أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض خليل - حامل الهوى تعب : قصة قصيرة















المزيد.....

حامل الهوى تعب : قصة قصيرة


رياض خليل

الحوار المتمدن-العدد: 3679 - 2012 / 3 / 26 - 08:03
المحور: الادب والفن
    



يوميا .. يستيقظ باكرا .. ينهض من فراشه ، على هاجس يحركه كرجل آلي " روبوت" . قبل أن يغسل وجهه ، وقبل أن يشرب قهوته الصباحية المعتادة ، وقبل أن يصبّح على أهل بيته . تراه يتجه كالمنوّم مغناطيسيا نحو باب البيت ( الشقة) الواقعة في الدور الثالث من العمارة المواجهة لنا ولبيتنا الأرضي . كنت أراه كل يوم ، ولم أنتبه في البداية لما يقوم به من طقوس ، ولكن تكرارا تصرفه اليومي على مدى زمني طويل ، لفت نظري ، وأثار استغرابي .. ثم تعجبي .. ثم ضحكي من الطقس اليومي الذي اعتاد ممارسته في الشارع : أسفل العمارة التي يقيم فيها . وعلى مرأى من الجيران الفضوليين الحشريين والحسودين و.. الخ . لم يكن ليخجل من حبه وغرامه الفاضح المثير ، على الرغم من كهولته ، إنها مراهقة الكهولة . لم لا .. وكهولته لم تفقده الوسامة ، ولا خفة الدم ، ولا الابتسامة الدائمة المرتسمة على فمه . كان لطيفا مهذبا ، سلسا متعاونا ، ومع ذلك لم ينج من انتقادات الجيران اللاذعة لتصرفاته العاشقة التي لاتراعي القواعد المرعية , ولاتأخذ بعين الاعتبار الناموس الاجتماعي السائد . كان العاشق الكهل يطبق مقولة الشاعر الشهير أبا النواس :
( حامل الهوى تعب = يستخفه الطرب )
وكان العاشق الكهل الوسيم يتنازل عن وقاره وهيبته ، ففي الحب لامكان للوقار .. ولامراعاة للناموس . والوجد يعمي صاحبه عن أي شيء سوى حبه وصورة معشوقته التي يعيد رسمها كل يوم ليضيف لها جمالا فوق جمال ، وسحرا فوق سحر . إنه هوس الحب ، إنه عين الحب ذات الزاوية الضيقة جدا ، الزاوية التي لايرى ولايسمع ولايحس العاشق بشيء مما يحدث خارج قوسها
يخرج من شقته كرجل آلي ، ينزل الدرج ، يطل من مدخل البناية ، راقبته ، انعطف نحوها ، كانت واقفة بانتظاره ، كانت فاتنة ، جذابة ، تبدو كعارضة أزياء شهية ومثيرة وشهيرة ، لامثيل لأناقتها وجمالها المغري ، كثيرون من أهل الحارة من الجيران القريبين يحسدونه عليها ، ويحلمون بها بشغف ، يرنون إلى امتلاكها ، كانوا .. وكان كثيرون يغارون من العاشق الكهل ، وهو يغازلها كالسكران الهيمان المتيم بمحبوبته . كان يدور حولها ، يتأملها بنظرات صوفية عاشقة ، وكان لايتردد بلمسها ، وتفحصها ، وبعض من الجيران الفضوليين يختلسون النظر إليهما من زوايا نوافذ الشقق المطلة على مكان المواعدة واللقاء اليومي الفريد . ويتلفظون بكلمات غير مفهومه ، ولكن سحناتهم كانت تشي بالمعنى . والأغرب من كل هذا أن زوجته كانت تطلّ من الشرفة دون أن تلقي نظرة على مايحصل من وراء ظهرها ، وكانت أحيانا تلقي نظرة عابرة غير مكترثة عليهما ، وهما في الأسفل ، قرب البناية ، وتتجاهل مايحصل ، وكأن الأمر لايعنيها . لم تبد الغيرة ولو مرة واحدة من ضرّتها الواقفه مع زوجها في الأسفل ، وكأنها عارضة أزياء أنيقة وفاتنة . شيء غريب حقا ....
وتذكرت أنني باركت له وهنأته بها . وفرح العاشق لأنني من القلة التي هنأته وباركت له .
كان المشهد رائعا ومثيرا بالنسبة لي ، كنت أرى فيه معاني لاحصر لها ، معاني تنم عن واقع الكهل العاشق وتاريخه وطبيعته الأخلاقية والإنسانية والعاطفية ، وكان المشهد وثيقة تترجم خلفياته الاجتماعية والطبقية المتواضعة التي انطلق منها حتى وصل إلى ما وصل إليه مما لم يكن يحلم بالوصول إليه يوما . ويبدو أنه قانع بحظه ونصيبه حتى الآن .
ومن المهم أن أذكر أن الرجل الكهل العاشق .. انطلق وعاش في بيئة ريفية فقيرة ومحرومة ، ولم يكن ليحلم بتحقيق ما وصل إليه من نجاحات وإنجازات مادية ومعنوية ، يراها نهاية العالم
الكهل العاشق رجل بشوش ومحب للاجتماع والتواصل ، وحينما تتلتقي به ، وتعاشره ، تحس أنك تعرفه معرفة حميمية ، وبأنك أزاء شخص مريح ورائع .
في الظاهر لم يكن له أعداء ، ولكن له حساد بالتأكيد . ومع ذلك لايمكن تفسير ماحصل لابالعداء ولا بالحسد . المصيبة التي حلت بالكهل لم تكن في الحسبان ، إنه لايستحق غير المحبة والخير ، ولايستحق الأذى الذي لحق به ، أقصد بحبيبته ومعشوقته المذهلة . لقد فجع الرجل بما أصابها وحل بها من تشوه بسبب الحادثة المجهولة التي ألمت بها ، والفاعل مجهول حتى الآن . لقد بكى الرجل الكهل .. ومرض .. وشاركته أسرته عواطفه الجياشة الحزينة . وكنت من بين المواسين للرجل الكهل العاشق . وطيبت خاطره ، وهونت عليه ، وهدأت من روعه ، وقلت له :" شدّة وتزول إن شاء الله " ، ودعته ، وظل متألما حزينا .
كانت معشوقته من نوع " ب.م. دبليو" (B.M.W ) ، وكان الرجل ضابطا متقاعدا ، اقتنى السيارة حديثا ، وبدون رسوم جمركية ، أي بسعرها المنخفض . وقد اشترى لها فستانا رائعا لحمايتها من أشعة الشمس والمطر والعوامل الجوية ، وكان يعتني بها أيما عناية ، ويتفقدها يوميا في الصباح الباكر وقبل أن يتناول فنجان القهوة المعتاد ، وقبل أن يلقي تحية الصباح على أهل بيته . كان يخرج للتو من الشقة في الطابق الثالث ، ينزل الدرج ، يطل من مدخل البناية ، يتجه نحو سيارته الفخمة الفاخرة الوثيرة التي كان يركبها ويقودها الهوينى في نزهة قصيرة ، لكي لايرهقها ويتعبها ، ولكي لاتشيخ باكرا ، كان يود أن يحتفظ بها كما خلقها ربها ، جديدة فاتنة ساحرة جذابة ، وهي تقف في الشارع تحت العمارة ، يركنها بالقرب من أسفل العمارة بعد أن يغطيها ويطمئن عليها صباح مساء ، وكان الجيران بالفعل ينزعجون منه لأنه يحجّبها ، ويحول دون نظراتهم إليها ، كي لايروا مفاتنها المثيرة المغوية ، إنه يغار عليها حتى من نظرات الجيران والناس ، ويخشى الحسد ، ولكن ذلك كله لم يمنع من وقوع المصيبة التي حلت بها . حيث أفاق ذات صباح ، ليجد نافذة ( فتحة ) السقف الزجاجية القوية وقد هشمت بسبب " بلوكة " سقطت عليها ، ولاأحد يعرف حتى الآن كيف حصل ذلك بالضبط ، مع أن الشقة العلوية فوق شقته كان صاحبها يقوم بصيانتها ، وربما أحد العمال رمى "ببلوكة " على السيارة في الأسفل ، مع أنها بعيدة نسبيا عن البناية بحوالي الثلاثة أمتار .
وبعد يومين عمل الكهل العاشق على معالجة معشوقته المعطوبة ليعيد إليها الصحة والعافية والعنفوان والشباب ، وأجرى لها عملية تجميلية ناجحة وفائقة الدقة ، وإثر ذلك ذبح لأجلها عجلا ، وزعه على الفقراء ، واحتفل بهذه المناسبة احتفالا يليق بعروسه الجميلة ال:( ب.م. دبليو : B.M.W ) . وكنت من بين المشاركين بالحفل .
السبت – 24/3/2012 – اللاذقية – الساعة الحادية عشرة مساء





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,221,133
- من حكايات صاحب الجلالة : قصص
- المفهوم الملتبس للقوة المدنية السلمية
- الثورة السورية بين السلمية واللاسلمية
- سوريا : الجبهة الدولية المشتعلة
- حكايات صاحب الجلالة
- السلطة الأم: سلطة الشعب
- حتمية انتصار الثورة السورية
- جحا وساميل : (5) ، حلقة جديدة
- إضاءة على الحقبة الأسدية
- الأدب والثورة
- من قصائد الثورة (10)
- جحا وساميلا: الحلقة الرابعة :قصص قصيرة مسلسلة
- قصيدتان : ذاكرة للحب و نجوم الفرح : شعر نثري
- حيث يوجد الحب
- أنا ونعيمة والوحش : قصة قصيرة
- جحا وساميلا (3) : قصة قصيرة
- اليسار السوري: تاريخ فاشل ودعوة لإعادة البناء
- من خلف الغربة : شعر نثري
- تعقيبا على مكارم ابراهيم : حق تقرير المصير ......
- الأديب باسم عبدو: في


المزيد.....




- -من إن بلاك-.. يتصدر إيرادات السينما
- بالفيديو.. تجوّل معنا في متحف قطر الوطني
- انعقاد مجلس الحكومة يوم الخميس المقبل
- وفاة مرسي.. الرواية والتداعيات
- انطلاق مهرجان "فاس" للموسيقى العالمية العريقة بدور ...
- انطلاق مهرجان "فاس" للموسيقى العالمية العريقة بدور ...
- خطة مصرية أوروبية لتطوير المتحف المصري بالقاهرة
- دراسات.. الموسيقى تخفف من معاناة مرضى السرطان
- دراسة: الاستماع للموسيقى يمكن أن يخفف آلام مرضى السرطان
- افتتاح مسابقة -تشايكوفسكي- الموسيقية الدولية في روسيا


المزيد.....

- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض خليل - حامل الهوى تعب : قصة قصيرة