الطويلة أىَّ حزن إلى منزلهم الذى نعموا فيه بالسرور. وبدا أن كل شيء سيدوم على تلك الحال إلى نهاية الزمان. غير أنه ذات صباح، جاء خادم يعمل عند جار شهير جدا وغنىّ جدا، وقدَّم للأم رسالة تحمل خاتم شمع مدموغا بشعار النبالة.
الأم، التى لم تكن تعرف القراءة، طلبت من ابنها أن يطلع على الرسالة، وكلما تقدَّم الصبى فى قراءتها رأت الأم أن وجهه يزداد شحوبا. وعندما وصل إلى نهاية الرسالة، مزّق الورقة. وبدا فى نظرته غضب شديد وارتجف صوته.
- هذه سفالة، صرخ الصبى. جارنا عجوز جدا إلى حد أنه لا أحد يعرف عمره بالضبط، وها هو يتجرّأ على طلب الزواج من أختى! إنه يتصور إذن أن ثروته تعطيه كل الحقوق!
وبعد أن قال هذا، صفق الباب وخرج وانطلق يسير عبر الثلوج فى سبيل تهدئة غضبه الشديد.
وعندما عاد، وجد أخته تبكى. وسألها، فقالت الفتاة:
- ذهبت أمى لتحمل ردّها على جارنا العجوز. نحن فقراء جدا وأمنا تقول أننى ينبغى حتما أن أتزوج من هذا العجوز الواسع الثراء.
وصار من الصعب عليها أن تتكلم كثيرا لأن عبرات النحيب تحشرجت فى حلقها. وحيث أن أخاها ظل صامتا، أضافت لتـُنْهى حديثها:
- لا ينبغى أن تستسلم مرة أخرى للغضب. وأرجو منك ألا تقول شيئا لماما بعد الآن. أما أنا، فإننى أفضل أن أموت على أن أكون مرغمة هكذا على أن أعيش مع هذا الرجل.
مرت عدة أيام. وسيطر صمت ثقيل على المنزل الذى كانت الأم تعِدّ فيه لابنتها فستان زفاف. وبانقياد، جرّبت الفتاة الفستان والطرحة، غير أنها، ذات صباح، لم تظهر فى وقت طعام الإفطار.
ولأن الثلج سقط فى بداية الليل، لم تكن هناك صعوبة فى التأكد من أنها غادرت المسكن قبل الفجر، وتتبعوا آثار قدميها. وقال الثلج أن الفتاة كانت تجرى، وأنها سقطت، وأنها سارت ثم جرت قبل أن تسقط مرة أخرى. وهكذا تتبعوا آثار قدميها على الثلج حتى شاطئ البحيرة. وهناك، توقفت آثار القدمين لأن الماء يستطيع أن يصون أسرار أولئك الذين يأتون طالبين منه الملاذ.
عندئذ، عادت الأم، مسنودة على ابنها. وجلست أمام مسكنها وراحت تبكى. وذرفت الكثير والكثير من الدموع إلى حدّ أن ثلاثة جداول ماء تكوّنت وأخذت تكبر وسرعان ما صارت ثلاثة أنهار. وجرت جداول الماء الثلاثة هذه إلى البحر، سالكة طرق ثلاثة وديان كانت تفصل بينها تلال مكسوَّة بأشجار تغرد فوقها الطيور.
أحسّ الرجل العجوز أيضا بحزن شديد، غير أنه لم ييأس من العثور على خطيبته. ومقتنعا بأن الثراء يمكن أن يحقق كل شيء، أمر بصنع خيط وصنارة لصيد السمك، الخيط من الذهب فى طرفه صنارة من الفضة عُلقتْ بها ماسة ضخمة. ومزهوًّا بنفسه، أبحر ذات مساء على مركب ليصاد السمك فى عرض البحر عند الصخور العالية حيث اختفت الجميلة.
وراح يصطاد حتى الفجر دون أن يحصل على شيء، غير أنه، فى اللحظة التى بدا فيها نور السماء ينبلج، جذب من البحر سمكة فى منتهى الجمال غير أنها لم تكن تنتمى إلى أىّ نوع معروف. وتأهب الرجل العجوز لإلقاء غنيمته فى حوض السمك فى مركبه، عندما انزلقت السمكة من بين يديه وقفزت إلى البحر. وبين موجتين، ظهر رأس السمكة، وانفتح فمها. وارتفع من الموج صوت الفتاة:
- أنت لم تعرفنى إذن، قالت. أنت لن تأمر بطبخى، أنت لن تأكلنى. ومع هذا فأنا تلك التى ادّعيت أنك تحبّها.
لم يأخذ العجوز مرة أخرى خيط وصنارة صيد السمك ولا قاربه. بل حبس نفسه داخل مسكنه مع كنوزه العديمة الجدوى.
أمّا الأم فلم يرها الناس مرة أخرى، غير أن هناك من يؤكدون أنها تبكى دائما، لأن الأنهار الثلاثة لم تكفّ مطلقا، منذ قرون، عن الجريان نحو الخليج حيث اختفت ابنتها ذات صباح فى الشتاء.









ملك السلمون
(آيرلندا)
قريبا جدا من لوتشرى، فى آيرلندا، توجد بحيرة كبيرة. وعلى شاطئ هذه البحيرة، عاشت، منذ قرون عديدة، فتاة بالغة الجمال. وكانت لها عينان فيهما عمق أزرق مثل مياه البحيرة، غير أن عينيها ظلتا فى حالة حملقة غريبة، لأن الشابة كانت عمياء منذ مولدها. ورغم أن والديها كانا فقيرين جدا، لم تسمح لهما كرامتهما بإرسال ابنتهما لتشحذ على جانب الطرق. وكانا يكدّان فى زراعة قطعة أرض ضيقة ومجدبة ومشبعة تماما بالماء. ورغم جهودهما، كانت نباتات الأسل بصورة خاصة والأعشاب الضارة هى التى تنبت فى هذه التربة الرطبة.
حاولت الشابة أن تصير نافعة للبيت، لكنها ـ لأن عاهتها لم تسمح لها بالعمل كثيرا ـ كانت تذهب فى كثير من الأحيان للجلوس على حافة البحيرة لتصغى إلى هدير الأمواج وصياح الطيور.
ولكن ذات مساء كان كل شيء هادئا فيه، وفيما كانت الرياح نائمة بعيدا جدا عند سفح التلال، أخذت الشابة العمياء تغنى. وكان لها صوت فى غاية العذوبة. وقد ابتكرت، للموسيقى التى تُسمع فى أيام الأعياد، كلمات كانت تقول تقريبا:
أيتها البحيرة الجميلة، كم أحبّ أن أراك
لكننى لم آخذ فرصة أبدا.
ولن أعرف الأمسيات
التى يرقص فيها الضوء على مياهك...
وعندما توقفت عن الغناء، سمعت صوتا آتيا من الماء، ولم يكن مثل صوت الأمواج. وكان الصوت يأتى قريبا جدا من البوص، وارتفع صوت من البحيرة.
"أنا ملك السلمون، قال الصوت. ويحزننى كثيرا أن تظل فتاه جميلة مثلك عمياء. فإذا كانت لديك مرارة مقتطعة من سمكة سلمون حية، افركيها وادهنى بها جفونك وسوف تستطيعين أخيرا أن ترىْ البحيرة والعالم من حولك".
عادت الشابة إلى البيت، وعندما عاد أبوها، أخبرته بكلام من قال إنه ملك السلمون. وظل الوالدان غير مصدقين، غير أن الأم قالت للأب:
"ستذهب لاصطياد سمكة سلمون، وسوف تقتطع منها المرارة وسرعان ما ستكون فى قاربك، وإذا كان قول الصغيرة صحيحا، فلن نملك أغلى من حياتنا لنشكر البحيرة".
ومنذ فجر اليوم التالى، زوًّد الأب صنارته بالطعم واتجه إلى عرض البحيرة. قام بالتجذيف حتى وسط البحيرة، وبدأ فى اصطياد السمك. و لم تكد تمرّ دقيقتان إلا واهتز حبل صنارته فى الماء، إلى حد أنه أحس وكأن هناك هزة ارضية. جذب الصنارة، ولكن عصا الصيد التى كانت مطوية طيتين أخذت تهتز، وجعلت القارب يميل حتى أن موجة ضخمة قلبته. ولأن الرجل المسكين لم يترك عصا الصيد فقد أحس بأنه ينجذب إلى الأعماق التى لا تتخللها اشعة الشمس. وفى هذا الظلام، اعتقد فى البداية أن البحيرة تنتقم فتجعله أعمى مثل ابنته وفقد وعيه.
وعندما عاد إلى وعيه، وجد نفسه فى قاعة بالغة الاتساع يتدفق فيها ضوء ضارب إلى الخضرة كان يبدو أنه آت فى آن واحد من السقف ومن الجدران الخالية من النوافذ. أدرك أنه فى قاع البحيرة، ولم يكد يحس بالدهشة إزاء قدرته على التنفس دون أن يضايقه الماء المحيط به.
ذلك أن كائنا كبيرا مثله ـ وكان له هيكل سمكة ورأس شاب وسيم أشقر ـ جاء لمقابلته، واقفا على ذيله وبزعنفة مفتوحة. صافح الفلاح هذه الزعنفة فى حين قال الكائن الغريب:
"صباح الخير، أيها المزارع. أنا ملك السلمون، وها أنت فى بيتى. وأفترض أنك أتيت لتأخذ منى شيئا يشفى صغيرتك العمياء".
لم يكن الرجل مطمئنا جدا. وغمغم:
"هذا....ما قيل لى...
ـ نعم، نعم، أعرف أنا مستعد تماما لمساعدتك، بشرط أن تقبل أن تقدم لى خدمة".
إنكم ستوافقون على أن المزارع المسكين، فى الموقف الذى وجد نفسه فيه، لم يكن أمامه خيار تقريبا.
"كل ما تريده، جلالتك، قال.
ـ قبل كل شيء، لأن أسرتك على هذه الأرض منذ سبعة أجيال، فإنك تعرف على الأقل كيف تكونت هذه البحيرة؟
ـ وأيمانى لا، أعلن الفلاح، لم يحدثنى أحد عن هذا مطلقا.
ـ تصوّرْ أن أبى كان ملك هذا البلد. ولكن لأن أمى ماتت وهى تلدنى تزوج أبى مرة أخرى بعد ذلك بسبع سنوات من امرأة كرهتنى من أول يوم. وذات صباح رفضت فيه أن أطيعها، ضربتنى بعصاها السحرية وحولتنى إلى سمكة سلمون، وتركت لى فقط رأس صباى. وذهبت لإلقائى فى النهر الذى كان يمرّ هنا فى ذلك الزمن، إلى أن هز زلزال عنيف هذا البلد. انشقت الأرض. وتكون شق هائل وصار القصر في الحال فى قاع البحيرة.
ـ يالها من قصة! تمتم المزارع...وأبوك، ألم يستطع أن يفعل شيئا ضد هذه المرأة الشرسة؟
ـ أبى المسكين غرق ومنذ ذلك الحين وأنا وحيد مع هذه الساحرة التى لم تتركنى أبدا فى سلام. وإنما على وجه التحديد لتخليصى منها طلبت منك مساعدتك".
سبح ملك السلمون إلى الباب، وألقى نظرة نحو الخارج ليرى ما إذا لم تكن الساحرة مختبئة هناك، ثم شرح، لاصقا فمه فى أذن المزارع، بصوت خافت:
"سأحولك الآن إلى بط مائى حتى لا يندهش شخص عند رؤيتك تخرج من البحيرة وتغطس فيها. وستذهب إلى حافة الغابة الموجودة وراء منزلك. وستحفر الأرض بين جذور أكبر شجرة بلوط؛ وعندما تصل إلى حجر كبير مسطح فإنك سترفعه، وستجد تحته قطا ذكرا ضخما أسود نائما ستأتينى به".
لمس ملك السلمون بزعنفته جبين المزارع الذى أحس فجأه بأنه يتحول ليصير صغيرا جدا وخفيفا مثل ريشة. وعندئذ أسرع إلى الباب، ثم صعد بدون مجهود إلى سطح البحيرة الذى بدا فوقه مثل سماء واسعة من النور الأخضر المائل إلى الزرقة. وبالمنقار المرفوع إلى أعلى، شق هذه السماء وطار محلّقا. وكان ذاهبا بضربات قوية من الجناحين فى اتجاه الغابة عندما لمح جاره متربصا بين أعواد البوص. توجّه إليه ليسأله ما إذا كان الصيد جيدا وعندئذ رأى جاره يرفع قوسه. وسرت رعشة على طول عموده الفقرى كله، ومتذكرا فى الوقت المناسب أنه طائر قابل للصيد، انعطف بضربة جناح، واندفع إلى عرض البحيرة وقام باستدارة كبيرة باحثا عن الريف.
وعندما وصل إلى أسفل شجرة، أخرج من تحت الأرض بلا صعوبة القط الذكر الضخم الذى لم يستيقظ إلا عند الوصول إلى قاع البحيرة، حيث أخذ ملك السلمون يلاطفه بزعنفته.
ضخَّم القط ظهره، وتمطى، وتثاءب وأطلق فقاعات هواء تتصاعد وتلتصق بسقف الحجرة حيث بقيت وكأنها لآلئ من الضوء.
"هل تتذكر الساحرة العجوز؟ سأل ملك السلمون.
ـ بالطبع نعم، قال القط الذى انتفش شعره.
ـ كيف يمكنك تخليصى منها؟
ـ ليس صعبا. سأقوم بتحويلها إلى دودة أرض، وسيأكلها السمك".
ذهب القط ليجلس مستندا إلى الحائط، إلى جانب الباب. وبهدوء، بدأ ينظف نفسه فى حين كان ملك السلمون والمزارع-البط البرى يتحادثان عن المطر وعن الجو الجميل.
"المطر هنا، قال الملك، ليست له أهمية كبيرة.
ـ نعم، ولكن بالنسبة لنا نحن الآخرين من المزارعين..."
لم يجد الفلاح الوقت ليكمل جملته. إذ انفتح الباب، وسمح بمرور ساحرة فظيعة. كانت قبيحة للغاية، وكشًّرت تكشيرة مفزعة إلى حد أن الرجل الطائر كان على وشك أن يصطدم بالسقف وهو يشرع فى طيرانه. ولحسن الحظ للغاية فإن فقاعات الهواء التى أطلقها القط كانت هناك دائما مما خفف الصدمة. الساحرة، مذهولة ومهتاجة لرؤية أن ضحيتها لديه طائر كصديق، أخرجت فى تلك اللحظة عصاها السحرية، فى اللحظة التى كان القط قد احتك فيها بساقها. وما كاد يلمسها حتى تفتتت. وصارت كل قطعة منها دودة أرض. ومن الباب الذى ظل مفتوحا، دخل سرب بكامله من أسماك السلمون الشابة. وكانت وليمة استمرت سبع دقائق بالكامل. وبعد ابتلاع آخر قطعة من الدود، انسحبت الأسماك شاكرة ملكها الذى شكر القط.
وراح القط، بدوره يشكر المزارع-البط المائى الذى انتزعه من نومه الذى كان يغطّ فيه منذ قرون عديدة.
"أنت تعرف، لاحظ القط، أنه يقال أن القطط تحبّ النوم كثيرا، ويقال أيضا: مَنْ يَنَمْ لا يجوع. غير أن هذا لا يمنع أننى جوعان أكثر من ذئب وأننى مسرور باستيقاظى".
وكأن هذا الكلام كان على شفتيه، تذكر المزارع مرة أخرى أنه صار طائرا. أما الملك الذى خمن بلا شك تفكيره فقد قال له:
"لا تقلق. الآن لم تعد تحتاج إلى أن تظل بطا بريا.
ـ أفضل ذلك، قال المزارع، لأنه بين الصيادين والقطط، ليس من الطريف مطلقا أن أكون طائرا!"
وبضربة من الزعنفة، أعاد إليه الملك الهيئة البشرية، وقفز القط إلى كتفه قائلا:
"لستُ فى حالة سيئة هنا، لكننى فى الشتاء سأكون مع هذا أفضل بالقرب من موقدك. ولابد أنه يوُجد، فى مخزن حصادك، كثير من الفئران".
وفى حين كان القط والمزارع يخططان لمشاريعهما، كان ملك السلمون يمسك بسكّين من الذهب ويشق جنبه. وبمجرد أن قام بسحب المرارة التأم الجرح.
"ها هى، قال الملك. أسرع وستعرف ابنتك كل السعادة التى تستحقها. وبالنسبة لك، أعتقد تماما أن شفاءها سيكون كفيلا بضمان ثروتك".
عاد الفلاح إلى السطح حيث كان قاربه يقف عائما بأهالى السلمون فى انتظاره. وأخذ مكانه مع القط ودخل بيته.
يمكنكم أن تتصوروا كم كانت فرحتهم بعد أن اعتقدوا أنه غرق. ولكن هذه الفرحة لم تكن شيئا يُذْكر إلى جانب الفرحة التى أحست بها ابنته عندما ـ فيما كانت تدعك بإصبعها المرتعش مرارة السلمون ـ اكتشفت أخيرا الضوء.
ثم جاء كل عميان البلد وتم شفاؤهم جميعا. ولأنه يحدث أن يكون أطفال الأغنياء أيضا مصابين بالعمى، تلقّى المزارع ما يكفى من المال ليكون قادرا أخيرا على شراء أرض أكثر خصوبة.
وبالنسبة للقط فقد صار صديق الشابة التى تزوجت من مزارع غنى فى المنطقة المحيطة.
وفى المساء، عندما يتلاقى أهل القرية حول الموقد، كان القط يتخذ أفضل مكان. وكان يسمعهم يروون حكايات، فيضحك فى سرّه كل مرة يسمع فيها الصياد يتحدث عن بط برى كان قد رآه يصعد فجأة من الماء، ويتجه إليه، وينعطف بضربة جناح، ويطوف حول منطقة الصيد، ويعود إلى البحيرة مختطفا قطا ضخما أسود.
نعم، كان القط يضحك خلسة، ويتبادل غمزات مع البط البرى الذى عاد مزارعا.
ذلك أن ملك السلمون جعلهما يعدان بألا يبوحا بالسرّ أبدا. وأعتقد أنهما وفيا بوعدهما، غير أننى أتساءل كيف استطاعت هذه القصة أن تصل إلينا...












البحيرة التى لا تتجمد أبدا
(إسكتلندا)

توجد، فى إسكتلندا، بحيرة تسمى بحيرة كاترين لا تتجمد مياهها أبدا.
وحتى عندما تكون درجة الحرارة منخفضة جدا، وحتى عندما تكون الشواطئ مغطاة بالضباب المجمد والثلوج، تواصل الأمواج جريانها على سطح المياه العميقة التى تصعد منها بالتالى ضبابة كثيفة.
ومنذ وقت طويل جدا، عاش على حافة هذه البحيرة شاب ذكى ومجتهد فى عمله ولكنه كان لا يؤمن بالإله. ولأن كل سكان قريته كانوا شديدى التدين فقد ارتابوا فى أمره واحتقروه إلى حد ما. وكانت أمه تقول له فى كثير من الأحيان:
"سترى، ذات يوم، ستلتقى بالشيطان، وإذا لم يأت الإله الطيب لمساعدتك، فإنك ستهلك."
وكان الصبى يكتفى بالضحك هازًّا كتفيه.
كان اسمه چون، وكان إسكافيا، وكان يعمل طول اليوم فى دكان صغير تطل نافذته مباشرة على الشط الذى يحيط بالبحيرة.
ولأنه كان يصنع أحذية متينة وجميلة للغاية، من الجلد الجيد ومدروزة بالخيط المشمع المطلى بالزفت، فقد كان الناس يأتون من بعيد جدا ليصنعوا أحذية لديه. ولم يكن من المهم كثيرا أنه غير مؤمن، طالما أنه كان يعمل أفضل من الآخرين.
وذات صباح فى ديسمبر، بينما كانت ريح الشمال تهب على المياه الرمادية فتطلق أمواجا صغيرة متوترة ذات أهداب من الزبد الأبيض، رأى زورقا طويلا أزرق يقترب من الشاطئ أمام دكانه وكان يقوده بحار عجوز ملتحٍ. ظل الرجل العجوز على مقعد سباحته، غير أن شابة بالغة الجمال نزلت من القارب واتجهت إلى الدكان.
كانت نظرة الشابة صافية جدا، وكان شعرها أشقر جدا، وكان قوامها رشيقا جدا، إلى درجة أن چون أحس بحلقه يلتوى وقلبه يدق كما لم يدق من قبل مطلقا.
وبهذه العلامات، أدرك فى الحال أنه وقع فى الحب.
وعندما كانت الشابة تدفع باب دكانه، استطاع بصعوبة أن يقول لها صباح الخير لأنه كان شديد التأثر.
أخبرته الشابة أنها الوريثة الوحيدة للسيد الذى يملك كل أراضى الضفة الأخرى وأنها أتت لكى يأخذ مقاسات قدميها. وقد أرادت أن تطلب منه أن يصنع لها ستة أزواج من الأحذية، ثلاثة أزواج من الأخفاف وصنادل للصيف.
الإسكافى، الذى كان عنده الكثير من الشغل، أخذ يفكر فى كيف يمكن أن ينجز بصورة جيدة مثل هذه المهمة، غير أن اضطرابه استمرّ يشل لسانه. وعندما استعاد أخيرا القدرة على استعمال الكلام، كان ذلك ليقول، رغم إرادته تقريبا:
"أيتها الآنسة الجميلة، سأصنع كل ما تريدينه، لأننى... أنا...
ـ هيا، قالت، لا تكن خجولا إلى هذا الحد. وقُلْ لى... أنت ماذا."
خفض عينيه وهو يحمرّ خجلا، وغمغم بصوت مسموع بالكاد:
"أنا أحبك."
الوريثة الشابة لم تَبْدُ مندهشة على الإطلاق. ونظرت إليه مبتسمة وأجابت:
"هذا لا يزعجنى. لأنك وسيم وذكى. وبالإضافة إلى هذا فأنت تصنع أحذية كما لم يعرف أحد مطلقا أن يصنعها. سأتزوجك بكل سرور. وستترك هذا الدكان البائس لتستقر فى القصر، ولن تعمل بعد ذلك إلا من أجلى."
لم يصدق الإسكافى أذنيه. وكان يقترب بالفعل من الشابة ليطلب يدها، عندما أوقفته بإشارة قائلة:
"فقط، هذا. نحن أسرة متدينة جدا، ويبدو أنك لا تؤمن بالإله. وأنا لا أستطيع أن أتزوج شخصا غير مؤمن. وفضلا عن هذا، حتى إذا أظهرتُ أنا الرغبة فى هذا فإن أبى سوف يعارض ذلك."
ولأن الشاب بقى حائرا، أخرجت الشابة من صدارها مدالية وقدمتها إليه شارحة:
"هذه مدالية القديسة الحامية لهذه البحيرة. وأنا أعطيها لك كعربون، لكننى أطلب منك أن تصحبنى إلى قُدّاس منتصف الليل."
وخفيفة مثل فراشة فى فستانها الطويل من الكتان الأزرق الباهت، خرجت تجرى حتى قبل أن يملك الإسكافى الوقت لكى يهمس بكلمة.
راقبها وهى تصعد إلى القارب الذى ابتعد فى الحال نحو الضفة الأخرى.
وفى ذلك الصباح، لم يقم الإسكافى بعمل كثير. ورغم أنه كان بارعا للغاية فقد طرق على أصابعه مرات عديدة، ووخز إبهامه بمخرزه، وحرق أصابعه وهو يقوم بتسخين الغراء، وقلب الوعاء الذى يضع فيه مساميره. وبالتأكيد، لم يكن هناك أىّ شيء سهل فى هذا العالم. لقد جاءه أكبر حظ كان بمقدوره أن يحلم به، ولأنه لم يكن يؤمن بالإله فإن هذا الحظ الذى لم يكد يولد كان سيفلت منه!
ولأنه كان أمينا فقد نبذ فكرة التظاهر بالإيمان. وكانت هذه الشابة أنقى من أن يستطيع أن يخدعها. ثم إنه هو ذاته كان من أولئك الذين لا يخدعون أحدا مطلقا عن وعى.
امتدّ النهار فى حزن. وفى اللحظة التى كانت الشمس الحمراء تغرق فيها وراء الجبل، فى حين أن البحيرة كان يتصاعد منها البخار مع رياح الليل كما يتصاعد من حساء دسم، اتخذ چون فى نهاية الأمر قرارا.
"غدا، قال لنفسه، قبل قداس منتصف الليل سأذهب لأعيد إليها مداليتها معبرا لها عن يأسى... لا، حقا إننى لا أرى ما يمكن أن يقودنا إلى الإيمان بإله."
وفى اليوم التالي، بعد مغيب الشمس بقليل، كان چون يستعدّ لمغادرة دكانه ليعبر البحيرة، عندما دخل مجهول.
"إذا كان مجيئك لكى آخذ مقاساتك، قال الإسكافى، فالوقت متأخر جدا. عُدْ بعد الأعياد."
أزاح المجهول صقر الشاهين الأسود الذى كان يغلف جسمه الرفيع بصورة مفزعة، وأرجع إلى الوراء البُرْنُس الذى كان يغطى أعلى وجهه كله. وكان له أنف طويل فى صورة منقار نسر، وفى عمق مِحْجَرَىْعينيه كانت نظرته تلمع أشبه بجمرات موقد. وأطلق قهقهات هزت المنزل كأنما بفعل إعصار.
"نعم فى الواقع، قال. أنت تعرفنى جيدا. أنا الشيطان... الشيطان شخصيا!
ـ ...
ـ هذا لا يهمنى مطلقا، ولكنك لا تفكر فيه أقل. ومع هذا فأنا لم آت إليك لألقاك بنوايا شريرة. اِجلسْ واسمعنى."
ومرتعبا ترك الإسكافى نفسه يسقط فى مقعد عمله فى حين أن الشيطان ذهب ليجلس تحت بُرْقُع المدخنة. ودون أن تغادر عيناه چون المسكين، أحضر الشيطان بملء يديه قطعا ملتهبة من الفحم يلتهمها كما يمكنك أن تلتهم بونبونات. وعندما كان قد أكل عشر قطع منها، ولكى يروى عطشه، أفرغ فى جوفه جرعات من وعاء الغراء المغلى.
"آه، قال، سهرة منتصف الليل الشهيرة! ألا تريد قليلا منها؟"
رفض الإسكافى بإشارة من رأسه وفرك الشيطان يديه قائلا:
"أنت لا تعلم ما هو الشيء الجيد... وأخيرا فإننى لم آتِ من مكان بعيد إلى هذا الحد لأتحدث عن الطبيخ. إليك ما أتى بى. تصوَّرْ أننى بحاجة إلى روح شابة عذراء. وأنا أعرض عليك صفقة. سأعطيك ذهبا بقدر ما تريد، بشرط أن تتزوج تلك التى تحبها. وعندما تكون قد تزوجتها ستكشف لها عن أنك ما تزال غير مؤمن، وستقوم بالترتيب لأن تكفّ هى عن الإيمان بالإله."
وكأنه جرى وخزه بشوك، نهض چون بقفزة، ممسكا بمخرزه، وهجم على الشيطان صارخا:
"اُخرجْ من هنا، اُخرجْ من هنا وإلا فإننى سأقوم بتفصيل نعال الأحذية من جلدك المجفف!"
هزّ ضحك الشيطان الدكان من جديد.
"يا لك من ساذج مسكين! أنت تعتقد إذن أنه يمكن قتل الشيطان!... ولكن لا. لا شيء يمكن أن ينال منى. عجبا، اُنظرْ!"
وببادرة سريعة كالبرق، انتزع المخرز من يد الإسكافى، وأخذ يشكّ به ذراعه دون أن تخرج منه قطرة من الدم، ثم بلع هذا النصل المصنوع من الصلب كما سبق أن فعل بقطع الفحم الملتهبة.
"أنت ترى، ضحك الشيطان هازئا، أنت لا تستطيع أن تفعل شيئا ضدى... لا أحد يستطيع أن يفعل شيئا... أنا دائما سيد العالم. وأولئك الذين لا يخضعون لمشيئتى يحلّ بهم العقاب.
ـ إذا كنت أنت السيد فلماذا تحتاج إلىّ؟ سأل الإسكافى."
بدأ الإسكافى مرتبكا بهذا السؤال. تنحنح قليلا لكى يعطى نفسه وقتا للعثور على إجابة، ثم قال:
"أنا لا أحتاج إليك. وإنما أردت فقط أن أجعلك غنيا. فكِّرْ جيدا فى الأمر، وسأمرّ مرة أخرى فى غضون ساعة لأعرف قرارك."
ثم، مثيرا فى أعقابه سحابة من الدخان الأسود كانت تفوح منها رائحة الكبريت، اختفى.
عاد الإسكافى إلى الجلوس، مرفقاه على منضدة عمله، ورأسه بين يديه، وأخذ يفكر مليًّا. وربما كان سينتهى به الأمر إلى أن يترك نفسه يواصل انتظار عودة الشيطان، لا أحد يعلم، ولكنه عندما رأى المدالية التى كانت قد تركتها له الشابة استردّ فجأة كل شجاعته.
وبعد أن غطى موقده، خرج وتوجه نحو البحيرة.
كانت ريح الشمال تهب بصورة متواصلة، وعلى فترات طويلة كان القمر يرسل نظرة من خلال تبدد السحب. كانت البحيرة تلمع، متخلصة من ضبابها، وكانت تعبرها ارتعاشات من الفضة.
وعندما وصل چون إلى حافة الماء، اكتشف أن مركبه قد اختفى. مركبه وكل القوارب الأخرى فى الضفة. وأدرك فى الحال أن الشيطان هو الذى لعب هذا الدور الشرير، وأخذ يتألم لاعتقاده أنه لن يستطيع عبور البحيرة قبل منتصف الليل. وأخذ يتخبط من الغيظ على الشاطئ، لاعنا الشيطان، وانتهى إلى أن يطلب من القديسة حامية البحيرة أن تأتى لمساعدته.
وهذا ما فعلته من جهة أخرى دون أن يقوم بالدعاء كثيرا، لأن الماء توقف عن الدمدمة داخل البوص، وتكونت طبقة سميكة من الجليد. چون، الذى كانت لديه أحذية جيدة مصفحة النعال، انطلق وعبر البحيرة راكضا.
وبمجرد أن لمس أرض الضفة الأخرى، اختفى الجليد وعاود ماء البحيرة الغناء بينما كانت الأجراس تدق النداء الأول لقداس منتصف الليل.
كان لم يعد من الممكن أن يكون هناك أىّ شك: القديسة حامية البحيرة صنعت من أجله معجزة.
وتوجه الإسكافى إلى الكنيسة حيث كان ينتظره السيد الذى منحه بلا تردد يد ابنته.
وحضروا القداس، ثم فى الصالة الواسعة للقصر، أمام المدخنة الضخمة حيث كان يحترق جذعان من جذوع الشجر، أخذوا أماكنهم حول مائدة سهرة منتصف الليل.
"قُلْ لى يا بُنَىّ، سأل السيد، هل صحيح أنك تعهدت بأن لا تصنع أحذية إلا لابنتى؟
ـ هذا صحيح، أقرّ الإسكافى.
ـ مع هذا، إذا كان يمكنك، فى أوقاتك الضائعة، أن تصنع لى زوجا من الأحذية..."
قَبِلَ چون ليس فقط أن يصنع أحذية لكل الأسرة، بل، لأنه كان يحب حرفته كثيرا، أخذ يصنع أحذية لكل أطفال القرية الفقراء. وكان يعمل فقط من أجل متعته، وفرحت زوجته بشدة بالقيام بنفسها بتوزيع أحذية على أولئك الذين لم يكن لديهم فى كثير من الأحيان سوى قباقيب مثقوبة.
أما الشيطان فإنه لم يره أحد مطلقا على ضفتى بحيرة كاترين، ويبدو حتى أنه لا يحب مطلقا أن يحكى الناس هذه القصة.









شيخوخة ملك تماسيح الكايمان
(السنغال)

ذات يوم فيما كنت أركب زورقا مصنوعا من جذوع أشجار مجوفة يسير بى فى اتجاه منبع النهر فى السنغال، أجبرنى فيضان مفاجئ على أن ألتمس الضيافة عند رئيس قرية صغيرة. واستقبلتنى القبيلة كلها بترحيب شديد جدا، لأن هذا كان فى زمن لم يكن يأتى فيه سوى قليل من الرجال البيض إلى هذا البلد. وكانت نساء هذه القبيلة يعرفن كيف يقمن بصورة رائعة بإعداد السمك، والكسكسى، وبسكويت الذرة البيضاء، بحيث كانت الإقامة ممتعة للغاية.
ولأنه لم يكن لدىّ شيء كبير ينبغى عمله، فقد كنت أتنزه فى كثير من الأحيان على شاطئ النهر الذى كانت مياهه الموحلة تجرف معها جذوع أشجار ضخمة. وكان الرئيس، الذى كان يتحدث بفرنسية جيدة جدا، قد قال لى أن الحيوانات المتوحشة لا تكاد تخاطر بالمجيئ إلى هنا بالقرب من الأكواخ وأننى يمكن أن أسير دون مخاطرة بلقاءات سيئة.
ومع ذلك، فذات مساء، فيما كان الليل يقترب، وكنت أظن أننى أجلس على جذع خارج من الرمل، أحسست بأن مقعدى يرتفع فيما كان يقول صوت جهورى مبحوح:
"أوه! مهلا، كان يمكنك أن تقول صباح الخير، أنت، قبل أن تأخذ مكانك بهذه الطريقة فوق جمجمتى. أنت غير مهذب مطلقا، يا بُنَىّ!"
كنت قد جلست للتوّ على رأس تمساح كايمان.
ولا حاجة بى إلى أن أقول لكم أننى سرعان ما كنت أقف على قدمىّ. القدمان اللتان كانتا لا تكادان تلمسان الأرض فيما كنت أُسرع فى اتجاه القرية.
وورائى، بدا لى أننى أسمع الصوت الجهورى الذى كان ينادينى ضاحكا، ولكن لم يكن عندى وقت حتى للالتفات إلى الوراء.
وعندما رآنى رئيس القرية أصل إلى بيته لاهثا وغارقا فى العرق سألنى عما حدث لى.
"تصوَّرْ أننى جلست دون أن أدرى فوق أحد تماسيح الكايمان... والأدهى: تمساح كايمان يتكلم!"
أخذ رئيس القرية يضحك.
"آه! قال، هذا هو الملك القديم لتماسيح الكايمان. إنه تمساح عجوز نبذه شعبه. لقد جاء ليلجأ إلى هنا. ولم تعد لديه أسنان ونحن نطعمه باللحم المفروم. هذا هو كل ما يمكن أن يأكله. لكنه لطيف. وهو يتسلى بجعل الأطفال يتنزهون فوق ظهره كما أنه يحكى لهم قصصا من الزمن القديم."
ضعوا نفسكم مكانى. لقد كان هناك على كل حال شيء مدهش.
وعندما رأى دون شك أننى لم أكن مطمئنا تماما، طلب الرئيس من زوجته إعداد من خمسة إلى عشرة كيلوجرامات من الغزال المفروم، ولفها فى ورقة كبيرة من شجرة مانجروڤ عملاقة، ومدّ يده إلىّ بكل هذا قائلا:
"اذهب إليه حاملا هذا، ومن المحتمل أن يحكى لك قصته الخاصة."
عُدْت بالتالى أبحث عن تمساح الكايمان العجوز الذى كان نائما عندئذ. وفى هذه المرة أيقظته واضعا اللحم أمام أنفه، بدلا من الجلوس بغباء فوق جمجمته.
تثاءب، فاتحا على اتساعه، شدقه الخالى من الأسنان، ثم ـ فيما كان يأكل لحمه ـ قال لى:
"سامحنى. لقد أخفتك. ولكننى لم أكن أعرف أنك لست من هذا البلد. وإلا ما كنت لأتحرك."
كنت مرتبكا. ولكى أجعله يسامحنى بدأت بسؤاله عن أخبار صحته. وأسرّ لى بما يلى:"باستثناء أسنانى فإن الأمور ليست بالغة السوء. غير أن المعنويات هى التى تكون دائما منخفضة جدا. وعندما يكون أطفال القرية هنا فإن الزمن يبدو لى أقل طولا، ولكننى، بمجرد أن يكونوا فى المدرسة، آخذ من جديد فى التفكير فى الماضى، ويصيبنى بعض الإحباط. وبطبيعة الحال فإنه بالنسبة لِمَنْ كان مَلِكًا لكل الشعب ثم لا يعود يساوى شيئا لا تكون الحياة طريفة.
ـ لا يعود يساوى شيئا، ولكن كيف؟ هل نبذك شعبك؟
ـ بالضبط، قال. ولكننى لا أعترض. إن ملكا أو رئيس جمهورية يتصرف مثل ساذج مسكين، من الطبيعى أن ينبذه شعبه."
ومثل كل كبار السن، كان هذا الكايمان العجوز يحب أن يحكى. والآن عندما انطلق فإنه كان لم يَعُدْ علىّ أن أطرح أسئلة. وجالسا على الرمل فيما كانت رياح الليل قد أخذت تهب على النهر، كنت أستمع إليه وهو يحكى قصته.
"تصوَّرْ، بدأ، تصوَّرْ أنه خدعنى حيوان كريه مثل قرد لا يزيد حجمه عن جوزة هند، ولكنه ماكر.. ماكر كما يكون قرد. كان هذا على وجه التحديد ذات يوم مثل يومنا هذا، ارتفع فيه ماء النهر فجأة. وكنت موجودا فى مكان فى اتجاه منبع النهر من هنا، راقدا على الشاطئ، ساكنا، أراقب قردا يقوم بحركاته القردية فى أعلى أغصان شجرة مائلة جدا فوق النهر. قلت فى سرِّى: يا هذا، إذا سقطت فى الماء فى وقت ما، لن يكون لديك وقت حتى لأن تحس بدرجة حرارته، لأننى سأكون قد بلعتك بالفعل. ولا بد أن هذا الحيوان قد رآنى وخمن أفكارى (فيما بيننا، لم يكن هذا صعبا جدا)، ذلك أنه أخذ يقوم بشقلبات حمقاء. كان يقفز كالبهلوان من غصن إلى غصن، ويتدلى بيد واحدة، بالذيل، بالقدم، وأخيرا بكل ما يمكن أن يتخيله قرد. أما أنا فقد كنت أنتظر بلا اعتراض. وأخيرا حدث ما كان لابد من أن يحدث: انكسر غصن ضعيف للغاية، وها هو قردى يتدحرج.
"أسرعت، وأخذت أسبح، فماذا رأيت؟ حظك فى التخمين ضئيل: هذا الحيوان، بمصادفة لا تُصَدَّق، سقط فوق أغصان شجرة مقتلعة جرفها النهر نحو البحر. يمكنك أن تتخيل أىّ غيظ استطعت أن أصبر عليه عندما رأيته يحط على غصن على ارتفاع أمتار عديدة فوق الماء وكان يحتقرنى موجها إلىّ كل أنواع التكشيرات.
"وفى تلك اللحظة، كنت غاضبا، لكننى أدركت بسرعة ما كان ينبغى عمله. ودعوت لمساعدتى عددا من رعاياى، وبصوت خافت شرحت لهم خطتى. قلت لهم:
"’’ـ ينبغى مهما كان الثمن أن نتفادى أن تنقلب الشجرة على جانبها نحو الشاطئ. ادفعوها إلى عرض النهر. وإذا نجحنا فى الوصول بها إلى الجزيرة المهجورة فى اتجاه مصب النهر فإنها سوف تنقلب، وسوف نتوصل تماما إلى إجبار هذا القرد على الهبوط.‘‘
"وما إنْ قِيل، ما إن فُعِل، إذ أن رعاياى بدأوا فى الحال فى دفع الشجرة نحو الجزيرة. وفى البداية، بدا القرد مرتعبا، ثم عندما رأى شاطئ أرض مليئة بالأشجار يقترب، تصوَّرَ أنه الشاطئ الأيمن للنهر. وظن أنه نجا. وفى الحال انقلب الطوف الذى يركبه، وها هو يقفز، ويتعلق بأقرب الأغصان ويتسلق نحو الأعالى صارخا:
"’’ـ تعالَ وابحث عنى إذا كنت قادرا على هذا، يا ملك الكايمان. كنت تعتقد أنك أمسكت بى، ولكنك تستطيع دائما أن تطارد. وأنا أكثر رشاقة وأكثر مكرا منك.‘‘
"أما أنا فقد أخذت وقتى. تمددت على الرمل، وتمطيت، وتثاءبت، وأجبت بهدوء:
"’’ـ تعتقد أنك نجوت، أيها القرد السافل. ولكنْ ها أنت سجين... إنك فى جزيرة... وهذه الجزيرة... وهذه الجزيرة ملك لشعبى. ولا أحد سيأتى لإنقاذك.‘‘
"وقافزا من قمة إلى الأخرى، استعرض القرد الجزيرة، وعاد إلى فوقى وظل وقتا طويلا يفكر بعمق. أما أنا فعندما رأيته لا يتذمر قلت لنفسى أنه لا بد أن الرعب قد شلَّهُ وأن لحمه يوشك على التحول إلى الحموضة. وأنه بالتالى ينبغى الكلام معه لجعله ينشغل.
"’’ قـُلْ إذن، بدلا من الانتظار والموت جوعا، فإنك تُحْسِن صُنْعا إذا نزلت. أنت تعلم جيدا أن شعبى صبور. ونحن آلاف وآلاف. إننا يمكن أن نتناوب على هذه الجزيرة متربصين لك وقتا طويلا بقدر ما يحتاج الأمر.‘‘
"هبط القرد عدة أغصان ليتكلم على راحته تماما، وبادرنى بقوله:
"’’ـ آلاف وآلاف، هذا ما يبقى عليك إثباته. إن شعب القرود هو وحده الكثير إلى هذا الحد. أما أنتم فإنكم نوع فى طريقه إلى الانقراض.‘‘
"ومن الواضح أن سماع مثل هذه الأشياء، عندما يكون الواحد ملك الكايمان، أمر لا يَسُرّ. ومجروحا فى كرامتى كعاهل، أجبته بأنه إذا تمسك بالتأكد من هذا قبل أن يموت فإننى مستعد لأن أُثبت له أن شعبى يصل عدده إلى مئات الآلاف.
"’’ـ اتفقنا، قال لى. سأهبط من أجل العدّ، ولكنْ عليك أن تعدنى بأن لا تلمسنى قبل أن أكون قد وصلت إلى عدّ مائة ألف. وإذا لم تصل إلى جمع مائة ألف كايمان، سأكون حرا.‘‘
"وواثقا من أن شعبى كان لا يُحْصَى ولا يُعَدّ فإننى لم أتردد فى قبول الصفقة. وأقسم لك حتى بأن هذا كان يلائمنى، لأننى لا أستطيع القيام بالعدّ جيدا جدا ولأننى لم أستطع إجراء إحصاء منذ أعوام.
"وبالتالى أرسلت بعض الشباب فى اتجاه مصب النهر وفى اتجاه منبع النهر، محددا لهم مهمة جمع قومى حول الجزيرة. وكانوا جميعا سباحين ماهرين جدا ولم يكن أمامهم وقت طويل لإنجاز مهمتهم. وبعد ذلك بأقل من ساعة، كانت الجزيرة مغطاة ومن حولها كان النهر كله فى حلة غليان.
"’’ـ إذن أيها القرد الصغير، هل تستطيع أن تَعُدّ، نعم أم لا؟‘‘
"ودون أن يتعجل، هبط القرد على طول جذع الشجرة، ونظر إلىّ بشعور بالشفقة.
"’’ـ أيها الملك المسكين، قال. مازال لديك عدد كبير من الرعايا، ولكنْ النظام، إنهم لا يعرفون ما هو. كيف تريد القيام بعدّ تماسيح كايمان لا تكف عن الحركة وهى عاجزة حتى عن الوقوف فى صفّ؟‘‘
"كان عنده حق، فلن تكون حتى آلة حاسبة قادرة على إنجاز عمل كهذا فى مثل هذه الأوضاع. وقررت بالتالى أن أجعل رعاياى يصطفون.
"’’ـ ستجعل أحد رعاياك يضع نفسه أسفل هذه الشجرة، قال القرد، ثم آخر إلى جانبه، ثم آخر بعده وهكذا. وأنا سوف أصعد فوق ظهورهم وسوف أعدهم كلما اتخذوا أماكنهم.‘‘
"كانت تلك طريقة جيدة. وبدأت فى جعل شعبى يصطف، غير مستاء على الإطلاق من أن أثبت لهذا الحيوان أن رعاياى فى منتهى النظام. وها هو القرد يأخذ فى القفز من ظهر إلى الآخر وهو يَعُدّ:
"’’ـ واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة...‘‘
"وعندما وصل إلى خمسة وعشرين، كان قد وصل بالفعل إلى حافة الجزيرة وكان رعاياى قد بدأوا فى الاصطفاف فوق الماء.وغير خائف مطلقا فى ظاهر الأمر، واصل القرد القفز. أما أنا فقد بقيت فى الجزيرة لكى أعطى أوامرى فأجعل العائلات تتقدم الواحدة بعد الأخرى. وكان القرد يَعُدّ دون أن يخطئ. وعندما وصل إلى مائة، أعترف أننى لم أتابعه جيدا جدا، لأن الأمر يختلط علىّ مع العشرات والمئات. غير أن أصغر أبنائى الذى أنهى منذ وقت قصير دراساته كان موجودا إلى جانبى.
"’’ـ عظيم، قال لى، هذا القرد يَعُدّ جيدا جدا. يمكنك أن تثق به.‘‘
"ومن وقت لآخر، كان القرد يتوقف ويلتفت إلى الوراء ليصرخ:
"’’ـ لم نَعُدّ إلى الآن سوى حتى ألفين (أو ثلاثة آلاف) ولن تصل أبدا إلى إكمال مائة ألف!‘‘
"أما انا فأنظر ورائى ولأننى أرى أن العائلات تواصل الوصول فى صفوف متراصة من اتجاه مصب النهر ومن اتجاه منبع النهر على السواء فإننى هادئ جدا. وأصرخ قائلا له: "’’ـ واصلْ عملك! ولا تقلق. أنا متأكد تماما من أننا سوف نتجاوز المليون!‘‘
"وأخذ القرد يَعُدّ من جديد، ولكى يجرح كبريائى ويحوِّل انتباهى، يستمرّ بصورة متواصلة فى ترديد أننى ذهبت بعيدا جدا، وأنه ليست عندى أىّ فكرة عن الأرقام، وأن شعبى سوف ينتهى إلى الانقراض من فوق الأرض... وما لا أدرى من أشياء. أكوام من الأشياء التى لا تقوم إلا بإزعاجى. أما أنا، الساذج المسكين المملوء بالزهو، فلم أَرَ، من فرط استغراقى فى صف صفوف شعبى، حتى أننى فى سبيلى إلى صنع طريق حقيقى عائم لهذا البائس.
"وواصلت الصراخ فى رعاياى:
"’’ـ أسرعوا إذن، ياجماعة المتاخرين عن غيركم، حتى نتخلص قبل الليل من هذا القرد اللعين المزعج!‘‘
"وعندما أدركت أخيرا ما كان يستعدّ له ، كان الوقت قد فات. كانت أمتار قليلة فقط ماتزال تفصل القرد عن الشاطئ. وصرخت بكل قواى:
"’’ـ اقبضوا عليه، إنه سيهرب منا!‘‘
" لكنّ أنثى كايمان عجوزا جدا كانت هى الموجودة فى أقصى طرف الصف. وفى الوقت الذى اعترضته فيه، كان القرد قد قفز بالفعل إلى الرمل وبدأ فى تسلُّق جذع شجرة موز. واستطاعت العجوز بالكاد أن تقطع ذيله وأن تنتزع خصلة من شعره.
"’’ـ سوء حظ، قال لى ابنى، هذه فضيحة لنا!‘‘
"وهذا صحيح. فقد تجمع كل شعبى المحتشد حول الجزيرة. إنها تقريبا ثورة.
"أتعرف، أعتقد أنه كانت عندى الفرصة لأنجو من تلك الورطة سالما. وقد قاموا بالتصويت وأرسلونى إلى المنفى فى هذا الشاطئ حيث أشفق علىّ سكان القرية. ذلك أننى فى البداية، كنت أسكب دموعا طول اليوم. وكما ترى فإن الشيء الوحيد الذى يعزينى قليلا والذى يجعلنى أضحك من وقت لآخر، هو رؤية هذه القرود السافلة بدون ذيل، وبمؤخرة منتوفة الشعر تماما. وهى تُسَمَّى قرود الميمون. وهى جميعا ذرية ذلك القرد الذى سخر منى تماما. وهى تُضْحِك الأطفال كثيرا، وإننى لأرجو حقا أن تظل تحمل هذه العلامة إلى نهاية الزمان."




موت نهر
(ليبيا)

عندما نتحدث عن الأنهار، نهتم دائما بالأنهار الموجودة، لكننا ننسى عن طيب خاطر تلك الأنهار التى لم تعد موجودة. ستقول لى أنه يبدو طبيعيا تماما أن نذهب للبحث عن الماء فى النهر وليس فى قلب الصحراء القاحلة، وأنا أوافقك على هذا، ولكن من المسموح به على كل حال أن نتساءل عن السبب فى أن بعض البلدان يمرّ بها العديد من مجارى الماء، فى حين أن بلدانا أخرى لا يكاد يكون فيها سوى بعض الجداول.
طرحتُ هذا السؤال على نفسى إلى أن كان اليوم الذى حكى لى فيه رجل عربى عجوز من طرابلس الغرب كيف تكوّنت الصحراء الشاسعة فى ليبيا.
وأنا أفترض أنكم جميعا تعلمتم اللغة العربية، لكننى مع ذلك أفضل، من باب الاحتياط، أن أترجم لكم حكايته. قال:
"أنت مندهش لأن بلادنا صحراوية جدا؛ حسنا، تصوَّرْ أنها لم تكن كذلك قديما. وعندما أقول "قديما"، فأنا لا أحدثك عن أمس الأول. إننى أحدثك عن عصر لم أعرفه. لا أنا، ولا أبى، ولا أبوه، ولا أبو جدّ جدّه. ولأننا جميعا نعيش طويلا جدا داخل الأسرة، فهذا يؤكد لك أن قصتى ترجع إلى آلاف السنين.
"حسنا، لا يهم أن يزيد أو ينقص ألف سنة فى هذه المدة. هذا لا يغير شيئا فى المشكلة، لأنك تستطيع أن ترى الصحراء أكثر جفافا من قبة الفرن.
"فى تلك العصور القديمة، إذن، كان هناك فى قلب البلاد نهر، وكان يهبط من الجبال المرتفعة فى أفريقيا الوسطى، وكان فى عرض نهر النيل وأعمق حتى منه. وبالطبع، كان يخصب الأراضى المجاورة، وكانت البلاد مأهولة بالفلاحين، والمراكبية، وصيادى السمك؛ وكانت هناك غابات ضخمة تغطى هكتارات وهكتارات من الأراضى. وهذا النهر، الذى نسى كل الناس اسمه حيث أنه لم يعد موجودا منذ وقت طويل، هذا النهر كان عميقا إلى حدّ أن بواخر البحر كانت تأتى لتسير فى مجراه فى اتجاه منبعه حتى مشارف واحات الكـُفـْرَة. وكان الفلاحون ونوتية المياه العذبة ينظرون إليها أثناء مرورها بحسد حالمين برحلات جميلة بعيدة.
"غير أن ما رأوه يتهادى، ذات يوم، فى مجرى النهر فى اتجاه المنبع لم يكن قاربا بل سمكة سوداء. سمكة أكبر من أكبر باخرة رأوها فى حياتهم كما بدت أكثر ارتفاعا من منزل.
"فى بداية الأمر، تساءلوا عما إذا كان ما يرونه سرابا، لكنْ لا، فكلما اقتربت السمكة، كانت تزداد شبها بسمكة. وعندئذ تساءلوا عما إذا كان هذا الحيوان وحشًا بحريا دفعه إلى هناك جوع مفزع فصار مستعدا لالتهام كل شيء فى طريقه. غير أن السمكة، التى كان لها فم صغير جدا، وعينان خضراوان واسعتان، كانت تبدو لطيفة للغاية. وكانت تواصل مهمتها بتمهل وثبات، وهى تنساب على الماء حتى دون أن تثير الأمواج. وباختصار، كانت سمكة مهذبة للغاية لم تـُرِدْ أن تزعج سكان ضفتىْ النهر.
"ومع هذا فعندما اقتربت السمكة، اكتشف الفلاحون أنه، فى ظل زعنفتها الفقرية، تم تركيب أرجوحة نوم استرخت فيها شابة سمراء ذات شعر طويل أسود. وكانت هذه الشابة جميلة للغاية، وكانت المجوهرات التى تلبسها تتلألأ فتشعّ بريقا لامعا إلى حد أنهم نسوا تقريبا السمكة الضخمة.
"وبطبيعة الحال، لم يكن الأمر يحتاج إلى وقت طويل لتنتقل القصة من الشواطئ وتصعد إلى أن تصل إلى أسماع السلطان الذى كان يعيش فى قصر على قمة جبل. وقال السلطان لابنه الأكبر:
"- إذا كانت هذه الأجنبية جميلة إلى الحدّ الذى يؤكده الناس، وإذا كانت تلبس الكثير من المجوهرات المتلألئة، فإنها بالتأكيد ابنة ملك. وإذا كانت قد جاءت إلى هنا فهذا يعنى أنها لم توفق فى الزواج فى بلادها. اذهبْ إذن لترى ما إذا كانت تصلح زوجة مناسبة لك."
"أمر ابن السلطان بتسريج أجمل حصان عنده وغادر بسرعة شديدة.
"وعندما وصل إلى الشاطئ، أدرك أنه لا شك فى أنه لن يتاح له أبدا أن يلتقى بمخلوقة بمثل تلك الروعة. وعندئذ، نهض واقفا على الرِّكاب الذهبى لسرج حصانه، وحيّا بسيفه صائحا.
"- أيتها الأميرة ذات الشعر الأسود، أنا ابن السلطان، وقد أتيتُ لأطلب الزواج منك".
"نهضت الشابة وأشارت إشارة رشيقة بذراعها وأجابت مبتسمة:
"- أنت لطيف للغاية، لكننى مخطوبة بالفعل. وقد أتيتُ إلى هنا ببساطة للقيام بنزهة صغيرة. وداعا، أيها الشاب الجميل، وقلْ لأبيك أن بلاده تـُعَدُّ بين أزهى البلدان التى عرفتها".
"وغاضبا لكونه مرفوضا، ذهب ابن السلطان ليروى مغامرته الفاشلة لأبيه الذى اجتاحه غضب رهيب.
"كيف؟ صرخ. هذه المخلوقة تجرؤ على التنزه فى بلادى وترفض الزواج من ابنى الذى سوف يصبح سلطانا ذات يوم! هذه جريمة عيب فى الذات الملكية. أريد أن أنصب لها بنفسى مصيدة. أريد أن أشهد القبض عليها هى وهذه السمكة العجيبة التى سنأكلها."
"وزير كان قد رأى السمكة السوداء نبّه إلى أنه سيكون من الصعب عليهم للغاية أن يأكلوها بكاملها، ولكن السلطان كان لم يعد يصغى إلى أحد. وعندئذ ركب حصانه وغادر على رأس حرسه الشخصى، الذى يتألف من أفضل مائة محارب فى مملكته.
"وعندما رأى السمكة، أدرك أن من العبث أن يحاول القبض عليها وهى فى وسط النهر. ولأنه كان هناك رافد يصبّ فى النهر، قرّر أن يدعوها إلى الدخول فى ذلك الرافد، وصاح:
"- أيتها الأميرة الجميلة، أنا السلطان. يؤسفنى أنه لم يكن بوسعك أن تتزوجى من ابنى، لكننى رغم كل شيء حريص على أن أشكرك على زيارتك. تعالى إلى هنا، أدْخلى ركوبتك فى هذا الرافد، وسأعطيك أحجارا كريمة هديّة من هذا الوادى الذى تفضلتِ علىَّ بأن وجدتِهِ يروق لك".
"وبلا ارتياب، أمرت الشابة السمكة السوداء بالسباحة فى مجرى الرافد الصغير الذى يتسع عرضه بالكاد لجنبيْه الممتلئيْن. وبمجرد أن دخلت السمكة إلى هناك، ألقى عليها حرس السلطان، بمساعدة عدد من الصيادين، شبكة ليقطعوا عليها سبيل العودة. لكنْ خاب مكرهم! فبمجرد أن أدركت الشابة حقيقة ما كان يجرى، أطلقت صرخة وتعلقت بيديها بالزعنفة الفقرية.
"وكان ما حدث بمثابة زلزال!
"ضربت السمكة الضخمة بذيلها فقذفت الناس فى الهواء بعيدا جدا إلى درجة أن بعضهم سقطوا على الشاطئ الآخر للنهر. أما الشبكة، فلا حاجة بنا إلى الحديث عنها، فهى لم تكن مزعجة لتلك السمكة أكثر من بيت عنكبوت بالنسبة لنا نحن.
"وبمجرد أن عادت ركوبتها إلى وسط النهر. نظرت الأميرة غاضبة إلى السلطان الذى كان مبتلا تماما، وقالت:
"- أيها السلطان، لقد فقدتَ الآن بلادك وشعبك. وتستطيع أن تخبر شعب مملكتك الذى عاش على النهر أن الجنة على الأرض قد انتهت بالنسبة له. لقد أردت أن تحرمنى من حريتى، وسيكون انتقامى رهيبا".
"وبمجرد أن انتهت من كلامها، عادت إلى مكانها فى الزعنفة وأمرت السمكة السوداء بمواصلة السباحة فى اتجاه منبع النهر.
"ومذعورًا من حديث الأميرة، تصور السلطان أنها ستسلط عليهم فيضانا رهيبا يدمر البلاد. وبالتالى أمر السكان بأن يبتعدوا عن الشاطئ فى أسرع وقت.
"وكانت هناك هجرة جماعية كبرى، وغادر السلطان نفسه قصره.
"غير أن انتقام الأميرة كان أشد هولا مما تصور السلطان. فقد ظلت راكبة ظهر سمكتها التى واصلت السباحة بها فى النهر حتى منبعه. وهناك، ولا أدرى كيف، فتحت حفرة من نوع ما فى منحدر أحد الجبال. واندفع الماء فى هذا الشق حتى أن النهر غيّر اتجاهه فأخذ يجرى وكأنه آت من البحر. ويقال أنه ظل يجرى بهذه الطريقة طوال سبعة أيام وسبع ليال، ثم أكملت الشمس شرب بعض برك الماء التى بقيت فى قاع مجرى النهر.
"وشيئا فشيئا، طوال قرون، كان على الرياح أن تردم هذا المجرى دافعة إليه برمال الصحراء.
"وأنت ترى، اليوم، أن الأرض جرداء وجافة بحيث لم نعد نعرف حتى أين كان يجرى النهر. ولكن إذا قال لك شخص ما أن هذه القصة ليست حقيقية، فاسألهُ كيف يحدث أن يعثر المرء أحيانا، فى الرمال، على أحجار ترقد بداخلها هياكل أسماك أو محار".

فتاة المستنقع الصغيرة
(مدغشقر)

لقد سألتم أنفسكم بالفعل كيف يمكن أن يحدث أن تقضى كائنات مثلكم ومثلى، صبيان وبنات، حياتهم فى قاع الماء؟
أما أنا فأسأل نفسى دائما من أين يمكن أن يكون قد أتى هذا حقا. دائما، حتى اللحظة التى سمعت فيها حديثا عن فارا، البنت الصغيرة من مدغشقر التى وجدت بيضة ثور.
غير أن القصة ليست بسيطة إلى هذا الحد. والأفضل أن تصغوا.
ذات صباح فى شهر مايو، خرجت البنات الثلاث لأحد المزارعين من بيتهن للذهاب إلى المدرسة. وكان عليهن أن يتبعن الطريق المحاذى للمستنقع الكبير، حيث لمحت الكبرى داخل البوص عُشا لدجاج الماء. واقتربت منه، ولأنه كانت توجد ثلاث بيضات مهجورة، قالت:
"هكذا، ستكون لكل واحدة منا بيضة. وإذا وضعناها فى حضانة الدجاجة السوداء الضخمة، ستكون لكل واحدة منا دجاجة ماء."
قالت الثانية، التى كانت شرهة جدا دائما:
"أما أنا فلن أترك بيضتى للحضانة، بل سأطبخها وآكلها كتصبيرة."
أخذت البنتان الكبريان تتشاجران فى حين أن الصغرى، التى لم تكن تفوهت بكلمة، أخذت البيضة الثالثة وألقت بها إلى الماء الرمادى للمستنقع.
وفى الحال، تحوَّل غضب الأختين الكبريين ضد الأخت الصغرى.
"ماذا فعلتِ، أيتها البائسة الصغيرة، لقد ألقيتِ بيضتك إلى الماء!
ـ إذا كنت لا تريدينها، كان يجب أن تعطيها لنا.
ـ أما أنا فكنت سآكلها.
ـ أما أنا فكنت سأعهد بها إلى حضانة الدجاجة السوداء."
لكن الفتاة الصغيرة لم تردّ أصلا. كانت تنظر إلى البيضة تطفو بين البوص، وأرسلت إليها إشارة صغيرة من اليد وقالت لها:
"إلى اللقاء، يا بيضة، وسوف آتى غدا لأرى الطائر الذي سوف تعطينه لى."
وطوال النهار، كانت الكبريان تسخران من الصغرى وتعرضان بيضتيهما على صديقاتهما وتقولان:
"هذه الجرَّة الصغيرة ألقت ببيضتها إلى الماء. والآن لم يَعُدْ لديها شيء."
ومع نهاية فترة بعد الظهر، حدث ما كان ينبغى أن يحدث. فمن كثرة عرضهما لبيضتيهما، سقطتا من الكبريين فى فناء المدرسة. وقالت الصغيرة:
"ها أنتما تريان، إذا كنتما قد ألقيتما بهما إلى الماء، لم يكن ليحدث ما حدث. وفى صباح الغد ستذهبان معى وستريان الطائر الجميل الذى سيخرج من بيضتى."
وفى اليوم التالى، منذ الساعة الأولى من النهار، كانت الأخوات الثلاث على حافة المستنقع. وكانت البيضة ما تزال على السطح حيث كانت ما تزال تتهادى ضبابة فجر شقراء. ها هى هناك، وفى الصمت السائد يُسمع صوت صغير طق-طق داخل القوقعة.
"إذن، يا بيضة، ستعطينى طائرى؟" سألت فارا الصغيرة.
انقسمت القوقعة الصفراء نصفين. وخرج منها شيء ما لا يشبه طائرا على الإطلاق. هيه، نعم، هذا ثور صغير كامل بقرنيه وخطمه. وأخذ يتنفس بشدة بالغة وهو يبطبط مثل بطة.
"وبَعْدُ، ما الحكاية!"، قالت البنات الثلاث. غير أنهن ما زلن لم يصلن إلى نهاية دهشتهن، لأن الثور المنمنم أخذ يكبر، ويكبر، ويكبر، ليصل فى الحال إلى حجم ثيران وحشية كبيرة كانت تسير فى قطيع على طول الهضبة.
"ها أنتما تريان، لو كنتما فعلتما مثلى، لكان لكل واحدة منكما ثور"، قالت فارا التى كانت أقلّ ذهولا بكثير من أختيها.
وإذا بالثور يوافق بإشارة من رأسه مواصلا التنفس فى الماء لكى يصنع فقاعات.
"إلى اللقاء، صاحت الصغيرة. سأعود عند الخروج من المدرسة.
ـ اتفقنا إذن، أجاب الثور، وسوف تصعدين على صدرى لتتنزهى فى الماء."
ومع نهاية الظهيرة، عادت فارا ورأتها أختاها تبتعد على ظهر الثور الذى عبر المستنقع حيث تنعكس الألوان الحمراء للغروب.
وعند العودة إلى البيت، استغلت الكبريان فرصة انشغال فارا بواجباتها المدرسية لتحكيا كل شيء لوالديهن.
"ما هذا الكلام، قال الأب غاضبا. هناك ثور داخل بيضة، وثور يتكلم، هل تسخران منا، دون قصد؟"
كانت الصغيرتان تعرفان جيدا أن والديهن لا يمكن أن يصدِّقا ما بدا لهما أمرا خارقا، ومع هذا فقد أصرَّتا كثيرا جدا على أن ينتهى والداهن إلى وعدهما بمصاحبتهما إلى حافة الماء بمجرد أن تنام فارا.
وعندما وصلوا إلى الشاطئ، حاول الوالدان أن يناديا على الثور، ولكنْ لأن كل شيء كان يشعّ فى ضوء القمر، فقد ظل المستنقع بدون تموجات.
"لقد سخرتما منا، وسوف يتم عقابكما بقسوة!"
لكن كبرى البنات أخذت تنادى على الثور ولأن صوتها عذب مثل صوت فارا، خرج الحيوان الكبير من الماء واتجه إلى الشاطئ دون ارتياب. وبمجرد أن وضع حافرا على الأرض الصلبة، ها هو قد أدرك أنه مشدود من رقبته بالحبل الذى ألقاه عليه الأب فى الحال. حاول عبثا أن يقاوم، ذلك أن والد الصغيرات كان يعرف جيدا جدا كيف ينبغى أن نتصرف من أجل شلّ حركة ثور. وأخذ الحيوان المسكين يصرخ:
"فارا، أيتها الصغيرة فارا، تعالى لنجدتى!
ـ يمكنك أن تصرخ، قال الأب الذى لم يكن قد اندهش بعد، على الإطلاق. إننى سأعرف حقا كيف أجعلك تسكت."
وبعد أن قتل الثور بهراوة ضخمة، ذبحه وعاد به إلى البيت.
وفى اليوم التالى، عندما رأت فارا صديقها ميتا وأن والديها بدآ فى أكله، فرت هاربة وجرت حتى شاطئ المستنقع. وهناك تضرعت للمياه الرمادية أن تكون ملاذا لها. ومتقدمة ببطء بين أعواد البوص وأغصان الأسل اختفت فى الحال.
ومنذ ذلك الحين تعيش فارا سعيدة فى قاع المستنقع، ويراها بعض المسافرين المتأخرين أحيانا وهى تخرج من الماء، لتلعب لحظة مع الثيران الوحشية الكبيرة التى تأتى لتشرب عندما يكون البشر المتوحشون قد ناموا فى منازلهم المغلقة جيدا.








ثلاثة سيول
(المكسيك)

كانت هناك، فى قديم الزمان، فى قرية صغيرة فى المكسيك، أرملة فقيرة كان لها ثلاثة أبناء. ومن أجل تربيتهم، كانت تعمل كثيرا جدا إلى حد أن قواها ذهبت عنها كما ينفد ماء نبع نتيجة أعوام طويلة من الجفاف. وكان جسمها نحيلا، مجففا تماما بالشمس، وكان ظهرها منحنيا جدا إلى حد أنه كان يقال أنها كانت تزحف مسحوقة تحت حمل ثقيل.
وعندما كان أطفالها على التوالى فى العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة من أعمارهم، قال لها الابن الأكبر الذى كان قويا وماهرا فى العمل بيديه:
"ماما، أنت عملت ما يكفى فى سبيلنا. والآن، جاء دورى. وقريبا سيأتى دور أخوىّ. إننى سأغادر هذه القرية التى لن أجد فيها أبدا عملا حقيقيا. وفى المدينة، سوف يمكننى بالتأكيد أن أشتغل عاملا فى موقع بناء."
كانت لديه الرغبة فى أن يصير بنّاءً. وكانت أمه تعرف ذلك منذ زمن طويل. فتركته يرحل.
انطلق الابن الأكبر إذن فى الطريق، بِبُقجة صغيرة على الكتف وعصا فى اليد. سار أياما عديدة، وعبر قرى مهجورة، ثم، لأن المدينة لم تكن دائما فى مرمى البصر، أخذ يبحث عن عمل يسمح له بأن يأكل قليلا.
ولكن البلد كان فقيرا، وكان الطعام نادرا، ولم يجد شيئا. وكان قد بدأ يصاب باليأس، عندما جاءته فرصة لقاء القديس يوسف. وأنا أقول إنها كانت فرصة كبيرة لأنه لم يكن من المتوقع أن القديس يوسف يعيش فى الكسيك منذ وقت طويل جدا. وظل القديس يوسف، الذى كان رجلا طيبا، يقدم له الماء والخبز والتين. ثم قال:
"عندى حديقة تحتاج إلى عَزْق. وإذا أردت أن تعمل فيها بجدّ، فأمامك ثلاثة أو أربعة أيام. وبعد ذلك، سوف أعهد إليك برسالة ستحملها إلى صديقى القديس بطرس. وسيعطيك ردًّا ستبلغنى به، وعندئذ أعدك بمكافأة ممتازة."
الابن الأكبر الذى كان مفعما بإرادة قوية، أخذ يعمل. وخلال ثلاثة أيام رائعة، أعيدت الحديقة، نظيفة مثل نقود جديدة.
"يقولون أنك كنت بستانيا طول حياتك، علق القديس يوسف ضاحكا فى سرّه. هذا عظيم جدا، يا بُنَىّ. والآن، ها هى الرسالة. وليس عليك سوى أن تسير دائما فى اتجاه الشرق دون أن تشغل بالك بالطرق والدروب. وسوف تجد القديس بطرس الذى ينتظرك فوق صخرة."
وضع الصبى الرسالة فى جيبه، وأخذ بُقجَتَهُ التى تحتوى على طعام لعشرة أيام ورحل فى الاتجاه الذى تشرق منه الشمس.
وصل بسرعة إلى صحراء عبرها فى يوم وليلة. وفى الفجر، توقَّف ليأكل، ثم استأنف طريقه بشجاعة، وسار أكثر قليلا من ساعة. وهناك، أوقفه مجرى سيل كان يعبر الصحراء متدفقا من الشمال إلى الجنوب. وبدأ بأن روى عطشه، واغتسل، وملأ زمزميته بالماء العذب، ثم حاول أن يتجه إلى الضفة الأخرى. ولكن تيار السيل كان سريعا جدا، وكان الماء، فى منتصف مجرى السيل، أعمق مما كان يبدو. ولحسن الحظ البالغ، وجد على الشاطئ حجرا كبيرا نجح فى دحرجته إلى منتصف مجرى السيل. وكان هذا هو الحجر الوحيد فى هذه الصحراء، وقال الصبى لنفسه أن لديه الفرصة حقا.
وعلى الشاطئ الآخر بدأت صحراء أخرى أشبه بالصحراء التى عبرها منذ قليل. وابتعد الابن الأكبر بعزم عن مجرى الماء وواصل تقدمه نحو الشرق.
وسار على هذا النحو أيضا يوما وليلة، ثم فى الفجر وجد نفسه أمام سيل آخر. وهناك أيضا اغتسل، وشرب، وملأ زمزميته وحاول العبور. ولكن هذا السيل كان سريعا وعميقا مثل السيل الأول. ونظر الصبى حوله؛ واأسفاه! لم يكن هناك سوى مجرد الرمل.
متعبا، ومحبطا قليلا أيضا، جلس على عقبيه، على حافة الماء الذى كان يُغَنِّى، وأخذ يفكر بإمعان.
فكر طويلا، على هذا النحو، وحيدا تماما تحت الشمس التى كانت تزداد حرارة. وفكر فى أمه وأخويه. وكانت لديه رغبة شديدة فى أن يعود على أعقابه، ولكن هبت رياح الرمال. ولكى يحمى نفسه تدثر بمعطفه وتكوَّر حتى أن الرياح انتهت إلى تغييره إلى حجر.
مرت الأيام، والأسابيع، والشهور. وكان القديس يوسف قلقا. وكانت الأم والأخوان، فى قريتهم، قلقين لأنهم لم يتلقوا أىّ خبر عن الأخ الأكبر. وأخيرا، مع نهاية عام، قال الأخ الثانى، الذى كان قد كبر وصار قويا، لأمه:
"جاء دورى. سأرحل للبحث عن عمل، وفى الوقت نفسه سوف أعثر على أخى."
كانت الأم تعلم جيدا أنه كان يحلم بأن يصير حدادا، ورغم قلقها احتضنته بكل قوة، وصلـَّتْ للعذراء لكى تحميه، ثم تركته يرحل وبقيت وحيدة مع الابن الأصغر.
سلك الابن الثانى نفس الطريق الذى كان قد سلكه الابن الأكبر، وبعد أن عبر نفس القرى الفقيرة، التقى بالقديس يوسف الذى قال له:
"أنت تبحث عن عمل، يا بُنَىّ! حسنا، جئت فى وقتك! تصوَّرْ أنه فى العام الماضى، فى نفس الفترة، أتى صبى كان يشبهك كثيرا. وقد عزق حديقتى، وأرسلته حاملا رسالة إلى القديس بطرس، لكننى لم أره مرة أخرى مطلقا. ومع هذا ينبغى أن يبلغنى الردّ ويأتى بحثا عن أجره. وفى نفس الوقت كان يمكن أن يزرع حديقتى."
"إنه أخى. ونحن لا أخبار عندنا عنه، وأمى تعتمد علىّ جدا فى العثور عليه."
زرع الأخ الثانى الحديقة فيما كان القديس يوسف يكتب رسالة أخرى.
"ها هى، قال القديس. ستسير دائما فى اتجاه المشرق. سوف تسلم هذه الرسالة للقديس بطرس وستعود بأخيك الذى لا شك فى أنه بقى عنده."
رحل الأخ الثانى إذن عبر الصحراء وبعد يوم وليلة وصل إلى أول مجرى سيل.
"عجبا، قال لنفسه. هناك حجر فى منتصف مجرى السيل يسمح لى بالمرور. ومن المحتمل أن أخى هو الذى وضعه هناك فى العام الماضى. وبالفعل هذا هو الدليل على أنه وصل إلى هنا."
ملأ هو أيضا زمزميته من الماء العذب، وعبر وواصل سيره.
وعندما وصل إلى مجرى السيل الثانى، رأى حجرا على الحافة. وحاول أن يعبر ولكن لم يكن ذلك ممكنا بدون الحجر. واستنتج من هذا أن أخاه لم يعبر هذا المجرى المائى، ونادى، ونظر حوله، ولكن لم يكن هناك أىّ شيء يحيا فى هذا المدى الشاسع من الرمل. وعندئذ، راغبا فى إنجاز مهمته بأىّ ثمن، دحرج الحجر حتى منتصف السيل وقفز إلى الشاطئ الآخر. وفيما كان يفكر بحزن فى أخيه الأكبر، الذى اعتقد أنه هلك، سار أيضا يوما وليلة قبل أن يجد نفسه يوقفه مجرى السيل الثالث. وحاول الأخ الثانى أن يعبر، ولكن الماء، السريع للغاية والعميق للغاية فى منتصفه، منعه من ذلك. وبالتالى أخذ يفكر مليا، ومثل الأخ الأكبر تقرفص على الشاطئ، وتدثر برياح الرمل وتحول إلى حجر.
وكما خمنتم فبعد سنة تركت الأرملة الفقيرة الأخير من أطفالها يرحل، وبدوره وصل إلى القديس يوسف. ولأن رىّ الحديقة استغرق وقتا طويلا، أنجز الابن الأصغر هذا العمل، ثم بعد أن علم أن أخويه سارا فى اتجاه المشرق، سار فيه بدوره، حاملا رسالة ثالثة موجهة إلى القديس بطرس الذى لا بد أنه كان قد بدأ يصاب بالملل فوق صخرته. وعندما غادر القديس يوسف قال له هذا:
"رأيى أنك سوف تنجح، وهذا دون أىّ شك فى أنكم أنتم الثلاثة جميعا ستكونون معا، للوصول إلى غايتكم."
ورحل الفتى بالتالى وهو يفكر فى أنه كان قد سافر من قريته لكى يتعلم حرفة النجار وأنه، فى الوقت الحاضر، لم يعمل إلا بستانيا وساعى بريد.
وكما يمكنكم أن تخمنوا، لم يجد أىّ صعوبة فى عبور مجارى السيول الثلاثة حيث أنه كانت هناك أحجار فى كل مكان.
وبمجرد أن عبر هذا المجرى المائى الثالث، سار يوما وليلة آخرين ثم، فى الفجر، أبصر القديس بطرس جاثما على صخرته وكان يأتى ببوادر كبيرة. ولم يكن القديس رائق المزاج جدا. وأخذ يبرطم:
"أخذت وقتا طويلا. ألم يكن بوسع يوسف أن يجد ساعيا أسرع منك! لا بد أن المسكين قد صار مُسِنـًّا. إنه لم يعد بارعا كما كان فيما مضى."
عندئذ شرح له الفتى الأصغر أن أخويه هلكا وأنه، بدون هذه الصخور التى سمحت له بعبور السيول، ما كان ليعرف مطلقا كيف يصل إلى هنا.
"أُدرك معنى هذا، قال القديس بطرس. ستذهب لتستريح قليلا، ثم تعود من نفس الطريق. وسأعطيك زجاجة صغيرة من مائى السحرى، وعندما تعبر السيول سوف تصب منها بعض القطرات على الأحجار."
وبعد أن أخذ قليلا من الراحة، رحل الفتى الأصغر.
وعند مروره بالسيلين اللذين تحول فيهما أخواه إلى حجر، أعاد الهيئة والحياة إذ رواهما بالماء الذى كان قد أعطاه إياه القديس الطيب. ثم ساروا ثلاثتهم معا حتى السيل الذى استطاع الابن الأكبر أن يعبره بفضل الحجر الأول، وتساءلوا ما إذا كان يجب هناك أيضا أن يقوموا بالتجربة.
"لا بد أنك طلبت بالفعل من القديس بطرس قليلا من التدقيقات الإضافية. وإذا روينا هذه الصخرة فإن الرب وحده يعلم ماذا يمكن أن يخرج منها.
ـ ربما وحش سوف يلتهمنا، اعترض الأخ الثانى.
ـ أو صبى مثلنا لا ينتظر إلا مرورنا ليستعيد هيئته البشرية، أجاب الأصغر."
عبروا مجرى السيل ثم ، متخذين استعدادهم للفرار إذا صارت الصخرة وحشا، صبوا عليها ما بقى من الماء السحرى. ومتحولة على الفور إلى ضفدعة، قفزت الصخرة إلى الشاطئ وقالت لهم:
"شكرا، يا أصدقائى. إننى أنتظر هذه اللحظة منذ عشرة آلاف عام. أىّ حظ سعيد جعلكم ثلاثة إخوة! أما أنا فإننى الابنة الوحيدة ولو لم تأتوا إلى هنا فإننى أعتقد تماما أننى كنت سأبقى هناك إلى الأبد."
ومتمنية لهم سفرا طيبا، غاصت الضفدعة فى السيل واختفت.
وعندئذ، وهم يتغنون تحت الشمس، رحل الإخوة الثلاثة لِيُطمْئنوا أمهم التى بكت من الفرح عند رؤيتهم. كانت المرأة المسكينة سعيدة، خاصة وأنه سيكون بمستطاعها أخيرا أن تستريح، لأن أبناءها الثلاثة كانوا قد حصلوا عند عبورهم على المكافأة التي كان القديس يوسف قد وعدهم بها.
ولا بد أنكم تفكرون فى أنه من حسن الحظ أن هذه المرأة المسكينة لم يكن لها دستة من الأبناء، لأننا لم نكن لنأتى أبدا إلى نهاية هذه القصة. ولكن هذه، كما ترون، أسطورة ترجع إلى عصر كان البشر ما يزالون يستطيعون فيه أن يجدوا الوقت لكى يحكوا القصص؛ إلى عصر كان الأطفال أيضا يستطيعون فيه أن يجدوا الوقت للإصغاء.



بحيرة السيف الكبير
(تونكين- ڤييتنام)

توجد وسط مدينة هانوى، بحيرة اسمها بحيرة السيف الكبير. وهذه البحيرة ليست بالغة الاتساع، غير أنها تشغل مكانة مهمة فى ذاكرة الناس المرتبطين بأرض بلدهم. وعديدون هم أولئك الذين سيحكون لك لماذا سُمِّيت هذه البحيرة بهذا الاسم.
كان ذلك حوالى عام 1418، فى زمن غزو الجيوش الصينية لمنطقة خليج تونكين. ومثل كل الحروب، جلبت هذه الحملة ما يصاحبها من أنواع الإرهاب والبؤس. وعاش شعب هانوى فى ظل الإرهاب، وصارت المجاعة خطرا مُحْدِقا.
وكانت هناك، من جانب الشعب، بعض محاولات العصيان، غير أنه ما من محاولة كانت قوية بما يكفى للتنسيق بين هذه التمردات الصغيرة المبعثرة ولجعل حركة كبيرة تلقى بهؤلاء الغزاة إلى خارج البلد.
وبصورة متزايدة صار القوت الضرورى أندر، وبصورة متزايدة كان هناك صيادو سمك على شواطئ البحيرة الصغيرة، فى قلب المدينة ذاته. غير أن السمك، من فرط تعرضه للملاحقة، صار نادرا مثل كل ما يمكن أكله. وكان صيادو السمك يقضون، صابرين، ساعات طويلة على الشواطئ ليحصلوا من حين لآخر، على سمكة صغيرة جدا.
ولكنْ، فى اليوم الذى أخذ فيه لو-لوا يصطاد منذ أكثر قليلا من ساعتين دون أن يرى ظلا لسمكة، حدثت أمامه ظاهرة غريبة. تماما فى الموضع الذى كانت توجد فيه فلينة صنارته، إذا بماء البحيرة الهادئ تماما عادة يأخذ فى الدوران فى دوامة. ظهر نوع من الدوامة وكان هذا أشبه بأن تكون البحيرة قد شدّت عضلاتها قبل إنجاز عمل شاق. ومتحيرا للغاية، أخذ لو-لوا يراقب هذا الغليان. وكان صيادو السمك الآخرون يراقبون البحيرة والشاب فى آن واحد، متلهفين على معرفة كيف قام بجعل سمكة كهذه قادرة على إحداث مثل هذه الدوامة تقرض صنارته.
أمسك بعض الرجال بخيزراناتهم واقتربوا قائلين:
"إذا كنت قد اصطدت هذه السمكة الضخمة جدا، سنساعدك فى إخراجه من الماء، ولكنْ ينبغى اقتسامها فيما بيننا لأن جوعنا وجوع أطفالنا يساوى بالفعل جوعك وجوع أطفالك."
لم يردّ لو-لوا. وواصل التحديق فى الماء. وفى أعماقه كان يحدث أيضا شيء غامض منعه من أن يسمع ما يقال له. وكان يلازمه اضطراب عظيم، غير أنه اضطراب كان إلى حد ما مثل ماء منعش.
أحس لو-لوا بأنه يصير قويا للغاية وصافيا للغاية.
أخذ الماء يدوِّم على هذا النحو بضع دقائق، ثم صار قلب الدوامة رائقا فجأة وكأنها انفجرت من الداخل بفعل لهب حىّ.
ومتوهجا وأكثر لمعانا من انعكاس الشمس على البحيرة، خرج من الماء سيف طويل من الذهب. وهذا السيف كانت تحمله سلحفاة ضخمة ظهرت بدورها وأخذت تسبح فى اتجاه لو-لوا.
وبالطبع فإن كل صيادى السمك جاءوا متحيرين. ومع هذا فلأنهم أحسوا حقا بأنه يحدث شيء خارق للطبيعة، فقد ظلوا على مسافة ما من الشاب، وكان، فى سلوكهم، كثير من الاحترام.
اتجهت السلحفاة إلى الشاطئ ووضعت السيف عند قدمىْ لو-لوا.
"خـُذْ هذا السيف، قالت السلحفاة، واهتمّ بشعبك. اهتمّ ببؤسه وضائقته، اسمع شكواه وسوف تفهم عندئذ لماذا جئتُ."
بعد أن قالت هذا، ابتعدت السلحفاة لتغطس فى الماء ولم تعاود الظهور.
مازال السيف اللامع فوق الرمل المبلل. وساد صمت شديد. ومشلولى الحركة، وكأنهم متجمدون، عند توقع حدث خرافى، ظل صيادو السمك جميعا مشدودى النظر إلى هذا السيف الطويل الذى كان أشبه بقطعة ساطعة من الشمس موضوعة عند قدمىْ لو-لوا.
توقع لو-لوا أن الأمواج التى ارتفعت بظهور السلحفاة سوف تهدأ. ثم عندما انتهت أعواد البوص فى الشاطئ من الغمغمة، جثا، وأمسك بالسيف، ونهض ببطء واستدار نحو صيادى السمك المتجمعين. وكان الضوء الذى يشعّ من السيف يضيئ وجهه وينثر فى السواد العميق لعينيه ذرات غبار دقيقة من الذهب. وبدا أنه يتضخم. ورفع السيف فى اتجاه الشمس وقال:
"أصدقائى، هذه إشارة لا ينبغى أن نغفل عنها. هذا السلاح مرسل إلىّ لكى أقود ثورة تحرير بلدنا. كونوا معى كما سيكون أصدقاؤكم أيضا."
ولأن دورية صينية كانت تتقدم نحو المجموعة لتفريقها، زحف لو-لوا بعزم لمواجهة الجنود. رفع سيفه ليضرب به ذلك الذى بدا له أنه القائد، غير أنه لم يكن لديه الوقت للذهاب إلى نهاية بادرته. والواقع أن صيادى السمك ألقوا بأنفسهم على الجنود، الذين صاروا، فى بضع لحظات، فى قاع البحيرة.
وبدأ التمرد الذى صار لو-لوا قائده فى الحال. وفى هذه المرة، لأن لو-لوا استطاع أن ينظم الأمور وينفخ الشجاعة فى رجاله، تم طرد الصينيين بسرعة إلى خارج البلاد.
وكان ابتهاج كل شعب تونكين هائلا وتم تنظيم مهرجانات كبرى فى كل مكان. وبالطبع فإن أجملها كان المهرجان الذى كان نطاقه البحيرة فى هانوى. لأن الشعب كان قد قرر تتويج لو-لوا ملكا.
واحتفى الناس بهذا الاحتفال ثم كدليل على العرفان، أعلن لو-لوا أنه سيقدم قربانا إلى البحيرة التى وهبته سيف الثورة. وأحضر أشهى الفاكهة وكذلك لآلئ نفيسة ومجوهرات ذهبية. وتم تحميل كل هذا فى مركب اتخذ فيه الملك مكانه. وقاد المجذفون القارب إلى وسط البحيرة. وهناك، عندما نهض لو-لوا لينفذ قربانه، بدا أن السماء الزرقاء الخالية من السحب قد انشقت فجأة. ولم يكن هناك سوى دوىّ الرعد، ولكنه كان دويًّا هائلا، هائلا إلى حد أنه لا أحد إلى الآن سمع مثله فى يوم من الأيام.
وفيما كان البرميل الكبير ينفجر، رأى الناس سيف الملك يترك جرابه وحده، ويرتفع فى الهواء ويتحول فجأة إلى تنين عملاق فى لون حجر اليشم. وغلـَّف الدخان الأسود هذا التجلـِّى مثل معطف سميك. غير أن الرياح مزقت الضباب، وبمجرد أن شاهد الشعب السعيد بأسره حول البحيرة، غطس التنين واختفى.
ولم يكن لو-لوا أقلّ شأنا كملك، وظل كذلك. وكان ملكا عادلا وطيبا، بالغ التواضع لأنه كان يعلم أن السيف الذى طرد به الصينيين لم يكن سوى روح البحيرة. وبدونه، ما كان لو-لوا ليحاول شيئا، وما كانت فكرة إعلانه ملكا لتخطر ببال أحد.
كان ذلك شيئا بديهيا، غير أن لو-لوا سأل نفسه لماذا استعاد روح البحيرة سيفه. وقال له الحكيم المسنّ:
"سلـَّح روح البحيرة ذراعيك ليسمح لك بمساعدة الشعب على تحرير نفسه من الغازى الظالم. والآن وقد صار شعبك حرا وقويا، والآن وقد صرتَ ملكا، يمكنك أن تحرر نفسك من حروب الفتوحات. وكان روح البحيرة يعرف جيدا بالتأكيد وسيلة لمنع الحرب إلى الأبد، وتتمثل هذه الوسيلة فى أن لا يكون لدينا سلاح ولا جيش. وهذا هو السبب فى أنك ستصير عاهل بلاد السلام بعد أن استعاد منك روح البحيرة سيفك."
عاش لو-لوا إلى أن صارا مُسِنـًّا جدا وعرف كيف يحمى شعبه من الحرب. وعلى سرير موته، علـَّم حكمته لأبنائه، غير أن بلدانا أخرى لا تملك أىّ حكمة، استمرّت تحافظ على جيوش يعتقد من أجلها عواهل بدون حكمة، من حين لآخر، أنهم مضطرون إلى إعلان الحرب.








غولة النهر
(الهند)

إذا وجدتم أنفسكم ذات يوم فى الهند، اذهبوا لرؤية رواة القصص. وكانوا يوجدون هناك فى كل المدن، عادة فى الأماكن القريبة من الأماكن التى تقام فيها فى الأسواق ذات الألوان الغامغة. إنهم هناك وسط المجالس المتشوقة، وهم لا يكفون عن الحكى. وبالطبع فإنهم يقومون بهذا كل راوٍ بلغة إقليمه التى لن تفهموها، غير أن مجرد المشهد يستحق أن يتوقف المرء عنده. إن قريحة أولئك الذين يتكلمون والصمت اليقظ لأولئك الذين يتشربون كلامهم يكفيان لإثبات أن الحكايات والأساطير تمثل، بالنسبة لهذا الشعب المرتبط جدا بتراثه،غذاءً حقيقيا.
وأثناء إقامة لى فى كالكوتا، كانت لدىّ الفرصة لأستطيع الالتقاء بأحد هؤلاء الرواة وكان يعبر عن نفسه بالإنجليزية والهندية والبنغالية على حد سواء. وكان قد وُلد فى قرية جبلية صغيرة نسيتُ اسمها وهى تقع بالقرب من أحد روافد نهر براهماپوترا. وكان ما رواه لى قصة من "أسام"، وأعتقد أننى أتذكر أنه أخبره بها رجل من قبيلة الناجا.
فمنذ وقت طويل جدا، فى قرية صغيرة من أكواخ القش على حافة نهر، كان يعيش طفلان فى السادسة من عمرهما لم يفترقا مطلقا. وكان اسمهما بابو و موهان. لم يكونا أخوين، ولا حتى ابنىْ عم، ولكنهما أحبا بعضهما إلى حد أن والديهما قَبِلا أن لا يجعلاهما يفترقان مطلقا. وبالتالى كانا يذهبان معا إلى المدرسة، ويتسليان معا، وفيما يتعلق بالأكل والنوم كانا يذهبان معا يوما إلى بيت أحدهما، ويوما إلى بيت الآخر.
كانا كلاهما لطيفىْ الطبع. وكانا يجتهدان فى عملهما فى المدرسة، وعندما كان يطلب أحد منهما تقديم خدمة فإنهما كانا يقومان بها عن طيب خاطر. ولمكافأتهما سمحوا لهما بالذهاب وحدهما للسباحة فى النهر، فى مكان فى اتجاه منبع النهر من القرية. كان الماء هناك رائقا وعميقا، وكان التيار سريعا جدا على الشاطئ الآخر، ولكن على الشط الذى وجدا نفسهما فيه، كان الشط هادئا والقاع منتظما. ولأن الطفلين كانا عاقلين للغاية فإن والديهما كانا يعلمان أنهما لن يرتكبا أىّ حماقة.
وقد أوصوهما بأن لا يذهبا إلى أعلى من الشلالات، لأنه فى ذلك الزمن، كانت هناك غولة تقيم فى الجزيرة الموجودة فى منتصف هذا الرافد، ومثل كل الغيلان كانت لها سمعة سيئة جدا.
ومع هذا ففى عصر أحد الأيام وفيما كانا يستعدان للعودة إلى القرية، رأى الطفلان طائرا ضئيل الحجم يرفرف على مستوى الماء وقد بدا ريشه المتعدد الألوان أكثر سطوعا من انعكاس الشمس على الدوامات.
"يا له من طائر غريب، قال موهان، لم أر مطلقا شيئا بمثل هذا الجمال.
ـ هناك كلام عن النار، علق بابو، ولكنْ النار التى لا تحرق."
اقترب الطائر منهما وأتى جاثما على عود بوص. وكان خفيفا إلى حد أن عود البوص لم يلتو مجرد التواء.
"تبدوان مندهشين برؤيتى، قال لهما. هل أنتما من بلاد لا توجد فيها الطيور؟
ـ لا بالطبع، قال موهان. ولكننى لم أرَ مطلقا طائرا بمثل جمالك وبمثل إشراقك.
ـ ولا أنا كذلك، أضاف بابو."
مزهوا جدا، نفش الطائر ريشه، وأخذ يختال، ويُمَلِّس بمنقاره على جناحيه ليعطيهما المزيد من اللمعان.
"ماذا تفعل لتكون بمثل هذا الجمال وبمثل هذا الإشراق؟ سأل بابو.
ـ ليس هذا أمرا معقدا، شرح الطائر، أنا أسبح كل يوم فى اتجاه ما من النهر، هناك، أعلى من الشلالات. وكما تريان، تعطينى هذه السباحة ألوانا رائعة، وأيضا ذكاءً شديدا. وإنما إلى هذا الذكاء على وجه الدقة أدين إلى ما تسمِّيانه إشراقى."
كان الطفلان عند هذه النقطة مذهولين لأنهما نسيا وجود الغولة هناك وتوصيات والديهما. وفى سبيل أن يصيرا فى مثل جمال وفى مثل ذكاء هذا الطائر فقد قَبِلا أن يتبعاه. وقادهما الطائر فى اتجاه منبع النهر حتى انعطاف من انعطافات النهر حيث دعاهما إلى السباحة. كانا قد تجاوزا الشلالات، وكان الماء، الذى تحتجزه الصخور،هادئا وعميقا. وقد لاحظا بوضوح، فى منتصف النهر، جزيرة كانت قد تكونت بفعل شاطئ صخرى مرتفع جدا، غير أنه لم تخطر لهما على بال فكرة أن الغولة يمكن أن تقيم هناك. ومع هذا فإنما داخل هذه الصخرة بالفعل كانت تقيم هذه المرأة فى صحبة الغول، زوجها.
وبلا مبالاة، سبح الطفلان مع الطائر. ومن وقت لآخر، كانا ينظران إلى بعضهما.
"هل أنا الآن أجمل؟ سأل أحدهما.
ـ أنا أراك دائما هكذا، أجاب الآخر. لكنْ يبدو لى أننى أذكى كثيرا.
ـ كونا صبورين، قال الطائر. هذا لا يحدث بمثل هذه السرعة!"
وربما كانت هناك ساعة كان الطفلان يتخبطان فيها على هذا النحو، عندما وصل إليهما ظِلّ، تماما وكأن الشمس قد اختفت فجأة نتيجة سحابة سوداء كثيفة. ومندهشيْن رفعا رأسهما. ولم تكن تلك سحابة، بل امرأة كبيرة نحيلة وقبيحة، وصار شعرها مُتَيَبِّسًا مثل عصا وأحمر مثل الطماطم. وقد ظلت واقفة على الماء بسهولة كالتى نقف بها أنتم وأنا على الأرض الصلبة. كان الطفلان شديدىْ الفزع ولم يستطيعا لا أن يطلقا صرخة ولا أن يَهُمَّا بحركة. وبالفعل فإن الغولة أمسكت بهما كليهما، وأخرجتهما من الماء، وخطفتهما.
وبأربع خطوات، عبرت هذا الفرع للنهر مع أنه عريض جدا، وفجأة وجد الطفلان نفسيهما يغوصان فى الليل. كانت الغولة قد دخلت لتوها فى صخرة الجزيرة عن طريق شِقٍّ ضيق. وسارت لحظة تحت قبة وكان لخطوها هناك صدى مرعب. وكان لتنفسها الأجش صدى أشبه بريح عاصفة تندفع فى أحد الوديان. ومشلوليْن دائما بالخوف، كان الطفلان يرتجفان. وأخيرا، دخلت الغولة صالة ذات جدران صخرية لامعة. وكان الجو باردا ورطبا. وكان مشعلان مغروزان فى الجدار يُسقطان فى كل مكان ظلالا وأضواءً وحشية كانت ترقص. وعبرتْ ريح ثلجية كان يبدو أنها تصعد من الأرض.
وضعت الغولة الطفلين فوق مائدة من الحجر، ثم قالت:
"عجبا، منذ أعوام لم نتغذَّ إلآ على الطيور، وقليل من لحم الأطفال سيكون مفيدا لنا."
وفى تلك اللحظة رأى الطفلان زوج الغولة وهو يخرج من ركن مظلم. وكان قبيحا مثلها، ولكن أكبر عمرا بكثير. ولأن ظهره أحدب، كان يتوكأ على عصا وكان يجد كثيرا من الصعوبة فى السير. ولم يكن بعض الشعر الذى بقى له أحمر مثل شعر زوجته، بل كان عن قرب أخضر مثل العشب.
"عندك حق، قال... لكننى أتساءل إلى أين ذهبتِ للبحث عنهما!
ـ ليس بعيدا جدا. كانا قد أتيا سابحيْن إلى قبالة بيتنا.
ـ هكذا إذن، قال الغول. ألا يمكن أن يكون أهالى البلد قد اعتقدوا أننا متنا، بالصدفة؟"
أطلقت الغولة ضحكة هائلة جعلت كل الشاطئ الصخرى يهتز.
"لا مطلقا، قالت. أعتقد أنه أتى بهما إلى هناك هذا الطائر الغريب الذى حدثتك عنه منذ قليل وهو ماكر إلى حد أنه أفسد كل مكائدى. ولذلك، أعتقد أننى لن ألحق به أبدا. لكننى أتساءل لماذا اقتاد هذين الطفلين حتى هنا.
ـ لا تطرحى كثيرا من الأسئلة، أجاب الغول. إنهما هنا، أسرعى بطبخهما، فرائحة اللحم الطازج فتحت شهيتى."
وزنت الغولة الصبيين بيدها وأعلنت:
"هذا نحيل للغاية. ينبغى تسمينه قليلا. أما الأضخم فسوف نأكله يوم الأحد."
كان الأنحف بابو والأضخم موهان. وحملت الغولة موهان إلى حجرة صغيرة منخفضة حيث أغلقت عليه. ثم عادت إلى الصالة الكبيرة حيث أخذت فى إعداد الأرز لتسمين بابو.
موهان، الذى بقى وحيدا، كانت لديه رغبة فى البكاء، لكنه قال لنفسه أنه هناك لأنه غير مطيع وأن عليه قبل كل شيء أن يفكر فى الهرب. ورأى من أين كان يدخل القليل من الضوء الآتى حتى عنده، واكتشف شِقـًّا فى الصخرة يتسع بالكاد ليكون بوسعه إدخال اليد. وكان على وشك أن يقول لنفسه أنه لا توجد أىّ فرصة للخروج من خلاله، عندما أتى الطائر المشرق وحَطَّ على إصبعه. ذلك أن الطائر كان ضئيل الحجم إلى حد أنه استطاع أن يدخل بسهولة من الشق.
"خصوصا، قال الطائر بصوت خفيض، لا تتكلم بصوت مرتفع جدا. إن الغولة لها أُذُن مرهفة. أَصْغِ إلىّ: لقد اجتذبتكما إلى هنا لأن شعب الطيور لقى الكثير جدا من مطاردة هذه الغولة لهم بلا انقطاع. وسوف تنتهى بالتهام الجميع. وأنت وبابو، أنتما ماكران. وعليكما أن تقوما بالترتيب لسرقة تعويذتها.
ـ لسرقة ماذا؟ سأل موهان.
ـ لسرقة تعويذتها، كرر الطائر. إنها عبارة عن مسحوق تحتفظ به فى وعاء زجاجى. وعندما يحمل المرء هذا الوعاء فإنه يمكن أن يمشى على الماء ويعبر النهر."
فكر موهان لحظة ثم قال، دائما بصوت خفيض:
"لكننا الآن مفترقان. وبدون صديقى فإننى فى حكم الهالك."
وشرح أن الغولة احتفظت ببابو لديها لكى تعلفه بالأرز. وبدوره فكر الطائر ثم قال:
"على صديقك أن يرفض أن يأكل إن لم يكن معك. ولأنها تتمسك كثيرا بتسمينه فإنها ستجمع بينكما. وعندما تسمع الغول والغولة يغطان فى النوم، عبر الباب، سوف تشرح هذا لصديقك."
اختفى الطائر، وانتظر موهان الليل. وتصرّف كما قال له الطائر، ومنذ اليوم التالى كانت الغولة مضطرة إلى نقله إلى الصالة الكبيرة. وكانت هذه ميزة كبيرة لأنه كان بإمكانه، هو أيضا، أن يأكل الأرز؛ ولكن، هنا، لم يكن بإمكان الطائر أن يزورهما. والحقيقة أنه بدون نصائحه، أحس موهان بأنه حائر بعض الشيء.
غير أن الطائر كان قد تحدث عن قارورة مسحوق أبيض، ولاحظ بالفعل أنه فى كل مرة تخرج فيها كانت الغولة تأخذ قارورة صغيرة. وعند عودتها كانت تضعها على قطعة أثاث مرتفعة جدا.
موهان، الذى كان شجاعا والذى كان خائفا من أن يؤكل، قال لنفسه أنه يمكن بمساعدة الطائر أن يستولى على التعويذة. وانتظر بالتالى أن يكون الزوجان الغول والغولة نائميْن، وباستخدام احتياطات كثيرة جدا، اتجه إلى الغرفة التى كان محبوسا فيها منذ وصوله. وأدخل يده فى شق الصخرة، ومثل المساء الأول أتى الطائر المشرق ليحطّ على إصبعه. وشرح موهان أين توجد التعويذة وقال:
"أنت ستدخل معى، وسوف تحطّ على قطعة الأثاث هذه، وبجناحك سوف تجعل القارورة تسقط. وأنا بارع جدا وسوف ألتقطها. وبالتالى سوف نستطيع الخروج لأننى رأيت أيضا أين تخبئ الغولة مفتاح الباب."
ومن الواضح أنه كان لابد من كثير من الشجاعة من جانب الطائر ليدخل بيتا يسكنه قوم يتغذون على الطيور، ولكنْ لأنه لم يكن هناك حلّ آخر، رافق موهان. وأيقظ موهان صديقه، وذهبا كلاهما ليتخذا مكانهما أسفل قطعة الأثاث.
"هل أنتما مستعدان؟" سأل الطائر فى نَفَس واحد.
أعطاه موهان إشارة بأنه يمكن أن يبدأ العمل. طار الطائر، وحطّ على قطعة الأثاث، وبضربة جناح موفقة، أسقط القارورة التى التقطها موهان. ولكن فى نفس الوقت دفع الطائر بقوة مع التعويذة وعاء تبغ الغول. وعلى الأرض الحجرية انكسر الوعاء مُحْدثًا ضجة كبيرة. وبطبيعة الحال فإن الغولة والغول قفزا من سريرهما. وظن الطفلان أنهما هالكان بالفعل عندما خطرت للطائر فكرة عبقرية. وفيما كان يزقزق بصوت مرتفع جدا، أخذ يطير مرفرفا فى اتجاه الغرفة التى كان قد تم استخدامها سجنًا لموهان. وبطبيعة الحال، انطلق الغول والغولة لمطاردته. واستغلّ الطفلان ذلك ليجريا من خلال الباب.
وحالما كانا فى الخارج قام موهان، الذى كان لم يترك التعويذة، بحمل صديقه على كتفيه وانطلق فى اتجاه الشاطئ. وكان يجرى فوق الماء تماما مثلما كان يجرى على شط الرمل.
وعند وصولهما إلى الشاطئ، التقيا بالطائر الذى هرب من خلال الشق فى الصخرة.
"لا ينبغى أن نبقى هنا، صاح موهان، إنها ستلحق بنا بساقيها الكبيرتين."
عندئذ أخذ الطائر يضحك قائلا:
"لا، يا عزيزى. انظر إلى هناك. إنها لم تعد تحتفظ بتعويذتها. وها هى سجينة جزيرتها."
وبالفعل ففى سفح الشاطئ الصخرى كانت الغولة وغولها العجوز يومئان بحركات، ويزعقان، ويتشاجران معا، ويتوعدان الطفلين بالصوت والإشارة.
وانطلق الطائر يحلق فوقهما احتقارا لهما وكان ضحكه يؤجج أيضا غضب الزوجين.
وعندما عاد الطائر قُرْب الطفلين، شكرهما باسم شعب الطيور وقال لموهان:
"الآن ستموت الغولة وزوجها جوعًا فى وكرهما. أما أنت فإنك يجب أن تتخلص من التعويذة لأننى أخشى أن تنتهى إلى أن تجعلك شريرا."
قذف موهان بالقارورة فى النهر. وكان هناك غليان للماء صعدت منه سحابة دخان بددتها الريح.
ومنذ ذلك الزمن يوجد فى هذه البلدة كثير من الطيور، ولم تَنْسَ الطيور بابو و موهان مطلقا وظلت صديقة للأطفال.
ولكنْ منذ ذلك الزمن أيضا لم يعد هناك أىّ شخص يسير فوق الماء.

بِرْكة النار
(روسيا)

كانت توجد فى قديم الزمان فى أعماق روسيا الشاسعة قرية عاشت فيها امرأة يخشاها كل الناس. وكانت شريرة جدا وقبيحة جدا بقدر ما كانت غنية، وهذا يعنى الكثير. والواقع أنها كانت تملك وحدها أكثر من نصف أراضى القرية. وكانت تشغِّل فيها عمال مياومة فقراء وتدفع لهم مالا قليلا وتطردهم بلا تردد عندما يسقطون مرضى. ولم تكن تهتم بمعرفة ما إذا كانوا سيجدون عملا، فينجحون فى إطعام أطفالهم وفى توفير مأوى لهم. ومنذ اللحظة التى لا يعودون فيها قادرين على خدمتها كانت تطردهم. ولم يرها أحد مطلقا تعطى شيئا مهما كان. وأيضا، فى قريتها، أنذرها حتى الناس الأكثر تسامحا بنار الجحيم، قائلين أنها ستنتهى بالطبع إلى دفع الثمن فى العالم الآخر عن كل الشر الذى ارتكبته فى هذا العالم.
وكانت ذات تكوين صلب، ومع هذا كانت تبلغ حوالى الستين سنة، وماتت من مرض غامض قضى عليها فى بضعة أيام.
وبطبيعة الحال، لم يبْكِ عليها أحد، وإنما بدون صلاة ولا أسف نقل جيرانها جثتها متخذين طريق الجبانة.
غير أن الشياطين الساهرة كانت تترقب منذ وقت طويل اللحظة التى تُسْلم فيها روحها. ومسرعة بسرعة خاطفة فإنها بمجرد أن سمعت نَفَسَها الأخير اختطفتها وألقت بها فى بِرْكة النار.
وكانت هذه البرْكة تقريبا فى حجم بحيرة صغيرة. ولا أعرف ما هو السائل الذى كان يملؤها، غير أن نيرانا مرتفعة الألسنة كانت تبرز على سطحها الذى كان يبقلل مثل الزيت فى قاع المقلاة. وعلى شواطئها السوداء مثل الفحم لم تكن تضئ سوى جمرات مع رياح محرقة تتأجج بلا انقطاع. كان مكانا مرعبا يتخبط فيه كل الموتى الملعونون فى هذه المنطقة منذ قرون.
وعندما ألقى بها الشياطين إلى هذا المكان، أخذت المرأة تصرخ. وكانت تطلق صيحات غير واضحة الألفاظ حيث كانت تعود فقط، على فترات طويلة، كلمتا "شحاذة" و"بصل". وكان الملعونون المحيطون بها يكتفون بهزّ الأكتاف طالبين منها السكوت.
"الحياة ليست طريفة بالفعل هنا، كانوا يصيحون بها، وإذا كنت ستواصلين الصياح مثل مجنونة فإن هذا لن يُصْلح الأمور. وإذا كُنْتِ موجودة فى هذا المكان فلأنك تستحقين هذا. افعلى مثلنا، استسلمى. سوف تظلين محبوسة على مدى الأبدية. فأولئك الذين يُلْقَى بهم إلى هنا لا يخرجون من هنا أبدا. فلماذا يقومون باستثناء من أجلك؟ إنك شريرة إلى حد أنك سوف تنتهين إلى جعل الجحيم لا يُطاق حقا!"
غير أن المرأة الشرسة لم تكن تصغى إليهم. واستمرت فى صراخها. وأحدثت كثيرا من الضوضاء إلى حد أنها انتهت إلى جذب انتباه ملاكها الحارس. اقترب الملاك الطيب من البركة وطلب من الشياطين ذوى القرون الإذن بالتحادث لحظة مع المرأة التعيسة.
"إن شئت، قالت الشياطين التى كانت قد بدأت تتضايق للغاية. وإذا كان فى قدرتك أن تُسكتها، فإننا سنكون شاكرين لك على هذا".
وبمجرد أن لمحت المرأة ملاكها، هاجمته بعبارات قوية إلى حد أننى سأغيّر مواضعها قليلا لكى أرويها لكم:
"أيها الأحمق الذى لا تساوى شيئا، صاحت به، أنت ملاكى الحارس، وها أنت فى اللحظة التى أحتاج فيها إليك، لست إلى جانبى!..."
الملاك، الذى سمع مثل هذا من آخرين فى مجرى حياته العملية الطويلة، ترك الزوبعة تمرّ. وأخيرا، عندما سكتت المرأة، وهى تلهث تعبا ولم تعد تواتيها إهانات، قال لها:
"ليس عندى مَنْ أحميه سواك. وعندما متِّ، كنتُ أسهر على أحد عبيدك وكان قد سقط مريضا بعد أن تعب أكثر مما ينبغى ليملأ كيس نقودك. ومن ناحية أخرى فقد كنتِ قاسية إلى درجة أنه لم يحضر أحد ليراك ترحلين بهذه السرعة.
ـ هذا صحيح اعترفت بذلك، ولكننى رحلت على كل حال، وها أنا قد وقعت فى ورطة. آخ! كم يحرقنى هذا كم أعانى! أخرجنى من هنا، أيها الأحمق العاجز!
ـ لا يقوم أحد بإخراج الناس من الجحيم دون سبب. وأنتِ، أنتِ لا تملكين عملا صالحا واحدا فى رصيدك.
ـ كيف! ردّتْ. والبصل الذى كنت أذهب لاقتلاعه من حديقتى لكى أعطيه لشحاذة! لقد نسيت هذا إذن؟
ـ بصلة، دمدم الملاك، بصلة، فلننظر قليلا..."
وأخرج من جيبه مفكرة بغلاف أسود مطوية الصفحات تماما، وأخذ يتصفحها مبللا إبهامه بلمسات من لسانه. وكان يحتفظ بقليل من الإرتفاع لكى يتفادى أن تُشْعل ألسنة اللهب النار فى مجموعته الثمينة. ويبحث بالتالى فى حرف O.
"فلننظر ... Ocre [مُغْرة] ...، Odorat [شَمّ] ...، Œil [عَيْن] ...، Œuf [بيضة]، لا.. لم يكن من الممكن أن تعطى بيضة. بالتأكيد لا!
ـ أعطيتُ بصلة، تباكت المرأة.
ـ اسكتى، دعينى أبحث ...Office [مكتب] ...، Offrir [يقدم] ...، حتما، هناك كلمات لا تخصك كثيرا ... Ogre [غول] ...، Ogresse [غولة] ... سيكون هذا أفضل بالفعل... Oie [وَزّ] ... أنتِ مدينة للكثيرين بتجريدهم من مالهم... آه! ها هو.Oignon [بصل]. ها نحن قد وصلنا... "الكالوهات" التى تصيب الأقدام... الساعة الضخمة...النبات البستانى ذو الجذر البصلى... بالفعل... عندك حق... أنت أعطيت بالفعل بصلة لفقيرة كانت تموت جوعا. لقد سجلتُ هذا، ولكن هذا غريب من جانبك إلى حد أن الأمر، فى رأيى، يتعلق بأخرى... ولكن لا، إنه يتعلق بك بالفعل."
وتأمل الملاك لحظة، ثم أضاف:
"ستعترفين بأن هذا ليس بالشيء العظيم، ولكن أخيرا، بالنسبة لشخص فى مثل بخلك، هذا عمل بالغ الأهمية. انتظرى لحظة. سأعمل شيئا من أجلك."
وفيما كان الملاك يبتعد على جناح السرعة، كانت المرأة تصرخ:
"أسرع، أيها الكسلان الكبير. إننى أتحمص مثل كستناء! آخ، كم أتألم!"
الملعونون الآخرون، الذين كوّنوا دائرة ليسمعوا ما يقال، استمروا فى السخرية منها مؤكدين أن الملاك لن يعود.
ومع هذا، فبعد دقائق قليلة، عاد الملاك، ممسكا بذيله الذى كان أخضر أيضا بصلة بيضاء ضخمة اقتلعها لتوه من بستان القديس بطرس. وهبط محوِّما على البركة، وأخذ يزيل الدخان بلا توقف، وقدّم البصلة إلى المرأة قائلا:
"تعلّقى، وأمسكى جيدا. لديك أظافر معقوفة بما يكفى. سأخرجك من هنا."
تعلقت المرأة، وأخذ الملاك الطيب يجذب بكل قواه.
كان قد أخرج المرأة بالفعل من ألسنة اللهب إلى ارتفاع الفخذين، وعندها فهم الملعونون الآخرون أن لديهم فرصة للهرب هم أيضا. واندفعوا وتعلقوا بجونلة المرأة التى أخذت توجه إليهم ضربات بالقدمين فى أعينهم صارخة:
"دعونى وشأنى! هذه البصلة لى... إننى أنا التى يتم إخراجى. وليس أنتم. ومكانكم هنا!..."
ولم يكن لديها الوقت لتقول لهم المزيد. فقد انكسرت ساق البصلة. وقفز الملاك فى الهواء فى حين أن المرأة، التى كانت تشدّ البصلة طول الوقت بيديها المتشنجتين، سقطت من جديد، مثيرة حولها دوامة كثيفة من النار. وكان هناك صرير البصل المشوى ورائحته، ثم لا شيء. لا شيء سوى طقطقات اللهب.
أه، نعم، وكان هناك أيضا نحيب الملاك الذى ابتعد حزينا.
كان الملاك آسفا لأنه لم يستطع أن يفعل شيئا من أجل هذه المرأة. هذا على الأقل هو ما أعتقده أنا، رغم أن ألسنة السوء تزعم أن البصلة هى التى استدرت له كثيرا من الدموع.





المؤلف فى سطور

ولد برنار كلاڤيل Bernard Clavel فى لونس-لو-سونييه Lons-le-Saunier فى 1923، وكان يحلم منذ أيام المدرسة الابتدائية بدخول الفنون الجميلة؛ غير أنه كان فى البداية حلوانيا مبتدئا وكان عليه أن يمارس فى سبيل لقمة العيش المهن الأكثر تنوعا، ولم يمنعه هذا من التصوير بالألوان وفى الحال من الكتابة. ومن الكتابة جاء نجاحه. وفى 1968، حصل، بصورة متلاحقة، على جائزة جونكور، وجائزة چان ماسيه، والجائزة الأدبية الكبرى لمدينة پاريس. وقد كتب برنار كلارڤيل قصائد، ومقالات، وقصص أطفال، وقرابة ثلاثين رواية، تم إخراج العديد منها فى التليڤزيون.

















المترجم فى سطور

كاتب ومترجم مصرى، كتب العديد من مقالات النقد الأدبى فى النصف الثانى من الستينيات وبداية السبعينيات صدرت مؤخرا بعنوان "خطوات فى النقد الأدبى". وفى النصف الثانى من السبعينيات كتب (باسم قلم) العديد من المقالات والكتب فى مختلف مجالات السياسة المصرية والعربية والعالمية. يعمل منذ بداية الثمانينيات فى مجال إعداد المعاجم والترجمة عن الإنجليزية والفرنسية حيث ترجم العديد من الكتب فى مجالات الأدب والنقد الأدبى والسياسة والفكر.
وفى مجال كتب الناشئة والأطفال: كان المحرر والمستشار اللغوى لمعجم Elias Illustrated Junior Dictionary, English-Arbic الصادر عن دار الياس العصرية للطباعة والنشر (عام 1999) وهو من إعداد كارين جلاسجو وإيڤا الياس، كما ترجم كتبا أخرى صدرت عن نفس الدار وهى: دينو، الديناصور تأليف: آنا ماريا روميرو يبرا (عن الإسپانية)؛ وملك الغابة تأليف: ميكيل باربيردى (عن الإسپانية)؛ وتيمور والتعبيرات تأليف: آنى جروڤى (عن الفرنسية بالاشتراك مع هويدا نور الدين).










كلمة الغلاف الخارجى الخلفى


برنار كلاڤيل
أساطير البحيرات والأنهار

هل تعرفون خمس طرق لعبور النهر؟ هل تعلمون أن بيضة يمكن أن تفقس ثورا؟ وأن ملك السلمون له شعر أشقر؟ وكيف يطبخ وحش نهر "أويو" طعامه؟
المياه الجارية، المياه الغامضة تخبِّئ سكانا غريبين... يلعب بعضهم، ويبكى آخرون... ويمكن أن يرقدوا هناك إلى الأبد.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,650,096,190
- أضأل امرأة فى العالم - كلاريس ليسپكتور
- أسطورة الفترة الانتقالية وحقائق المسار الفعلى للتطورات فى مص ...
- مقالات مترجمة فى الفن التشكيلى
- أساطير البحر - برنار كلاڤيل
- تسع قصائد للشاعر البرازيلى: مانويل بانديرا
- سبع قصائد لناظم حكمت
- غنوة
- مشاكل تخلُّف (قصيدة)
- الإعداد للموت (قصيدة)
- أربع قصائد لبورخيس
- الترجمة فى سياق ما بعد كولونيالىّ
- الأب ضد الأم وقصص أخرى
- طريق الآلام
- وَقْع أقدام
- الازدواج فى اللغة العربية بين -الفصحى- و-العامية-
- شعار -ثورتنا برلمان وميدان- مُخَدِّر جديد لقوى الثورة!
- المهدى الرئاسى المنتظر فى مصر!
- من سؤال الأسباب إلى سؤال النتائج (كلمة للإلقاء فى مؤتمر الثو ...
- الانتخابات الرئاسية واحتمالات الصراع بين المجلس العسكرى والإ ...
- -الجحيم، 1، 32- ، لويس بورخيس ت: خليل كلفت


المزيد.....




- المصادقة على مشروع مرسوم لتحويل بعض الرسوم لفائدة وكالة السل ...
- مجلس الحكومة يصادق على مقترح تعيين في منصب عال
- وفاة المخرج المصري شريف السقا
- -أنت سمين للغاية-.. الممثلون الذكور يشتكون من معايير هوليود ...
- كدليل للثقافة العربية.. اليونسكو تدرج -النخلة- بقائمتها للتر ...
- افتتاح ملعب للتزحلق على الجليد في الساحة الحمراء
- قبيسي: محاربة الفساد في لبنان يجب ان تكون ثقافة وتربية + فيد ...
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم بشأن اختصاصات وتنظيم وزار ...
- كنز مخبأ في جدران.. -صدفة- تكشف عن لوحة -مسروقة- منذ 20 عاما ...
- 25 مليون دولار في تسوية مبدئية لقضية تحرش هارفي واينستين


المزيد.....

- من حديقة البشر / صلاح الدين محسن
- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خليل كلفت - أساطير البحيرات والأنهار - برنار كلاڤيل