أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - آن ماري ماكمانس - رواية القوقعة لمصطفى خليفة: انتزاع صميم السلطة






















المزيد.....

رواية القوقعة لمصطفى خليفة: انتزاع صميم السلطة



آن ماري ماكمانس
الحوار المتمدن-العدد: 3708 - 2012 / 4 / 25 - 22:48
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


"أنظر إلى الناس، أتفحص وجوههم، ما هذه اللامبالاة .. تُرى كم واحداً منهم يعرف ماذا جرى ويجري في السجن الصحراوي ؟ .. تُرى كم واحداً منهم يهتم؟ أهذا هو الشعب الذي يتكلم عنه السياسيون كثيراً ؟ .. يتغنون به .. يمجدونه .. يؤلهونه ! ... ولكن هل من المعقول أن هذا الشعب العظيم لا يعرف ماذا يجري في بلده ؟! إذا لم يكن يعرف فتلك مصيبة، و إذا كان يعرف ولم يفعل شيئاً لتغيير ذلك فالمصيبة أعظم."...
بعد قضائه قرابة عقد كامل في سجن تدمر، رُحِلَ مصطفى خليفة إلى سجن فرع أمن الدولة في دمشق، وفي الطريق إلى هناك شاهد الناس في الشارع يلهثون وراء أعمالهم اليومية.
"هل يعرف هؤلاء حقاً ما الذي يحدث في سوريا؟."
من غير الشائع أن يكون السؤال هو البداية المفتاحية لإجراء قراءة نقدية لنص أدبي كرواية "القوقعة" لمصطفى خليفة الصادرة عام 2008 في بيروت، والتي تنتمي إلى ما يعرف بـ "أدب السجون". يروي خليفة في هذه الرواية مذكراته في السنوات الممتدة بين عامي (1982-1994) والتي قضاها معتقلاً بين سجن تدمر وسجن فرع مخابرات أمن الدولة بدمشق، وليس من المبالغ فيه أن نقول أنه لا مفر من قراءة هذه الرواية للإلمام بتاريخ السجون والتعذيب في سوريا.
لكن في هذا السياق أود البدء بما يمكن أن أدعوه مفارقة تاريخية، بين هذا النص وبين ما يحدث اليوم في سوريا، فالناس في سوريا أنهت أزمة اللامبالاة "أو ما كان يشبه اللامبالاة" وخرجت إلى الشوارع محتجة. لكن وعلى الرغم من الأسئلة الجديدة التي بدأت تثار حول الانتفاضة السورية ، فإن سؤال مصطفى خليفة لا يزال يستحضر حقبة سياسية لم تنته بعد.
لا بد هنا من الاعتراف أن خليفة هو أحد قلائلَ قدموا شهادة صريحة حول القمع في سوريا، وهو الأمر الذي كان يتم عادة سراً، أو بلغة مشفرة بأحسن الأحوال.
لقد تحدث الكثيرون عن "الصمت" في سوريا، وعن "ثقافة الخوف" المتفشية في هذا البلد، لكن أسئلة مصطفى خليفة اللاذعة تبدو غير آبهة على الإطلاق بهذا الخوف المتجذر في المجتمع.
تتأتى الصعوبة الحقيقية الناجمة عن الصمت في سوريا، من انعدام إمكانية استكشاف مواقف الناس العاديين تجاه النظام، إذ لا يمكن لأي شخص أن يقرر فيما إذا كان هؤلاء الناس خائفون.. أم أنهم لا يعرفون؟، لا يمكنه أن يعرف إن كانوا معارضين لوسائل النظام العنيفة، أم أنهم يؤيدونه في دواخلهم؟، وعلى فرض أن هؤلاء كانوا مطلعين على ما يجري في سوريا، فهل سيقومون فعلاً بأي رد فعل أو حراك؟ .
هذه الأسئلة تبدو ضرورية لأنها تعكس الأخلاق المشتركة التي تشكل البنى الاجتماعي. اليوم بات الصمت في سوريا في طريقه إلى الانقراض، بينما تقود قبضة النظام الأمنية البلاد إلى مزيد من الاستقطاب. لقد سبق وقدم البعض وعلى الملأ منذ سنوات مبادرات تأسس لثقافة سياسية غير إقصائية تتسع للخلاف والاختلاف في سوريا. ولكن عمل هؤلاء كان معرضاً للخطر الداهم المتمثل بالقمع العنيف للنظام، ومعرض كذلك ـ بشكل أقل وضوحاً ـ لخطر تجذّر أنماط الممارسة السياسية القديمة (التي أسس لها النظام) في المجتمع السوري بما في ذلك داخل بعض دوائر المعارضة.
هذه القراءة في رواية "القوقعة" تنبع من الرغبة في التفكير بتراث وماضي السياسات السورية الحالية وقيودها الصارمة بالتزامن مع استمرار الانتفاضة الحالية. ضمن هذا السياق يمكن قراءة نص خليفة على المستوى الشخصي عبر علاقته مع النزلاء الآخرين في فضاء النظام السوري الأمثل، وأعني هنا سجن تدمر الذي أعيد افتتاحه مؤخراً.[2]
تبدأ رواية القوقعة مع عودة كاتبها مصطفى خليفة إلى سوريا في أوائل الثمانينات بعد أعوام قضاها في فرنسا، ليعتقل حين عودته في المطار بتهمة الانتساب إلى منظمة الأخوان المسلمين المحظورة. لكن خليفة الذي صُدِمَ بقرار اعتقاله هذا لم يقف مكتوف اليدين، بل حاول إخبار عناصر الأمن الذين اعتقلوه أن هنالك خطأ ما نظراً لكونه مسيحي، لا بل أكثر من ذلك أخبرهم أنه ملحد، لكن المفارقة أن محاولته لتبرئة نفسه، والتي كررها بذات الطريقة في سجن تدمر، عادت عليه بنتائج معاكسة كما يرد لاحقاً.
ضمن هذا المنطق الكفكاوي يتلو عليه المحقق في السجن تهمته بالانتماء لمنظمة الأخوان المسلمين، وإلا "لماذا سيكون شخص مثله في السجن الآن"؟، لقد قرر سجانوه أن جريمته لا بد أن تكون أخطر من جرائم أقرانه المسلمين، ولذلك فهو "يستحق الموت مرتين"، وهو فعلاً ما حصل فقد قارب خليفة الموت مرات عدة تحت التعذيب. هذا الموقف يختصر غرابة منطق النظام السوري في صراعه المتفجر مع الإخوان المسلمين عام 1982، والمعبر عنه بمقولة "نحنُ ضد همْ"، وهو المنطق الذي يبرر وجود سجن تدمر ويسوغ كل الجرائم التي جرت وتجري فيه.
إذاً، ما الذي تعرضه رواية القوقعة من منطق السلطة في سجن تدمر؟.
يفرد خليفة الأقسام الأولى من سيرته الذاتية ليرسم فيها صورة "الاستقبال" في سجن تدمر، حيث حرس "فرقة الاستقبال" يقدمون عرضاً قوامه ضرب السجناء القادمين بالهراوت وأقشطة مراوح الدبابات حتى الموت أحياناً، ثم إجبارهم على شرب مياه الصرف الصحي. هذه المشاهد تختصر سمات انعكاس القوة داخل السجن التي تتجلى في العنف والإذلال. في الوقت الذي يبدو فيه العنف عشوائياً وغير محدد الملامح، يبدو الإذلال مرسوماً بدقة متناهية ، ومصمماً للولوج إلى أصغر تفاصيل جسد وذات السجين، و النتيجة هي الخوف المستمر‪.
تتجلى الصفة البارزة لسجن تدمر في الرقابة الشديدة على "الظاهر" أي مظهر المعتقلين سواء من حيث حركات أجسادهم أو كلماتهم: فهم لا يستطيعون رفع رؤوسهم للأعلى، أو فتح عيونهم، كذلك لا يمكنهم حك أجسادهم، أو الوقوف أثناء الليل، وبالطبع لا يمكنهم الصلاة. قوانين الانضباط هذه ليست إلا نتيجة للمنطق العام الذي يعمل ضمنه النظام في سوريا، والذي يحكم على المواطن فيما إذا كان شريفاً أو عدواً وفقاً لما يبدو عليه، وتبعاً لما يقوله، وفقاً لذلك فهو يصنف المواطنين في تصنيفين اثنين لا ثالث لهما: إما معنا أو ضدنا.
بالطبع كل معتقل في سجن تدمر مصنف على أنه عدو، مهما كانت تهمته، سواء لأنه قال نكتة عن الرئيس أو لأنه ذهب إلى الحج أو لأنه حمل سلاحاً ضد النظام، ومثل هذا التشخيص غير قابل للجدل.


مع انتقال خليفة من سجن تدمر إلى عدد من مراكز الاحتجاز التابعة لفروع الأمن المختلفة، يتبدى منطق الرقابة في حالته القصوى، فالمحقق يهزأ من فكرة أن خليفة عضو في جماعة الأخوان المسلمين لأنه يعرف مثله مثل بقية زملائه المحققين أنه مسيحي، لكنه يجترح حلاً أكثر دهاءً: لا بد أن خليفة منتسب إلى "منظمة معارِضة أخرى أشد خطورة من منظمة الأخوان المسلمين".
أثناء التحقيق، يطلب من خليفة، غير السياسي أصلاً، أن يكتب قصة حياته مرة بعد مرة، وكل نسخة تعاد إليه ليكتبها من جديد: لكن سيرة حياته كما كتبها في هذه التقارير لا تتطابق مع الاتهام (أي تشخيص المحقق)، لذلك تتكرر عمليات التعذيب باضطراد في مراحل التحقيق الأخيرة، بما في ذلك الأسلوب الأبرز:الشبْح. لكن التعذيب لا يمكنه الكشف عن أسرار تنظيم معادٍ ليس له وجود أصلاً ، ولا يعدو أن يكون إلا إحدى بنات أفكار المحققين.
تذكرنا القوقعة هنا برواية كوتيز "بانتظار البرابرة"، والتي تفصّل ببراعة سعي الجلاد العقيم للحفر تحت سطح الجلد، والوصول إلى "حقيقة" ارتكاب الذنب المنشودة.
يتنقل خليفة بين فروع أجهزة الأمن المتعاقبة ويصبح التعذيب محموماً أكثر فأكثر، ويصبح وسيلة تتنافس عبرها فروع الأمن في إثبات "الكفاءة" وإظهار الولاء للقائد، إلى جانب نزعة كل فرع في الحفاظ على "سمعته" بالتفوق على أقرانه في وسائل التعذيب. بعد كل تلك الجولات يحصل خليفة على إطلاق سراح بعد 12 عاماً من السجن بوساطةٍ من عمه الوزير.
إلى هذه النقطة تتشابه القوقعة مع العديد من روايات السجون، لكنها في ذات الوقت تتميز في سبر أساس منطق السلطة وأداتها الرئيسية وهي الخوف. الخوف الذي يضرب جذوره ويتأصل في نفس المعتقل، وعلاقته العضوية بالخوف العام المستشري في المجتمع.
يمضي خليفة في وصف شخصيات زنزانته، الذين يبلغ عددهم 300 رجل جميعهم متهمون بالانتماء إلى جماعة الأخوان المسلمين، وبالتالي متهمين بالتآمر ضد النظام الحاكم. يبدو بعضه هؤلاء ميالاً للعنف في حين يبدو الآخرون شيوخاً مسالمين، ونستطيع أن نرى عبر عيون الكاتب أن معظمهم أناس عاديون، تتعرض فكرتهم عن الإيمان والعدالة لامتحان صارم في تجربة السجن. يتكون هذا الانطباع من عدد من التجارب الفردية القصيرة و غير المقروءة التي جعلت المحكمة تدفع جميع هؤلاء إلى سجن تدمر.

بالمقابل يركّبُ مجتمع الزنزانة شكله الخارجي "الظاهري" بالتزامن مع عملية نشوئه ذاتها، ويخفي تحت سطحه التوافقي هذا مجتمعاً معقداً بعيداً عن المراقبة الرسمية وخارج جلسات الاستماع والتحقيق، لكن خليفة لا يجد لنفسه مكاناً في هذا المجتمع طوال مدة عقد كامل، لماذا؟.
بالطبع في البداية ينخرط خليفة في "مجتمع الزنزانة" ، لكن سرعان ما تنتشر إشاعة تفيد أنه "ملحد" بل أسوأ من ذلك تفيد أنه "جاسوس للنظام" وتتم تبعاً لذلك مقاطعته تماماً، فيصبح من غير المسموح لأي من السجناء الكلام معه أو النظر في عينيه مباشرة!، لا بل يمضي الأمر أبعد من ذلك حين تهدد مجموعة من السجناء المتشديين بقتله، لكن تدخلَ أحد الشيوخ المعتدلين يحفظ حياته. بدءاً من تلك اللحظة يبدأ خليفة بتأسيس الصور المفتاحية لمذكراته، يبدأ فعلياً بناء قوقعته.
"مع الأيام بدأت تنمو حولي قوقعة بجدارين، جدار صاغه كرههم لي. كنت أسبح في بحر من الكراهية والحقد والاشمئزاز، وحاولت جاهدا ألا أغرق في هذا البحر. والجدار الثاني صاغه خوفي منهم!. وفتحت نافذة في جدار القوقعة القاسي وبدأت أتلصص على المهجع من الداخل، وهو الأمر الوحيد الذي استطعته".
المقصود بالقوقعة حرفياً الترس أو الصدفة التي يمتلكها الحلزون، والتي ينسحب داخلها تلقائياً حينما يشعر بالخطر، ولعل التصوير الأمثل لمثل هذا الانسحاب في عالم مصطفى خليفة، يحصل بصورة جلية حال حدوث أي صدام غير متوقع بين السجناء وبين حراس السجن: فالسجناء ذوو الأجساد الذاوية والمرتجفة يغطون أعضاءهم الذكرية بأيديهم أمام سخرية الحراس الذين يجبرونهم على التعري. لكن كما يشير الاقتباس أعلاه هناك قوقعة من نوع آخر، قوقعة متبادلة من الكراهية والخوف نشأت بين الكاتب ورفاق زنزانته الآخرين.
لقد سمحت له قوقعته الداخلية أن يشاهد بصمت، وما بدا أنه قرار صائب في لحظة ما، تحول إلى عادة مزمنة، و بعد عامين أدرك خليفة أنه لم يعد تواقاً للحديث مع أيٍ كان، وعند هذه اللحظة بدأ بالانسحاب إلى قوقعته بإرادته التامة. ما الذي دفعه إلى ذلك؟.
أحد أكثر الأسباب وضوحاً لتصرفه هذا، تأتي عبر جدل حول التفسير الديني لعلاقة الظاهر بالباطن إن صح التعبير، حيث يدعو أحد المساجين المتشددين لقتل ذلك "الملحد". لكن أصوات معارضة لهذه الدعوة من المساجين الآخرين تحول دون ذلك. لقد دافع هؤلاء عن خليفة بذريعة أن الله فقط يعلم ما في قلب الإنسان، والله هو فقط من يمكنه الحكم عليه.
بعبارة أخرى، صارت قضية قتل "الملحد" محل نقاش محموم لعب الخوف من حراس السجن فيها دوراً بارزاً أيضاً، رغم إيمان البعض أن هذا الرجل ليس إلا جاسوس يسلم تقاريره لإدارة السجن. بكلمات أخرى في عالم حيث الخوف هو الملك، حتى أصغر تلميح للشك بأحدهم، يشعل النار في هشيم الشائعات.
في واحدة من أكثر اللحظات قسوة، يتطوع أحد السجناء المعروفين باسم الفدائيين لتلقي 500 سوط من حرس السجن بالنيابة عن خليفة. لكن خليفة يكتشف لاحقاً أن ما دفع هذا السجين لفعل ذلك ليست بادرة حسن نية، بل رغبة مجتمع الزنزانة بقطع الطريق أمام "الجاسوس الملحد" لأي احتكاك فردي محتمل له مع حراس السجن. على الطرف المقابل يهمس له بعض السجناء سراً أنهم يعلمون أنه ليس جاسوساً، بالطبع يشعره ذلك بالراحة لكن هذه الراحة تأخرت سنيناً قبل أن يشعرها خليفة حقاً.

رغم محاولات التقرب السرية هذه من خليفة، يبقى شيء واحد غير قابل للنقاش في الزنزانة: وهو قرار المجموعة بمقاطعته، حيث يدور نقاش بين مجموعة النزلاء - ليس فقط عن قضايا العقيدة أو الولاء التي هي محل جدل مستمر ـ بل أيضاً عن قدرة الجماعة على فرض حكم موحد رغم غياب مصدر تشريعه الواضح، لكن، وخوفاً من ارتكاب معصية مخالفة الجماعة، يطيع الجميع قرار النبذ هذا.
مع مرور الوقت ومع الحاجة لأن يبدو كل فرد من الجماعة مطيعاً لهذا القانون غير المكتوب ـ بغض النظر عن مشاعره الحقيقية إزاء خليفة ـ تنطمس أسباب النبذ الأصلية، لكن خليفة وسط هذه المجموعة المتجانسة يفقد القدرة على تمييز عدوه من صديقه، ما ينمي خوفه في عزلته الصامتة ويبقيه دون سبب مباشر أسير شكوكه طوال الوقت. بالمقابل ينمو خوف نزلاء الزنزانة منه ـ بسبب تحول النبذ إلى قانون مجهول الأسباب ـ ويصبح ارتيابهم أكثر تجذراً.
النقطة المهمة التي يمكن تسجيلها هنا أنه في جو من الخوف الجماعي، تبدو مقاطعة خليفة شرطاً أساسياً لإعادة الاستقرار للزنزانة، بغض النظر إن كان هذا الرجل يشكل تهديداً حقيقياً أو متخيلاً كما اعترف بعضه الرجال لاحقاً. بالطبع ليس هذا من الخصائص الثابتة لسجناء تدمر بل هو رد فعل على هياكل السلطة الفعالة في السجن ‪و المجتمع.
سجن تدمر وكل ما يمثله، كان وما زال مصدر رعب لجميع السوريين، لكن ما أود طرحه هنا أن منطق القوة الذي بنى هذا السجن هو نفسه تم توظيفه خارج السجن وإن كان بدرجة أقل تبياناً للعيان. إن سجن تدمر باختصار هو نقطة النهاية المطلقة لأفق القوة التي تمارسها السلطة الحاكمة، وأخشى أن هذا التعبير من شأنه إعطاء انطباع أن الرواية قانطة من إمكانية نهوض مجتمع سوري حاوٍ وحارسٍ لكل مكوناته.
خليفة لم يبقَ منبوذاً إلى الأبد، فقد خرج من قوقعته ليدافع عن نفسه هذه المرة، عندما حاول سجين جديد أتى مؤخراً إلى الزنزانة أن يصدر حكماً بالإعدام على "الملحد" مرة أخرى، لكن وبصورة واضحة وعلنية ـ وللمرة الأولى ـ يقوم خليفة بالدفاع عن حقه بالاحتفاظ بحقيقة إيمانه لنفسه، ويصادق العديد من نزلاء الزنزانة - وليس الجميع - على دفاعه هذا.
في الحقيقة، إن التلصص ـ الذي يستند ببساطة على الفكرة القائلة بأن المظاهر تكشف البواطن الغامضة ـ كما يتبين لاحقاً في الرواية هو ممارسة غير مجدية إلى حد ما في الزنزانة، لأن الجميع يتلصص على الجميع كما سيكتشف خليفة لاحقاً، الحرس يراقبون السجناء، والسجناء بدورهم يتلصصون على سلوك نزلاء الزنزانة، وخليفة يشاهد كل ذلك من قوقعته، لكنه بعد أن يكسر صمته و يقيم صداقة مع سجين آخر، سيصطدم بحقيقة أنه لم يستطع طوال عقد كامل من التلصصص أن يلحظ رجلاً سيصبح صديقه المقرب في الزنزانة لاحقاً. عند هذه النقطة يصل إلى حقيقة أنه رغم سنوات قضاها يراقب ويحلل ويصنف زملاء سجنه، فهو لم يرى منهم سوى جزءاً صغيراً.
لعل الاحتكاك اليومي والحياة المشتركة في السجن ـ بغض النظر عن الانتماءات المسبقة لحزب أو طائفة ـ هي ما سمح لخليفة ببناء علاقة قوية مع هذا الصديق، تجدر الإشارة إلى أن مثل هذه العلاقات القوية التي تنشئ في السجن قد تكون هي المساهم الرئيس في تأسيس تشكيلات سياسية جديدة لاحقة.
في واحد من أكثر المشاهد تأثيراً في الرواية، يبدو النص شاهداً حياً على عمق العلاقات التي بنتها الحياة الاجتماعية المشتركة في الزنزانة. مشهد مقتضب جداً لا يعدو أن يكون جملة واحدة قد يمر عليها القارئ مروراً سريعاً. فبعد إطلاق سراحه، علمَ خليفة أن والداه ماتا أثناء وجوده في السجن، يذهب إلى قبريهما وهناك حيث تقف الحجارة بينه وبين مكة المكرمة، يفتح يديه ويقرأ بصورة عفوية دعاء المسلمين لموتاهم (الفاتحة).
لاشك أن هذا الجزء من النص مؤثر جداً، لكنه بالمقابل ليس لحظة تحول بسيطة، ففي سجن تدمر كان هذا الدعاء هو تعبير صارخ عن العنف والقتل المتكرر الذي يتعرض له السجناء، لقد أصبحت هذه الصلاة (الفاتحة) بالنسبة لخليفة طقساً ثابتاً يرتبط بالخسارة، مغروسة داخل نفسه إلى جانب الخوف من التعذيب، و ما تزال هذه الصلاة إحدى علامات اندماجه الحقيقي في ذلك المجتمع الصغير.
بعد 13 عاماً يطلق سراح مصطفى خليفة، لكنه يجد نفسه مرة أخرى أمام محاولة أخرى للتمعن في وجوه الناس في الشوارع لاكتشاف ما ورائها، لكنه بالمقابل يلاحظ تفاصيل جديدة في دمشق المدينة:
"... الغبار .. الغبار يغطي كل شيء في المدينة، الطرقات، الشوارع، الجدران، كلها مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار الأصفر الناعم، أوراق الشجار الخضراء .. التي كنت أعرفها سابقا زاهية لامعة بخضرتها .. مغطاة بهذه الطبقة الرقيقة من الغبار .حتى وجوه الناس السائرين في الشوارع و المتسكعين في الساحات و على الأرصفة.. مغطاة بهذه الطبقة الغبارية الصفراء. يغسلون وجوههم، يجففونها، لكن الغبار لا يزول، يبدو ملتصقا بالوجوه أو أنه من تكوينها! (...) خشيت أن أسأل أحداً عن أمر الغبار هذا".
ينساق خليفة في حديثه عن دمشق والغبار ـ في لحظة نادرة في الرواية ـ بعيداً عن السرد المعلوماتي ليعبر باستخدام المجاز. هذا الغبار الأصفر الذي يغطي الوجوه يشوه حتى الابتسامات ويجعل الناس أكثر هرماً. إنه الخوف. يمعن النظر أكثر في هذه الصورة قبل أن يلاحظ خوفه هو نفسه ـ لأنه بالطبع لم يسأل أي شخص عن سبب هذا الغبار.

يمكننا هنا الربط بين صورة الغبار هذه وصورة أخرى وردت في مقطع سابق من المذكرات، عندما تجتاح عاصفة رملية قادمة من الصحراء وجوه وأجساد نزلاء سجن تدمر، وبطريقة أقرب إلى المعجزة منها إلى الواقع، تحمل تلك العاصفة قصاصة من جريدة ما إلى داخل الزنزانة، حيث تلتصق القصاصة بفعل الهواء بشباك الزنزانة في السقف. أكثر من 300 زوج من العيون تحدق عبر الغبار راجية أن تسقط قطعة الورق هذه إلى داخل الزنزانة، حيث لم يتلقَ هؤلاء المعتقلين أي أخبار عما يجري في الخارج منذ سنوات. عندما تسقط هذه الورقة، نكتشف أنها ليست إلا جزءاً من الصفحة الرياضية لجريدة ما. لكن السجناء يلتهمون ما فيها من كلمات برغبة محمومة، لا بل أنهم يعينون "وزيراً" في الزنزانة لتنظيم عملية قراءة هذه القصاصة الثمينة، وذلك ليس إلا نتيجة للحرمان من أي اتصال بالمجتمع والعالم الخارجي.
ذلك الغبار الذي يغطي وجوه المارة في شوارع دمشق كما رآه خليفة، هو بشكل ما صورة تنطوي على طرفين اثنين: أولاهما مرٌ كونها تعود لسجن تدمر، وثانيهما متفائل حيث أن هذا الغبار اليوم صار من مخلفات ماض سبق 15 آذار 2011.
يمكننا انطلاقاً من هذه الصورة إيجاد مقاربة للإجابة على السؤال الذ طرحناه في بداية المقال على لسان الكاتب، لتأتي الإجابة: أجل لقد عرف الناس في سوريا ما يجري حولهم، نفسُ الرياح التي مرت على سجن تدمر مرت عليهم، ولامست حياتهم اليومية في طرقات عيشهم التي لا مفر منها. هذه السلطة كما الغبار، يمكنها الدخول إلى كل الأماكن، يمكنها الدخول حتى إلى التجاعيد غير المرئية للمارة الذين لم تطئ أقدامهم أبداً سجن تدمر، من هنا فإن القوقعة تحمل رسالة مهمة للناس الذي يطالبون اليوم بمستقبل أفضل: لن يكون كافياً فقط تغيير منطق القوة الذي حكم سوريا في الظاهر فقط، بل لا بد من الحفر أعمق من ذلك.
لقد كانت أكثر الشكوك إيلاماً لخليفة، الذي ما بقي قابعاً في قوقعته بعد الإفراج، "هل يعلم الناس ما يدور في بلدهم؟ هل سيتحركون؟". لقد تم تطبيب شكوك خليفة المؤلمة في هذه اللحظات بالذات من قبل الجموع المنتفضة في سوريا التي تخاطر بكل شيء للمطالبة بالكرامة لجميع المواطنين.
. لقد كُسِر سد الصمت في سوريا عندما نبضت الشوارع بأصوات تطالب بنوع آخر من الحوار منادية بإنهاء الديكتاتورية، وبغض النظر عن المسارات التي ستسلكها الانتفاضة السورية في الأيام الأسابيع أو الشهور القادمة، فإن ميراث هياكل القوة التي احتكرت البلد لعقود يجب أن تأخذ بالحسبان، وسيكون على المحك العمل على بناء سياسة سورية جديدة ومجتمع مدني جديد يختاره السوريون بأنفسهم.

[1] عنوان البحث هو نحت بتصرف عن إجابة هاملت في مسرحية شكسبير لرسول الملك جيلدنشترن الذي يسأله عن سبب غرابة تصرفه نحو الملك فيجيب هاملت: "هل تريد انتزاع صميم أسراري؟ ".
[2] يقال أن سجن تدمر يتسع لحوالي عشرة آلاف سجين، وقد تمت إعادة افتتاحه في الشهر السابع من عام 2011. يُطلِق ياسين حاج صالح اسم "السجن المستحيل" على هذا السجن كما ورد في مراجعة المذكرات في النشرة الدورية لجمعية الدراسات السورية (2009) 14.2 إصدار الربيع.

ترجمة آرام طحان






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,546,716,540



- بشتآشان صرخة في الضمير ... ثانية / فهد محمود
- رسالة من عائلات الانفال الى المفكرين والكتاب في الحوار المتم ... / كارزان علي
- يوم المثقف العربي 25 عاماً على اغتيال المفكر الشيوعي حسين مر ... / زينب نبُّوه
- أحمد سعدات .. الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين / حبيب هنا
- الى جاسم الزيرجاوي / عبد الرضا حمد جاسم
- بغداد- موقع اليسار العراقي - انتصار قضائي تاريخي للشيوعيين ا ... / التيار اليساري الوطني العراقي


المزيد.....

- ضعوا البنادير جانبا، واحزموا خيوط أحذيتكم
- مدير الاستخبارات التركية يبحث مع أوجلان في سجنه التسوية الكر ...
- محادثات تركية مع أوجلان في سجنه
- سميح القاسم شاعر فلسطين والمقاومة
- ليبيريا: الشرطة تفرق متظاهرين يحتجون على حجر صحي
- Fightback at the Peoples- Social Forum (Ottawa)
- الإسلام والاقتصاد: نظرية "القيمة" بين ابن خلدون وا ...
- The rich protect their own: scandal cover-up exposes rottenn ...
- بيان :الاتحاد المغربي للشغل ــ التوجه الديمقراطي السكرتارية ...
- انتهازية الأحزاب "اليسارية" في التعاطي مع قضية الاعتقال السي ...


المزيد.....

- في ذكرى مهدي عامل / يزن حداد
- ثورة 25 يناير 2011 فى النصف الأول من 2012 - القسم الثانى / خليل كلفت
- هكذا تكلم المفكر السوداني محمود محمد طه / عادل الامين
- فرج الله الحلو - قائد شيوعي من أبطال الإستقلال / كريم مروة
- شهداء للبيع! البحث عن رفات الشهيد كاظم طوفان / سلام عبود
- مغاربة فقدوا حياتهم من أجل التغيير / إدريس ولد القابلة
- .. وَرَحَلَ نُقُد / كمال الجزولي
- ثورة مصر وما بعد / سمير أمين
- الشهيد المهدي بن بركة، بلاغة الوضوح ومنطق التسوية / عبد الإله إصباح
- ثورة التغيير التاريخية - واقع .. وتوقّعات - / نعيم الأشهب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - آن ماري ماكمانس - رواية القوقعة لمصطفى خليفة: انتزاع صميم السلطة