أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال شاهين - محمود درويش في حالة حصار






















المزيد.....

محمود درويش في حالة حصار



كمال شاهين
الحوار المتمدن-العدد: 1094 - 2005 / 1 / 30 - 12:03
المحور: الادب والفن
    


(غـبــــــار القـلـب، غـبــــار الـقـصـيــــــدة)
( إلى سعد الله ونوس وبشار وطفة )
( الكتابة هدم لكل صوت، ولكل أصل، هي هذا الحياد، وهذا الانحراف الذي تهرب فيه ذواتنا، هي السواد والبياض الذي تتيه فيه كل هوية بدءاً بهوية الجسد الذي يكتب ) ( رولان بارت ( 1ـ75))
1ـ من طرف الصورة:
من طرف الصورة الأقصى و في اللحظة الزمنية الأكثر التباساً والأكثف حضوراً يدخلنا محمود درويش حصاره الخاص ليكتب عن قوة الحياة واستمرارها وأبدية العلاقة مع الأشياء والطبيعة (12) داخلا في تفاصيل المكان الفلسطيني بعد غياب ربع قرن في المنفى بعد كتابات يمكن القول بأنها بدءاً من " لماذا تركت الحصان وحيداً " تلامس السيرة الذاتية وتبتعد عن الآني لتلتحق الأنا في تلاوين متعددة.
يتزامن الالتباس والتكثيف في الرؤية العامة لما يجري في الأراضي المحتلة فالتدافع الهائل في المنطقة بكل جوانبه الطوفانية ألقى بالحدث الفلسطيني إلى الخلفية وترك المجال مفتوحاً لـ (فوهة الوقت الإسرائيلي)لتقذف حممها في كل الاتجاهات الفلسطينية والعربية.
اللحظة الزمنية تلك والتي يقف محمود في عينها هي التي ستكشف لنا في الآتي من النص الخطاب المتشعب الصادر عن شخص يعود بعد غياب إلى مدينة حُفرت صورتها في الذاكرة ليجدها حية ميتة يختصر وجود الحياة فيها الحمامات ويختصر وجود الموت فيها الدبابة !
كما أن مراقبة ما كتبه الشاعر منذ عودته إلى الأراضي المحتلة تكشف اختلافاً نوعياً في النص ـ الخطاب الذي يقدمه الشاعر الآن وبين ما قدمه الشاعر قبلاً، هذا الاختلاف سنحاول إيجاد تفسيره في إطار البحث عن حوار في داخل نص الشاعر مستخدمين جملة مفاهيم لسانية متداخلة مع قراءة سياسية لاتدّعي الكمال أبداً. 2ــ الحدث والحدث شعرياً :
يسجل محمود درويش في حالة حصار حدثاً تملأه جملة وقائع لا ينتظم سياقها في تسلسل تاريخي أو زمني معين، فهو ينتقل في حدثه بين مستويات عدة في كل مستو منها وقائع مختلفة لا تتطابق مدلولاتها، بناءاً على اختلافها أولاً، وعلى تنوع مضمون الخطاب الإيصالي ثانياً، والناتج عن تنوع محاوره والفصل بينها في نيّةٍ لإطلاق الخطاب المتشكل آلياً في النص ليأخذ فاعليته وفعله في الرد على الحصار ثالثاً.
ولاينتمي تسجيل الحدث إلى التأريخيّة انطلاقاً من الراهنية أولاً، وغياب السردية بوصفيتها وأدواتها ثانياً، وانتماء النص ثالثاً وأساساً إلى الشعرية وهي من الأدوات التي تقارب التاريخ ملامسةً ولا تنتهي فيه بل (عنده)، ويبرز ذلك في النص من خلال استخدام التسجيلية عبر لقطات أو فلاشات آنية تحدث الآن أو حدثت بالأمس وهي تحيل في الوقت ذاته إلى سؤال النص المعرفي الأساسي: معرفة معنى الأنا والآخر ومحاولة تأسيس ارتباط قاعدي بالخطاب الذي يتلقى هذه الأسئلة ويعيد إنتاجها مرسلاً كلامه ووظيفته في فضاء النص.
كما أن تواجد عدة مستويات في الحدث ذاته لا يشير بديهةً إلى الفصل بينهما بقدر ما يشير إلى تمازجها وتداخلها وإمكانية القفز من واحد منها إلى آخر ثم العودة إلى نفس المستوى أو القفز إلى مستوى آخر جديد.
هذه اللعبة الفيزيائية الشعرية اللاشعورية تحدث حين يخرِج المستوى بأبعاده إشارات تنتسب إلى النص وتتفارق معه في نفس الوقت (أليست بعض الكلمات علامات مفتاحيه في مفازات النص وهي بالتالي الدلائل الفيزيائية في معرفة النص واستقرائه؟).
تنتسب الإشارات إلى النص لجهة إنتاجها عبر(المعنى) وهو بابٌ (إجباريٌ)للغة(13-1) تعبره اللغة لبناء مدماكها ،وتتفارق معه الإشارات بسبب انتمائها إلى مرسل يُْصدرها في فضاء النص لتشكل جملة المفاهيم والأدوات اللغوية والتي منها تشتق الأنساق الاستدلالية والوظيفية مشكّلةً بنية الخطاب .
نؤكد هنا أننا لم ندخل هذا الجدل طواعية فنص محمود درويش يستند إلى أرضية بلاغية ولغوية صلبة يعززها فرادة الشاعر وتمايزه وقلقه الدائم وأسئلته المستفزة وقدرته على توجيه خطابه(أكان مضمراً أم علنياً) إلى جهات لا يتوقعها القارئ المتابع له والمتعاقد معه في مشروعه الشعري(12).
إن لعبة الانتماء والمفارقة في إشارات كل (مستوى) تنساب في كلّ هيكل النص خالقةً جدليات عديدة تهدد كل منها القارئ في تلقيه للنص (مهما أعاد القارئ قراءة النص ) وذلك لأن تعلقا أو تشابكاً بدرجة اقل بين القارئ والوحدات القرائية المكونة للنص يصعب بناؤه تراكمياً فهناك انفصالٌ في الوحدات القرائية أولاً، وهذه يتغير حجمها لتصل في بعض النص إلى جملة واحدة تشكل بذاتها بنيةً مغلقةً كاملةً راسمةً عالمها الخاص ومستواها وحتى نسقها وخطابها، وعلى العكس من هذا ثمة اتصال في بعض الوحدات القرائية( وهي المقاطع التي تملك موضوعاً واحدًا) يجعل استقراء الخطاب متتابعًا و على مراحل.
صعوبة البناء التراكمي تجد تفسيرها كذلك في الإحالة إلى عنوان النص فهو( حالة حصار) أي أن الزمن المشكل فيه النص هو زمن متوتر، متقطع، مترقب باحتمالات مفتوحة على كل تصرفات الآخر (المحاصِر) والأنا (المحاصَر) وعلاقة القوة ـ الضعف محسومة لصالح الآخر كون الحالة ( حالة حصار)يحاصر فيها الآخر الأنا سواء كان فرداً (الشاعر) أو جماعةً (سكان المكان المحاصر) وإذ يعيد الزمن تشكيل حصاره الخاص على الشاعر وعلى نصه بالتالي فإنه ينقل معه توتره وتقطعه وترقبه إلى الخطاب المنتج.
على هذا الجدل نطرح السؤال التالي: ما هي المعرفة التي يقدمها الخطاب في النص ؟
3 ــ شُرع المعرفة ((codes du savoir (1ــ337)
تتحول العناصر والممكنات والموجودات في نص محمود درويش لتصبح معرفية عبر تحويلها من (الإخبارية)إلى المعرفية بإسنادها إلى( مركّب) تحويلي ــ تبادلي يقوم بنقل (الإخبارية)من حقل الحدث إلى الحقل المعرفي ضمن شروط النص وضمن شروط الخطاب بحيث لا تشكل المعرفية حاجزاً بين النص والقارئ وبحيث تنغلق الإخبارية ضمن النص وتتوضع فيه كأحد مكوناته ثانياً.
يستخدم المركب التحويلي شرعاً موضوعاتية وجودية(أعلى ـ أسفل )وشعرية (قاتل ـ شهيد)واستعارية(الشهيد يتكلم ) وينتقل بها النص بعد امتصاصها و" تحويل أزمنتها الفعلية وتعديل ضمائرها وإشاراتها كي تتسق في إحالاتها واتجاهاتها(3ـ101) إضافة لذلك فإن هذا المركب يقوم بضبط جماليات التفاوت المحسوب بينها طبقاً للقول الشعري المنساب في متن النص والصادر عن رؤية الشاعر.
ما هو هذا المركب الذي له هذه الفاعلية الأدائية ؟
لقد سبق للشاعر أن استخدم نصوصا معرفية لإنتاج نصوص شعرية تتفا رق مع النص المعرفي و لكنها تنتمي إليه في نفس الوقت (كما في قصيدة خطبة الهندي الأحمر على شاطئ المتوسط) وما يميزها عن النص المعرفي هو طريقة الأداء المعلوماتي بحيث يتم خلق تماثل على صعيد الوحدات الدالة (monemes ) (3ـ71 ).
يساهم هذا التماثل في تكوين المعنى خاصةً باستخدام الوحدات الصوتية وهو يحدث بشكل اعتباطي ينفذه الشاعر مستنداً إلى خبرته الخاصة وثقافته المميزة.
نخلص إلى أن المركب التحويلي التبادلي هو مجموعةُ الأدلةِ المتباينةِ الوظائف بحيث تربط بين أطرافه علاقة اشتراط متبادل خاصة علاقات التأليف بحيث أن محمود درويش يملك شجاعة الربط بين كلمتين لم تقترنا أبداً من قبل (3ـ72).
توجد داخل الحقل المعرفي فروق أكيدة في فضاء المعلومة وفي حرية التعامل معها وتوظيفها ولكن ما هو مؤكد أكثر أن إنتاج هذه الفروق يتحصل لصالح الخطاب و ينتهي فيه وتنتهي فيه الفروق المعرفية غائبةً.
4 ــ جدلية الحضور والغياب : افتتاحيات المكان العاطل
ترتكز حالة حصار على حقل معرفي تنمو فيه المكونات بنوعيها المادي والمعنوي ويتحدد محيط الحقل المعرفي بصورة أولية بالمدينة المتر مدة الميْتة الحية وفي هذه المساحة ينمو الخطاب ويتمدد خارج التضاريس الجغرافية للمدينة إلى كل الجهات وينتشر في الزمان سابقاً وآنياً ولاحقاً في وحدة تتحقق بالعودة إلى الحقل المعرفي دائماً (الحصار).
في نموه وتمدده يكتسب الخطاب شرعيته كما يكتسب نسيجه العضوي من تشابك وحداته العضوية في قلب الزمان ـ المكان الفعلي الواقعي لا المتوهم أو المتخيل، وعلى هذه الوحدات البنائية ينبني مجمل الخطاب أو ما يمكن أن نسميه (نص الخطاب )، وما يؤكد واقعانية المكان والزمان إحالة عنوان النص إلى فضاء زماني(آني) مؤقت (حالة) وإلى فضاء مكاني مؤقت كذلك(حصار)، ولا تلغي الآنية الواقعانية في الخطاب لأنها استثناء يؤكد الأبدية وهذه الأخيرة تتأكد بامتداد المكان والزمان باتجاه الماضي و باتجاه المستقبل أيضاً، كما تتأكد بإصرار الشاعر على ربط عناصر الحقل المعرفي(أو مكوناته) الإنسانية بالأشياء والطبيعة وهي العناصر الباقية(كما يقول الشاعر في حديثه أثناء توقيع كتابه).
إن بقاء هذه العناصر (الأشياء الطبيعية ) هو مفتاح توليد الأسئلة ونشرها فالعلاقة التي تقيمها هذه العناصر مع الأشخاص هي التي تحقق بجزء كبير منها وجودية الأشخاص، من هنا يظهر مفهوم الوطن ولا نستبعد تأكيداً بقية العناصر المنشئة لهذه العلاقة (التاريخ، التراكم، الأرض، الآخر الذي يشبهني، الدِّين...........)
تتوالد أسئلة الفلسطيني (والشاعر) من مفهوم الوطن وما قبله من علاقة بالأشياء، على أن هذه التوالدية متوترة بسبب من انتفاء المفهوم فعلياً أو ضياعه بين آخر فلسطيني هو السلطة الوطنية و آخر إسرائيلي محتل، وبقدر ما يتطلب التباس اللحظة والشك فيها طرح الأسئلة، بقدر ما يبتعد عنها الفعل والفاعل ليتحول المشهد بجملته إلى لحظة يباس إنساني عاطل إلا عن فعل الانتظار الذي هو شكل تكتيكي لدفع الموت وسط عطالة متأصّلة قدرية، ترخي بخوائها الهائل على زمن لم ولن يستفيد من الترسب التاريخي إلا في تكريس الالتباس الذي ( لن ينقذنا منه تربية الأمل ).
تأصّل العطالة ذاك يجد سياقه في ثنيات النص ذهابًا في التاريخ يتلقى إسناده من الامتداد العطالي في الفكر واللغة والحياة عبر الحامل الأولي (الدين) بكل تخريجاته وصولاً إلى راهنية الحالة:عطالة عن العمل، عطالة عن الحياة بتحول العقل ليصير( أقل ذكاء ) وأقل إحساسًا والتقاطاً للآتي وحتى للسابق (فهنا بعد أشعار أيوب لم ننتظر أحداً) وهذا إشعار بحضور غائب هو( فعل الآخر العربي أو الدولي ربّما) بتواز مع إلغائه من الذاكرة الجمعية حيث يعتمد مجرى الخطاب هنا على (الّنا والنحن ) في غياب للذات الفردية إزاء حضور طاغ للذات الجمعية و في انسياق لمسيرة اتصال النا والنحن بالتحولات المكانية الحادثة، متضمَنةَ في تشابك زمني يحدث كاستمرار، وليس كحدث جديد فـ(نحن هنا منذ ثلاثة آلاف عام نراقب قمة التل ونتساءل بماذا يفكر من هو هناك؟) .
بذلك يكون تبادل الاتصال بين ذات الشاعر والعالم قائماً على إسناد الإيصال إلى لغة الشاعر بما هي كائن يختزن ويرى ثم يعيد إنتاج العام عبر الخاص وهو هنا النص ـ اللغة بما هي أداة للإيصال تفكر بذاتها (11ـ( 851 بقدر ما تتلقى معناها من كونها حدثاً مسروداً أسند إلى خطاب له قانونه الخاص ((88-3.
إسناد الاتصال هذا يتروهن أيضاً بالعطالة السابقة فالمراوحة في الرؤية الجمعية تجعل من عناصرها مصابة بالعجز شبه الكلي، فلدينا مثلاً تكرار هائل للترابطات بالنحن دون فاعلية مما يجعل العلاقة مع الأشياء ملتبسة، إنها عين الحضور الجماعي الخائفة المستلبة التي تضيّق فضاء رؤيتها للأشياء و تضيّقت إرادة تجاوزها لغيابٍ متكاثر متحولةً إلى عناصر هلامية، فعلها الممكن ينحصرفي اليومي الذي يُخرِج الناس إلى حيّز لم يملأه الآخر (المحتل ) بعد (إلى سطح البيت، حبال الغسيل، الشارع في لحظات غياب الآخر) وحتى هذا الفعل الممكن إشكالي بمعنى قدرة الآخر على اختراقه دائماً.
ماذا عن حضور هذا الآخر الإشكالي ؟
بدايةً هل يمكن اعتبار المحتل آخرًا ولماذا ؟
وفق المنطق الفيزيائي للأشياء إنه كائن له كتلة (وجود مادي )وفعل (وجود معنوي ) وإدراك (وجود عقلي ) وأجياله الأخيرة ولدت على أرض فلسطين التي يعتبرها الفكر والعقل اليهودي أرض الميعاد والتي وعدهم بها الكتاب المقدس لهم (التوراة) وهذه الأجيال لم تعايش الدياسبورا اليهودية (كما الزعم )إنما خلقت على أرض الميعاد التي يتواجد عليها كائن محتل(عربي فلسطيني) لهذه الأرض وهو كائن وليس من الضروري أن يكون إنسانا إذ قد يكون أفعى أو كلب إنما ليس إنساناً بالتالي العلاقة مع هذا الكائن قائمة على الحدية والحدية جداً( اقرأ كتاب راشيل مزراحي أحدهم يموت والآخر أيضًا الصادر عن دار هاشيت الباريسية 1985) كذلك الإلغاء شبه الكلي لأي فكرة عن إمكانية نشوء علاقة ما مع هذا الكائن خارج علاقة السيد ـ العبد أو علاقة الذكي ـ الغبي، البسيط الساذج.
يكشف البحث عن الآخر في المكان الفلسطيني عن تعالق بين وجهي الداخل والخارج، بين الذات الفلسطينية الفردية والجماعية والذات الصهيونية الفردية والجماعية، هذا التعالق يغيّب الوجوه من النص لتبقى في فضاءه كائنات حاضرة بلا ملامح، ضائعة في المكان والزمان المنسابين في خط أفقي لا يقطعه سوى دوي الدبابات والمدافع، وهذه الكائنات يجمعها ولا يوحدها النص في إطار خطاب يتناثر بتخريجات مشهدية عديدة، كما يجمعها حدٌّ آخر متضمَن في النص ــ والواقع كذلك ــ هو العسكرتاريا وهو حد فاصل يفصل الجميع عن المكان والزمان ويوحّدهم به هو كمتفرد يحطم المشاهد كلها ليبدو هذا الحد مرآة مزدوجة ( شاشة) تقوم بين الجانبين محققة
( امتزاجها بترك الخارج يدخل والداخل يخرج، إنها تفصلهما وتصلهما معـاً (18-6 ) وعلى هذه الشاشة يحدث الانفصال البنيوي الحارق جداً والاتصال البنيوي الحارق جدًا كذلك.
إن تمدد العسكرتاري في النص لا حدود له لدرجة يصعب فصله فيها وإعطائه جغرافيا وتضاريس محددة فهو حاضر حتى في أكثر اللحظات افتراضاً لغيابه: لحظة الحب (قالت امرأة للسحابة غطّي حبيبي فإن ثيابي مبللةً بدمه)، هذا التمدد يخترقه الشاعر بخطاب مباشر للعسكر المحتل حيث نجد مع الترابطات بالـ( نحن ) تكراراً للترابط بـ (أيها) مشيعاً إياه (الخطاب )باتجاه زمن يرشح فيه الهدوء والرغبة بالسلام.
كذلك يجب التنبيه هنا إلى أن العسكرتاري هو جزء من الذات الصهيونية وليس طرفاً ثالثاً في المرآة التي تعرض وجهي الصراع والشاعر يؤكد على هذه المقولة عبر نصه والنصوص الأخرى.
5ــ جدل البلاغات الإسنادية: رائحة الكلام ودوخة الصورة (442-1 )
هنا عند منحدرات التلال، أمام الغروب وفوهة / الوقت،/قرب بساتين مقطوعة الظل،/ نفعل ما يفعل السجناءُ،
وما يفعل العاطلون عن العمل: /نربّي الأمل !
في جملة واحدة (وحدة بنائية ) يحدد الشاعر المكان الأول للنمو في حقله المعرفي ويؤسس عليها فكرة خطابه الأولى كذلك، فهذا المكان هو (الشاعر) وعلى امتداد يديه وهي تشير إلى( هنا ) أي مكان قريب تتوضع عنده منحدرات التلال وهذا التوضع يبدو ملحقاً في طرف المكان (أو في وصف المكان )(عند) كذلك (أمام ) ليتحد أخيراً في (قرب)، وهذا التدافع الوصفي للمكان لا يترك فواصلاً لالتقاط الصورة المشهدية الجزئية و لا يستقر حتى ينتهي استطلاع المكان والتنبيه إلى الوجود البشري فيه وترسيمه كفاعلٍ منقطع (قرب بساتين مقطوعة الظل ) والجملة تشير بوضوح إلى الفعل البشري القديم فـ ( بساتين ) هي لهذا الجمع البشري الذي يفعل ما ( يفعل العاطلون عن العمل ) و هذه البساتين ( مقطوعة الظل ) في إشارة إلى آخر ستظهر صورته بوضوح في التالي من الخطاب مرسخاً القطيعة بين الجمع البشري الذي بدأت تتحدد ملامحه من خلال صورة فعله و الآخر الداخل قسراً إلى جمالية المكان ملغياً هذه الجمالية (قطع الأشجار).
بنهاية الاستطلاع المكاني الزماني وتحديد عناصر المشهد المكانية( التلال ـ أمام الغروب ـ فوهة الوقت ) تتحدد علاقة الجمع البشري غير الواضح المعالم بالمكان فهي علاقة انتماء فيها من عناصر التنافر ما يجعل الناطق باسم المجموع وهو الشاعر قادراً على تحديد تحول تال للمجموع يرسخ انقطاع المجموع كفاعل واستمراره كمنفعل (بلاد على أهبة الفجر /صرنا أقل ذكاءاً/لأنا نحملق في ساعة النصر /لا ليل في ليلنا المتلألئ بالمدفعية....)فنحن صرنا أقل ذكاءًا أي أن هناك تقلصاً في علاقة المجموع العام بالمنطق والإدراك والعقل وذلك (لأّّنا نحملق في ساعة النصر) وذلك لأن(أعدائنا يشعلون لنا النار في عتمة الأقبية )، حيث يضاف هذا التقلص إلى انقطاع المجموع عن الفعل واقتصاره على (العطالة ) المؤسسة على يأس شبه شامل فـ( هنا يعد أشعار أيوب لم ننتظر أحداً ).
نستطيع القول هنا بصورة أولية أن الإشارة المستمرة إلى المكان تجعل من المكان بمختلف امتداداته وعلاما ته مرجعاً أساسياً إلزامياً (1ـ368) في مختلف الإحالات التي يقودنا إليها الشاعر وإذا جاز لنا ربط هذا المرجع بتراث الشاعر سنجد أن سؤال المكان ( الفلسطيني ) سؤال يرسم غياباً يتشرعن في انقطاع الفاعلية: ما نفع وجودي على أرضي إذا كان ( هنا لا أنا ) بل (هنا آدم يتذكر صلصاله )؟ إن مرجعية الأنا هنا هي المكان والذي (فيه ) مجموع غائم الملامح لا أنا فيه بل فقط ذاكرة ترتبط بالماضي البعيد وبما يشبه حنينا فقط !ويجب الإشارة هنا إلى أن تفارق الذاكرة مع الأنا عائد في جزءٍ منه إلى الآخر الذي لا يترك فرصة لظهور( أنا ) كما لا يترك فرصة لظهور(مجموع ) طبيعي !
يخلق المجموع العام والذي ينتظر اللاشيء غُيّاباً آخرين خارج المشهد أو في ثناياه يقوم الشاعر بتوجيه رسائل إليهم.ترى هل يمكن اعتبار تلك الرسائل ـ الصور التي يوجهها الشاعر في هذه المرحلة من خلال إسنادها إلى جملة آخر خارج الفلسطيني( القتلة ـ المستشرق ـ الناقد ـ القارئ ) بمثابة تقويم لهذا الانتظار؟
راهنية الرسائل مع خطابها ومع الإشارات التي يحررها الشاعر إنْ كان عبر الأنا أو كان عبر الآخر (الفلسطيني، أنا الشاعر الجماعية ) تؤسس للغة حوارية المحدث فيها والخطيب هو الشاعر
أي أن هناك حواراَ يختار الشاعر له شخصيات لايمكن تحديد قيمتها إيجاباَ أو سلباَ وذلك لأنها حاضرة من خلال صورة فعلها وليس فعلها فالناقد في نص الشاعر لم يفسر كلام الشاعر لا بل إن الشاعر يخاطبه ألا يفعل ذلك مستخدماً أدوات معرفيةً مغرقةً في الغموض والتعددية الاحتمالية ( فخاخ الطيور) في إشارة مبطنة إلى لغة النقاد الملتبسة بالمصطلحات وهو يدعوه إلى فعل قراءة تالية ( يحاصرني في المنام كلامي/ كلامي الذي لم أقله ) أي أن الإحالة هنا Reference هي إلى علاقة تجاورية مع زمن الكلام (الآن) وربما مكانه أيضاً( غرفة الشاعر أو منزله) وهي حالة مرتبطة وجوباً مع أنا الشاعر بحكم صدورها عنه أولاً وبحكم تبني الشاعر لها ثانيةً.
بعيداً عن مفهوم القيمة فإن هذه الرسائل ليست الرسائل الأولى التي يوجهها الشاعر إلى الآخر(أكان المحتل أو غيره) والشعر أساساً تداخل بين الأنا والآخر في مساحات غير محددة ولكن الخطاب هنا يكتسب أسبابه من الحدث ويأخذ أقصى دلالاته من تداعيات الظرف العام الذي قد لا يكون جديداً بحد ذاته إلا أنه يحدث وسط انكسار فلسطيني وانصراف عربي إلى تبرير الهزائم وشرعنتها و(ترك الأخوة الفلسطينيون يقررون مصيرهم ) و(ما داموا هم موافقين فنحن موافقين).
أيها الواقون على العتبات ادخلوا / واشربوا معنا القهوة العربية / (قد تشعرون بأنكم بشر مثلنا)./ أيها الواقون على عتبات البيوت / اخرجوا من صباحاتنا / نطمئن إلى أننا بشَرُ مثلكم !
الصورة الطبيعية للاحتلال: الجنود واقفين على العتبات، والبيوت هي المساحة التي لا تزال فارغة نظرياً من حضور الآخر، وفي دعوة الشاعر للدخول وبصيغة النحن دعوة إلى تعالق حضاري، فالعتبات هي الحد الفاصل في معرفة الآخر الفلسطيني، فلا تداخل بينهما إلا على المرآة المزدوجة لذلك يدعوهم الشاعر للدخول، وكسر الحد الأهم في معرفة الآخر الفلسطيني:الحياة اليومية والوجع اليومي، وهذا فعل أول، ليأت الفعل الثاني وفي ذات الإطار (معرفة الآخر) (اشربوا معنا القهوة العربية )القهوة بما هي مادة الضيافة العربية و(اشربوها معنا )في إحالة ثانية إلى علاقة تجاورية مع (مكاننا وزماننا) وإذا كان ( المكان ) أساسا مكاناً فلسطينياً فان وجود (الآخر ـ الجندي ) يلغي فلسطينيته ولو على مستوى القول فقط وفي الاحالة إلى التجاور مع المكان يتحدد الزمن التالي للخطاب ( أخرجوا من صباحاتنا ) وهو الفعل التالي
( فعل الخروج ) لتتحدد النتيجة الشرطية: علاقة السلام المعرفي، والمعرفية هنا تتأتى من التقابل الضدّي الذي يحكم المقطوعة ـ الرسالة(قد تشعرون بأنكم بشر مثلنا/ نطمئن إلى أننا بشَرٌ مثلكم !) حيث الفعل الأول بعد أداة التحقيق هو الفعل ( تشعر) موجهاً للآخر بصيغة جمعية ملاحظين هنا أن الفكرة في سياق المقطوعة قاطعة للسياق النصي وللخطاب كذلك، وتظهر فيها لغة التعالي اليهودية(بشر مثلنا)وبحيث تبدو الفكرة كأنها استنتاج سابق للحوار المعرفي مع الآخر (الجنود) وهو الحوار المبتور لأن الفعل التالي هو (الاطمئنان إلى بشريتنا) وفي فعل الاطمئنان حضور لغائب هو الخوف، حضور تقابلي لفعل العلاقة الملتبسة مع الفلسطيني أي أن العلاقة علاقة إلغاء، ولنلاحظ التقابل كذلك بين بشرية الجنود وبشرية الفلسطينيين فالاتجاه في العبارة الأولى هناك أولأً آخر ثم نحن وفي الثانية أوّالية الاطمئنان الذي نطلبه نحن ثم الآخر والمفقود بين الاثنين والمبحوث عنه هو الاعتراف بالحالة البشرية في مساواة يحققها خروج الآخر من (زماننا).
هذا الخروج غير المتحقق الآن هو الأساس الذي يترك للرسائل التالية الفرصة للظهور والرسالة التالية (إلى قاتل )مرتبطة كذلك بالإحالة إلى شخص له قيمة سلبية في التعريف به (قاتل) وهي في قوام الخطاب تحمل قيمة اتهامية مباشرة :
(لو تأملت وجه الضحية/ وفكرت.... /كنت تذكرت أمك في غرفة / الغاز، كنت تحررت من حكمة البندقية /
وغيّرت رأيك: ما هكذا تستعاد الهوية!)
لم يسبق لمحمود درويش أن تناول موضوعاً يتناول الحوار مع المعتدي (الآخر) بهذا الهدوء وهذه (الحكمة)فليس للقاتل وقتٌ للتأمل تأكيداً إلا أن الزمن الشعري يرغب بتحويل الحركةـ الفعل إلى حركة تغيير تنتهي عند الحلم بزمن يتم فيه تشغيل العقل عند الآخر (المحتل) وذلك من خلال استيراد رموز تنتمي لعقل الآخر(غرفة الغاز).
ترتبط غرف الغاز النازية بالذاكرة الجمعية اليهودية خاصة الأجيال التي ربتها الصهيونية في فلسطين بعد تأسيس دولتها هناك، من هنا فإن الشاعر يستخدم لغةُ مفهومية تلامس الذاكرة تلك وهو يٍُِعمل الربط من جهة الأم وهي الجهة الأقوى في ارتباطات المجتمع اليهودي ببعضه البعض كونه مجتمعاً أمومياً للآن.
في غرف الغاز والتي راح ضحيتها عدد من الفقراء اليهود يختلف تقدير عددهم باختلاف المراجع وكل ٌحسب رؤيته أو مصالحه، في هذه الغرف أو زمنها كان اليهودي ضحيةً وعبر هذه الذاكرة ـ اللقطة المشهدية ـ يمكن استدراج القاتل إلى فعل ( التأمل ) ثم ( التفكير ).
التأمل في وجه الضحية من منطلق التماثل في الضعف و السحق و العجز وأخيراً الموت و من ثم كنتيجة منطقيه صُورية(التفكير) و (التحرر) من أسر الرابط مع النازية: السلطة و السلاح والقمع لنصل إلى النتيجة الأهم: المعرفة بأن هذه الطريقة لا تجدي نفعاً في استعادة الهوية المفقودة، فحتى تستعيد هويتك المفقودة يجب أن تبدل كينونتك، ذاكرتك المرتبطة بالبندقية وأن تلجأ إلى ذاكرتك الجمعية الحقيقية(ربما) لتعود إنساناً سوياً له هوية معترف بها.
ممن ينتظر اعترافاً ؟من الضحية ؟ لا نعتقد، لأن العلاقة مع الضحية أساساً قائمة على الإلغاء، والشاعر يطرح رؤيته ـ حلمه دون انتظار الأجوبة.
إن التناقض الذي تطرحه الهوية ينبع مما تتطلبه من هز لأركان الاستقرار(81-6) وهذا ما حدا بالشاعر لطرح تصوره السابق مع ملاحظة أن (الهوية تحمل في طياتها هاوية ) وهذه التوليدية ستطرح مجددا في أسئلة حوارية تالية بجهة واحدة كونية الدلالة ومنطبقة على أية بلاد والمريمية وحدها ما يقودنا دلالياً إلى فلسطين:
( قال معتقل للمحقق: قلبي مليءٌ بما ليس يعنيك / قلبي مليءٌ برائحة المريمية /
قلبي برئ مضيءٌ مليءٌ، /..../ أنا لا أحبك، من أنت حتى أحبك ؟/
هل أنت بعض أناي، وموعد شاي، وبحة ناي، وأغنية حتى أحبك ؟ / لكنني أكره الاعتقال ولا أكرهك/.....) .
يرينا هذا النص صورة مشهدية كاملة للأسئلة التي تطرحها فكرة الهوية والتداخل بين وجهي المرآة المزدوجة والتعالق الممكن حتى يتم سؤال الهوية عند الآخر وعناصر هذا التعالق تبدأ بأبسط العناصر الأولية (بعض أناي ) ومن ثم (موعد شاي ) وأخيراً (بحة ناي) أي أنها جملة المنتوج الحضاري، أولاً: معرفة كُلٍ للآخر(يتضمن الوعي بالذات الوعي بالآخر، خاصةًَ إذا كانت الذات فاعلةً وعلى أبسط المستويات)، وثانياً التعايش وتبادل العلاقة اليومية والإنسانية(ليس شرب الشاي تقليداً إنكليزياً فقط!) ، وثالثاً التداخل المعرفي ( ليس أشدّ حزناً من نغمات الناي إلا لحظات الحزن التي تترافق معها!) وتنتهي بما تردمه هذه العناصر من فراغ في فضاء العلاقة الملتبسة بآنيتها وحتماً بتاريخيتها.
ردم هذا الفراغ يلغيه الاعتقال، الاعتقال كفعل ينفذه الآخر بوجهيه (السلطة الوطنية(!) والمحتل) وكعلاقة بين اثنين:إنسان من (الشعب !) وسلطة تقف ضده في بحثه عن هويته والتي يقوده البحث عنها إلى الهاوية، ومن هنا نلاحظ التسارع اللغوي الذي يلف النص السابق والأسئلة الكثيرة التي يطرحها المعتقل على المحقق عكس المتعارف عليه في التحقيقات وهي أسئلة وجودية متراوحة بين الأنا والآخر ومتعددة المفاهيم فالمعتقل لا يحب المحقق ولكنه في الوقت ذاته لا يكرهه والعلاقة كان من المكن أن تكون بشكل مختلف لولا الاعتقال (الدولة مرّة أخرى كأداة قمع متراكبة في النموذج الصهيوني فقد كان من الممكن لوأن المحقق(وجماعته تالياً )يرى في الأخر الفلسطيني الصفات البشرية أن يحبه المعتقل ).
وهذا يعيدنا مرةً أخرى إلى مضامين الخطاب الذاتي الذي يقدمه الشاعر متضمناً في خطاب الآخر المنتهك الذات والذي تتأرجح أحلامه حتى حدود المريمية وبحيث تنمحي الحدود بين الخطابين ويتوحدا في الحلم النهائي دون الوقوع في شبهة الرومانسية ( الاعتقال أشد واقعية من النص ذاته ).
يتضح التعالق الحضاري في صورة مشهدية أخرى يوجهها الشاعر إلى (قاتل) مجهول الاسم ومعروفٌ فعله فقط:
( لو تركت الجنين ثلاثين يوماً، / إذاً لتغيرت الاحتمالات: / قد ينتهي الاحتلال ولا يتذكر ذاك الرضيع زمان الحصار /
فيكبر طفلا ًمعافى / ويدرس في معهد واحد مع إحدى بناتك / تاريخ آسيا القديم /
وقد يقعان معاً في شباك الغرام / وقد ينجبان ابنة ( وتكون يهودية بالولادة ) /
ماذا فعلت إ ذاً ؟ / صارت ابنتك الآن أرملة / والحفيدة صارت يتيمة / فماذا فعلت بأسرتك الشاردة /
وكيف أصبت ثلاث حمائم بالطلقة الواحدة ؟ / )
الفعل الأول في المشهد هو التمني كما في المشهد السابق يليه فعل قتل متوقع في سياق استخدام الفعل الماضي ( تركتَ) والمفعول به الجنين أما الفاعل فهو الذي تتوجه إليه الرسالة.
المشهد برمّته يتسارع فيه الزمن فيه صعوداً كما المكان يتسارع متغيراً. من اليوم إلى زمان الحصار إلى زمان الاحتلال وإلى زمن الطفولة و الدراسة إلى زمن الحب والزواج والولادة ليكون القطع باْن كل هذا المشهد مجرد (احتمال ) لن يحدث لاْن الفعل قد تم ( ماذا فعلت إذاً ) والنتيجة على قََدْر سخريتها احتمالية الحدوث (/ صارت ابنتك الآن أرملة / والحفيدة صارت يتيمة / فماذا فعلت بأسرتك الشاردة /وكيف أصبت ثلاث حمائم بالطلقة الواحدة ؟ / )
إلى ماذا يدعو الشاعر هنا علماً أن المشهد هو نقل شعري لحدث واقعي جرى على أحد المعابر في قطاع غزّة قتل فيه جنود الاحتلال امرأة فلسطينية حامل ؟ ! .
" إن الشاعر جزء من مقاومة الاحتلال وهو مطالب بالوفاء بالصورة التي يرصدها القارئ من جهة، ومطالب بالتمرد على ما يتوقع منه كمنتج لخطاب مباشر للشعارات الشديدة التأثير من جهة أخرى "( من كلمة للشاعر في احتفالية فلسطين التي أقامتها الجامعة الأمريكية في القاهرة ضمن عام فلسطين 2002 كانون أول ).
بدايةً هل يمكن الافتراض أن النتيجة التي أفضت لها هذه الحالجمعين، الاتجاه الواحد (لاصوت إسرائيلي في الحوارية) هي النتيجة المنطقية لبداية أول فعل فيها القتل وبالتالي احتمال القطع المعرفي فيها بين الطرفين وسيطرة الاغتراب والالتباس على فضاء العلاقة بينهما لنعود إلى جدلية سابقة وحلٍ لها هو( اخرجوا من صباحاتنا )؟ إن هناك هزيمةُ أخرى للوعي الحضاري على مستوى العلاقة بين الجمعين، إنها مرة أخرى قمةٌ أخرى من قمم التفارق بين تاريخين لم ولن يلتقيا فهذا الالتباس والتنافر بين الذاكرتين لن تمحوه اتفاقيات سلام ولا حكومات نواياها سلمية (8).
تقوم اللغة هنا بفعلها المباشر كحامل معرفي تاريخي أنجز رؤيته للتاريخ لجهة كونه ساحة صراع استطاعت أن تحّدد وعي كل من الطرفين المتجاورين تاريخياً والمبتعدين فكرياً وحضارياً والمستمرين في تعالق حضاري متفارق ومن هنا كانت النتيجة السابقة (الصّفرية ) ومن هذه النتيجة ينطلق الشاعر ليقدّم بقية خطابه المرتكز على الالتفات إلى الداخل وما يجري فيه ومن ثم إلى الخارج بعناصره المتشاركة مع ما يجري في الداخل ( شبه المستشرق ) والغرب عموماً. والغرب هنا تعني كل العالم وليس الجهة الجغرافية أو المعرفية المتعارف عليها إعلامياً ( عربياً على وجه الخصوص ) وتعني أوربا وأمريكا الشمالية .
6 ـ جدل البلاغات الإسنادية: رائحة الشهداء:
( الشهيد يحاصرني كلما عشت يوماً جديداً / ويسألني أين كنت ؟ / أعد للقواميس كل الكلام
/الّذي كنت أهديتنه / وخفف عن النائمين طنين الصدى )
رسالة صوره مشهدية حواريّة باتجاه واحد يتلقى الشاعر فيها مساءلة وحصاراً آخر فوق حصار الإسرائيلي للمدينة ومرسلها حاضر ـ غائب، حاضر في كل "الحصار" وفي لغة "الحصار" وفي نتائج الحصار وفي امتداداتها عبر الأنا والآخر وبمختلف مستويات المعنى الملحوظة في السياق أو تلك المختبئة بين الكلمات، حاضر في الحاضر وفي الماضي ومنقطع في المستقبل وهو غائب لأن علاقات (أناه )مع العالم تتجه من العالم إليه أو منه إلى العالم في خطين متوازيين فثمة تعديل وجودي يحيل علاقات الأنا نحو عالم يخاطب منه عالم الحاضر ومن هذا العالم يدخلنا إلى تساؤلاته وطروحاته الجديدة.
تحمل هذه الصورة المشهدية ( مرافعة نظرية لغوية ) تستحضر أدوات اللغة:الكلام وحواضن المفردات ـ القواميس ـ لكي تمارس (كلامها )على اللغة منطوقةً (أو ممارسة كلامياً) عبر الناطق الأشد تعالقاً مع اللغة ـ الواقع، مع الكلام ـ الممارسة، وإذ يمارس كلامه (محاكماً )الشاعر الذي هو الكائن الأشد تعالقاً (أيضاً )مع اللغة ( والعلاقة مع الواقع شعرياً اختلافية )، فهو يمارس إلغاءاً لـ (أسطرة )القول (أعد للقواميس كل الكلام /الّذي كنت أهديتنه، )وأن تعيد كلاماً إلى القاموس فأنت تعيد الكلام إلى (الغبار والنسيان ) والقواميس كلامٌ مؤجّلُ الفعل والحركة والوجود، وعملياً في خطاب الشهيد هذا رجوعٌ إلى شرعية الواقع مواجهاً(شرعية الكلام المفخخ) الذي يشتهر به العرب.
إن خطاب الشهيد المتضمن في نص الشاعر السابق يمارسُ تحليلاً وظائفياً للوعارية بينلى الكلام المسهب الذي قيل في الشهيد سواءاً على مستوى النص الديني المقدس أو بقية أنواع النصوص المتعالقة مع الحياة اليومية(وهو ما سنراه بوضوح في صورة تالية من النص ) أدواته مشتقةً من الحصار ذاته (يوماًجديداً، أين كنت؟)وهي بهذا الانتماء تربط أطراف الخطاب بالواقع المحسوس جداً فتنشأ علاقة عارية بين ما هو كائن في الواقع(النفسي الجمعي والمادي الجمعي)وبين ماهو متخيل من كون الشهيدعلامة مجرّدة ليس لها سوى الشهادة فعلاً نهائياًممكناً(عمل الشهيد هو الشهادة وإلا لماكان....شهيداً!).
العلاقة العارية تلك تضغط المسافة بين المتخيل والواقعي ولكنها لا تلغيها إذ يستمر التواجد المتبادل لكلا طرفي العلاقة، ممارساً( مقاومةً للمعنى يؤكد تلك المقاومة التعارض الأسطوري الكبير للمعاش(للحي)وللمقول(215-1) )، هذه المقاومة خاضعة لتحوّل قاعدته أن الواقع يمارس سلطته على الممكن والمحتمل كما على المتخيل بأنواعه، رغم أن الواقع العربي براهنيته لا يمارس سوى سلطة الانتظاروالعطالة إلا أن محاكاةً من نوعٍ ما تمارس على النص اليومي المُقال، من هنا نرى التحول الذي طرأ على فكر الشهيد فلم يعد ذاك الذي عليه أن( يلقي روحه في مهاوي الردى) بل إن عليه أن يبحث عن لغةٍ جديدة ومفاهيم جديدة يقنع بها الآخرين بفعله.
على أن هذا الخطاب أيضاُ يحمل جانباً آخراً هو استمرارٌ للغة في الواقع واستمرارٌ للمرافعة النظرية السابقة، إنها البنية العليا في هرم التراكم الواقعي للتجارب الفلسطينية والعربيةالمستمرة،
هي باختصار تسجيل واقعي لهواجس يحق لها الظهور في ضوء نتائج الصراع العربي الصهيوني ،وهي نتائج كارثية بدأت مفاعيلها تأخذ بالظهور في العقل العربي الجمعي بعيداً عن علاقة هذا العقل بنظامه الحاكم والذي يدفعه للشارع لكي يتظاهر ضد إسرائيل ويصطدم مع قوات حرس النظام أو أية قوات أخرى وينتج عن المواجهة في بعض البلدان قتلى وجرحى وفي آخر النهار يعود كل إلى منزله : المواطن إلى همومه المتزايدة والنظام إلى اتصالاته المتزايدة. فاستشهاد مواطن عربي وأكثر يومياً هو اللازمة اليومية في أي نشرة أخبار عربية ،والاعتياد العربي على منظر الدم والمطالبة الباطنية بأن يكفي هذا الدوران في القضية ،وبأنه يكفي هذا الفحيح الكلامي لنأخذ على حد قول الشاعر ( هدنة لاختبار النوايا ) ، كل هذا وإضافةً إلى أسباب مجتمعية أخرى ،هي الدوافع لمطالبة الشهيد /الشاعر بأن يعيد كل الكلام إلى الخزينة اللغوية وأن يتوقف فيخفف عن النائمين الضجيج الكلامي البطولي فلاشيء يعادل الحرية ولاشيء جمالي يعادلها والجمالي هو المحتضن في رحم الحرية.
الجمالي يتراهن وجوده والتفاعل معه والامتلاء به بإقصاء الأثر الضاغط على فضاء الحرية،فالتلازم بين مساحة الحرية الممكنة والموجودة هي التي تبرز جمالية الأشياء المحيطة أو المتخيلة بعلانيةٍ تحيل فعل التعلّم إلى حكمةٍ يقدمها الشهيد في إطار حواره ذي الجهةالواحدة، والحكمة عنصر جمالي(استاطيقي) ساكن ونهائي يتحدد بالقدرة على الالتقاط المعرفي والتخزين وإعادة الإنتاج (يجب أن تكون الأشياء المألوفة (أدوات المنزل) أمكنة للجمال ـ بريخت ) .
يستمر خطاب التعرية لعلاقة الواقعي بالمتخيل في صورة مشهدية تالية توالف على الخطاب السابق وتستمر فيه فيقدم الشهيد خطاباً مستمراًفي العطالة المجتمعية وفي أحد حواملها الفكرية ـ الاجتماعية (الدين)،حيثُ تأتي من عالم هذا الخطاب إشاراتٌ عديدة تنصبُّ كلّها في إطارٍتبريري لفعل الاستشهاد وهي النتيجةُ التي ينتهي هذا النص بها:
الشهيد يوضح لي:لم أفتش وراء المدى / عن عذارى الخلود،فإني أحب الحياة /على الأرض،بين الصنوبر والتين،
لكنني ما استطعت إليها سبيلاً،ففتشتُ /عليها بآخر ما أملكُ:الدمُ في جسدِ اللازوردْ.
إن العوامل التي دفعت الشهيد لفعله هي العجز عن الحياة الطبيعية اليومية،فهناك اعترافٌ بخسارةٍ لحلم كان فاعلاً لكن موجباته لم تتحقق فتحوّل ضمن ذات السياق إلى فعلٍ انتحاريٍّ في جوهره واستشهاديٍّ في شكله وذلك لأنه آخر الأفعال الممكنة قبل الدخول في المطلق(ربما هناك أفعال أخرى لاتقودإلى المطلق ولكنها مرتبطة بالعجز عن اكتساب الحياة الطبيعية اليومية)،والدخول في المطلق ليس مرتبطاًبالتعويض عن العجز إلا لجهة كونه تالياً للدخول في العدم ،بمعنىآخرتتعدد الإحالات إلى مستويات هرمية تتوضع في قمتها العطالة الدينية الشفاهيةالناتجة عن فعل الدخول في العدم ،وهو تعويضٌ قَناعي جائزته في المطلق (عذراء خالدة)،أي أنه تعويضٌ ذا سمة أنثوية بسببٍ من إقصاءٍ للتواجد الأنثوي مجتمعياً والعلاقات السائدة في مجتمع الشهيد بين طرفي العلاقة الإنسانية.
يستمر خطاب التعرية في الجزء التالي من النص ويزداد إقصاء تواجد الآخر من النص الذي يتضّيق ليصبح ذاتياً(حصارٌ للشاعر بمحاصرة خطابه)،أي أن هناك حواراً يتحدد إنجازه بمعرفةٍ لا علاقة للعدو بها ،إنها معرفةُ من يحيطون بالشهيد بعد انتقاله إلى العالم الآخر:
الشهيد يحاصرني:لا تسر في الجنازة /إلا إذا كنت تعرفني ،لا أريد مجاملةً / من أحد.
إن وجود فعل اجتماعي(المجاملة)يقتضي حيزاً مكانياً وزمانياً وعلاقةً تبادليةً يوميةً وهذا الاقتضاء ينتفي بسبب من كونية الشهيد في الحالة العامة ،إلا أن الشهيد يمارس سلطته المعرفية هنا على قاعدة التحولات الجديدة في مفاهيمه:إذا كنت لا تعرفني معرفةً شخصيةً لا تسر في جنازتي فلست البطل الأوحد،أنا مجرد إنسان مات لأسباب ضيق الحياة بي وعدم إمكانية العيش بشكل بسيط :
(لم أفتش وراء المدى /عن عذارى الخلود) . هذا الشرح يقودنا إلى الجزء التالي من المشهد كي نتابع تغيّر المفاهيم التي يطرحها الخطاب الاستشهادي الجديد:
الشهيد يحذّرني:لا تصدق زغاريدهنْ . /وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكياً: / كيف بدّلت أدوارنا يابني،وسرتَ أمامي. /أنا أولاً، وأنا أولاً!
بدءاً من لحظة الإعلان الصوتي عن خبر الاستشهاد يأخذ الشهيد حذره من الأمر التالي للخبر:تلقي الخبر بالطريقة العربية،وانفلاش (الجماهير)في تعبيرها عن تقديرها لفعل الشهادة وخاصّة النسوة وفعل الزغردة هو الفعل الأكثر إمكانيةً في الجو العام الذي يحاصر فيه المتخيل الواقعي والواقعي جداً،ويدعو الشهيد الشاعر إلى عدم تصديق هذا الفعل ـ المشهد وتصديق كائن آخر يبكي وهو يحدق في صورة الفاعل ـ الشهيد المحدث،هو الأب المفجوع بابنه متسائلاً عن الحكمة في تبديل الأدوار فالدور المنطقي بأن من يجب أن يموت هو الأب بحكم تقادم الزمن وليس الابن ولذلك فهو يطالب بحقه أن يكون الأول في فعل الموت أو الاستشهاد.
قبل أن نقرأ النص كوحدة بنائية سنتابع قراءة التغيرات في خطاب الشهيد من خلال الجزء المتبقي من الوحدة السابقة :
الشهيدُ يحاصرني :لم أغيّر سوى موقعي وأثاثي /الفقير.
وضعتُ غزالاً على مخدعي /وهلالاً على إصبعي، /كي أخفف من وجعي !
ما هو الموقع الذي بدّله الشهيد ؟
يجب ألا ننسى أن هذا الحوار من أوله إلى آخره يتم من المطلق، ويتم فيه نفي الصورة المجتمعية المعتادة عن الشهيد والشهادة،بما يشي بتغير الصورة الشعرية (الشاعر كائن ملتقط)وبالتالي تغير الخطاب الشعري المرافق.
يتأسس الخطاب الشعري هنا على العطالة المؤسسة على القدرية وليس على الفاعلية الذاتية أو الجماعية، وانتماء الشهيد إلى (الفقراء) هو أحد مؤشرات تغير الدلالة في الحامل المعرفي الذي يتضح بالانتقال أيديولوجياً (معرفياً)من موقع إلى آخر يناقضه دلالياً(أغلب التيارات التي قادت عملية المقاومة فيما مضى هي تيارات قومية وماركسية) يدفعه إلى ذلك وجعه الشخصي وهذا الوجع ليس ذاتياً محضاً بقدر ما هو جمعي ـ معرفي يحدد معرفيته التراكم في التجارب وفجائية الواقع متساويةً مع فجائعية الأنا الفردية والجماعية، وعندما يروي الشهيد ما يحدث معه أو ما حدث معه ويصف فعله الآن وبلغة تنتمي إلى لب الواقع وتبتعد عن المتخيل فهو يمارس تصالحاً مع ذاته وتضادّاً مع الآخر، وهو يؤكد بالتالي المفارقة الإيديولوجية بين النص والتطبيق، بين الدال والمرجع، منتجاًعلامات غير واضحة (لا وجود لعلامات تقود إلى الوطن) يعزّزُ افتراض التناقض الدلالي صدور النص من مرجعية مطلقة تسحب معها عناصرها التعويضية إلى الخطاب ( الغزال كعلامة أنثوية كما الهلال علامة دينية وفي جمعهما معاً انتماء إلى مكان متخيل هو الجنة كما في تغير الموقع بين الأرضي والسماوي انتماء إلى مجهول يقود إلى المكان المتخيل (الجنة)التي ينتمي إليها المخدع ).
لقد فاض الكلام العربي عن الشهادة والشهداء حتى ملأ الشوارع (وهذه تعرف بأسماء الشهداء) والجميع يتفق على تقديس الشهادة طالما هي من أجل الوطن ولكن ماذا لو سألنا الشهداء عن مبررات استشهادهم، ماذا سيكون الجواب؟
تقود هذه الصورة إلى سؤالٍ معرفي: ماذا لو عاد الشهداء إلى الحياة؟(9 )
إن الصورة التي يرسمها العقل العربي لموضوعة الشهادة تتعرض هنا لاهتزاز جزئي نمدّه على جملة عوامل:
أولاً:إن الشهيد كائنٌ محروم من الكلام، وهنا يستعيد لغته الغائبة وحقه بالكلام والحلم بالحياة الطبيعية( ذات زمان تزوج الشهيد البلاد(10) إنه محروم من الكلام ولكنه ليس ممتنعاًعنه، فهو يملك لغةً تأتيه من أصلٍ طبقي ومن ممارسة ثقافية غامضة (221-1) كذلك فهو يملك سلطة الكلام استناداً إلى دعم المقدس له، ثانياً:إن هذه الاستعادة مرتبطة بالخسائر المتتالية وفقدان العديد من الناطقين باسمه لمصداقيتهم (كما فقد الجميع فضيلة النطق) وبالتالي إن الشهيد لم يعد خائفاً من أحد في التصريح عن هواجسه، ثالثاً:إن هذا الخطاب يأتي من المطلق الذي لايستطيع أحد بسببه محاكمته على أقواله، ورابعاً:إن مرجع هذا الخطاب هو الشاعر بكل ما يملك من علاقة مميزة مع الشهيد.
ماذا لو عاد الشهداء إلى الحياة؟ وقبل أن يعودوا( كم من الوقت سيستغرق الله في محاسبة قتلى هذه الأمة؟)كما تساءل ذات زمان صديق العرب جاك بيرك .
7 ـ الحصار والحصار معكوساً : شرود الكلمات
ليست كلمة (حصار) كلمة حيادية إن كان في المعنى أو في الدلالة وحتى في العبارة، فما تقود إليه يتعدد بتعدد المسندات إليها كمصدر وكفعل ضمن حقل النص المعرفي وإذ تخرج الكلمة عن السياق عبر كتلة لغوية معينة فهذا لتأكيد التعددية التي تسند إليها والتي من خلالها تنبثق قيمة الكلمة وامتداداتها في النص والخطاب ولنتذكر هنا أن وجود الكلمة هو وجود النص وحاضره ومستقبله كما ينبني عليه محور الاستبدال (paradgrame ) إضافة لاعتماد الخطاب الطالع من النص على هذا الوجود في تحديد قيمة ما سواء للأنا أو للآخر أكانت قيمة سلوكية إيجابية أم سلبية، أو قيمةً استعاريةً أو قيمةً تاريخيّةً، وهذا التسلسل القيمي ليس مطلقاً بمعنى إمكانية التراوح عند واحد منها بعينه أو المزج بين أكثر من واحد في اشتراك قيمي يساهم في تحديد القيمة النهائية للحصار وهو سؤال لايمكن الإجابة عليه بشكل سهل أقلّه الآن.
إن تعدد المسندات إلى كلمة (حصار) لا يلغي إن الفعل (حاصرَ)فعل لازم بكل أزمنته مبني للمعلوم وانعكاسي في صيغة الفعل وصيغة الفعل هذه تقارب مفهوم الاستيهاء(la diatheses) وهو يعين الكيفية التي يتأثر بها فاعل الفعل بالحدث.(34-1).
إن الفعل (حاصَر) يتكرر في النص ُمسنداً إلى الشاعر كمتأثر بالحدث والفاعل هو الشهيد ،هذه حالة،وهناك حالات أخرى يُسند فيها المصدر(الحصار)إلى الحياة والزمان والمكان والحرية ،والمطلق والإبداع وجميعها فاعلة في الحدث أو منتجة لعناصره أو أنها داخلة في هذه العناصر و متخارجة منها في ذات الوقت .
يخلق إسناد الفعل إلى غائب (الشهيد) وإسناد المصدر إلى مجرد تقريباً سؤالاً عن التعارض في مفهوم الاستيهاء يأتي من كون الفعل (حاصر) مبنياً للمعلوم وانعكاسياً وإنه ليكون انعكاسياً بسبب تأثر الفاعل بفعله فالحصار ليس أحادي التأثير باتجاه المحاصر فقط لابل (سيمتد هذا الحصار إلى أن يحس المحاصر مثل المحاصر إن الضجر صفة من صفات البشر)أو (سيمتد هذا الحصار إلى أن نعلم أعدائنا نماذج من شعرنا الجاهلي )
في هذه الوحدة القرائية تعادل أو تساو بين طرفي المتراجحة وهي متراجحة بسبب من عدم وضوح قوة كل من الطرفين وإن كان المؤشر الآني يعطي للمحاصَر القيمة العليا إلا أن التقادم بجهة الماضي أو المستقبل يجعل الأمر مختلفاً.
هذه المتراجحة تقود العملية الانعكاسية باتجاه اللحظة المعرفية المولدة للتساؤلات و الهواجس لكلا طرفي المتراجحة وهذه اللحظة المعرفية تتماثل في النص بشكل وجودي إذ أن العناصر الوجودية التي تحال إليها كلمة الحصار تتقارب أولاً مع جملة ما ينتجه الحصار على أرض الواقع (خارج النص ) وخاصةً الحياة اليومية ولكلا الطرفين، كما تتقارب مع الخطاب وتنتج بعض أجزاءه المبنية على أساس شبه إيماني ليس بالمطلق بل الإيمانية بتكامل العناصر الوجودية في صراعنا مع العدو الصهيوني ولنتذكر المقولة الأشهر بأن صراعنا مع العدو صراع وجود لا صراع حدود ) وهي تقود إلى الإيمان بأن النهاية لصالحنا تأكيداً.
السؤال الآن كيف يتأثر المحاصِر بالحصار؟؟
إن توالد الهواجس لدى الشاعر يقوده الشاعر إلى المحتل في صيغة سؤال الهوية، الهوية التي تحمل في طياتها الهاوية (كما أشار باتريك رافو )، الهوية التي تبدأ من سؤال الإلغاء الذي يمارسه المحتل (الآخر)على الفلسطيني (الأنا والنحن ) فيقول الشاعر:
لو تأملت وجه الضحية / وفكرت، كنت تذكرت أمك في غرفة / الغاز، وكنت تحررت من حكمة البندقية /وغيرت رأيك، ما هكذا تستعاد الهوية !!)
هنالك تزامن بين حصول الآخر على الهوية وممارسته القتل وهو يستعيد ذاكرة المضطهد ليتحرك بموجبها في واقعه الجديد ( المفترض أنه أرض الميعاد التوراتية ) ويتدخل الشاعر ليأخذ هذا الأمر ويعيد صياغته من زاويته هو ( زاوية المضطهد الآن ) فيقرأ فيه فعل التحرر من الاضطهاد والضياع بالتحرر من كل العلاقات القديمة التي يختزنها العقل الباطن لهذا الآخر والذهاب أبعد من الذاكرة باللجوء إلى فعل التعالق الحضاري مع الفلسطيني الذي يتداخل تاريخه بشكل أو بآخر مع اليهودي (أو الإسرائيلي الآن ).
يتضح التعالق الحضاري ( شئنا أم أبينا ) في نص الشاعر عبر مقطوعة تسرد وقائع افتراضية لزواج لم يتم بين فلسطيني ويهودية في الجيل اللاحق للحدث ( لاحظ أن الرجل في النص فلسطيني والمرأة يهودية وأن الطفل فتاة ستكون يهودية بالولادة !) على أن هذا التعالق يعطي احتمالات كثيرة قد يكون واحد منها النتيجة التي يصر الشاعر على تكرارها وهي ( أن اخرجوا من صباحاتنا )
أما المحاصَر فهناك جانب تأثيري يتعلّق بالعطالة وتأصلها القدري وهو الذي تشتق في جزء منه العناصر الوجودية خاصة تلك المقاربة لمادة إنتاج الخطاب وهو يأتي من تعميق العطالة وتكريسها وتأكيدها والاكتفاء بها كفعل ممكن ووحيد فحتى الاستشهاد يبدو كجزء عطالي لم يكن من نتائج الحصار بقدر ما كان فعلاً خارجاً عنه منتمياً إلى فكر الصراع كفعل مقاومة مستمر للاحتلال والعدوان.
أما اشتاق العناصر الوجودية من العطالة فنراه فعل احتيال إنساني على الضعف والعجز تقوم به اللغة بنوع من الانغلاق اللفظي على بديهيات أوالية يتكرر فيها الإيمان بالحتمية التاريخية لصراع إلغائي.كما يظهر في ثنايا هذا الانغلاق اللفظي ألفاظ vacables لا يبدو مفاجئاً ظهورها بسبب الإشارات التي تقذفها في فضاء النص وهي تشير إلى كلمات – آراء تساق في النص كأحد مفرداته.
لنقرأ بعض الألفاظ في هذه الوحدة القرائية والشاعر يوجهها إلى شبه مستشرق:
ليكن ما تظن / لنفرض الآن أني غبي /، غبي./ ولا ألعب الجولف. / لا أفهم التكنولوجيا / ولا أستطيع قيادة طيارة. / ألهذا أخذت حياتي لتصنع منها حياتك ؟/ لو كنت غيرك ، لو كنت غيري ، لكنا صديقين يعترفان بحاجتنا للغباء ./ أما للغبي، كما لليهودي في تاجر البندقية / قلب، وخبز، وعينان تغرورقان.
تعتبر هنا لفظة ( غبي ) لفظة مفتاحيه حساسة في فهم مجرى التطور الدلالي للخطاب الذي يستدعي أساساً جملة مفارقات اتهامية تقريرية تمارس النفي من منطلق افتراضي واقع ٍفي الخطاب الغربي ينظر إلى الآخر العربي على أنه كائن متخلف ( لا يلعب الجولف ( وهي رياضة غربية أساساً ) ولا يفهم التكنولوجيا ).
جملة المفارقات الداخلة في الخطاب تنتجها اللغة المتوترة عبر وحدات مضمونيه قصيرة ومفصولة عن بعض جزئياً وتقوم أداة النفي (لا) بتكثيف وتأكيد المفارقات وتعزيز الفصل في لغة الخطاب، خاصّة مع اقترانها بالألفاظ الأعجمية ( الجولف – التكنولوجيا ) وهي لغة خطاب الآخر. كما أن إنتاج هذه المفارقات لغوياً يتيح لصفة اللغة ( التوتر ) مساحةً للعب ( أو الحركة ) ليبدو الحديث بسيطاً احتجاجياً بسمته العامة ومتوحداً معقداً في سمته الخاصة، حيث يعود التمييز بين السمتين إلى العلاقة بالمتلقي الذي يستطيع نتناول( الحديث) على طريقته الخاصة
وبالعودة إلى لفظة (غبي) نجد أنها مستدعاةً في جملة الرسائل ( البلاغات الإسنادية ) الموجهة إلى( الآخر) وهنا للآخر صفة نخبوية أولاً ومعرفية ثانياً وثالثاً تلاقحية تفاعلية ولكل واحدة من هذه الصفات دور في تشكيل خطاب الشاعر ( وتأكيداً لم يدخل في جدل الصفات حتى وجه خطابه )، فالاستشراق جملةً وتفصيلاً لم يكن نقياً في أهدافه المعلنة والمضمرة (هل تذكرون مقالة إدوار سعيد في الاستشراق ؟) ، ومن هنا صدوره عن فئة نخبوية ( عارفة) أسقطت أهدافها على منتوجها الذي كانت سمته الأهم إنكار مساهمة العرب في إنتاج الحضارة العالمية وإحالة دور العرب في جملته إلى دور الوسيط الناقل غير المبدع، وحتى تلك الإشارات التي قدمها الاستشراق معترفاً فيها بدور العرب في الحضارة كان فيها من الالتباس الشيء الكثير، وعموماً لا يخفى أن صدور الاستشراق عن هذه الفئة النخبوية لا يخرج عن صراع المصالح الملتبس بلباس المعرفة ، خاصة وأن توقيت ظهوره ارتبط بتوسع الغرب التجاري و الصناعي وحاجته للمواد الأولية من بقية دول العالم غير الغربي.
لنلاحظ أن الشاعر يدين الاستشراق ( لو كنت غيركَ، لو كنت غيري ) فيبدو أن هناك استعداد استشراقي دائم لاتهام العرب بالغباء ( الفطري كما يقول أرنست رينان) وعلى هذه القاعدة يقدم الشاعر تساؤله فيما إذا كان اليهودي غبياً مستدعياً شخصية شايلوك في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير.
إن منتجات خطاب الاستشراق و التي يقدمها الشاعر في خطابه تقسم إلى عدة مستويات دلالية لها ارتباط مرجعي واضح معرفياً بحالة الحصار من خلال التشارك البنيوي المكون في الإجمالي لصورة الحصار بما يفيد معرفياً ( أيضاً) باشتراك أصحاب البلاغات الإسنادية في حالة الحصار بتعدد مسانيدها ( الهاء هنا عائدة إلى المستويات الدلالية).
تتضح صورة الاشتراك في صورة الحصار كونياً من خلال وحدة قرائية يعطي تكرار لفظية الشهيد فيها انطباعاً أولياً استفزازياً لجهة ذكر أقارب وجيران الشهيد الشهداء أيضاً فيقول ( الشهيدة بنت الشهيدة بنت الشهيد وأخت الشهيد وأخت الشهيدة كنة أم الشهيد حفيدة جد شهيد ) وجارة عم الشهيد الخ...الخ / لا نبأ يزعج العالم المتحدة / فالزمن البربري انتهى / والضحية مجهولة الاسم ، عادية / والضحية مثل الحقيقة – نسبية و الخ .الخ..
إذاً فإن تسلسل قرابات الشهيدة أفضى إلى عائلة شهيدة وحارة ٍ شهيدة، دون أن يخلق هذا أي تغيير في تلقي العالم للخبر، والشاعر إذ يتابع تقديم الأسباب الموجبة عالمياً بهذا التعامل مع الخبر فإنه كما نرى يقدمها بصورة تهكمية (أو بصورة لا مبالية ) فوجود العلامة القوسية ( ) وضمنها ( الخ..الخ) تفيد بتكرار أو تعددية التتابع في الشهداء وهذه العلامة لا تضيع مرجعها وهو يسبقها، فالمرجع هنا هو الحدث ذاته وهو سبب انتماء الشاعر للحدث وهو الذي يقوم بترقية الحدث ليصبح مرجعاً ومن هذا الارتقاء يكتسب المرجع الجديد شرعيته.
يمكن القول أن اشتراك جميع أصحاب البلاغات الإسنادية في( ترقية الحدث) ليصبح( مرجعاً) هو العنصر الأول في صياغة خطاب الشاعر في هذه الوحدات القرائية وهو كذلك العنصر الثاني في بناء الخطاب الخاص لأصحاب البلاغات الإسنادية حيث أن عنصرها الأول هوانتمائها المفارق إلى( خارج الحصار)جغرافياً ومعرفياً في حالة( الاستشراق والناقد ) وانتماؤها النهائي إلى ( الحصار) في بقية الحالات ( القاتل والشهيد ) في حين يظل ( القارئ والشاعر ) على مسافة متوسطة من هذا البناء إذ يمكن انتماؤهما إلى داخل أو إلى خارج الحصار.
وبالعودة إلى خطاب الاستشراق ومفرداته ومستوياته نجد أن الإحالات التي يقدمها الخطاب تنتمي إلى ذات الخطاب الغربي الذي أشرنا إليه قبلاً بما يفيد اختراق المستويات وتداخلها معاً باتجاه بناء مرجعية عظمى تمتد حتى نهاية النص حيث تطلق هذه المرجعية مدلولاتها الفجائعية بأننا نحتاج إلى مجرد هدنة لاختبار النوايا ورغم هذا الطلب إلا أن دخول الآخر اليهودي قائم من خلال جملة حوارية تقوٌم الطلب وتنهيه إلغائياً: فأجابوه ألا تعلمون أن السلام مع النفس / يفتح أبواب قلعتنا لمقام الحجاز أو النهوند / فقلنا وماذا بعد..وبعد ؟ .
أما المدلول الأكثر وضوحاً كمرجعية نهائية عظمى فهو الزمن(وأنّا ضيوف على الأبدية ).
الســؤال الآن ما هو مـدى اشـتراك أصحاب البلاغـات الإسنادية في الحصــار ؟
قلنا أن التشارك البنيوي المكوٌن في الإجمالي لصورة الحصار يتحدد بتعدد مسانيد المستويات الدلالية فيكون اشتراك الاستشراق اشتراكاً نخبوياً بالتالي أصغرياً ولو أن الشاعر يعمد إلى (هز) خطاب الاستشراق وتمديد مفرداته – مكوناته على طاولة خطابه الخاص هنا وتشريحها من نقطة القلب في الخطاب الاستشراقي إلا أنه يعمد إلى ذلك كما يفعل أصحاب البلاغات الإسنادية خاصة ( القاتل)، فيما تبدو الرسائل الموجهة للناقد والشاعر كعبور شعري أو كبنية شاردة في الخطاب تفيد دلالياً بتوقع الشاعر وقوع البعض في أفخاخ الطيور أو في( عزلة الآلهة ).
أما اشتراك ( القاتل) فهو اشتراك رئيسي أساسي تقوم على مساحته أبنية الخطاب المتعددة والمتنوعة الأثر والدلالة، كذلك هو اشتراك ( الشهيد ) الفاعل والمتموج بحيث يظهر وكـأن الحركة قد بدأت من هذه الحوارية وانتهت بنهايتها وما يحدث خارجها هو مجرد حركة بطيئة دورانية أو بالأدق هي حركة فيزيائية متخامدة بمعنى انتهاء موجتها إلى الصفر. نلخص هنا إلى كون هذا الاشتراك ( أعظمياً – أكبرياً ) وتحديد القيمة لهذا الخطاب وبالتالي أصبحت شبه ممكنة مع التوقف عند نقطة أخيرة تتعلق بما يسمى البنية الشاردة.
الحصـار والحَصـار معكوسـاً: الكلمــات الشــاردة:
عبر الحقل المعرفي لهذا النص الذي ينتجه الذي ويتوزع من خلاله على فضاء الرؤية نلمح وحدات قرائية عديدة تصب في مجملها في ذاتية الحصار ( والذاتي هنا عائدة حصراً لذات الحصار) هذه الوحدات القرائية وصفية في مجملها يبتدأ أغلبها بجملة فعلية أو اسمية تعريفية تعود إلى تعريف( الحصار) تعريفاً مجازيا وعبر تعاريف الحصار تتضح (ذاتوية الحصار) الإحالات التي تقٌدمها الوحدات القرائية هي إحالات إشارية في بعضها ولا إشارية في بعضها الآخر في حين تتميز الإحالات المطلقة غير المقيدة بكونها متراكبة تراصفياً مع النص وهي الوحدات التي أشرنا إليها بالبنية الشاردة .
ما هـو الربـط بين البنى الشــاردة والإحــالات وهل يمكن جمع المفهومين معاً ؟
إن البنى الشاردة هي (( عبارات تشكل في تكوينها كتلة )) تقدم كل فكرة من غير مسوغ ذي قيمة تخصب به عادة الخطاب وعلى هذا التعريف نستطيع القول أن عبارة ( الحصار هو الانتظار على سلمٍ مائل وسط العاصفة ) هي بنية شاردة كونها تمارس قطعاً وفصلاً وتقدم للخطاب دفعةً إضافية باتجاه التمركز والثبات والحركة مجدداً وفي أفق جديد ونص محمود غنٌي بهذه البنى الشاردة وهي ليست بنى سهلة الفك تحليلياً في حين يمكن انتزاعها من النص دون كثير من الاختلاف في سياق النص خاصةً وأن النص مبني أساساً على نظام المقاطع غير المتساوية والمستقلة غير أن النظر إلى جملة النص ككل يسرح بإطلاق البنى الشاردة ضمن الخطاب. أما الإحالات بأنواعها فهي علاقات تجاورية أو غير تجاورية مع المرجع الذي ينتجه النص ( الخطاب بالتالي ) ويمكن إلحاقها أو دراستها من خلال البنى الشاردة أو غيرها غير أننا تعٌمدنا تطبيق منهجها على البنى الشاردة قصداً بحثاً عن مزيد من الإضاءة والتدقيق في نص الشاعر كما أن الوحدات القرائية ليست مرتبة متتالية كما ورد في نص الشاعر.
الإحــالات المطلقة في البنى الشــاردة :
يمكن تحديد الإحالات المطلقة في متن النص بعدد من الوحدات القرائية ( أو المضمونية تجاوزاً ) المتعلقة بموضوعة ( الحصار ) تحديداً وهي التي تبدو غير محددة بزمان أو مكان، وتبدو في سمة ثانية وكأنها (حكمة) (ألا يذكر الأمر بالمتنبي؟).
الحصار يستخدم الشاعر فيها تعابيراً اسمية معمحدد(مرجع )باستخدام (الـ ) التعريف علماً أن لحظة ( الحصار) لا ترد في النص إلاٌ معرفة وحتى في حال إسنادها إلى ضمير فهي بديهيةً تحيل إلى معرفة، كذلك يستخدم الشاعر فيها صيغة الفعل المضارع الساكن أو الممتد مستقبلاً بمعنى شمول الصيغة سيكون أو هو كائن لاهو كان.هذه الصيغة كذلك لا تسند إلى متكلم أو مخاطب محدد(مرجع ).
تسند هذه الإحالات المطلقة إلى جنس محدد أغلبه المرتبط بإشكالية الوجود الأمر الذي يخلق فيما يلي فروقاً دلالية تشعٌب الخطاب وتلحق تغايراً بمستوى الخطاب (plan d′enonciation) ) ينقله من الواقعي إلى المجرٌد أو العكس، بما يعكس التوتر الذي يعود الخطاب بالنص ورغم أنه توتر ساكن ( جيبي فيزيائي ) إلا أنه ملحوظ في بنية الخطاب ولعله مؤشر على انتقال الخطاب بين موضوعةٍ وأخرى وتداوله بين العناصر المنشئة للخطاب.
وتظهر الإحالة المطلقة في قول الشاعر ( الحصار هو الانتظار على سلم مائل وسط العاصفة ) فالعبارة وصفيٌة اسمٌية لا تحيل’ إلى أيٌ زمان أو مكان جغرافي محدٌد لا بل أنها تبدو عبارة مطلقةً فيها تقرير لحقيقةٍ ثابتة تبدو أكثر جلاءً مع تكرار الجملة الاسمية ( هو الانتظار) والتي هي نحوياً خبر المبتدأ ( الحصار) إذ يضيف التكرار تأكيداً لإيمان الشاعر بالحقيقة التي يطرحها. كما يضفي على خطابه بعداً ميتافيزيقياً بحيث تظهر صورة الخطاب متعددة ومتداخلة بين الواقعي والخيالي في عملية ربط الحدث اليومي الواقعي الجارح بالخيالي، ومن هنا تسمية هذه الإحالة بـ ( المتعالية على الإشارة ) فلا توجد مثلاً أيٌة إشارة في هذه الوحدة،لا دلالة على أيٌة علاقة غير لغوية والإشارة إما ( باليد ، وبالرأس، وبالعين، والحاجب ـ كما قال الجاحظ) أو بغيرها وهي ما لا نلمح أي من عناصرها هنا .
إحالة مطلقة أخرى تظهر في قول الشاعر ( في الحصار، تكون الحياة هي الوقت / بين تذكر أولها/ ونسيان أخرها) وهذه الوحدة القرائية تحوي عبارتين ( في الحصار ) والثانية تتمة الجملة أولاهما اسمية والثانية فعليٌة وكلتاهما وصفيتان تقريريتان مع ملاحظة وجود الضمير ( هو ) للدلالة على الحياة بين قطبي البداية والنهاية مع كل فجائعية نهاية العصر الذهبي للبداية ( تجاوزاً ).
نلخص هنا إلى أن وجود إحالات مطلقة ضمن البنى الشاردة يعززها أولاً توسع الخطاب وشموليته وثانياً دخول الشاعر في مختلف الحالات الممكنة لخلق علامات تشير إلى تغلغل الحصار حتى في جهة المطلق وليس بالمعنى (الإلهي ) بل بالمعنى الذاتي بحيث تتم محاصرة كل الموجودات والممكنات حتٌى الروح... والروح أوٌلها!.
الإحــالات الإشارية في البنى الشــاردة:
يمكن تمييز الإحالات الإشارية من الإحالات اللاإشارية تبعاً لعلاقات التجاور التي تقيمها الإحالة مع مرجعها فتكون إشارة بالتزام العلاقة لتجاورها ولاإشارية بعدم التزام الإحالة – العلاقة لتجاورها مع المرجع.
الإشارية مرتٌبطة بالتعبير الثلاثي ( أنا- الآن- هنا ) المتكلٌم بمعنى ( إحالة ) العبارة إلى علاقة ارتباط آنية في المكان المتكلٌم فيه بواسطة الأنا، فقول الشاعر ( سيمتد هذا الحصار إلى أن نعلم أعداءنا نماذج من شعرنا الجاهلي)غير معروف نتائجها، خاصة وأن الذي سيتعلمونه هو منتوج معرفي غريب عنهم ولا يمت لهم بأية صلة، والصيغة النحوية هي جملة فعلية تحيل إلى حاضر المتكلٌم ( زمن الحصار ) وهي ملازمة بالتالي لذات الشاعر التي تنتج خطابها عبر النص وعبر هذه البنية الشاردة عن سياق الخطاب، حيث تقوم بقطع المجرى الذي يتحدث فيه الشاعر في جملة إحالات إشارية عن واقع الحصار، وفجأة تقفز هذه العبارة ( الوحدة القرائية ) وتقطع سياق الخطاب مشيرةً إلى نوع من العبثية في الحصار ذاته فامتداد الحصار غير المعروف زمنياً كأنه في الحاضر مستمراً. إن التعالق الحضاري بين المحاصر والمحاصَر شبه إلغائي كما رأينا سابقاً وكما يتابع النص تقديمه في التالي لهذه الوحدة القرائية مباشرةً..
إحالة إشارية ثانية ضمن ذات البنى الشاردة تقول ( سيمتد هذا الحصار ليقنعنا باختيار عبودية لا تضر / ولكن بحرية كاملة ). وكذلك لا مسافة محددة بفعل القناعة التي سيقدمها الحصار، حتى لو كانت أوصافها أقرب للعبودية منها للحرية ونحن يمكن أن نقتنع أولا نقتنع طالما الأمر منوط بذات الحصار في الوحدتين السابقتين.
نرى الفعل جماعياً متأثراً بالحصار الأول باتجاه المحاصر والثاني باتجاه النظام – السلطة الوطنية ويلعب الضمير الجمعي (نا) في سوق مجرى الخطاب باتجاه الآخر في كلا الحالتين محملاً إياه تبعات جديدة ومساحات جديدة ومتطلبات جديدة تزج بفعل التعالق الحضاري وسؤال القناعة بالعبودية الحرة أو حرية العبودية في فضاء الرؤية التي يقدمها الخطاب ذاته.
الإحــالات اللاإشارية في البنى الشــاردة:
يرد في النص العديد من الإحالات اللاإشارية لكننا سنتوقف عند قول الشاعر ( في عام ألفين وأثنين / تبتسم الكاميرا لمواليد برج الحصار ) فالإحالة هنا إلى غائب يتحدث قد يكون هو النص ذاته فما يقوله الشاعر هو (خبر) زمنه محدد لكنه خارج الخبر لأن الناطق غائب حتى لوعرفنا أو أضمرنا أنه الشاعر.
هـوامش الحصــار:
لا يسعي محمود درويش في نصٌه إلى ملء الفراغ البصري الذي تخلفه الكلمات، بقدر ما يسعى إلى الامتداد في هذا الفراغ وتقطيعه والدخول في جوانيات كتله، وسوقها باتجاه إضاءة الفراغ ذاته، بما يشير إلى محاولة إنتاج رؤية طبيعية تقريبياً لمشهد الحصار خاصةً وأن المسافة بين الوصف والموصوف تتضاءل في بعض المواقع إلى حدٌ الاندماج والتوحد، أضف إلى ذلك أن المسافة التي يراقب منها الشاعر المشهد هي مسافة تقدم له معرفةً ورؤيةً واضحة ( رؤية مسحيٌة وعمودية وتصاعدية ) حيث تظهر الرؤية المسحيٌة من بداية النص ( هنا عند منحدرات التلال ) إلى نهايته ( الشمس تقفز من حائط نحو آخر مثل الغزالة ) بشكل يجعل الصورة المشهدية كاملةً في نهاية النص مع تصاعد الرؤية عمودياً ( عندما تختفي الطائرات تطير الحمامات بيضاء بيضاء َ) وتصاعدياً ( شجر السرو، خلف الجنود، مآذن تحمي السماء من الانحدار ).
وفي عمل محمود على الامتداد في الفراغ البصري لمشهد الحصار يستخدم اللغة بمختلف وظائفها ( التعبيرية – الأمرية – الشعرية – الشارحة – الاتصالية ) ممارساً الوصل والفصل بينها وبمختلف الأدوات ومنها خاصة الصورة التي هي عمود الشعر والتي يتميز بالتقاطها محمود ( وتصنيعها ) وتقديمها كمنتج جديد للقارئ، غير أن المنتج لا يخرج عموماً عن سمات الخطاب لا بل يدعمها بما يمكّن من إطلاق سمات الخطاب على الصورة فلدينا صورة عطاليٌة رخوة تثير الذاكرة باتجاه مكان التقاط الصورة ولكنها لا تحركها أبعد من ذلك والصورة الشهيرة لجنود إسرائيليين يبولون قرب مكان إقامة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أثناء اقتحام المعنى حولها محمود لصورة شعرية:
شجر السرو خلف الجنود / مآذن تحمي السماء من الانحدار/ وخلف سياج الحديد / جنود يبولون تحت حراسة دبابة / والنهار الخريفي يكمل نزهته الذهبية / في شارع واسع كالكنيسة بعد صلاة الأحد.
تقدم هذه الوحدة القرائية ( الصورة ) لقارئها اختلافاً عن الصورة ( صورة الكاميرا ) باستثناء الشرح الوظيفي لزمن التقاط الصورة ( العطالية ) لاتقٌدم شيئاً تقريباً ( أو اختلافاً ) فإنه يجب التمييز بين الصٌورة بذاتها وبين وصف المكان ( المشكٌل للسٌرد أو للنص ) فالمكان يتعالى عن كونه مجرد مكان ويتحول إلى ذاكرة ومساحة للعمل والرؤية كما أنه يطلق إشارته الخاصة التي تحيا في سياق تداخلي يظهر في كل النص بما يعطي إيحاءً باعتماد كبير للنص عليه في حين تبقى الصورة ( عابرة ) لا يعمل إنما في بعض المواقع تساهم في دعم إشارة المكان الخاصة خاصةً مع اجتماع عناصر متناحرة غليظة ( الدبابة ) مع عنصر مقدس ( الكنيسة ).
هوامش الحصار: اللغة والأسلوب
تعاقد محمود درويش عبر مسيرته الشعرية مع قارئ خاص لا هو بالقارئ النخبوي ولا هو أيضاً بالقارئ العادي وإن كان اختراق التصنيف قائماً فإن الغالبية من قراء الشاعر ينتمون إلى هذا التصنيف.
يتحدد الارتباط القائم بين الشاعر والقارئ عبر وسيطهما (اللغة ) وحاملها النص – القصيدة، وهو ارتباط تبادلي التأثير تستخلص سمات تأثيره من الكتلة اللغوية وآلية تقديمها للنصوص أما آلية التلقي فهي تتحدد من جهة القارئ الذي يختار تأثيره بنفسه.
أحد سمات التأثير المتبادل هو الأسلوب الذي تستخلص إحدى سماته من " غياب الشوائب اللغوية الذي تنتج الجملة نفسها فيه " (1- 183) وتعني الشوائب الزوائد غير الضرروية في الجملة وتفكيك الجملة إلى عدة أسطر دون مبرر موجب.
ثاني السمات هو الوظيفية التي يؤديه الأسلوب في تقديم النص إلى القارئ والتي تتحدد من خلال الخطاب أو الدقة من خلال أيديولوجيا الخطاب هل هذه الأيديولوجيا ذات وظيفة ( تطبيعية أم تعويدية أم تدجينية )(1-180) ويمكن سلفاً إخراج نص محمود من هذه الوظائف جميعها وإدراك أن لأسلوبه وظيفة ضد – تطبيعية – ضد تدجينية – ضد توافقية- اعتراضية – مقاوِمة.
فقد خرج محمود بنصه هذا خلال الحصار وفي زمن أقل من شهر وفي جو متوتر يعيش فيه الشاعر احتمالي الحياة والماء بشكل متساو بما يعني أن ا الوارد هنا ممارسة ضبط لغوي أشبه به كتابة الوصية خالية من الحشو والاستطراد والزيادة واللغو، وبالتالي يمكن القول أن وجود الشوائب اللغوية مع احتمال وروده هو احتمال ضئيل.
تتميز البنى الجملية في النص بانغلاقها وهو معنى اعتبارها وحدات قرائية مغلقة تملك استقلالها بذاتها بتحقيقها اكتفائها اللغوي من الكلمات بسطر أو اثنين دون قفزها إلى موضوع جديد، أو استخدام استعارات معينة لخدمة الموضوع، وحتى في حال استخدام استعارات ( تحويلية ) من الموروث الثقافي كالحديث النبوي أو القرآن فإنها تنغلق في الوحدة القرائية كأحد مكوناتها أو كجزء من جسدها اللغوي.
الاستعارات التحويلية تتواجد في سطح النص وليس في عمقه، بمعنى أننا ننتبه لوجودها فوراً دون الحاجة إلى التنقيب عنها في أرض النص أو طبقاته اللغوية، فمثلاً يقول الشاعر ( لا يلدغ المؤمن المتمرن من فرح مرتين ) وهي صياغة جديدة للقول النبوي ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين )، كما يقول ( الحقيقة جارية النص، حسناء / بيضاء من غير سوء )، في إشارة لآية قرآنية تقول ( فأخرج يده فإذا هي بيضاء من غير سوء ).
أما انطلاق الجمل وقفلاتها ففي الشعرية المنتمية أصلاً إلى الشذوذ اللغوي لجهة التركيز في معالجتها على مادة الإيصال أي بالاتجاه من المدلول إلى الدال، ففي عالم محمود الشعري هناك تنويع في انطلاقات الجمل وقفلاتها فهناك انتقالات متنوعة تكاد تلامس وتتناول مختلف الصيغ المعروفة للأفعال وللظروف في اللغة العربية وكذلك بعض التأثيرات الأجنبية وخاصة الإنكليزية ،وتتمثل في النص صيغ الأفعال بمختلف الأزمنة بما فيها فعل الأمر : ليكن ،لا تثق ،لا تصدق )كما أن هناك ( حقناً ) لكل فعل ماض بآخر حاضر أو العكس بحيث يبدو الانتقال الزمني متأـرجحاً متوتراً بين عناصر الجملة ومغطياً حالة الحصار ذاتها مدوراً إياها في الماضي والحاضر حيث يلعب العامل الزمني ( أو الفاعل الزمني ) دوراً قوياً في تشكيل الفضاء المأساوي الذي يغلف النص بأكمله وهو فضاء عطالي كما أشرنا من قبل .
خواتم الحصار
المشهد النهائي للحصار في نص الشاعر أكثر من إشكالي ،مفتوح على احتمالات الأبدية، والغزالة ستستمر في الطيران حول حقولها الفكرية والدلالية والرمزية .
الهوامش
ـ 1 ــ رولان بارت ـ هسهسة اللغة ـ ترجمة:د. منذر عياشي ـ مركز الإنماء الحضاري ـ حلب ـ طبعة أولى ـ 1995
ـ 2 ــ رولان بارت ـ التحليل الدلالي للقصص ـ ترجمة:د. منذر عياشي ـ مركز الإنماء الحضاري ـ حلب ـ طبعة أولى ـ 1995.
ـ 3 ـ رولان بارت ـ مبادئ في علم الأدلة ـ ترجمة:محمد البكري ـ دار الحوار ـ اللاذقية ـ طبعة ثانية ـ 1987.
ـ 4ـ مريم فرنسيس ـ في بناء النص ودلالته ـ وزارة الثقافة السورية ـ طبعة أولى ـ 2000.
ـ 5 ـ بلاغة النص وعلم الخطاب ـ د. صلاح فضل ـ سلسلة عالم المعرفة الكويتية ـ عدد 195
ـ 6ـ باتريك رافو - فصول ـ خريف 97ـ أدونيس والبحث عن هوية
- 7-محمد مفتاح – تحليل الخطاب الشعري – المركز الثقافي العربي – بيروت –الدار البيضاء - طبعة ثالثة – 1992.ا
-8- الجولان بين الحرب والسلام ـ يوشيه ماعوز ـ ت: أحمد أبو هدبة ـ مركز الدراسات الاستيتراتيجية ـ بيروت ـ ط1ـ 2001
-9 - الشهداء يعودون هذا الأسبوع – الطاهر وطار- سلسلة كتاب في جريدة رقم 25.
-10 – أعراس ـ محمود درويش ـ دار العودة ـ 1979 ـ بيروت ـ ط أولى
- 11- الأعمال الكاملة – مالا رميه – بلياد – باريس
- 12- من حديث للشاعر أبان توقيع كتابه حالة حصار في بيروت .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,524,067,977
- متى تتطور هذه البوكيمونات ؟؟؟؟
- ذات يوم شيوعي غامض


المزيد.....


- متى تتطور هذه البوكيمونات ؟؟؟؟ / كمال شاهين
- سجن / مزن مرشد
- كــلامٌ فــارغٌ / سعدي يوسف
- مانو خليل يتحدث عن فلمه الكردي ـ الانفال باسم الله و البعث و ... / فتاح مصطفي
- مرورمائة عام على مولد يحي حقي / سماح عادل
- سورية التسعينيات : قارة من الشعراء/ ملف يكاد يكون أكبر وثيقة ... / مركز الآن للثقافة والإعلام
- الشعر داء / التجاني بولعوالي
- نبضات الخليوي / نور الدين بدران
- نرفانا..!! / توفيق الحاج
- أنشودة الحياة ـ 5 ـ ص 451 ـ 452 / صبري يوسف


المزيد.....

- فنانة بابانية تصمم نموذجاً من محطة "فوكوشيما" النو ...
- ماذا تبقّى من ثورة 23 يوليو 1952؟: فيلم «رد قلبي» الذي لا يم ...
- -عيد شهيد- تعبير عن التضامن مع غزة
- أوباما: لابد من نزع السلاح من غزة
- فيديو.. بعد نجاح «سجن النسا».. نيللي كريم: أتمنى المشاركة في ...
- أبناء فنانين ممنوعون من مشاهدة أعمالهم
- تعقيبا على مقال أسماء العطاونة: الثقافة الجديدة لبعض الإعلام ...
- تايسون يبحث مع جيمي فوكس تجسيد شخصيته في فيلم عن بطل الملاكم ...
- جورج كلوني يؤدي دور البطولة في فيلم من إخراج جودي فوستر
- عرض لقطات من فيلم «باتمان ضد سوبرمان» لجذب الانتباه


المزيد.....

- يوميات اللاجئين / أزدشير جلال أحمد
- الفن والايديولجيا / د. رمضان الصباغ
- زخات الشوق الموجعة / الحكم السيد السوهاجى
- اعترافات عاشق / الحكم السيد السوهاجى
- التيمة: إشكالية المصطلح وامتداداته / ليلى احمياني
- الضحك والحرية لميخائيل باختين / سعدي عبد اللطيف
- مالفن ؟ / رمضان الصباغ
- رواية نيس وميس / ضياء فتحي موسى
- (الصيدلاني ( عقاقير -الصمت والحلم والنسيان - شعر و فوتوغراف ... / ناصر مؤنس
- رواية فؤاد المدينة / كرم صابر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال شاهين - محمود درويش في حالة حصار