أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد شاكر شبلي - نظرة على الوجدان الإنساني في المنهج الإسلامي















المزيد.....

نظرة على الوجدان الإنساني في المنهج الإسلامي


سعد شاكر شبلي

الحوار المتمدن-العدد: 3677 - 2012 / 3 / 24 - 11:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



تناول العديد من المفكرين من علماء النفس والمهتمين بالأمور التربوية ، قضية تحقيق السعادة الإنسانية من خلال الإشارة للدور المستقل للميول الفطرية والغرائز الكامنة في باطن الإنسان ، إذ إن تنمية هذه الميول الطبيعية بالشكل السليم والعادل يمثل فرعاً من فروع شجرة تلك السعادة ، وإن خنقها وكبتها يعني السير في طريق الشقاء والانحراف ، الأمر الذي سمح للمناهج التربوية بأداء دوراً أساسياً وفاعلاً في وجدان الإنسان - والوجدان هو مصدر النفْسُ وقواها الباطنيّة، كما تطلق الفلسفة على كلُ إحساس أوَّليٍّ باللَّذة أو الألم،أو أي ضرب من الحالات النفسيّة من حيث تأثُّرُها باللَّذة بالوجدان – عبر تكوين الأساسيات الفطرية بشكل ثابت ورصين لدى الإنسان ، حيث اعتمدت دعوات الأنبياء على الوجدان بمعونة العقل في إرساء قواعد الدين ، ورغم المشاكل التي واجهت الديانات والقرون الطويلة على ظهور الرسل والأنبياء ، فقد بقت شعلة الإيمان متوهجة في قلوب الناس وستبقى مستمرة في إشعاعها لأن مصدرها فطرة الإنسان ، رغم ما غلب على اليهود من طابع مادي ، عندما أطلقوا لأنفسهم عنان الشهوات ، فشقيت الإنسانية بماديتهم البغيضة ، وفي المقابل جاءت التعاليم المسيحية تدعو إلى التطهر الروحي ، والارتفاع على متاع الحس ، كما ورد في ( إنجيل متي، الإصحاح 6-25 ) : [ لِذلكَ أَقولُ لكُم: لا يُهِمَّكُم لِلْعَيشِ ما تَأكُلون و لا لِلجَسَدِ ما تَلبَسون. أَلَيْسَتِ الحَياةُ أَعْظَمَ مِنَ الطَّعام، والجَسدُ أَعظَمَ مِنَ اللِّباس ؟] . ولكن الكنيسة قد بالغت في الاستناد إلى مثل هذه الأقوال حتى وصلت بها إلى الرهبانية التي لا تلتقي والفطرة البشرية وإنما تصيبها بالكبت.
أما الإسلام – دين الفطرة ، والوسطية والاعتدال – فقد سلك مع الغرائز الإنسانية منهجاً سامياً لا يطلق ولا يكبت ولكنه يهذب ويضبط، ويحترم الغرائز ويقرها ويعترف بها ويرسم لها الطريق الحلال لإشباعها بقدر لا يؤذي الفرد ولا المجتمع ، وهو ما يمكن أن يطلق عليه التسامي بالغرائز الإنسانية ، حيث قال تعالى في (سورة آل عمران: الآية 14) ، [ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآب ] .وقوله تعالى في ( سورة الكهف : الآية 46 )، [ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ]. وقوله تعالى في ( سورة البقرة : الآية 172 )، [ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ] . وقوله تعالى في ( سورة الأعراف : الآية 32 )، [ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.. ] .
وبموجب هذا عملت المناهج التربوية على توجيه الإنسان نحو عمليات التربية الأخلاقية من أجل إدراك الحقائق الوجدانية الموجودة في النفس الإنسانية، المستندة على دعامتين أساسيتين هما :
1. الوجدان التوحيدي : وهو فطرة المعرفة التي شدد الدين الإسلامي عليها القادرة على إدراك وجود الله تعالى كقوة غير محدودة وقدرة عظيمة مسيطرة على الكون وغير الخاضعة للتغييرات، حيث أنارت نصوص القرآن الكريم فطرة البشر على أعتبار معرفة الله أوضح البديهيات ، وإن وجود العقائد المتضاربة في جميع العصور بين الأقوام والشعوب دليل واضح على وجود غريزة التدين في فطرة الإنسان الباحث عن ضالته المنشودة : كما قال الله تعالى في ( سورة الروم : الآية 30 )، [ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ] ، وهي فطرة التوحيد حيث فطر الله الناس عليها ، وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ( ، ويستفاد من هذا الحديث بوجود الأساس الأول لتقبل الدين في فطرة جميع الأطفال ، حيث جهز الله تعالى الطفل بالغرائز الفطرية كالشهوة والغضب والنوم واليقظة لاستمرار حياته، فإذا لم تكن غريزة التدين موجودة في فطرة الإنسان لم يكن هناك معنى لتأثير الوالدين في اعتناق الطفل لدين معين طيلة حياته .
لهذا تعد معرفة الله هي الأساس الفطري في باطن كل فرد ، والتي تتحول عبر سني عمر الإنسان إلى إيمان تفصيلي بمعونة العقل والتدبر في الآيات الكونية التي خلقها الله ، ومثلما يستند القرآن الكريم في عالم المعرفة على الفطرة التي يعبر عنها بالدين القيم ، فأنه يدعو الناس إلى التدبر في أسرار الخلق ويأمرهم بالتعقل والتفكير . وقد ترتب على هذا الأمر بأن الذين اهتموا بتربية بذرة هذه الفطرة في تربة العقل آمنوا بالله تعالى واتبعوا أنبياءه ووقفوا خاضعين أمام عظمته وقدرته ، فيما انحرف الذين لم يصغوا لنداء العقل عن الطريق المستقيم بعد تجاوزهم الوجهة الصحيحة للفطرة بالتدبر والعقل، فسار بعضهم في طريق المادية والاعتقاد بالصدفة وسار آخرون في طريق الوثنية وغيرها .
2. الوجدان الأخلاقي : وهو فطرة تمييز الخير من الشر القادرة على إدراك الأمور الصالحة والفاسدة من دون حاجة إلى معلم أو كتاب أو مدرسة . حيث يرى الإسلام بأن هذا الوجدان هو جزء من البناء التام للإنسان وفطرته ، وعلى الرغم من عدم ورود تسمية الوجدان الأخلاقي لتلك القوة لقوة الفطرية في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ، لكن التصريح بها جاء بعبارات أخرى كما في قوله تعالى :
- سورة القيامة : [ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2(]، لقد أقسم تعالى بيوم القيامة الذي هو معروف للجميع ، وأما النفس اللوامة فالمقصود بها نفس سيدنا آدم عليه السلام التي عصت خالقها ، إذ إن المؤمن غالبا ما نراه إلا يلوم نفسه ، مثل : ما أردت بكلمتي ، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي ، وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه، فالإنسان حين يرتكب ذنباً يسمع نداء اللوم والعتاب من باطنه حتى يقض مضجعه ، ويسمي علماء النفس هذا النداء الذي يلوم الإنسان بالوجدان الأخلاقي ، كما جرى تسمية هذه القوة بالضمير الباطن ، والنفس العليا ، والقرآن يسميها بالنفس اللوامة ، ويشير إلى كلمة النفس التي تعني القوة اللائمة وهي روح الإنسان .
- سورة الشمس : [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8(]، وهنا اقسم الله بالنفس البشرية وما سواها ، وبين لها ما تأتي وما تترك ، وحيث وردت كلمة الإلهام بالنسبة إلى خلق النفس البشرية ، إذ إن القوة المدركة للخير والشر هي من الإفاضات الإلهية وجزء من خلقة الإنسان وهيكله .
- سورة البلد : [أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) ] ، ففي قوله تعالى وهديناه النجدين وهما نجد الخير والشر التي هدى الله بها الإنسان عند بيان تكوينه بعد ذكر نعمة العين واللسان والشفة.
وبالنظر لعدم قدرة الإنسان على إدراك أوجه الخير كله والشر كله فطرياً فقام تعالى بإرسال الأنبياء لمساعدة البشر على الإدراكات التي يحتاج فيها إلى التعليم والاقتباس .وذلك لأن الوجدان الأخلاقي يعد من أهم العوامل التنفيذية للوقاية من الجرائم والمعاصي التي قد يرتكبها الإنسان ، كونه يعمل على توجيه اللوم والتقريع إلى المجرم أو العاصي، من هنا باتت الأخلاق الصحيحة تستند على أساس احترام الوجدان الإنساني بشكل عام ، فيما يقوم الوجدان الأخلاقي بتحقيق الارتباط بالدين لأنه سر نشوء الاطمئنان ، وأنه المسؤول عن الحكم في الأفعال بصورة عادلة وصحيحة .وبهذا يمكن التعبير عنه بالميثاق الإلهي ، فعندما خلق الله تعالى الإنسان علمه الخير والشر وأخذ منه عهداً تكوينياً في أن يلتزم بالتعاليم الفطرية ، ولا يحيد عن الصراط المستقيم ، فالذين يخرجون عن هذا الميثاق الفطري ويخالفون أوامر الإلهام الإلهي والوجدان الأخلاقي يعيشون في هذه الدنيا بقلق واضطراب ويحسون بالملامة دوماً ، ويبتلون بعذاب الله يوم القيامة . على عكس الذين يوفون بحق الميثاق الفطري ويستمعون لنداء الإلهام الإلهي المتمثل في أوامر الوجدان الأخلاقي فأنهم يعيشون حياة ملؤها الاطمئنان والهدوء ،وينصرفون من هذه الدنيا إلى الآخرة مع نداء [ يأيها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ] صدق الله العظيم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,847,030
- طلب العلم لبناء الإنسان في المنهج الإسلامي
- موقف الفلسفة الإسلامية من علاقة الإنسان بأخيه الإنسان
- نظرة على أصل الإنسان في الفلسفة الإسلامية
- الدور الجديد للحركات السياسية من غير الدول في إعادة مجد المد ...
- حقائق علمية عن بناء صورة الإنسان من وجهة نظر إسلامية
- التربية والتعليم في عالم الانسان
- تأملات في سعادة الانسان من وجهة نظر اسلامية


المزيد.....




- العراق يسعى لاستعادة أرشيف -الطائفة الموسوية-
- اعتنقت الإسلام وناضلت من أجل الجزائر.. ماذا تعرف عن إيزابيل ...
- مصدر أمني مصري: اعتقال نجل القيادي في جماعة الإخوان المسلمين ...
- متحدث الانتقالي الجنوبي: نائب الرئيس اليمني يرعى الإرهابيين ...
- خبير سوري: روسيا والصين وإيران لن تسمح بإقامة أي إمارة إسلام ...
- التمرد على المؤسسة الدينية والإلحاد!
- معاداة الإسلام في بريطانيا: الحزب الحاكم -يعلق- عضوية عدد من ...
- وزير الشؤون الإسلامية السعودي يطمئن على صحة الإمام الأكبر شي ...
- بمناسبة اليوم الوطني الـ 89..”الشؤون الإسلامية” بالسعودية تس ...
- الأمير السعودي مالك -شيفيلد- يشعر -بالإهانة- لدى الحديث عن ع ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد شاكر شبلي - نظرة على الوجدان الإنساني في المنهج الإسلامي