أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رياض حمادي - - الفتنة .. جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر-






















المزيد.....

- الفتنة .. جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر-



رياض حمادي
الحوار المتمدن-العدد: 3677 - 2012 / 3 / 24 - 20:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ذات يوم حالم خرج علينا عصام القيسي بقراءة حالمة لحدث السقيفة سماها " قراءة جديدة ليوم السقيفة " وهي قراءة خيالية تقوم على تفسير اعتباطي لآية قرآنية هي الآية 101 في سورة التوبة " وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ" وخلاصة القراءة أن المهاجرين إنما منعوا الأنصار من مشاركتهم السلطة - فضلا عن الاستئثار بها – كان بسبب خوفهم من وجود هذه الفئة من المنافقين الأنصار الذين تتحدث عنهم الآية. قراءة عجيبة كنت أعتقد أن الكاتب سيتبرأ منها بعد نشرها في جريدة الثقافية عام 2009 لكنه أعاد نشرها في موقع الحوار المتمدن بعدها بأشهر بالرغم من أنه تلقى العديد من الردود النقدية المستهجنة.

عند قراءتي لكتاب " الفتنة " لهشام جعيط قلت في نفسي أن القيسي لم يطلع على هذا الكتاب وإلا كيف جرؤ على تقديم قراءته . لا يعني هذا أن تحليل جعيط لحدث السقيفة تحليل مقدس أو يعني رفض القيام بقراءة جديدة مخالفة وإنما يعني أن تحليل جعيط النقدي المبهر لحدث السقيفة يقوم على سند من النصوص التاريخية والمنطقية والعقلية بينما قراءة القيسي ليس لها أي سند أو ركيزة سوى الإلهام .

كتاب " الفتنة – جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر " يعيد قراءة تاريخ الفتنة على نحو يدعوا للإعجاب. يتوقف عند الأحداث والأخبار والروايات والشخوص بالتحليل النقدي الموضوعي يستنطق النصوص يغربلها ولا يجعلها تمر مر الكرام. يمكن أن نخلُص من قراءة هذا الكتاب إلى عنوانين رئيسيين الأول عنوانه الأسباب التي أدت إلى فشل الأنصار في مقابل المهاجرين والثاني عنوانه أسباب إخفاق علي بن أبي طالب في مواجهة معاوية بن أبي سفيان. هذه الأسباب التي بينها الكتاب في تحليل نقدي موضوعي رصين قمنا بتلخيصها في هذه القراءة والرد على بعض حجج جعيط فيما يتعلق بحدث السقيفة .

الأنصار في مواجهة المهاجرين ( أسباب فشل الأنصار ) :

أفضل قراءة نقدية موضوعية لحادث سقيفة بني ساعدة نجده في هذا الكتاب حيث يمكن تلخيص تحليل جعيط المفصل لهذه الواقعة بالتالي :

التشرذم القبلي و وحدة الأمة :

يتساءل جعيط عن السبب الذي دعا الأنصار إلى الاجتماع في السقيفة بعد موت الرسول مباشرة ودون معرفة المهاجرين . يقول جعيط " لا يمكن التعرف أبداً هل كان الأمر في نظر الأنصار يتعلق بانتخاب رئيس لهم وحدهم أو لكل الأمة الإسلامية , وهل كان ردهم ردا قبليا أو كان حقاً موقفا لإنقاذ الأمة والدولة . "
ثم يجيب عن تساؤلاته دون جزم قائلاً " من المحتمل أن تكون مبادرة الأنصار مبادرة قبلية أو خصوصية تهم بلدهم وحسب. فقد كانوا أغلبية في مدينتهم , وكانوا يرغبون في التصرف كأسياد , وأن يستردوا سيادتهم التي تنازلوا عنها للنبي في حياته . "

مع أن لغة جعيط السابقة لغة احتمال غير جازمة إلا أنه يقرر أن سلوك الأنصار " كان سلوكاً انفصالياً لا يأخذ في الاعتبار مجموع الأمة بل يأخذ فقط الثنائي القبيلي الأوس / الخزرج الذي كان الأمر في نظره يتعلق بإيجاد رئيس له . وبالتالي من المشكوك فيه أنهم كانوا يطمحون إلى إدارة الأمة كلها , ومن ورائها , مجمل الجزيرة العربية , وأن يطرحوا أنفسهم على الجميع كأنهم ورثة النبي . كانوا يرغبون في تحاشي هيمنة قريش , الظاهرة منذ فتح مكة , والتي ارتضوها على مضض . وكانوا يخشون بوجه خاص , وقد أعربوا عن ذلك , من استيلاء عشائر قريش الشريفة على السلطة , تلك العشائر التي جاءت متأخرة إلى الإسلام , ولم يحسن إسلامها تماماً , والتي كانت قد حاربت النبي منذ موقعة بدر ."

لجعيط أن يستنتج من تحليله للتاريخ - كمفارق له وخارج سياق فعله - السلوك الانفصالي للأنصار , لكن كيف له أن يجعل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح يصلون لنفس الاستنتاج وهم لم يعرفوا بعد النوايا الحقيقية لاجتماع الأنصار ؟! ثم ماذا عن المقترحات التي قدمها الأنصار هل كانت كلها تصب في خندق الانفصال ؟!
يقول جعيط " وكان ممثلو المهاجرين , أبو بكر , عمر , أبو عبيدة بن الجراح , المتوافدون بسرعة إلى الاجتماع , يواجهون خصوصية انفصالية , خصوصية لم تكن قادرة على خلافة النبي في عمله التوحيدي بل كانت بكيفية أساسية تستجيب لمعايير وأعراف الجاهلية القبلية , بينما كان الإسلام يريد تخطيها "

هنا يرى جعيط في تصرف الأنصار رجوعا للأعراف القبلية الجاهلية – وهو فعلا كذلك – بينما لم يقل الشيء ذاته عن المهاجرين القرشيين وهم يستحوذون على السلطة ويحرمون الأنصار منها وهم مركز قوة أسهمت في تعزيز ذيوع الإسلام ودورهم المؤثر لم يكن يخفى على المهاجرين .
فلنقل أن المهاجرين وقتها أدركوا أن سبب اجتماع الأنصار هو الرغبة في قيادة الأمة والاستحواذ على البيعة لصالحهم من أجل خلافة الرسول في الإدارة الدنيوية . قد يمكن استنتاج السلوك الانفصالي للأنصار من خلال اقتراحهم " منكم أمير ومنا أمير " لكن لو كانت نيتهم الانفصال حقاً لما طرحوا فكرة تقاسم السلطة " منكم الأمراء ومنا الوزراء " .

يقول جعيط " خير دليل على ذلك ( يقصد على الانفصال ) أنهم اقترحوا , في مواجهة مقاومة ثلاثي المهاجرين , أن يكون لكل فريق أميره ... وإن ما اقترحوه بعد ذلك كان تقاسم السلطة وأن يكون منهم ولهم رئيسا على الطريقة القبلية . وفي مواجهة هذا الموقف فضل المهاجرون أي أولئك الذين كانوا ينطقون بلسانهم , وحدة الأمة التي أسسها النبي والسابقة في الجهاد لأجل الإسلام . والحال ,فحددوا الأولوية بالأقدمية في حياة الإسلام وبالعذاب المعاش في سبيل العقيدة والإيمان. والحال , فإن المهاجرين قد واكبوا خطوات الإسلام كلها منذ الأصل وكانوا يقدمون قاعدة الصحبة كمعيار لاختيار الأفضل . وإذ يعترفون بأهمية جهاد الأنصار فإنه يأتي فقط في المرتبة الثانية , وهكذا كانت السابقة في جانبهم , من زاوية إسلامية محض وكان التفوق في جانبهم أيضا من وجهة عربية محض لأنهم ينتمون إلى قبيلة قريش , قبيلة النبي , وبالتالي فإن الوراثة في جهتهم. وكانوا يقولون : لا يمكن للعرب أبداً أن يطيعوا أي شخص لا يكون من قبيلة النبي . إذن لا اقتسام للسلطة , بل وحدة الأمة وتفوق قريش وكذلك أولوية المهاجرين , ومواصلة العمل النبوي في نهاية ذلك كله . "

من يقرأ هذا النص مجتزأً من سياق الكتاب سيعتقد بأن جعيط يحاول جاهدا الدفاع عن المهاجرين وتنقية صفحتهم لكن من يعرف منهج جعيط النقدي الموضوعي غير المتحيز سيبرئه تماما من تهمة الدفاع عن المهاجرين أو إدانة الأنصار . مع ذلك هذه الحجج التي ساقها جعيط لا تصمد كثيراً أمام النقد والحجج المضادة . وأول هذه الحجج هي أنه إذا كان هدف المهاجرين من الاستحواذ على السلطة هو نشدانهم " وحدة الأمة " فلنا أن نسأل , وهل وحدة الأمة لا تقوم إلا بالاستحواذ على السلطة من قبل فريق دون آخر أو قوة دون أخرى ؟! ألا يمكن لمفهوم الوحدة أن يستقيم مع مبدأ توزيع السلطة بين جميع الفرقاء ومراكز القوى ؟! إذا كان الهدف هو وحدة الأمة فالأولى توحيدها من خلال توحيد السلطة , فاستيلاء فريق على السلطة على حساب الآخر يدخل في باب الاستقواء وهذا ما حصل بالفعل في السقيفة حيث كل فريق يحاول أن يظهر أولويته في الحصول على السلطة. وإن كان صحيحا أن للمهاجرين الأقدمية في دخول الإسلام وبالعذاب في سبيله وهم أصحاب النبي الأوائل وأن كل هذه المزايا تستدعي تقدمهم في المرتبة على الأنصار لكنها لا تستدعي إزاحتهم عن مشهد السلطة على نحو تام وكلي ثم أن هذه المزايا قد تحل في المرتبة الثانية إذا ما جعلنا من الأولوية الزمنية عنصرا هامشيا وقدمنا عليه أولوية الحدث. وهنا يكون إسلام الأنصار , ولو أنه تالٍ لإسلام المهاجرين زمنيا, عنصر أهم في نصرة الإسلام والشد من أزره ويمكن القول أنه لولا الهجرة ودور الأنصار لما كتب للإسلام البقاء . جعيط يؤكد هذه الحقيقة عندما يقول : " فالأنصار هم مادة الإسلام وبهم نجح محمد في فرض دينه . "

هناك اعتراف من قبل المهاجرين بأهمية جهاد الأنصار كما يقول جعيط لكنه اعتراف نظري لم يقابله اعتراف فعلي أو عملي في توزيع السلطة واستمر هذا الحال في تهميش الأنصار طوال حكم الخلفاء الثلاثة الأوائل لدرجة أن لا يوجد شخص واحد في مجلس شورى عمر بن الخطاب . هل خلت ساحة الأنصار من صحابة أوفياء مخلصين للإسلام وللرسول كي لا يكون واحد منهم في هذا المجلس ؟! (*) والإجابة لا. كان هناك الكثير من المخلصين . ولكن ليس هذا هو السؤال المناسب وإنما السؤال , هل كان لعودة القيم القبلية وقيم الجاهلية دور في الصراع على السلطة في سقيفة بني ساعدة ؟ والجواب نعم .

إذاً العنوان المناسب لحدث سقيفة بني ساعدة هو الصراع على السلطة القائم على الاستقواء وبين قوى لم تكن تأخذ في حسبانها في ذلك العصر عمل حساب لمراكز القوى الأخرى وضرورة إشراكها في السلطة . كل ما كان يشغل بال هذه القوى هو محاولة إثبات الأفضلية وكان للمهاجرين حججهم " لأنهم ينتمون إلى قبيلة قريش , قبيلة النبي , وبالتالي فإن الوراثة في جهتهم. وكانوا يقولون : لا يمكن للعرب أبداً أن يطيعوا أي شخص لا يكون من قبيلة النبي . إذن لا اقتسام للسلطة , بل وحدة الأمة وتفوق قريش وكذلك أولوية المهاجرين , ومواصلة العمل النبوي في نهاية ذلك كله . "

جعل الانتماء لقبيلة النبي حجة في صالح المهاجرين يجعل من النبي نبيا لقبيلة لا نبيا عالميا للناس كافة. كما أن النبوة لا تورث ولا بأي شكل من أشكال سلطاتها . فإذا كان صحيحا ما ورد عن النبي من أن " الأنبياء لا تورث " المال والعقارات وغيرها – فكيف يقبل أو يُعقل أن يورث الأنبياء سلطة من سلطاتهم ولو كانت سياسية لا دينية .
قد نتفق مع حجة قريش في أن العرب لن يطيعوا أي شخص لا يكون من قبيلة النبي ولكن هذا لا يعني أن العرب لن تطيع في حال لو ساد مبدأ تقاسم السلطة , توزيعها أو توحيدها . بل أن مفهوم وحدة الأمة كان له أن يترسخ في هذا الجو من تقاسم السلطة - الذي لا يهمش طرف على حساب طرف آخر - وليس في جو الاستحواذ والاستقواء .
ولنا أن نتساءل , هل تحقق مفهوم وحدة الأمة على أرض الواقع بعد أن غلبت حجج قريش أو استقواءها ؟!

ولنترك التاريخ يجيب بالنفي فلم يعرف العرب منذ ذلك الحين أي استقرار لهذا المفهوم وإذا كان من عادة المؤرخين أن يؤرخوا للفتنة الكبرى منذ مقتل عثمان فباعتقادي أن تأريخ الفتنة الصغرى بدأ مع حدث السقيفة وهذا الحدث بدوره يُعد مقدمة للفتنة الكبرى ولكل أشكال الصراع على السلطة في تاريخنا القديم والحديث .

عودة الأعراف الجاهلية :

لم تكن الأسباب سابقة الذكر هي ما أدى إلى غلبة قريش ونجاحهم في الحصول على السلطة . كان السبب الحقيقي الأول يتمثل في أن الأنصار " لم يكونوا يشكلون جبهة موحدة , فكان الأوس من جهة , والخزرج من جهة ثانية , وكان يفصل بينهم في الماضي منازعات من الطراز القبلي . صحيح أنهم كانوا في السقيفة يمثلون جبهة مشتركة إنما لن تتأخر عن التصدع أمام مقاومة المهاجرين . فلم يكن الأوس يتمنون أن يُنتخب فرد من الخزرج , وسرعان ما أعطوا بيعتهم لأبي بكر . هاكم إذن سبباً يعود إلى إحياء أعراف الجاهلية وتقاليدها . "

مع أن إحياء أعراف الجاهلية وتقاليدها هو السبب الحقيقي الأول وراء تصدع جبهة الأنصار , في مقابل جبهة المهاجرين الموحدة , إلا أن جعيط يعاود طرح مفهوم وحدة الأمة الذي لم يكن ليتحقق إلا من خلال غلبة المهاجرين / قريش لا من خلال غلبة الأنصار. هذه المرة بجعل الأنصار أنفسهم يؤمنون بتحقق هذا المفهوم من خلال المهاجرين القرشيين لا من خلالهم هم, فقد كان الأنصار " في صميمهم مفعمين بفكرة وحدة الأمة الإسلامية , نظرا لكل ماضيهم القتالي الحديث في سبيل الله , برعاية نبيه وفي كنفه, فتقبلوا بسهولة فضل المهاجرين وأقدميتهم في الجهاد وفقاً لأعراف السابقة الإسلامية ولأنهم كانوا قد سبقوهم طوال اضطهادهم المكي الطويل . وهكذا تأثر الأنصار بحجج أبي بكر . زد على ذلك أنهم كعرب , كانوا مفعمين بمفهوم الوراثة ضمن قبيلة , عشيرة أو عائلة وللمهاجرين الفضل البيّن في التوليف ما بين العُرفين الإسلامي والعربي . "

لا أدري كيف يمكن التوفيق بين عودة الأعراف الجاهلية وتقاليدها التي كانت سببا في تصدع جبهة الأنصار إلى أوس وخزرج وبين إيمان هؤلاء في صميمهم بفكرة وحدة الأمة الإسلامية . أرى أن السبب الذي دعا بعض أو كثير من الأنصار – من أوس وخزرج أو بعد أن عادوا كذلك - لمبايعة أبي بكر لم يكن اقتناعا بحججه بل هو ذات السبب السابق وهو عودة الأعراف الجاهلية وتقاليدها التي تستدعي تحالف الأطراف المتخاصمة مع قوى مسيطرة محيطة . أما حجة الاضطهاد فليست ذي بال كون الذين يسعون للحصول على المبايعة لم ينالهم أي اضطهاد فالاضطهاد كان من نصيب أفراد قلائل " من المستضعفين من العبيد وبعض ممن فُتِنثوا من الشباب من طرف أهليهم " كما أكد ذلك جعيط في كتابه ( تاريخية الدعوة المحمدية في مكة ) والذي أكد فيه أيضاً على أن " المصادر تُجمع إما إقراراً وإما سلبا على أن النبي (محمد ) لم يُسلط عليه أي عنف جسدي ولا تهديد بالقتل حتى نهاية الفترة المكية . " (**)

يمكن لمفهوم الوراثة أن يكون عربيا لكن لا أعرف كيف أو لماذا جعل جعيط منه مفهوما إسلاميا . هل من أجل ترسيخ أو إضافة حجة أخرى لصالح المهاجرين, أم أنه كان يريد بذلك تأصيل المهاجرين لمفهوم الوراثة إسلاميا أو بجعله إسلاميا !
أقول هذا لأن جعيط نفسه يصف "المبدأ الوراثي" – في مكان آخر من الكتاب مبرراً تنازل الحسن عن الخلافة - بأنه " لم يكن قد بدأ يلعب دوره بعد في النفسية العربية , وكان العراق شديد الانقسام ولن تتوحد الأمة مجددا , أبداً , على حد أدنى من الوفاق , دون أن يُخلي أحد الرؤساء الساحة. وإلا , فإن إعادة الوحدة ستتم بالقوة . مع ما سيجلبه ذلك من جراحات , أو سيستمر الانقسام إلى الأبد . "

استعراض القوة :

السبب الثاني الذي أكد غلبة المهاجرين على الأنصار هو عنصر القوة إذ لم يُكتَفَ بتبادل الآراء والحجج. يقول جعيط " يروي الإخباريون أن شوارع المدينة كانت تغص بأفراد قبيلة أسلم وبالتالي كان هناك ضغط عسكري من جانب عناصر خزاعة تلك القبيلة القريبة من مكة والتي كانت مرتبطة بالنبي بروابط شخصية , فانتقلت الآن إلى ورثته الطبيعيين , مهاجري قريش وبالتالي كان ميزان القوى يميل , بفضل التحالف البدوي , لصالح هؤلاء الأخيرين . لابد أخيرا من لحظ الدور الساحق الذي لعبه عمر في هذه القضية من خلال شخصيته القوية فقد خوَّف الأنصار بثقته واطمئنانه وعنفه . وأخيراً لا يرقى الشك إلى أن الثلاثي , أبا بكر وعمر وأبا عبيدة كان يشكل جماعة متماسكة , ربما منذ المرحلة المكية , فهم ينتمون إلى عشائر قرشية صغيرة , وهذا كان سبباً لتقاربهم . وكان أبو بكر وعمر يتكاملان بشكل رائع , ويشكلان ثنائيا لا يقبل الانفكاك. وكانا , كلاهما , مرتبطين مع الأنصار برباط المصاهرة , وحدهم من بين قريش. وكان انتماؤهما لعشائر صغيرة يطمئن الأنصار إلى كونهما قد لا يحكمان بالاعتماد أكثر من اللازم على عشائر قريش القوية , وأن سياستهما ستكون إسلامية , وقائمة على السابقة في الإيمان أكثر مما تقوم على روابط الدم . "

لا يمكن لأحد أن ينكر الدور التأسيسي للمهاجرين مثلما لا يمكن إنكار الدور المرحلي والمفصلي الذي قام به الأنصار والخطأ يكمن في المقارنة ومحاولة تغليب دور على دور للخروج بنتيجة أن للمهاجرين الأولوية على حساب الأنصار أو العكس . ما حدث كان صراعا على السلطة في ظل وضعية تاريخية نسى أو تناسى فيه كلا الطرفين قيم وحدة الأمة والمؤاخاة التي غرسها فيهم النبي ولعل الميزة الوحيدة لحدث السقيفة هو في الفصل بين الديني والدنيوي الفصل بين السياسة والدين فلم يتم الزج بالنصوص الدينية وسط هذا الصراع لعلم الطرفين بأن أمر الخلافة والحكم أمر دنيوي لا ديني وبالتالي يكون الحسم في هذه المسألة لظروف المرحلة التي تعيشها الأمة وآليات الوصول إلى السلطة, ووقتها لم يكن للشورى مكان كما لم يكن للديموقراطية ولم يكن الاحتكام لصناديق الاقتراع بل لآلية الجدال والقوة وهذه ليست عيبا ولا ميزة في حال أخذنا بعين الاعتبار الظروف والسياق التاريخي لتلك المرحلة .

ليست المرة الأولى التي يطلع فيها الأنصار من المولد " بلا حُمُّص " فقد سبق لهم أن خرجوا من مولد غنائم حنين بلا حمص أيضا لكن حينها استطاع الرسول أن " يأكل بعقلهم حلاوة " – أو هكذا نُقل لنا - بخطاب عاطفي مؤثر لم يكن يملك الأنصار إزاءه إلا أن تخضل أعينهم بالدمع وفي كل الأحوال لم يكونوا يستطيعون عمل شيء وهكذا قُدِّر للأنصار أن يكونوا سلم الإسلام الذي تسلق عليه المهاجرين أو سفينته التي أوصلته وأوصلتهم إلى شاطئ الأمان .

أسباب فشل علي :

أول شيء استرعى انتباهي وأنا أغوص في تحليل أخبار الفتنة هو أن علي بن أبي طالب لم يكن له خصما واحدا هو معاوية بل عدة خصوم : عائشة, طلحة . الزبير وكثير من كبار الصحابة ممن كانوا في صف الصامتين المحايدين أو المعتزلين . بل أن علي كان خصما لنفسه , فعلي حارب علي وهزمه والخليفة علي هو من خلع الخليفة علي عندما قرر أن يتنازل عن لقب " أمير المؤمنين " أثناء التحكيم .

لم تكن هذه غلطة علي الوحيدة الفادحة فقد سبقتها عدة أخطاء فادحة منها أنه لم يمارس السياسة كما يجب بعد موت عثمان . كان بإمكانه أن يتصدر المطالبين بالقصاص لعثمان وملاحقة القتلة لا أن يكون تحت رحمتهم أو رقابتهم أو أن يترك هذه المهمة الحق التي يراد بها باطل لعائشة وطلحة والزبير ومعاوية . لنتذكر أن علي طالب بتنفيذ القصاص على عبدالله بن عمر بن الخطاب لأنه قتل الهرمزان ضنا منه بأنه الذي يقف وراء قتل أبيه عمر بن الخطاب.
تبني علي لقتلة عثمان من " القراء " الذين سيشكلون نواة جيش علي ثم لاحقا سيصبحون " الخوارج " ثم سيخرجون على علي ويحاربونه ثم في الأخير سيتمكن واحد منهم - ابن ملجم - من قتله.

والغلطة الأخرى عزله للأشعث وهو كبير قومه وله دور مؤثر في تحريك الأتباع في الكوفة , وفي مرحلة حاسمة – بعد الجمل وقبل صفين . وقد لعب الأشعث دورا أثر سلبا على سير معركة صفين وضغط بقوة في اتجاه التحكيم.
لم يكن موافقة علي على التحكيم هو الخطأ فقط , بل موافقته على أن يكون حكمه هو أبو موسى الأشعري وكان علي قد عزله عن الكوفة عند توليه الخلافة ثم وهذا الأهم أن الأشعري له مواقفه المعروفة - قبل معركة الجمل - المحايدة والسلمية والتي لا تصب في مصلحة علي. فكان من الطبيعي أن يتجاهل أبو موسى علي أثناء التحكيم ثم يقوم بخلعه .

وغلطة فادحة أخرى هي أنه لم يعمد إلى مهاجمة الشام من جهة الجنوب الغربي – مصر – ومن الجنوب – العراق فينقض على معاوية كالكماشة وهذا ما كان يتخوف منه معاوية لكن عليا لم يقم بذلك الهجوم ثم أن علي أهمل جبهة مصر في حين كانت حاضرة في ذهن معاوية حتى تمكن من غزوها قبل موت علي .
ثم أن الكوفيين أسهموا بشكل فاعل في تقويض علي وسلطته حينما لم يطاوعوه في كثير من المواقف وسيفعلون الشيء لاحقا نفسه مع ابنه الحسين .

" إن التشبع الإيديولوجي والنرجسية المركزية , وبالتالي التمزقات الداخلية : هذا كله هو حكر العراقيين في ذلك العصر , ثمرة ثقافة سياسية – دينية متهيجة , تحطم ذاتها بذاتها , ستقوم في مرحلة أولى إلى الهزيمة , لكنها ستقودهم في وقت متأخر جدا إلى أن يطرحوا أنفسهم كمؤسسين لكل تيارات الإسلام الثقافية ."
كما أن البصرة لم تكن كلها مع علي " فلو كانت البصرة كلها , إلى جانب الكوفة كلها , قد حضرت في ميدان القتال , لكان ذلك يعني ضياع معاوية وخسرانه , ولكن الأمر لم يكن كذلك . فالأرجح أن نصف البصرة كانت غائبة , أي 30 إلى 35 ألف رجل . وهذا دون أن نحسب قتلى الجمل , أولئك الأبطال المدافعين عن " ثقل رسول الله " من الأزديين وخصوصا الضبيين "

مع ذلك لم تكن الفتنة كلها شر يقول جعيط: " إذا كان تأسيس الإسلام هو " ثورة الشرق " على حد تعبير هيغل , فإن الفتنة كانت ثورة في الثورة أو بالأحرى كانت قد أغنت الواقع الإسلامي بديناميكية لا مثيل لها في تاريخ الإسلام . " . بهذه العبارة يختتم جعيط كتابه الفريد في قراءته لتاريخ الفتنة.
______________________________
هامش:
(*) أعضاء مجلس شورى عمر والذين يمكن أن يَنتخِبوا أو يُنتَخَبُوا هم: علي بن أبي طالب (من بني عبد المطلب ), عثمان بن عفان ( من بني أمية ), عبد الرحمن بن عوف ( من بني زهرة ) سعد بن أبي وقاص ( من بني زهرة أيضا ) الزبير بن العوام ( من بني عبد العزى بن قصي ) , طلحة بن عبيد الله ( من تيم ) . " كان الأمر يتعلق وبشكل محتوم بقرشيين وبقرشيين بارزين حتى أن عمار بن ياسر , من صحابة الفترة الأولى والذي كان مساوياً للستة في السابقة لم يكن انتخابه ممكنا لأنه لم يكن قرشيا صريحاً ولأنه كان من أصل متواضع . " الكتاب
(**) وهذا خلافا لما يقوله في كتاب الفتنة ص 307 مقتبسا من الجاحظ – العثمانية ص 176 حيث أن " أبا بكر لقي العذاب والضرب ... وأوذي في سبيل الله "






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,683,787,552
- معادلة النهضة – بين الماضوية و الحداثة
- أكبر عمليات النصب في تاريخ الدين الإسلامي
- موقف القرآن من اللباس - الحجاب ليس فريضة إسلامية
- قراءة جديدة لموقف القرآن من الخمر
- القرآن والحديث – الإنسان كحيوان محرِّف


المزيد.....




- -مرتزقة بريطانيون- يقاتلون تنظيم -الدولة الإسلامية-
- اليوم.. الحكم في طعون «الأزهر» لتنفيذ قرار فصل طلاب «الإخوان ...
- محنة الإسلاميين بين طموحات الثورة ومقتضيات الدولة
- بالفيديو.. «الرقص» بما لا يخالف شرع الله !
- البحرينيون اقترعوا في ظل مقاطعة المعارضة الشيعية
- يوميات الحرب الليبية (الحلقة السادسة): ميليشيات الإخوان تتج ...
- مدارس إسلامية مستقلة في بريطانيا قد تتعرض للإغلاق إن لم تتخ ...
- الأردن: توقيف نائب المراقب العام لـ«الإخوان» وفق قانون منع ...
- نتنياهو يصر على تمرير قانون يغلب اليهودية على الديمقراطية ف ...
- مواجهات عنيفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد صلاة الجمعة ...


المزيد.....

- العبوديّة من أصول الإسلام / مالك بارودي
- داعش في ميزان سيرة محمد بن آمنة / مالك بارودي
- العنف .. فى جوهر الإسلام؟ / خليل كلفت
- الدولة الإسلامية .. كابوس لا ينتهي.! / أحمد سعده
- إقطعوا الطريق على حمام دم في تونس / العفيف الأخضر
- كيف تناولت الماركسية مسألة الدين؟ / تاج السر عثمان
- الدولة الدينية طوعاً أو كرهاً / العفيف الأخضر
- عملية قلب مفتوح فى خرافات الدين السًّنى / أحمد صبحى منصور
- تاريخ الاسلام المبكر / محمد آل عيسى
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل (1) / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رياض حمادي - - الفتنة .. جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر-