أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الشبيبة















المزيد.....



الشبيبة


سعيد الوجاني
الحوار المتمدن-العدد: 3665 - 2012 / 3 / 12 - 21:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اثار ما يطلق عليه بالربيع العربي الذي تحول الى زمهرير اسلاموي اعادة طرح السؤال حول عملية احياء روح الشبيبة العالمية التي احتكرت المشهد السياسي طيلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي ، و زاد من هذا السؤال خروج شباب غير متحزب في وول ستريت وبالمدن الامريكية وبالمدن والعواصم الاوربية مقتدين بالتجربة العربية التي الهمتهم مثلما كانت التجارب الاوربية تلهم الشبيبة العربية التي انساقت وراء الاطروحات الايديولوجية الوافدة من اوربة الغربية . وإذا كان المهتمون والمحللون السياسيون يدركون ان العصر الحالي الذي نعيشه هو بامتياز عصر التحولات الاجتماعية الكبيرة ، فان الاسباب التي ادت الى هذا التحول لم تكن هي نفسها التي قادت المظاهرات والتظاهرات الشبابية في القرن الماضي . لقد اتسمت شبيبة الامس باعتناقها الخطاب الثوري المستمد من النظريات والأفكار السياسية التي روج لها العديد من المفكرين الايديولوجيين الذي اغنوا الساحة السياسية ، فكان لوجود الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي والصين الشعبية والحرب في الهند الصينية والصراع العربي الاسرائيلي ، ابلغ الاثر في وسم تلك التجربة بطابع خاص يختلف عما يجري به العمل اليوم ، حيث بمجرد انحلال المعسكر الشرقي وسيادة الخطاب الوحيد الاوحد الذي تمركز حول القوة الامريكية والمنظومة الغربية في انتصارها في الحرب الايديولوجية ، حتى خفت صوت الشبيبة العالمية كقوة منددة بالظلم ورافضة لكل ما هو أركاييكي وتقليدي ، وهو ما كان يعطي الانطباع بان مجرد الحديث عن الشبيبة كان يفسر بصراع الاجيال بسبب الاختلاف بين الافكار الشائخة والأفكار الشابة ، التطور والتجديد ضد الجمود والتقوقع ، الانفتاح ضد الانغلاق ، الامل ضد الاحباط .
بالأمس كانت الشبيبة العالمية وفي غالبيتها تنتمي الى الاحزاب اليسارية من اشتراكية وشيوعية وماركسية وقومية ، فكانت تلك الشبيبة هي الاداة الفعالة الممثلة للطموحات وللانتفاضات . فمن منا ينسى تحرك الشباب الرافض للحرب الامريكية في الهند الصينية ، ومن منا ينسى او يتناسى الدور الرئيسي للشبيبة في الانتفاضة التي عرفتها جل الدول الاوربية في ماي 1968 ، كما من منا يتناسى دور الشبيبة الحزبية في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي رفضت الكولسة وأنصاف الحلول معلنة عن ميلاد منظمة 23 مارس ، ورفض شبيبة حزب التحرر والاشتراكية للتوجهات البرجوازية والإصلاحية للقيادة ، خاصة موقفها المساند لمشروع روجيرز في الشرق الاوسط ومعلنة التأسيس لمنظمة الى الامام ، كذلك من منا ينسى او يتناسى دور الشبيبة برئاسة الحسن الثاني رحمه الله في بناء طريق الوحدة بالريف ودورها في المساهمة في اعادة بناء اغادير بعد الزلزال التي ضربها في الستينات من القرن الماضي وفي التطوع في المسيرة الخضراء . وإذا كانت اهمية حركة الشبيبة العالمية تكمن في الاهداف السياسية والاجتماعية التي تكافح من اجلها وفي مدلولها التقدمي التغييري بما ينسجم مع روح العصر ، فان بعض ما يسمى اليوم بشبيبة الاحزاب الاسلاموية لا يصح ان نطلق عليها تسمية الشبيبة كما هو حاصل مع الشبيبة العالمية ، بل هي مجرد ميلشيات تتكون من فيالق وكتائب شبه عسكرية من حيث التنظيم والاستعراض والترويج لمشروع فاشي ظلامي ورجعي . ان الصفة المميزة لنشاط الشبيبة على المستوى العالمي هي على العموم صفة التقدمية والتطور والتجديد والمعاداة للامبريالية والبرامج القروسطوية . ومن خلال الرجوع الى تجربة الشبيبة المغربية سواء تلك التي ناضلت ضمن احزاب في الستينات وسبعينات القرن الماضي ، او تلك التي نظمت ضمن جمعيات محسوبة على احزاب اليسار ،فإننا نكاد نجزم انه لم يسبق لأحد اعضاء هذه الشبيبة ان اهدر دم احد او قتل اخر رغم ثقل الشعارات التي كانت ترددها الشبيبة في الجامعة ، لكن اذا رجعنا الى التاريخ الاسود لما يسمى ب ( الشبيبة الاسلامية ) فإننا سنجد انهم قتلوا منظر الطبقة العاملة المغربية عمر بنجلون ، كما قاموا بإعداد لوائح سوداء تضم اسماء اساتذة ونشيطين يساريين مرشحين للقتل . وهنا لا ننسى قيادة عبدالاله بنكران لمظاهرة بالدار البيضاء ضدا على الاحكام التي صدرت بالإعدام في حق قتلة بنجلون ، ولا ننسى كذلك الهجوم المسلح الذي قاده بنكران في سنة 1978 ضد لجنة التنسيق الوطنية التي كانت مخولة للتحضير للمؤتمر الوطني السادس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بعد الحصر الذي فرض في سنة 1973 . كذلك لا يجب ان ننسى الاغتيالات التي قام بها اعضاء من جماعة العدل والإحسان لطلبة وناشطين يساريين في العديد من المدن المغربية ، واليوم وفي هذا الصباح حملت الاخبار ان فيلق وكتيبة الطلبة التجديديين المنتمين الى حزب العدالة والتنمية قامت باستعمال العنف بمدينة سطات ضد طلبة من حزب التقدم والاشتراكية الذي يجلس معهم في الحكومة ، وهو نفس العنف استعملته كتائب وفيالق هذا التنظيم وكتائب وفيالق العدل والإحسان ضد خصومهم في الجامعة المغربية خاصة بفاس وجدة اغادير مراكش ...لخ . هناك ملاحظة اساسية نود اثارتها وهي انه اذا كانت الشبيبة العضو في احزاب اليسار تشكل الاكثرية في القرن الماضي ، فانه بالنسبة للعشرية الثانية من الالفية الثانية تقلص دور الشبيبة الحزبية بسبب تأثرها بالصراعات الفوقية بين الزعامات الحزبية ، وأصبح دور الشبيبة الحزبية محصورا في مجال جد ضيق لا يكاد يبرح ابناء وأبناء اسر قدماء الحزب الذين يحرصون على توريث المناصب لأبنائهم قصد الاستفادة من الريع الحكومي والبرلماني ، وهنا هل يمكن ان نقيس مثلا وضع شبيبة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي اصبحت شبيبة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خلال الستينات وطيلة السبعينات ، اي بعد المؤتمر الاستثنائي ، بوضع شبيبة الحزب اليوم . ثم هل يمكن ان نقيس وضع الشبيبة لما كان على رأسها الاستاذ محمد الساسي مع وضعها اليوم ، حيث يوجد على رأسها علي اليازغي ابن محمد اليازغي ؟ انه وضع لا يقبل البتة اية مقارنة مع وجود فارق كبير بين الامس وبين اليوم . لذا فان ما لا حظه كل متتبع ومحلل ، هو ان الشبيبة التي خرجت فيما سمي بالربيع العربي تتكون من شباب لا علاقة لهم بالأحزاب كيفما كانت توجهاتها الايديولوجية ، وحين خرجوا في مسيراتهم لم يكونوا يرددون شعارات حزبوية او حزبية ، بل رفعوا شعارات مرتبطة بمصالح الفئة البرجوازية الصغيرة وما فوق الصغيرة والمتوسطة وما فوق المتوسطة ، وهي فئات تتناقض اجتماعيا مع المخططات والمشاريع التي تعمل لبلوغها الاحزاب السياسية. وهنا لا بد ان نشير الى ان احزاب اليسار المحصورة تنظيميا والجماعات الاسلاموية المراهنة على مشاريع فاشية ستحرق الاخضر واليابس ، حين التحقوا مؤخرا بالشبيبة العربية ومنها الشبيبة المغربية التي خرجت تحت عنوان 20 فبراير ظلوا في واد والشباب في اخر ، بل لقد كان التحاق ما يسمى بالتنسيقيات بالحراك الشبابي من اكبر الاسباب التي افشلت حركة الشباب وجعلت مطالبها تتبخر بين سقف الملكية البرلمانية التي لا يحكم فيها الملك ولا يسود ، وبين مطالب الجمهورية التي رفعتها الاحزاب والتيارات الراديكالية والمتطرفة وجماعة العدل والإحسان ، وهو ما جعل المسيرات التي نظمت بمناسبة الذكرى الاولى للحركة تمر خافتة وجد ضعيفة . فهل بعد الحراك الاجتماعي الذي اسقط رؤساء ولم يسقط انظمة يمكن القول ان الشبيبة قد استعادت تاريخها الملتصق بالعصرنة والتطور ورفض المشاريع البالية والفاشية التي يروج لها التيار السلفي والاخواني اليوم بعناوين كثيرة ؟ وهل يمكن اعتبار الشبيبة قد انجزت ما هو مطلوب منها في ظل سرقة مبادرتها من طرف من كان ينتظر ويتربص الدوائر وسيطر على الوضع ؟ . انها اسئلة جوابها مكمون في حزب الحرية والعدالة وحزب النور في مصر وفي حركة النهضة في تونس وحركة الاخوان المسلمين في سورية والحركات الاخوانية والسلفية المسيطرة على المشهد السياسي في ليبيا وفي اليمن ...لخ . بمعنى رغم ان الشبيبة قد تمكنت من ابراز دورها التأثيري في المشهد السياسي إلا انها ظلت متخلفة من ان تأثر في وضع تحكمه قوانين مرعية تجسد الخصوصية التي حطمت جميع المشاريع التغريبية التي روج لها الشباب
واذا كان المحللون بمعظم اصنافهم يدركون ولو بدرجات متفاوتة حتمية وسنة التغيير بفضل صراع الاجيال ، إلا انهم يحرصون ألا يأتي نبأ المستقبل بما يتعارض مع الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف والتسرع والمشاريع الانتحارية ايا كان لونها وطعمها السياسي والإيديولوجي ، اي انهم ينظرون الى المستقبل الذي هو هنا ارادة الشبيبة بما يناسب التحولات التدريجية وليس التحولات الاستبدالية والتغريبية التي تحطم عليها المشروع الفبراري ( 20 فبراير ) مثلما تحطم عليها بالأمس المشروع الفوقي القومي و الماركسي والاسلاموي . والواقع اننا لا نستطيع ان نفهم ابعاد ما يجري في عصرنا الحالي على نحو صحيح اذا اغفلنا دور الشبيبة في صنع الحدث . ففي سنة 1968 هزت الشبيبة الطلابية والعمالية في فرنسا حكم الاحتكارات ، وقامت الشبيبة في المانيا الغربية بنشاطات موجهة ضد الاحتكارات وضد الامبريالية الامريكية وحرب الفيتنام ، وشنت شبيبة الولايات المتحدة الامريكية كفاحات سياسية تجلى تأثيرها في الضغط المتزايد على البيت الابيض لإنهاء حرب الفيتنام . كما ان الشبيبة العربية اليها ولوحدها يعود الفضل في اسقاط مبارك وبنعلي والقدافي وصالح وغدا بشار والبشير و ابومازن . واذا كانت بعض حركات ( الشبيبة ) الاسلاموية قد تسهم في غالب الحالات في دعم البرامج الرجعية والفاشية مما يتنافى بالمطلق مع دور الشبيبة المعادية للاحتكار وللامبريالية ويسمح بإطلاق وصف وتسمية الكتائب والفيالق على هذه المجموعات الشبه العسكرية من حيث التنظيم والاستعراض ، فقد كشف نشاط الشبيبة عن وجود اندماج نسبي بين مطالب الشبيبة الخاصة والمطالب السياسية الديمقراطية والعصرية التي ترفعا القوى التقدمية في العالم . ان نشاط الشبيبة المعاصرة يرتبط بمطالب فئات واسعة منها ، تجعلها ظروفها الاجتماعية العامة مهيأة لمجابهة المجتمع القديم ولرفض العلاقات الرأسمالية ، وما يوحد هذه الفئات اليوم في جميع انحاء العالم ( القوى المناهضة للعولمة )هو ارادة التجديد الاجتماعي التقدمي والتجديد الحضاري . كما لا يمكننا ان نفصل هذه الظاهرة اليوم عن روح العصر الثورية وعن تعاظم دور الطبقات الكادحة والجماهير الشعبية في صنع التطور التاريخي . ان إرادات مئات الالوف من الشبان تلتقي في اتجاه واحد يرمي الى رفض الرأسمالية وتجديد المجتمع ككل ، والمدلول التاريخي والتغييري لاحتشاد هذه الطاقات الفتية ، هو الامر الجديد الذي يجب ان يتنبأ له من يشتغلون في الشأن العام ، انها قنبلة موقوتة .
يلاحظ انه بعد الزمهرير العربي وبعد الخرجات الشبابية التي قوبلت بالقمع في وول ستريت وبألمانيا وفرنسا وايطاليا وما يحصل اليوم باليونان وسيحصل بالبرتغال وباسبانيا ...لخ اخذت الحركة اليسارية الثورية في العالم تبدي اليوم المزيد من الاهتمام بمسالة الشبيبة ، وذلك في سعيها الى تحديد إمكانتها الجديدة ، بغية الالتفاف عليها واستيعابها كخطوة لتدارك الجمود والعقم الذي اصاب اليسار الجدري واليسار الراديكالي والأحزاب القومية ، بسبب التكلس والتحنيط والتمسك بالقوالب الجامدة التي نخرت التنظيم من الداخل قبل ان تمتد اليه سلطة الزجر . والماركسيون اللينينيون والتروتسكيون والشيوعيون حين يعملون على هذه الحقيقة لتجاوز ما فات ، فان مرجعيتهم تستمد قوتها مما خططت له مراجيعهم الايديولوجيين امثال اجلز ولينين وستالين في موضوع الشبيبة . في هذا الصدد ودائما سنجد ان انجليز سبق ان قال بخصوص موضوع الشبيبة " نحن حزب المستقبل ، والمستقبل مآله للشبيبة ، ونحن حزب المجددين ، والمجددون هم على الدوام احب ما تقتفي مآله الشبيبة ، ونحن حزب الكفاح المليء بالتضحيات والموجه ضد عفونة القديم ، والشبيبة هي على الدوام اول من يتهيأ لهذا الكفاح المليء بالتضحيات " وقد علق لينين على ذلك بقوله " سنبقى دائما حزب الشباب في طبقتنا الطليعية " وكتب لينين في مناسبة اخرى " ثمة بين صفوفنا نوع من الخوف البرجوازي الصغير الروتيني من الشبيبة وعلينا ان نحاربه بكل ما نملك من قوة " ومن الواضح ان مثل هذا الموقف لا يتأثر بالخوف على المستقبل الثوري من تطرفية ورعونة الشبيبة المستلبة والمندفعة وغير المجربة والمؤطرة بما يضمن التوازن في القيم والمبادئ والأصول ، بل حسب هؤلاء المنظرين ان هذا التحليل والموقف ينصب على تحريك طاقتها الكامنة الزاخرة والديناميكية ، وهذا طبعا ما حاولت ادراكه الجماعات اليسارية المتطرفة والراديكالية حين ارتمت وبخلفيات مسبقة ضمن حركة 20 فبراير ، وهو ما عمق الفجوة بين هذه التنظيمات والتيارات وبين الفبراريين الذين لا ينتمون عضويا الى هذه الجماعات .
ومع ذلك يمكن القول ان مسالة الشبيبة كقوة غير مؤطرة ومنظمة ، هي معقدة مثل كل القضايا التي تطرح اليوم ، وهذا التعقد لا يرجع فقط الى معرفة مدى انطواء مطامح الشبيبة في كل حالة معينة على مضامين اجتماعية وسياسية قد تمس او لا تمس استقرار النظام الاجتماعي والسياسي ، بل يرجع ايضا الى ضرورة توفير الشروط المناسبة للقيام بتحليل موضوعي ملموس وشامل لحياة الشبيبة ونشاطها ، يستهدف في النهاية اكتشاف افضل السبل وأحسن الوسائل ، كي تصب حركة الشبيبة بمطالبها الحقيقية وتطلعاتها الكبيرة ، في الوسطية والاعتدال والبعد عن التسرع والتطرف المؤديين الى الهلاك والتخريب . واذا كانت مسالة الشبيبة كظاهرة سياسية واجتماعية قد عرفت انتكاسة واضمحلالا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين وتحول الصين الى نظام يمارس الرأسمالية في ابشع صورها وتراجع الدور الكوبي خاصة بعد شيخوخة فيديل كاسترو ، فان ظهور الجحافل المناهضة للعولمة في اوربة وبعدها ظهور الزمهرير العربي قد أعادا للشبيبة قوتها ورمزيتها الى درجة تدفع بنا الى القول ان الوقت الذي نعيشه اليوم هو عصر الشبيبة ، بدليل ان التحولات التي نعيشها لا تهدف فقط الى تجديد شباب العالم ، بل تهدف الى ظهور عالم الشبيبة كقوة اجتماعية مبدعة وخلاقة . واذا كان لا يمكن تصور مجتمع بدون شبيبة ، فان وجود الشبيبة وحده لا يكفي لظهور مسالة الشبيبة . فحينما كانت الرأسمالية في اوربة تنعم باستقرار وطيد ، وحين كان الركود الاجتماعي يخيم على وقاعنا الاقطاعي المتخلف ، لم يكن هناك مسالة حادة خاصة بالشبيبة . آنذاك لم يكن التحدث عن حركة الشبيبة او عن مطامح او مطالب خاصة بها ، ظاهرة اجتماعية تستأهل الانتباه . لقد كان المجتمع يعمل بقواه التقليدية السائدة على ضبط حركات الجيل الطالع وحبس افكاره ومطامحه في قوالب جاهزة . وحين كان ذلك المجتمع يكيف افكار الشبيبة وتطلعاتها وأشكال تلبية حاجياتها في اطار قواعد الحياة الراسخة القديمة ، كان يبدو ان عالم البالغين وحده هو الذي يصنع الحياة ، اما نشاط الشبيبة وعملها فليسا سوى تجسيد لإرادة البالغين . و هذا الوضع كان تجسيدا ومميزا للمجتمع العربي التقليدي المتخلف ، وقد كان لاستقرار البنية الطبقية لهذا المجتمع القديم طيلة قرون ، ورسوخ العلاقات الاجتماعية العتيقة ولسيطرة الركود الاجتماعي ، اهمية حاسمة في هيمنة عالم الراشدين على حياة المجتمع كله . وفي ظل تلك الظروف الاجتماعية كان هدف الشاب بل حلمه احيانا يجتاز تجربة الرجولة ، وان يعترف به مجتمع الراشدين ، لقاء تكيفه مع العلاقات والمؤسسات والقيم السائدة . ولم تكن هذه العلاقات التقليدية بين الشاب و الراشد في الواقع سوى مظهر من مظاهر الاضطهاد الاجتماعي لم يرافقه احتجاج ملحوظ إلا فيما نذر . ولا غرابة في ذلك ، فما دام المجتمع متماسكا في هيكله القديم لا يعاني من صراع داخلي حاد ، ومادامت القوى المنتجة لم تتطور فيه الى حد تفجير العلاقات الاجتماعية الطبقية السائدة ، فليس ثمة مجال لبروز طاقة الجيل الصاعد كقوة اجتماعية مستقلة الى حد ما . لقد كان دور الجيل الصاعد يقتصر في الغالب خلال فترات طويلة من التاريخ البشري على تنفيذ عملية الاندماج ببنية المجتمع القائم وعلى الجري وراء دورة الحياة القديمة ، وأخيرا على السجود امام قداسة ما صنعه وما تركه السلف . ان رسوخ سلطة الراشد التقليدية هو في الحقيقة رسوخ لنظام المجتمع القائم وقيمه . غير ان احتدام التناقضات في قلب العالم القديم وتصدعه بمؤسساته وتقاليده وقيمه وبروز دور فئات العمال والطبقات الكادحة الاخرى والشعوب المضطهدة في ساحة التطور التاريخي ،، كل ذلك قد انعكس في تبدل اهداف الشبيبة ومطامحها وفي ظهور اهداف ومطامح لدى الشبيبة لا تتفق مع ما يريده المجتمع القديم منها ، وأخيرا في ظهور مطالب خاصة بالشبيبة كشبيبة .
لقد كانت الشبيبة في الماضي وما تزال خزان طاقات ثرية مؤهلة للتجديد والابتكار . اما شبيبة اليوم فانه بالإضافة الى ذلك تملك عموما طاقات تجديدية ثورية كاملة ، وهي لا تنطوي على هذه الطاقات التغييرية لان تبدلا بسيكولوجيا قد طرا على نفسيتها ، بل لان العواصف الثورية والتجديدية التي هبت على العالم ( مناهضة العولمة والربيع العربي التي تحول الى زمهرير شتوي ) مع تعاظم كفاح الفئات الاجتماعية الكادحة والمستلبة والمهضومة الحقوق ، لم تدع الشبيبة تنعم بذاك الاندماج السلبي البائس بحياة الماضي ، ولم تدعها تستسلم لمصيرها الخامل القديم الذي تؤطره افكار الماضوية والتكلس التي تمثلها شرائح الاخوان والسلفيين من نصيين وجهاديين وحزب التحرير الاسلاموي المبشر بنظام الخلافة ( مؤخرا عرفت تونس اجتماع نساء حزب التحريرالاسلاموي غير المعترف به ، من جميع الدول خاصة الاوربية فطالبوا بتعيين خليفة على المسلمين قد تكون تونس عاصمة هذه الخلافة ، وقد منع الرجال والصحفيين من حضور هذا الاجتماع واللقاء الشاد عن المعقول ) بل هزت قواها الغافية وفتحت اعينها على آفاق جديدة وأماطت اللثام عن اهميتها كقوة اجتماعية فاعلة ومؤثرة تتطلع بطبيعتها الى المستقبل والتجديد . ان هذه العواصف قد حملت الى الشبيبة روحا جديدة شابة ، فوجدت قطاعات هامة من الشبيبة نفسها امام مهمة تاريخية ، تعكس آفاق التغيير الاجتماعي من جهة وتتفق من جهة ثانية مع مطامحها النوعية الى التجديد ،ألا وهي التطويح بالمجتمع القديم القائم على الاستثمار والقهر والجمود . واذا كانت الشبيبة ترغب بمعظمها في التغيير وهو حق مشروع ما دام ينهج الوسطية والاعتدال ويتجنب التطرف والابتذال ، فذلك لأنها ،اي الشبيبة تعاني اكثر من غيرها من مأساة الحاضر ومن اخر ما انتهت اليه تطورات المجتمع وتناقضاته .
ان المهمات الاساسية المطروحة امام الوطن العربي الآن تتلخص بتجاوز التخلف عن طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المخططة والمرتبطة بالتحويل المتكافئ للعلاقات الاجتماعية ، وبتجاوز وتخطي التجزئة والتفرقة عن طريق تهيئة الاسس لبناء الدولة العربية الموحدة القادرة على تصفية كل مصالح الامبريالية والصهيونية ، تصفية نهائية في الوطن العربي . ان انفصال جنوب السودان وانفصال اقليم دارفور وانقسام ليبيا باسم الفدرالية وتقسيم سورية ولبنان باسم الاعراق والاثنية والتهديد المحيط بقضية الصحراء المغربية واللعب على التناقض المذهبي بين المسلمين والأقباط وبين السنة والشيعة ، يبقى ورما خبيثا ، ان استفحل سيعجل بنهاية التاريخ العربي والدولة القومية او القطرية القوية ، وليس العدوان الذي يتعرض له الان الوطن العربي ، ضرب لبنان في 2006 وضرب غزة في 2008 ومواصلة ضربها الان مع ما يحاك للقدس من مخططات تدميرية امام صمت وعجز عربي ، سوى حلقة من حلقات الصراع الدائر بالمنطقة في تاريخ نضال الامة العربية من اجل تحقيق مهماتها الاساسية . ومن الواضح ان مجتمعا متخلفا لا تزال تسيطر فيه التقاليد البطريركية ، ويرصف في مستوى راكد للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي ولإشكال الوعي والتفكير والحياة ، لا يمكنه ان يتقدم على طريق الحركة التغييرية والمتجددة . انه يحتاج من اجل ذلك وقبل كل شيء الى وعي ابعاد تخلفه ، هذا الوعي الذي ينبثق من تناقضات الحياة الاجتماعية ذاتها والذي يستطيع إذ اتخذ اشكالا سياسية وتنظيمية ان يحرك الجماهير للعمل على تبديل شروط حياتها وبناء مستقبلها وكيانها والحفاظ على دولتها القوية الضاربة في العراقة اكثر من 1400 سنة . ان وعي وإدراك ابعاد التخلف وجذوره التاريخية يقود بالضرورة الى ادراك اهمية اعداد الطاقات المادية والبشرية اعدادا مخططا يمكنها فعلا من حل المهمات التي يطرحها التقدم الاقتصادي والاجتماعي . وهذا الوعي هو بجانب من جوانبه وعي بدور الشبيبة في انجاز هذه المهمة التاريخية ، وهو بنفس الوقت وعي تربوي يتعلق بتنشئة الجيل الصاعد ، تنشئة تتفق مع حل هذه المهمة في ظل الاستمرارية والحفاظ على المقومات الاساسية للدولة ، بدل الزج بها في متاهات انتحارية ستكون نتائجها نارا ستأتي على الاخضر واليابس . وإذا كانت الشبيبة غير المؤطرة بفعل نزوات الشباب الاندفاعية ترفع شعار الانقلاب على النظام ( ملكية لا يسود فيها الملك ولا يحكم ) لصالح نظام اخر ضمن استمرارية الدولة ( وصف احد الامراء شباب 20 فبراير بالأنبياء الشعبيين) فان دعوات الجمهورية ، اسلاموية او ماركسية بمختلف تلاوينها المذهبية ، تبقى دعوات لا علاقة للشباب بها فهي من صنع التنظيمات التي ركبت على الحركة فحاولت الالتفاف عليها باستقطاب عناصرها لخدمة اجندة لا علاقة لها بمطالب الشباب الذي يطالب بتغيير نظام بنظام لكن داخل الاستمرارية الدولتية ، وهو ما يعني وجود خلافات شاسعة بين الطرفين فكانت من الاسباب الرئيسية في تقوقع حركة الشباب التي يجب ان تراجع الحسابات بما يمنطق الاختيارات والتوجهات ، وبما يحافظ على اللحمة والوحدة لخدمة ادولة الواحدية القوية وليس الدولة المريضة الضعيفة.
لقد ادى خروج الشبيبة في مسيرات وتنظيمها لتظاهرات ومظاهرات بمناسبة بزوغ ( الربيع العربي ) الى وجود وجهتي نظر ووجود تقييمين للحراك الشبابي احدهما يمثله المحافظون الاسلاميون والأخر يمثله المتطرفون الماركسيون . ففي جانب فريق المحافظين نجد ان ما يشبه القول بان تحرك الشبيبة ما هو إلا تعبير عن احتدام الصراع بين الاجيال وعن وجود تناقض شديد بين الشبيبة من جهة والمجتمع برمته من جهة اخرى . فالاتجاه الرجعي الظلامي الذي مثلته العدل والإحسان والحركات السلفية والى حد ما حزب العدالة والتنمية يدافع عن استقرار مؤسسات المجتمع وليس الدولة واستقرار قيمه ، ويرفض اي تغيير اذا كان على حساب الماضوية التي يمثلها رجال الدين . وبين ممثلي هذا الاتجاه المحافظ القروسطوي يوجد من يقول ان تحرك الشبيبة قد احدث ازمة تعكس حدة التعارض بين رغبات الشبيبة اللامحدودة وبين امكانياتها المحدودة ، وان الشاب إذ يؤزّم التعارض بين الاجيال يخرج على شرعية الحياة السوية ويتبنى موقفا هداما معاديا للحضارة والقيم والمجتمع ، لأنه يذهب الى حد رفض كل الارث الايديولوجي والكفر بالقيم الحضارية والتنكر للمؤسسات والتقاليد ، هنا يمكن ان نفهم لماذا انعزلت جماعة العدل والإحسان في خرجاتها عن حركة 20 فبراير ، ونفهم كذلك انقلاب الجماعة على حزب النهج الديمقراطي ورفضها كل تعامل مع اليسار الجدري الذي ينشط داخل الحراك الاجتماعي ، كما يمكن ان نفهم تبرأ العدالة والتنمية من 20 فبراير واختلاف الشعارات التي يرفعها السلفيون عن شعارات التنسيقيات المرتبطة بالحركة
الى جانب هذا التقييم العدمي للحراك الشبيبي ، نجد اتجاها يساريا اكثر راديكالية وتطرفا ينطلق من القول بالصراع بين الاجيال وبان الواقع الاعمق اليوم هو الصراع بين الشبيبة من جهة والمجتمع من جهة اخرى ، لكن وبعكس الاسلامويين فهو لا يتردد من ابداء اعجابه بتفجر طاقات الشبيبة وتحركها العفوي والأصيل ، وهذا الاتجاه لا يقف من تحرك الشبيبة موقفا ايجابيا فحسب بل يرى في الشبيبة القوة الثورية الوحيدة القادرة على دك قلاع الدولة والنظام وإزالة مؤسسات المجتمع القديم وقيمه ، اي ضرب الموروث الايديولوجي للدولة ومن ثم تغييرها الى نظام الجمهورية . ان ممثلي هذا التيار ( النهج الديمقراطي ، رابطة العمل الشيوعي ، النهج الديمقراطي القاعدي...لخ )يرفضون الفكرة القائلة ان ثورية طبقة او فئة اجتماعية ترجع الى موقعها في عملية الانتاج ، ويدللون على ذلك بقدرة النظم الرأسمالية على تذويب فئة العمال ضمن النسق الاستهلاكي ومن ثم تخلفية الفئة العاملة عن مهامها ، وربما انها اضحت اكثر تخلفا واقل ثورية من الشبيبة التي ترمز الى التحدي والمجابهة . ان الشبيبة في نظر هؤلاء اليوم اضحت وحدها المؤهلة لتكون الطليعة القادرة على مجابهة مختلف التحديات التي تعيق التطور . ان هذا الفهم لجدلية الحراك يدفع الى القول بان اعباء قيادة الثورة اليوم تقع على عاتق الشبيبة ، وهو ما يختزل الصراع ليس في ما يردده في خطاباتهم بالصراع الطبقي ، بل ان الصراع يصبح مختزلا بصراع الاجيال الدائر على نطاق المجتمع او في الصراع بين المجتمع والشبيبة . وهو ما يجعل مقياس العمل الثوري في نظرهم وفي الغالب مبنيا على العفوية الحرة والاندفاع الطبيعي والتلقائي ، وهو ما يتناقض بالأساس مع جميع الاطروحات التي يروجون لها . ولا شك انه يتعذر على من يقيم التناقض بين المجتمع برمته والشبيبة ان ينظر الى تحرك الشبيبة كجزء من كفاح الحركة ( التقدمية ) و ( الثورية ).
نستطيع القول ان ظاهرة تحرك الشبيبة في بلادنا وبإرجاء المعمور هي على العموم مظهر من مظاهر الصراع الاجتماعي والسياسي الذي يرتكز الى درجة معينة لتطور العلاقة الجدلية بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج ، ومع ذلك فان من الخطأ الاعتقاد ان ثمة تطابقا تاما بين تحرك الشبيبة والصراع الاجتماعي او الطبقي في المجتمع . ان التوحيد الميكانيكي بين الصراع الاجتماعي وتحرك الشبيبة لا يعير اهتماما لوجود اوضاع ومطامح ومطالب نوعية للشبيبة كشبيبة ، فليس صحيحا ان ابناء الطبقة الاجتماعية لا يختلفون من الناحية السياسية عن آبائهم ، وان ليس ثمة بالتالي مسالة شبيبة خاصة . فاذا اكان الصراع الاجتماعي هو في آخر تحليل المحرك الاعمق للتاريخ الانساني ، فهذا لا ينفي ان ثمة ملامح خاصة لحركة الشبيبة ، وان بين الصراع الاجتماعي وصراع الاجيال علاقة جدلية يتمتع فيها تحرك الشبيبة بمقدار من الاستقلال النسبي ، وهذا ما جسدته الفروقات والاختلافات بين الشبيبة كشبيبة غير عضوية في تنظيمات وبين احزاب ومنظمات التنسيقيات التي التحقت بها من بعد ، اذ رغم المشاركة في المسيرات ، فقد ظلت الشعارات المرددة تختلف بين ما كانت تردده الشبيبة وبين شعارات التنسيقيات التي كانت تعكس بؤس الشعارات وبؤس الفلسفة ,فكانت النتيجة التراجع الكبير ليس فقط للشبيبة الفبرايرية بل النكوص والتكلس للتنسيقيات التي ظلت تلهت في واد والواقع في آخر . اذن ما هي الاسس الخاصة لتحرك الشبيبة في المغرب ؟
بالرجوع الى التجارب التي مرت بها الشبيبة المغربية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي حيث انها كانت مسيسة وعضو في تنظيمات راديكالية وجذرية وفي احزاب اثرت في الظرفية السياسية والحركة الحزبية واخص بالذكر هنا الاتحاد الاشتراكي قبل المؤتمر الوطني الاستثنائي وبعده . وبالرجوع الى الوضع الذي اضحت عليه الشبيبة المغربية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين ، حيث حصل تقوقع للشبيبة التي فقدت غطائها الايديولوجي . وبالرجوع الى الوضع الذي اضحت عليه الشبيبة بعد الحراك الشبيبي الذي اطلق عليه ب ( الربيع العربي ) وبعد المسيرات والمظاهرات المنددة بالعولمة وبعد مسيرات وول ستريت والمسيرات التي عمت المانيا ايطاليا اسبانيا البرتغال فرنسا ووضع اليونان ... نكاد نجزم على خلاصة تعكس الاسس العامة لتحرك الشبيبة ، كما تعكس الصفات التي تشترك فيها ، بحيث تكاد تكون المطالب واحدة رغم بعد المسافة الجغرافية التي تردد فيها نفس الشعارات
--- ان الشباب يؤلف في كل زمان ومكان مرحلة زمنية او حقبة من العمر . والشبيبة هي تلك الفئة من السكان التي يقع افرادها في نطاق تلك المرحلة . فهي ليست طبقة اجتماعية بل فئة سكانية ينحدر افرادها من منابع اجتماعية وطبقية مختلفة . غير ان الشبان لا ينتمون الى الطبقة التي ينحدرون منها بنفس انتماء آبائهم اليها . لا شك ان اغلبية الابناء تدور في فلك الطبقة التي ينتمي اليها آبائهم ، إلا ان ثمة درجة معينة من الانفكاك والحرية تتمتع بها الشبيبة ازاء طبقتها ، وهذا ما قد نسميه مجازا بالانتحار الطبقي . مثلا لقد تمرد المهندس انيس بلافريج على الطبقة الميركانتيلية التي ينتمي اليها عضويا ، واختار الانضمام الى مجموعة الى الامام الماركسية اللينينية . ان هذا التحول يبين ان الانفكاك النسبي عن الطبقة التي ينحدر منها الشاب ، يتجلى على الخصوص في مراحل التحولات الاجتماعية الكبرى ، حيث يتم بين جيل وجيل آخر تبدلات عنيفة وعميقة في ملامح الحياة الاجتماعية وقواعدها ، وتطرأ تغيرات كبيرة على مواقع السكان الاجتماعية وعلى البنية الاجتماعية والديمغرافية بصورة عامة . هكذا يمكننا ان نتأكد من وجود تبدل كبير في مواقع الفئات الاجتماعية مثل العمال او الفلاحين او المعلمين او الموظفين . ان هذا الانفكاك النسبي له اهمي خاصة وقصوى في ظهور حركة الشبيبة كقوة مستقلة عن الاحزاب والمنظمات الحزبية
---وثمة عوامل تولد مطامح مشتركة وتطلعات متشابهة لدى فئة الشبيبة . فالى جانب الاشتراك في العمر المتقارب ، نلاحظ لدا قطاعات واسعة من الشبيبة ولا سيما في قطاع الطلاب بالكليات والجامعات ، ما يسمى بالانعدام المؤقت للمصالح الاقتصادية الثابتة وعدم تحدد المصير الاجتماعي وضعف تأثير التقاليد وشدة تأثره بالأشكال الجديدة للتناقضات الاجتماعية ، كما نلاحظ لدى الشبيبة اسلوبا خاصا في التفكير والانفعال والتخيل . ان هذا الاسلوب يتجلى في نظرة الشبيبة الخاصة الى المستقبل وفي جرأتها الاخلاقية والفكرية وفي ميلها الى التجديد واستعدادها للبدل والعطاء وتحمل المخاطر والمشقات الكبيرة ، وعلى اساس هذه الخصائص المميزة للشبيبة تنشأ مطامحها المشتركة الى التثقيف الواسع والتطور المتكامل والإبداع والعمل المنتج والتمتع الخصب بالحياة وبأوقات الفراغ والتعبير الطبيعي عن ميولها وشخصيتها . ولا شك ان لحجم الشبيبة الديمغرافي السكاني اهمية كبيرة في تحديد دورها الاجتماعي في المجتمع .
لذا فان اي اهمال للمشتغلين بالشأن العام من دولة وأحزاب عقلانية سيفسح المجال لاعتناق الشبيبة الافكار المتطرفة من المؤثرات التقليدية الرجعية الظلامية والاستعمارية ( التغريب الاعمى باسم الحداثة المفترى عليها في خطابات اشباه العلمانيين ) ومن قبل التطرف الماركسي الذي لا يرى الكون إلا في سوداويته . ان هذا يعني ان تكون الدولة والأحزاب العقلانية على اتصال مباشر بمطامح ومطالب الشبيبة وإمكانياتها وان تدرك ادراكا تاما انها مسئولة مسؤولية تاريخية عن تعبئة الشبيبة بما يضمن التطور السلس في ظل الاستمرارية والموروث الايديولوجي الذي يميز الدولة في المغرب .











































































































الشبيبة
اثار ما يطلق عليه بالربيع العربي الذي تحول الى زمهرير اسلاموي اعادة طرح السؤال حول عملية احياء روح الشبيبة العالمية التي احتكرت المشهد السياسي طيلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي ، و زاد من هذا السؤال خروج شباب غير متحزب في وول ستريت وبالمدن الامريكية وبالمدن والعواصم الاوربية مقتدين بالتجربة العربية التي الهمتهم مثلما كانت التجارب الاوربية تلهم الشبيبة العربية التي انساقت وراء الاطروحات الايديولوجية الوافدة من اوربة الغربية . وإذا كان المهتمون والمحللون السياسيون يدركون ان العصر الحالي الذي نعيشه هو بامتياز عصر التحولات الاجتماعية الكبيرة ، فان الاسباب التي ادت الى هذا التحول لم تكن هي نفسها التي قادت المظاهرات والتظاهرات الشبابية في القرن الماضي . لقد اتسمت شبيبة الامس باعتناقها الخطاب الثوري المستمد من النظريات والأفكار السياسية التي روج لها العديد من المفكرين الايديولوجيين الذي اغنوا الساحة السياسية ، فكان لوجود الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي والصين الشعبية والحرب في الهند الصينية والصراع العربي الاسرائيلي ، ابلغ الاثر في وسم تلك التجربة بطابع خاص يختلف عما يجري به العمل اليوم ، حيث بمجرد انحلال المعسكر الشرقي وسيادة الخطاب الوحيد الاوحد الذي تمركز حول القوة الامريكية والمنظومة الغربية في انتصارها في الحرب الايديولوجية ، حتى خفت صوت الشبيبة العالمية كقوة منددة بالظلم ورافضة لكل ما هو أركاييكي وتقليدي ، وهو ما كان يعطي الانطباع بان مجرد الحديث عن الشبيبة كان يفسر بصراع الاجيال بسبب الاختلاف بين الافكار الشائخة والأفكار الشابة ، التطور والتجديد ضد الجمود والتقوقع ، الانفتاح ضد الانغلاق ، الامل ضد الاحباط .
بالأمس كانت الشبيبة العالمية وفي غالبيتها تنتمي الى الاحزاب اليسارية من اشتراكية وشيوعية وماركسية وقومية ، فكانت تلك الشبيبة هي الاداة الفعالة الممثلة للطموحات وللانتفاضات . فمن منا ينسى تحرك الشباب الرافض للحرب الامريكية في الهند الصينية ، ومن منا ينسى او يتناسى الدور الرئيسي للشبيبة في الانتفاضة التي عرفتها جل الدول الاوربية في ماي 1968 ، كما من منا يتناسى دور الشبيبة الحزبية في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي رفضت الكولسة وأنصاف الحلول معلنة عن ميلاد منظمة 23 مارس ، ورفض شبيبة حزب التحرر والاشتراكية للتوجهات البرجوازية والإصلاحية للقيادة ، خاصة موقفها المساند لمشروع روجيرز في الشرق الاوسط ومعلنة التأسيس لمنظمة الى الامام ، كذلك من منا ينسى او يتناسى دور الشبيبة برئاسة الحسن الثاني رحمه الله في بناء طريق الوحدة بالريف ودورها في المساهمة في اعادة بناء اغادير بعد الزلزال التي ضربها في الستينات من القرن الماضي وفي التطوع في المسيرة الخضراء . وإذا كانت اهمية حركة الشبيبة العالمية تكمن في الاهداف السياسية والاجتماعية التي تكافح من اجلها وفي مدلولها التقدمي التغييري بما ينسجم مع روح العصر ، فان بعض ما يسمى اليوم بشبيبة الاحزاب الاسلاموية لا يصح ان نطلق عليها تسمية الشبيبة كما هو حاصل مع الشبيبة العالمية ، بل هي مجرد ميلشيات تتكون من فيالق وكتائب شبه عسكرية من حيث التنظيم والاستعراض والترويج لمشروع فاشي ظلامي ورجعي . ان الصفة المميزة لنشاط الشبيبة على المستوى العالمي هي على العموم صفة التقدمية والتطور والتجديد والمعاداة للامبريالية والبرامج القروسطوية . ومن خلال الرجوع الى تجربة الشبيبة المغربية سواء تلك التي ناضلت ضمن احزاب في الستينات وسبعينات القرن الماضي ، او تلك التي نظمت ضمن جمعيات محسوبة على احزاب اليسار ،فإننا نكاد نجزم انه لم يسبق لأحد اعضاء هذه الشبيبة ان اهدر دم احد او قتل اخر رغم ثقل الشعارات التي كانت ترددها الشبيبة في الجامعة ، لكن اذا رجعنا الى التاريخ الاسود لما يسمى ب ( الشبيبة الاسلامية ) فإننا سنجد انهم قتلوا منظر الطبقة العاملة المغربية عمر بنجلون ، كما قاموا بإعداد لوائح سوداء تضم اسماء اساتذة ونشيطين يساريين مرشحين للقتل . وهنا لا ننسى قيادة عبدالاله بنكران لمظاهرة بالدار البيضاء ضدا على الاحكام التي صدرت بالإعدام في حق قتلة بنجلون ، ولا ننسى كذلك الهجوم المسلح الذي قاده بنكران في سنة 1978 ضد لجنة التنسيق الوطنية التي كانت مخولة للتحضير للمؤتمر الوطني السادس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بعد الحصر الذي فرض في سنة 1973 . كذلك لا يجب ان ننسى الاغتيالات التي قام بها اعضاء من جماعة العدل والإحسان لطلبة وناشطين يساريين في العديد من المدن المغربية ، واليوم وفي هذا الصباح حملت الاخبار ان فيلق وكتيبة الطلبة التجديديين المنتمين الى حزب العدالة والتنمية قامت باستعمال العنف بمدينة سطات ضد طلبة من حزب التقدم والاشتراكية الذي يجلس معهم في الحكومة ، وهو نفس العنف استعملته كتائب وفيالق هذا التنظيم وكتائب وفيالق العدل والإحسان ضد خصومهم في الجامعة المغربية خاصة بفاس وجدة اغادير مراكش ...لخ . هناك ملاحظة اساسية نود اثارتها وهي انه اذا كانت الشبيبة العضو في احزاب اليسار تشكل الاكثرية في القرن الماضي ، فانه بالنسبة للعشرية الثانية من الالفية الثانية تقلص دور الشبيبة الحزبية بسبب تأثرها بالصراعات الفوقية بين الزعامات الحزبية ، وأصبح دور الشبيبة الحزبية محصورا في مجال جد ضيق لا يكاد يبرح ابناء وأبناء اسر قدماء الحزب الذين يحرصون على توريث المناصب لأبنائهم قصد الاستفادة من الريع الحكومي والبرلماني ، وهنا هل يمكن ان نقيس مثلا وضع شبيبة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي اصبحت شبيبة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خلال الستينات وطيلة السبعينات ، اي بعد المؤتمر الاستثنائي ، بوضع شبيبة الحزب اليوم . ثم هل يمكن ان نقيس وضع الشبيبة لما كان على رأسها الاستاذ محمد الساسي مع وضعها اليوم ، حيث يوجد على رأسها علي اليازغي ابن محمد اليازغي ؟ انه وضع لا يقبل البتة اية مقارنة مع وجود فارق كبير بين الامس وبين اليوم . لذا فان ما لا حظه كل متتبع ومحلل ، هو ان الشبيبة التي خرجت فيما سمي بالربيع العربي تتكون من شباب لا علاقة لهم بالأحزاب كيفما كانت توجهاتها الايديولوجية ، وحين خرجوا في مسيراتهم لم يكونوا يرددون شعارات حزبوية او حزبية ، بل رفعوا شعارات مرتبطة بمصالح الفئة البرجوازية الصغيرة وما فوق الصغيرة والمتوسطة وما فوق المتوسطة ، وهي فئات تتناقض اجتماعيا مع المخططات والمشاريع التي تعمل لبلوغها الاحزاب السياسية. وهنا لا بد ان نشير الى ان احزاب اليسار المحصورة تنظيميا والجماعات الاسلاموية المراهنة على مشاريع فاشية ستحرق الاخضر واليابس ، حين التحقوا مؤخرا بالشبيبة العربية ومنها الشبيبة المغربية التي خرجت تحت عنوان 20 فبراير ظلوا في واد والشباب في اخر ، بل لقد كان التحاق ما يسمى بالتنسيقيات بالحراك الشبابي من اكبر الاسباب التي افشلت حركة الشباب وجعلت مطالبها تتبخر بين سقف الملكية البرلمانية التي لا يحكم فيها الملك ولا يسود ، وبين مطالب الجمهورية التي رفعتها الاحزاب والتيارات الراديكالية والمتطرفة وجماعة العدل والإحسان ، وهو ما جعل المسيرات التي نظمت بمناسبة الذكرى الاولى للحركة تمر خافتة وجد ضعيفة . فهل بعد الحراك الاجتماعي الذي اسقط رؤساء ولم يسقط انظمة يمكن القول ان الشبيبة قد استعادت تاريخها الملتصق بالعصرنة والتطور ورفض المشاريع البالية والفاشية التي يروج لها التيار السلفي والاخواني اليوم بعناوين كثيرة ؟ وهل يمكن اعتبار الشبيبة قد انجزت ما هو مطلوب منها في ظل سرقة مبادرتها من طرف من كان ينتظر ويتربص الدوائر وسيطر على الوضع ؟ . انها اسئلة جوابها مكمون في حزب الحرية والعدالة وحزب النور في مصر وفي حركة النهضة في تونس وحركة الاخوان المسلمين في سورية والحركات الاخوانية والسلفية المسيطرة على المشهد السياسي في ليبيا وفي اليمن ...لخ . بمعنى رغم ان الشبيبة قد تمكنت من ابراز دورها التأثيري في المشهد السياسي إلا انها ظلت متخلفة من ان تأثر في وضع تحكمه قوانين مرعية تجسد الخصوصية التي حطمت جميع المشاريع التغريبية التي روج لها الشباب
واذا كان المحللون بمعظم اصنافهم يدركون ولو بدرجات متفاوتة حتمية وسنة التغيير بفضل صراع الاجيال ، إلا انهم يحرصون ألا يأتي نبأ المستقبل بما يتعارض مع الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف والتسرع والمشاريع الانتحارية ايا كان لونها وطعمها السياسي والإيديولوجي ، اي انهم ينظرون الى المستقبل الذي هو هنا ارادة الشبيبة بما يناسب التحولات التدريجية وليس التحولات الاستبدالية والتغريبية التي تحطم عليها المشروع الفبراري ( 20 فبراير ) مثلما تحطم عليها بالأمس المشروع الفوقي القومي و الماركسي والاسلاموي . والواقع اننا لا نستطيع ان نفهم ابعاد ما يجري في عصرنا الحالي على نحو صحيح اذا اغفلنا دور الشبيبة في صنع الحدث . ففي سنة 1968 هزت الشبيبة الطلابية والعمالية في فرنسا حكم الاحتكارات ، وقامت الشبيبة في المانيا الغربية بنشاطات موجهة ضد الاحتكارات وضد الامبريالية الامريكية وحرب الفيتنام ، وشنت شبيبة الولايات المتحدة الامريكية كفاحات سياسية تجلى تأثيرها في الضغط المتزايد على البيت الابيض لإنهاء حرب الفيتنام . كما ان الشبيبة العربية اليها ولوحدها يعود الفضل في اسقاط مبارك وبنعلي والقدافي وصالح وغدا بشار والبشير و ابومازن . واذا كانت بعض حركات ( الشبيبة ) الاسلاموية قد تسهم في غالب الحالات في دعم البرامج الرجعية والفاشية مما يتنافى بالمطلق مع دور الشبيبة المعادية للاحتكار وللامبريالية ويسمح بإطلاق وصف وتسمية الكتائب والفيالق على هذه المجموعات الشبه العسكرية من حيث التنظيم والاستعراض ، فقد كشف نشاط الشبيبة عن وجود اندماج نسبي بين مطالب الشبيبة الخاصة والمطالب السياسية الديمقراطية والعصرية التي ترفعا القوى التقدمية في العالم . ان نشاط الشبيبة المعاصرة يرتبط بمطالب فئات واسعة منها ، تجعلها ظروفها الاجتماعية العامة مهيأة لمجابهة المجتمع القديم ولرفض العلاقات الرأسمالية ، وما يوحد هذه الفئات اليوم في جميع انحاء العالم ( القوى المناهضة للعولمة )هو ارادة التجديد الاجتماعي التقدمي والتجديد الحضاري . كما لا يمكننا ان نفصل هذه الظاهرة اليوم عن روح العصر الثورية وعن تعاظم دور الطبقات الكادحة والجماهير الشعبية في صنع التطور التاريخي . ان إرادات مئات الالوف من الشبان تلتقي في اتجاه واحد يرمي الى رفض الرأسمالية وتجديد المجتمع ككل ، والمدلول التاريخي والتغييري لاحتشاد هذه الطاقات الفتية ، هو الامر الجديد الذي يجب ان يتنبأ له من يشتغلون في الشأن العام ، انها قنبلة موقوتة .
يلاحظ انه بعد الزمهرير العربي وبعد الخرجات الشبابية التي قوبلت بالقمع في وول ستريت وبألمانيا وفرنسا وايطاليا وما يحصل اليوم باليونان وسيحصل بالبرتغال وباسبانيا ...لخ اخذت الحركة اليسارية الثورية في العالم تبدي اليوم المزيد من الاهتمام بمسالة الشبيبة ، وذلك في سعيها الى تحديد إمكانتها الجديدة ، بغية الالتفاف عليها واستيعابها كخطوة لتدارك الجمود والعقم الذي اصاب اليسار الجدري واليسار الراديكالي والأحزاب القومية ، بسبب التكلس والتحنيط والتمسك بالقوالب الجامدة التي نخرت التنظيم من الداخل قبل ان تمتد اليه سلطة الزجر . والماركسيون اللينينيون والتروتسكيون والشيوعيون حين يعملون على هذه الحقيقة لتجاوز ما فات ، فان مرجعيتهم تستمد قوتها مما خططت له مراجيعهم الايديولوجيين امثال اجلز ولينين وستالين في موضوع الشبيبة . في هذا الصدد ودائما سنجد ان انجليز سبق ان قال بخصوص موضوع الشبيبة " نحن حزب المستقبل ، والمستقبل مآله للشبيبة ، ونحن حزب المجددين ، والمجددون هم على الدوام احب ما تقتفي مآله الشبيبة ، ونحن حزب الكفاح المليء بالتضحيات والموجه ضد عفونة القديم ، والشبيبة هي على الدوام اول من يتهيأ لهذا الكفاح المليء بالتضحيات " وقد علق لينين على ذلك بقوله " سنبقى دائما حزب الشباب في طبقتنا الطليعية " وكتب لينين في مناسبة اخرى " ثمة بين صفوفنا نوع من الخوف البرجوازي الصغير الروتيني من الشبيبة وعلينا ان نحاربه بكل ما نملك من قوة " ومن الواضح ان مثل هذا الموقف لا يتأثر بالخوف على المستقبل الثوري من تطرفية ورعونة الشبيبة المستلبة والمندفعة وغير المجربة والمؤطرة بما يضمن التوازن في القيم والمبادئ والأصول ، بل حسب هؤلاء المنظرين ان هذا التحليل والموقف ينصب على تحريك طاقتها الكامنة الزاخرة والديناميكية ، وهذا طبعا ما حاولت ادراكه الجماعات اليسارية المتطرفة والراديكالية حين ارتمت وبخلفيات مسبقة ضمن حركة 20 فبراير ، وهو ما عمق الفجوة بين هذه التنظيمات والتيارات وبين الفبراريين الذين لا ينتمون عضويا الى هذه الجماعات .
ومع ذلك يمكن القول ان مسالة الشبيبة كقوة غير مؤطرة ومنظمة ، هي معقدة مثل كل القضايا التي تطرح اليوم ، وهذا التعقد لا يرجع فقط الى معرفة مدى انطواء مطامح الشبيبة في كل حالة معينة على مضامين اجتماعية وسياسية قد تمس او لا تمس استقرار النظام الاجتماعي والسياسي ، بل يرجع ايضا الى ضرورة توفير الشروط المناسبة للقيام بتحليل موضوعي ملموس وشامل لحياة الشبيبة ونشاطها ، يستهدف في النهاية اكتشاف افضل السبل وأحسن الوسائل ، كي تصب حركة الشبيبة بمطالبها الحقيقية وتطلعاتها الكبيرة ، في الوسطية والاعتدال والبعد عن التسرع والتطرف المؤديين الى الهلاك والتخريب . واذا كانت مسالة الشبيبة كظاهرة سياسية واجتماعية قد عرفت انتكاسة واضمحلالا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين وتحول الصين الى نظام يمارس الرأسمالية في ابشع صورها وتراجع الدور الكوبي خاصة بعد شيخوخة فيديل كاسترو ، فان ظهور الجحافل المناهضة للعولمة في اوربة وبعدها ظهور الزمهرير العربي قد أعادا للشبيبة قوتها ورمزيتها الى درجة تدفع بنا الى القول ان الوقت الذي نعيشه اليوم هو عصر الشبيبة ، بدليل ان التحولات التي نعيشها لا تهدف فقط الى تجديد شباب العالم ، بل تهدف الى ظهور عالم الشبيبة كقوة اجتماعية مبدعة وخلاقة . واذا كان لا يمكن تصور مجتمع بدون شبيبة ، فان وجود الشبيبة وحده لا يكفي لظهور مسالة الشبيبة . فحينما كانت الرأسمالية في اوربة تنعم باستقرار وطيد ، وحين كان الركود الاجتماعي يخيم على وقاعنا الاقطاعي المتخلف ، لم يكن هناك مسالة حادة خاصة بالشبيبة . آنذاك لم يكن التحدث عن حركة الشبيبة او عن مطامح او مطالب خاصة بها ، ظاهرة اجتماعية تستأهل الانتباه . لقد كان المجتمع يعمل بقواه التقليدية السائدة على ضبط حركات الجيل الطالع وحبس افكاره ومطامحه في قوالب جاهزة . وحين كان ذلك المجتمع يكيف افكار الشبيبة وتطلعاتها وأشكال تلبية حاجياتها في اطار قواعد الحياة الراسخة القديمة ، كان يبدو ان عالم البالغين وحده هو الذي يصنع الحياة ، اما نشاط الشبيبة وعملها فليسا سوى تجسيد لإرادة البالغين . و هذا الوضع كان تجسيدا ومميزا للمجتمع العربي التقليدي المتخلف ، وقد كان لاستقرار البنية الطبقية لهذا المجتمع القديم طيلة قرون ، ورسوخ العلاقات الاجتماعية العتيقة ولسيطرة الركود الاجتماعي ، اهمية حاسمة في هيمنة عالم الراشدين على حياة المجتمع كله . وفي ظل تلك الظروف الاجتماعية كان هدف الشاب بل حلمه احيانا يجتاز تجربة الرجولة ، وان يعترف به مجتمع الراشدين ، لقاء تكيفه مع العلاقات والمؤسسات والقيم السائدة . ولم تكن هذه العلاقات التقليدية بين الشاب و الراشد في الواقع سوى مظهر من مظاهر الاضطهاد الاجتماعي لم يرافقه احتجاج ملحوظ إلا فيما نذر . ولا غرابة في ذلك ، فما دام المجتمع متماسكا في هيكله القديم لا يعاني من صراع داخلي حاد ، ومادامت القوى المنتجة لم تتطور فيه الى حد تفجير العلاقات الاجتماعية الطبقية السائدة ، فليس ثمة مجال لبروز طاقة الجيل الصاعد كقوة اجتماعية مستقلة الى حد ما . لقد كان دور الجيل الصاعد يقتصر في الغالب خلال فترات طويلة من التاريخ البشري على تنفيذ عملية الاندماج ببنية المجتمع القائم وعلى الجري وراء دورة الحياة القديمة ، وأخيرا على السجود امام قداسة ما صنعه وما تركه السلف . ان رسوخ سلطة الراشد التقليدية هو في الحقيقة رسوخ لنظام المجتمع القائم وقيمه . غير ان احتدام التناقضات في قلب العالم القديم وتصدعه بمؤسساته وتقاليده وقيمه وبروز دور فئات العمال والطبقات الكادحة الاخرى والشعوب المضطهدة في ساحة التطور التاريخي ،، كل ذلك قد انعكس في تبدل اهداف الشبيبة ومطامحها وفي ظهور اهداف ومطامح لدى الشبيبة لا تتفق مع ما يريده المجتمع القديم منها ، وأخيرا في ظهور مطالب خاصة بالشبيبة كشبيبة .
لقد كانت الشبيبة في الماضي وما تزال خزان طاقات ثرية مؤهلة للتجديد والابتكار . اما شبيبة اليوم فانه بالإضافة الى ذلك تملك عموما طاقات تجديدية ثورية كاملة ، وهي لا تنطوي على هذه الطاقات التغييرية لان تبدلا بسيكولوجيا قد طرا على نفسيتها ، بل لان العواصف الثورية والتجديدية التي هبت على العالم ( مناهضة العولمة والربيع العربي التي تحول الى زمهرير شتوي ) مع تعاظم كفاح الفئات الاجتماعية الكادحة والمستلبة والمهضومة الحقوق ، لم تدع الشبيبة تنعم بذاك الاندماج السلبي البائس بحياة الماضي ، ولم تدعها تستسلم لمصيرها الخامل القديم الذي تؤطره افكار الماضوية والتكلس التي تمثلها شرائح الاخوان والسلفيين من نصيين وجهاديين وحزب التحرير الاسلاموي المبشر بنظام الخلافة ( مؤخرا عرفت تونس اجتماع نساء حزب التحريرالاسلاموي غير المعترف به ، من جميع الدول خاصة الاوربية فطالبوا بتعيين خليفة على المسلمين قد تكون تونس عاصمة هذه الخلافة ، وقد منع الرجال والصحفيين من حضور هذا الاجتماع واللقاء الشاد عن المعقول ) بل هزت قواها الغافية وفتحت اعينها على آفاق جديدة وأماطت اللثام عن اهميتها كقوة اجتماعية فاعلة ومؤثرة تتطلع بطبيعتها الى المستقبل والتجديد . ان هذه العواصف قد حملت الى الشبيبة روحا جديدة شابة ، فوجدت قطاعات هامة من الشبيبة نفسها امام مهمة تاريخية ، تعكس آفاق التغيير الاجتماعي من جهة وتتفق من جهة ثانية مع مطامحها النوعية الى التجديد ،ألا وهي التطويح بالمجتمع القديم القائم على الاستثمار والقهر والجمود . واذا كانت الشبيبة ترغب بمعظمها في التغيير وهو حق مشروع ما دام ينهج الوسطية والاعتدال ويتجنب التطرف والابتذال ، فذلك لأنها ،اي الشبيبة تعاني اكثر من غيرها من مأساة الحاضر ومن اخر ما انتهت اليه تطورات المجتمع وتناقضاته .
ان المهمات الاساسية المطروحة امام الوطن العربي الآن تتلخص بتجاوز التخلف عن طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المخططة والمرتبطة بالتحويل المتكافئ للعلاقات الاجتماعية ، وبتجاوز وتخطي التجزئة والتفرقة عن طريق تهيئة الاسس لبناء الدولة العربية الموحدة القادرة على تصفية كل مصالح الامبريالية والصهيونية ، تصفية نهائية في الوطن العربي . ان انفصال جنوب السودان وانفصال اقليم دارفور وانقسام ليبيا باسم الفدرالية وتقسيم سورية ولبنان باسم الاعراق والاثنية والتهديد المحيط بقضية الصحراء المغربية واللعب على التناقض المذهبي بين المسلمين والأقباط وبين السنة والشيعة ، يبقى ورما خبيثا ، ان استفحل سيعجل بنهاية التاريخ العربي والدولة القومية او القطرية القوية ، وليس العدوان الذي يتعرض له الان الوطن العربي ، ضرب لبنان في 2006 وضرب غزة في 2008 ومواصلة ضربها الان مع ما يحاك للقدس من مخططات تدميرية امام صمت وعجز عربي ، سوى حلقة من حلقات الصراع الدائر بالمنطقة في تاريخ نضال الامة العربية من اجل تحقيق مهماتها الاساسية . ومن الواضح ان مجتمعا متخلفا لا تزال تسيطر فيه التقاليد البطريركية ، ويرصف في مستوى راكد للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي ولإشكال الوعي والتفكير والحياة ، لا يمكنه ان يتقدم على طريق الحركة التغييرية والمتجددة . انه يحتاج من اجل ذلك وقبل كل شيء الى وعي ابعاد تخلفه ، هذا الوعي الذي ينبثق من تناقضات الحياة الاجتماعية ذاتها والذي يستطيع إذ اتخذ اشكالا سياسية وتنظيمية ان يحرك الجماهير للعمل على تبديل شروط حياتها وبناء مستقبلها وكيانها والحفاظ على دولتها القوية الضاربة في العراقة اكثر من 1400 سنة . ان وعي وإدراك ابعاد التخلف وجذوره التاريخية يقود بالضرورة الى ادراك اهمية اعداد الطاقات المادية والبشرية اعدادا مخططا يمكنها فعلا من حل المهمات التي يطرحها التقدم الاقتصادي والاجتماعي . وهذا الوعي هو بجانب من جوانبه وعي بدور الشبيبة في انجاز هذه المهمة التاريخية ، وهو بنفس الوقت وعي تربوي يتعلق بتنشئة الجيل الصاعد ، تنشئة تتفق مع حل هذه المهمة في ظل الاستمرارية والحفاظ على المقومات الاساسية للدولة ، بدل الزج بها في متاهات انتحارية ستكون نتائجها نارا ستأتي على الاخضر واليابس . وإذا كانت الشبيبة غير المؤطرة بفعل نزوات الشباب الاندفاعية ترفع شعار الانقلاب على النظام ( ملكية لا يسود فيها الملك ولا يحكم ) لصالح نظام اخر ضمن استمرارية الدولة ( وصف احد الامراء شباب 20 فبراير بالأنبياء الشعبيين) فان دعوات الجمهورية ، اسلاموية او ماركسية بمختلف تلاوينها المذهبية ، تبقى دعوات لا علاقة للشباب بها فهي من صنع التنظيمات التي ركبت على الحركة فحاولت الالتفاف عليها باستقطاب عناصرها لخدمة اجندة لا علاقة لها بمطالب الشباب الذي يطالب بتغيير نظام بنظام لكن داخل الاستمرارية الدولتية ، وهو ما يعني وجود خلافات شاسعة بين الطرفين فكانت من الاسباب الرئيسية في تقوقع حركة الشباب التي يجب ان تراجع الحسابات بما يمنطق الاختيارات والتوجهات ، وبما يحافظ على اللحمة والوحدة لخدمة ادولة الواحدية القوية وليس الدولة المريضة الضعيفة.
لقد ادى خروج الشبيبة في مسيرات وتنظيمها لتظاهرات ومظاهرات بمناسبة بزوغ ( الربيع العربي ) الى وجود وجهتي نظر ووجود تقييمين للحراك الشبابي احدهما يمثله المحافظون الاسلاميون والأخر يمثله المتطرفون الماركسيون . ففي جانب فريق المحافظين نجد ان ما يشبه القول بان تحرك الشبيبة ما هو إلا تعبير عن احتدام الصراع بين الاجيال وعن وجود تناقض شديد بين الشبيبة من جهة والمجتمع برمته من جهة اخرى . فالاتجاه الرجعي الظلامي الذي مثلته العدل والإحسان والحركات السلفية والى حد ما حزب العدالة والتنمية يدافع عن استقرار مؤسسات المجتمع وليس الدولة واستقرار قيمه ، ويرفض اي تغيير اذا كان على حساب الماضوية التي يمثلها رجال الدين . وبين ممثلي هذا الاتجاه المحافظ القروسطوي يوجد من يقول ان تحرك الشبيبة قد احدث ازمة تعكس حدة التعارض بين رغبات الشبيبة اللامحدودة وبين امكانياتها المحدودة ، وان الشاب إذ يؤزّم التعارض بين الاجيال يخرج على شرعية الحياة السوية ويتبنى موقفا هداما معاديا للحضارة والقيم والمجتمع ، لأنه يذهب الى حد رفض كل الارث الايديولوجي والكفر بالقيم الحضارية والتنكر للمؤسسات والتقاليد ، هنا يمكن ان نفهم لماذا انعزلت جماعة العدل والإحسان في خرجاتها عن حركة 20 فبراير ، ونفهم كذلك انقلاب الجماعة على حزب النهج الديمقراطي ورفضها كل تعامل مع اليسار الجدري الذي ينشط داخل الحراك الاجتماعي ، كما يمكن ان نفهم تبرأ العدالة والتنمية من 20 فبراير واختلاف الشعارات التي يرفعها السلفيون عن شعارات التنسيقيات المرتبطة بالحركة
الى جانب هذا التقييم العدمي للحراك الشبيبي ، نجد اتجاها يساريا اكثر راديكالية وتطرفا ينطلق من القول بالصراع بين الاجيال وبان الواقع الاعمق اليوم هو الصراع بين الشبيبة من جهة والمجتمع من جهة اخرى ، لكن وبعكس الاسلامويين فهو لا يتردد من ابداء اعجابه بتفجر طاقات الشبيبة وتحركها العفوي والأصيل ، وهذا الاتجاه لا يقف من تحرك الشبيبة موقفا ايجابيا فحسب بل يرى في الشبيبة القوة الثورية الوحيدة القادرة على دك قلاع الدولة والنظام وإزالة مؤسسات المجتمع القديم وقيمه ، اي ضرب الموروث الايديولوجي للدولة ومن ثم تغييرها الى نظام الجمهورية . ان ممثلي هذا التيار ( النهج الديمقراطي ، رابطة العمل الشيوعي ، النهج الديمقراطي القاعدي...لخ )يرفضون الفكرة القائلة ان ثورية طبقة او فئة اجتماعية ترجع الى موقعها في عملية الانتاج ، ويدللون على ذلك بقدرة النظم الرأسمالية على تذويب فئة العمال ضمن النسق الاستهلاكي ومن ثم تخلفية الفئة العاملة عن مهامها ، وربما انها اضحت اكثر تخلفا واقل ثورية من الشبيبة التي ترمز الى التحدي والمجابهة . ان الشبيبة في نظر هؤلاء اليوم اضحت وحدها المؤهلة لتكون الطليعة القادرة على مجابهة مختلف التحديات التي تعيق التطور . ان هذا الفهم لجدلية الحراك يدفع الى القول بان اعباء قيادة الثورة اليوم تقع على عاتق الشبيبة ، وهو ما يختزل الصراع ليس في ما يردده في خطاباتهم بالصراع الطبقي ، بل ان الصراع يصبح مختزلا بصراع الاجيال الدائر على نطاق المجتمع او في الصراع بين المجتمع والشبيبة . وهو ما يجعل مقياس العمل الثوري في نظرهم وفي الغالب مبنيا على العفوية الحرة والاندفاع الطبيعي والتلقائي ، وهو ما يتناقض بالأساس مع جميع الاطروحات التي يروجون لها . ولا شك انه يتعذر على من يقيم التناقض بين المجتمع برمته والشبيبة ان ينظر الى تحرك الشبيبة كجزء من كفاح الحركة ( التقدمية ) و ( الثورية ).
نستطيع القول ان ظاهرة تحرك الشبيبة في بلادنا وبإرجاء المعمور هي على العموم مظهر من مظاهر الصراع الاجتماعي والسياسي الذي يرتكز الى درجة معينة لتطور العلاقة الجدلية بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج ، ومع ذلك فان من الخطأ الاعتقاد ان ثمة تطابقا تاما بين تحرك الشبيبة والصراع الاجتماعي او الطبقي في المجتمع . ان التوحيد الميكانيكي بين الصراع الاجتماعي وتحرك الشبيبة لا يعير اهتماما لوجود اوضاع ومطامح ومطالب نوعية للشبيبة كشبيبة ، فليس صحيحا ان ابناء الطبقة الاجتماعية لا يختلفون من الناحية السياسية عن آبائهم ، وان ليس ثمة بالتالي مسالة شبيبة خاصة . فاذا اكان الصراع الاجتماعي هو في آخر تحليل المحرك الاعمق للتاريخ الانساني ، فهذا لا ينفي ان ثمة ملامح خاصة لحركة الشبيبة ، وان بين الصراع الاجتماعي وصراع الاجيال علاقة جدلية يتمتع فيها تحرك الشبيبة بمقدار من الاستقلال النسبي ، وهذا ما جسدته الفروقات والاختلافات بين الشبيبة كشبيبة غير عضوية في تنظيمات وبين احزاب ومنظمات التنسيقيات التي التحقت بها من بعد ، اذ رغم المشاركة في المسيرات ، فقد ظلت الشعارات المرددة تختلف بين ما كانت تردده الشبيبة وبين شعارات التنسيقيات التي كانت تعكس بؤس الشعارات وبؤس الفلسفة ,فكانت النتيجة التراجع الكبير ليس فقط للشبيبة الفبرايرية بل النكوص والتكلس للتنسيقيات التي ظلت تلهت في واد والواقع في آخر . اذن ما هي الاسس الخاصة لتحرك الشبيبة في المغرب ؟
بالرجوع الى التجارب التي مرت بها الشبيبة المغربية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي حيث انها كانت مسيسة وعضو في تنظيمات راديكالية وجذرية وفي احزاب اثرت في الظرفية السياسية والحركة الحزبية واخص بالذكر هنا الاتحاد الاشتراكي قبل المؤتمر الوطني الاستثنائي وبعده . وبالرجوع الى الوضع الذي اضحت عليه الشبيبة المغربية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين ، حيث حصل تقوقع للشبيبة التي فقدت غطائها الايديولوجي . وبالرجوع الى الوضع الذي اضحت عليه الشبيبة بعد الحراك الشبيبي الذي اطلق عليه ب ( الربيع العربي ) وبعد المسيرات والمظاهرات المنددة بالعولمة وبعد مسيرات وول ستريت والمسيرات التي عمت المانيا ايطاليا اسبانيا البرتغال فرنسا ووضع اليونان ... نكاد نجزم على خلاصة تعكس الاسس العامة لتحرك الشبيبة ، كما تعكس الصفات التي تشترك فيها ، بحيث تكاد تكون المطالب واحدة رغم بعد المسافة الجغرافية التي تردد فيها نفس الشعارات
--- ان الشباب يؤلف في كل زمان ومكان مرحلة زمنية او حقبة من العمر . والشبيبة هي تلك الفئة من السكان التي يقع افرادها في نطاق تلك المرحلة . فهي ليست طبقة اجتماعية بل فئة سكانية ينحدر افرادها من منابع اجتماعية وطبقية مختلفة . غير ان الشبان لا ينتمون الى الطبقة التي ينحدرون منها بنفس انتماء آبائهم اليها . لا شك ان اغلبية الابناء تدور في فلك الطبقة التي ينتمي اليها آبائهم ، إلا ان ثمة درجة معينة من الانفكاك والحرية تتمتع بها الشبيبة ازاء طبقتها ، وهذا ما قد نسميه مجازا بالانتحار الطبقي . مثلا لقد تمرد المهندس انيس بلافريج على الطبقة الميركانتيلية التي ينتمي اليها عضويا ، واختار الانضمام الى مجموعة الى الامام الماركسية اللينينية . ان هذا التحول يبين ان الانفكاك النسبي عن الطبقة التي ينحدر منها الشاب ، يتجلى على الخصوص في مراحل التحولات الاجتماعية الكبرى ، حيث يتم بين جيل وجيل آخر تبدلات عنيفة وعميقة في ملامح الحياة الاجتماعية وقواعدها ، وتطرأ تغيرات كبيرة على مواقع السكان الاجتماعية وعلى البنية الاجتماعية والديمغرافية بصورة عامة . هكذا يمكننا ان نتأكد من وجود تبدل كبير في مواقع الفئات الاجتماعية مثل العمال او الفلاحين او المعلمين او الموظفين . ان هذا الانفكاك النسبي له اهمي خاصة وقصوى في ظهور حركة الشبيبة كقوة مستقلة عن الاحزاب والمنظمات الحزبية
---وثمة عوامل تولد مطامح مشتركة وتطلعات متشابهة لدى فئة الشبيبة . فالى جانب الاشتراك في العمر المتقارب ، نلاحظ لدا قطاعات واسعة من الشبيبة ولا سيما في قطاع الطلاب بالكليات والجامعات ، ما يسمى بالانعدام المؤقت للمصالح الاقتصادية الثابتة وعدم تحدد المصير الاجتماعي وضعف تأثير التقاليد وشدة تأثره بالأشكال الجديدة للتناقضات الاجتماعية ، كما نلاحظ لدى الشبيبة اسلوبا خاصا في التفكير والانفعال والتخيل . ان هذا الاسلوب يتجلى في نظرة الشبيبة الخاصة الى المستقبل وفي جرأتها الاخلاقية والفكرية وفي ميلها الى التجديد واستعدادها للبدل والعطاء وتحمل المخاطر والمشقات الكبيرة ، وعلى اساس هذه الخصائص المميزة للشبيبة تنشأ مطامحها المشتركة الى التثقيف الواسع والتطور المتكامل والإبداع والعمل المنتج والتمتع الخصب بالحياة وبأوقات الفراغ والتعبير الطبيعي عن ميولها وشخصيتها . ولا شك ان لحجم الشبيبة الديمغرافي السكاني اهمية كبيرة في تحديد دورها الاجتماعي في المجتمع .
لذا فان اي اهمال للمشتغلين بالشأن العام من دولة وأحزاب عقلانية سيفسح المجال لاعتناق الشبيبة الافكار المتطرفة من المؤثرات التقليدية الرجعية الظلامية والاستعمارية ( التغريب الاعمى باسم الحداثة المفترى عليها في خطابات اشباه العلمانيين ) ومن قبل التطرف الماركسي الذي لا يرى الكون إلا في سوداويته . ان هذا يعني ان تكون الدولة والأحزاب العقلانية على اتصال مباشر بمطامح ومطالب الشبيبة وإمكانياتها وان تدرك ادراكا تاما انها مسئولة مسؤولية تاريخية عن تعبئة الشبيبة بما يضمن التطور السلس في ظل الاستمرارية والموروث الايديولوجي الذي يميز الدولة في المغرب .











































































































الشبيبة
اثار ما يطلق عليه بالربيع العربي الذي تحول الى زمهرير اسلاموي اعادة طرح السؤال حول عملية احياء روح الشبيبة العالمية التي احتكرت المشهد السياسي طيلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي ، و زاد من هذا السؤال خروج شباب غير متحزب في وول ستريت وبالمدن الامريكية وبالمدن والعواصم الاوربية مقتدين بالتجربة العربية التي الهمتهم مثلما كانت التجارب الاوربية تلهم الشبيبة العربية التي انساقت وراء الاطروحات الايديولوجية الوافدة من اوربة الغربية . وإذا كان المهتمون والمحللون السياسيون يدركون ان العصر الحالي الذي نعيشه هو بامتياز عصر التحولات الاجتماعية الكبيرة ، فان الاسباب التي ادت الى هذا التحول لم تكن هي نفسها التي قادت المظاهرات والتظاهرات الشبابية في القرن الماضي . لقد اتسمت شبيبة الامس باعتناقها الخطاب الثوري المستمد من النظريات والأفكار السياسية التي روج لها العديد من المفكرين الايديولوجيين الذي اغنوا الساحة السياسية ، فكان لوجود الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي والصين الشعبية والحرب في الهند الصينية والصراع العربي الاسرائيلي ، ابلغ الاثر في وسم تلك التجربة بطابع خاص يختلف عما يجري به العمل اليوم ، حيث بمجرد انحلال المعسكر الشرقي وسيادة الخطاب الوحيد الاوحد الذي تمركز حول القوة الامريكية والمنظومة الغربية في انتصارها في الحرب الايديولوجية ، حتى خفت صوت الشبيبة العالمية كقوة منددة بالظلم ورافضة لكل ما هو أركاييكي وتقليدي ، وهو ما كان يعطي الانطباع بان مجرد الحديث عن الشبيبة كان يفسر بصراع الاجيال بسبب الاختلاف بين الافكار الشائخة والأفكار الشابة ، التطور والتجديد ضد الجمود والتقوقع ، الانفتاح ضد الانغلاق ، الامل ضد الاحباط .
بالأمس كانت الشبيبة العالمية وفي غالبيتها تنتمي الى الاحزاب اليسارية من اشتراكية وشيوعية وماركسية وقومية ، فكانت تلك الشبيبة هي الاداة الفعالة الممثلة للطموحات وللانتفاضات . فمن منا ينسى تحرك الشباب الرافض للحرب الامريكية في الهند الصينية ، ومن منا ينسى او يتناسى الدور الرئيسي للشبيبة في الانتفاضة التي عرفتها جل الدول الاوربية في ماي 1968 ، كما من منا يتناسى دور الشبيبة الحزبية في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي رفضت الكولسة وأنصاف الحلول معلنة عن ميلاد منظمة 23 مارس ، ورفض شبيبة حزب التحرر والاشتراكية للتوجهات البرجوازية والإصلاحية للقيادة ، خاصة موقفها المساند لمشروع روجيرز في الشرق الاوسط ومعلنة التأسيس لمنظمة الى الامام ، كذلك من منا ينسى او يتناسى دور الشبيبة برئاسة الحسن الثاني رحمه الله في بناء طريق الوحدة بالريف ودورها في المساهمة في اعادة بناء اغادير بعد الزلزال التي ضربها في الستينات من القرن الماضي وفي التطوع في المسيرة الخضراء . وإذا كانت اهمية حركة الشبيبة العالمية تكمن في الاهداف السياسية والاجتماعية التي تكافح من اجلها وفي مدلولها التقدمي التغييري بما ينسجم مع روح العصر ، فان بعض ما يسمى اليوم بشبيبة الاحزاب الاسلاموية لا يصح ان نطلق عليها تسمية الشبيبة كما هو حاصل مع الشبيبة العالمية ، بل هي مجرد ميلشيات تتكون من فيالق وكتائب شبه عسكرية من حيث التنظيم والاستعراض والترويج لمشروع فاشي ظلامي ورجعي . ان الصفة المميزة لنشاط الشبيبة على المستوى العالمي هي على العموم صفة التقدمية والتطور والتجديد والمعاداة للامبريالية والبرامج القروسطوية . ومن خلال الرجوع الى تجربة الشبيبة المغربية سواء تلك التي ناضلت ضمن احزاب في الستينات وسبعينات القرن الماضي ، او تلك التي نظمت ضمن جمعيات محسوبة على احزاب اليسار ،فإننا نكاد نجزم انه لم يسبق لأحد اعضاء هذه الشبيبة ان اهدر دم احد او قتل اخر رغم ثقل الشعارات التي كانت ترددها الشبيبة في الجامعة ، لكن اذا رجعنا الى التاريخ الاسود لما يسمى ب ( الشبيبة الاسلامية ) فإننا سنجد انهم قتلوا منظر الطبقة العاملة المغربية عمر بنجلون ، كما قاموا بإعداد لوائح سوداء تضم اسماء اساتذة ونشيطين يساريين مرشحين للقتل . وهنا لا ننسى قيادة عبدالاله بنكران لمظاهرة بالدار البيضاء ضدا على الاحكام التي صدرت بالإعدام في حق قتلة بنجلون ، ولا ننسى كذلك الهجوم المسلح الذي قاده بنكران في سنة 1978 ضد لجنة التنسيق الوطنية التي كانت مخولة للتحضير للمؤتمر الوطني السادس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بعد الحصر الذي فرض في سنة 1973 . كذلك لا يجب ان ننسى الاغتيالات التي قام بها اعضاء من جماعة العدل والإحسان لطلبة وناشطين يساريين في العديد من المدن المغربية ، واليوم وفي هذا الصباح حملت الاخبار ان فيلق وكتيبة الطلبة التجديديين المنتمين الى حزب العدالة والتنمية قامت باستعمال العنف بمدينة سطات ضد طلبة من حزب التقدم والاشتراكية الذي يجلس معهم في الحكومة ، وهو نفس العنف استعملته كتائب وفيالق هذا التنظيم وكتائب وفيالق العدل والإحسان ضد خصومهم في الجامعة المغربية خاصة بفاس وجدة اغادير مراكش ...لخ . هناك ملاحظة اساسية نود اثارتها وهي انه اذا كانت الشبيبة العضو في احزاب اليسار تشكل الاكثرية في القرن الماضي ، فانه بالنسبة للعشرية الثانية من الالفية الثانية تقلص دور الشبيبة الحزبية بسبب تأثرها بالصراعات الفوقية بين الزعامات الحزبية ، وأصبح دور الشبيبة الحزبية محصورا في مجال جد ضيق لا يكاد يبرح ابناء وأبناء اسر قدماء الحزب الذين يحرصون على توريث المناصب لأبنائهم قصد الاستفادة من الريع الحكومي والبرلماني ، وهنا هل يمكن ان نقيس مثلا وضع شبيبة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي اصبحت شبيبة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خلال الستينات وطيلة السبعينات ، اي بعد المؤتمر الاستثنائي ، بوضع شبيبة الحزب اليوم . ثم هل يمكن ان نقيس وضع الشبيبة لما كان على رأسها الاستاذ محمد الساسي مع وضعها اليوم ، حيث يوجد على رأسها علي اليازغي ابن محمد اليازغي ؟ انه وضع لا يقبل البتة اية مقارنة مع وجود فارق كبير بين الامس وبين اليوم . لذا فان ما لا حظه كل متتبع ومحلل ، هو ان الشبيبة التي خرجت فيما سمي بالربيع العربي تتكون من شباب لا علاقة لهم بالأحزاب كيفما كانت توجهاتها الايديولوجية ، وحين خرجوا في مسيراتهم لم يكونوا يرددون شعارات حزبوية او حزبية ، بل رفعوا شعارات مرتبطة بمصالح الفئة البرجوازية الصغيرة وما فوق الصغيرة والمتوسطة وما فوق المتوسطة ، وهي فئات تتناقض اجتماعيا مع المخططات والمشاريع التي تعمل لبلوغها الاحزاب السياسية. وهنا لا بد ان نشير الى ان احزاب اليسار المحصورة تنظيميا والجماعات الاسلاموية المراهنة على مشاريع فاشية ستحرق الاخضر واليابس ، حين التحقوا مؤخرا بالشبيبة العربية ومنها الشبيبة المغربية التي خرجت تحت عنوان 20 فبراير ظلوا في واد والشباب في اخر ، بل لقد كان التحاق ما يسمى بالتنسيقيات بالحراك الشبابي من اكبر الاسباب التي افشلت حركة الشباب وجعلت مطالبها تتبخر بين سقف الملكية البرلمانية التي لا يحكم فيها الملك ولا يسود ، وبين مطالب الجمهورية التي رفعتها الاحزاب والتيارات الراديكالية والمتطرفة وجماعة العدل والإحسان ، وهو ما جعل المسيرات التي نظمت بمناسبة الذكرى الاولى للحركة تمر خافتة وجد ضعيفة . فهل بعد الحراك الاجتماعي الذي اسقط رؤساء ولم يسقط انظمة يمكن القول ان الشبيبة قد استعادت تاريخها الملتصق بالعصرنة والتطور ورفض المشاريع البالية والفاشية التي يروج لها التيار السلفي والاخواني اليوم بعناوين كثيرة ؟ وهل يمكن اعتبار الشبيبة قد انجزت ما هو مطلوب منها في ظل سرقة مبادرتها من طرف من كان ينتظر ويتربص الدوائر وسيطر على الوضع ؟ . انها اسئلة جوابها مكمون في حزب الحرية والعدالة وحزب النور في مصر وفي حركة النهضة في تونس وحركة الاخوان المسلمين في سورية والحركات الاخوانية والسلفية المسيطرة على المشهد السياسي في ليبيا وفي اليمن ...لخ . بمعنى رغم ان الشبيبة قد تمكنت من ابراز دورها التأثيري في المشهد السياسي إلا انها ظلت متخلفة من ان تأثر في وضع تحكمه قوانين مرعية تجسد الخصوصية التي حطمت جميع المشاريع التغريبية التي روج لها الشباب
واذا كان المحللون بمعظم اصنافهم يدركون ولو بدرجات متفاوتة حتمية وسنة التغيير بفضل صراع الاجيال ، إلا انهم يحرصون ألا يأتي نبأ المستقبل بما يتعارض مع الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف والتسرع والمشاريع الانتحارية ايا كان لونها وطعمها السياسي والإيديولوجي ، اي انهم ينظرون الى المستقبل الذي هو هنا ارادة الشبيبة بما يناسب التحولات التدريجية وليس التحولات الاستبدالية والتغريبية التي تحطم عليها المشروع الفبراري ( 20 فبراير ) مثلما تحطم عليها بالأمس المشروع الفوقي القومي و الماركسي والاسلاموي . والواقع اننا لا نستطيع ان نفهم ابعاد ما يجري في عصرنا الحالي على نحو صحيح اذا اغفلنا دور الشبيبة في صنع الحدث . ففي سنة 1968 هزت الشبيبة الطلابية والعمالية في فرنسا حكم الاحتكارات ، وقامت الشبيبة في المانيا الغربية بنشاطات موجهة ضد الاحتكارات وضد الامبريالية الامريكية وحرب الفيتنام ، وشنت شبيبة الولايات المتحدة الامريكية كفاحات سياسية تجلى تأثيرها في الضغط المتزايد على البيت الابيض لإنهاء حرب الفيتنام . كما ان الشبيبة العربية اليها ولوحدها يعود الفضل في اسقاط مبارك وبنعلي والقدافي وصالح وغدا بشار والبشير و ابومازن . واذا كانت بعض حركات ( الشبيبة ) الاسلاموية قد تسهم في غالب الحالات في دعم البرامج الرجعية والفاشية مما يتنافى بالمطلق مع دور الشبيبة المعادية للاحتكار وللامبريالية ويسمح بإطلاق وصف وتسمية الكتائب والفيالق على هذه المجموعات الشبه العسكرية من حيث التنظيم والاستعراض ، فقد كشف نشاط الشبيبة عن وجود اندماج نسبي بين مطالب الشبيبة الخاصة والمطالب السياسية الديمقراطية والعصرية التي ترفعا القوى التقدمية في العالم . ان نشاط الشبيبة المعاصرة يرتبط بمطالب فئات واسعة منها ، تجعلها ظروفها الاجتماعية العامة مهيأة لمجابهة المجتمع القديم ولرفض العلاقات الرأسمالية ، وما يوحد هذه الفئات اليوم في جميع انحاء العالم ( القوى المناهضة للعولمة )هو ارادة التجديد الاجتماعي التقدمي والتجديد الحضاري . كما لا يمكننا ان نفصل هذه الظاهرة اليوم عن روح العصر الثورية وعن تعاظم دور الطبقات الكادحة والجماهير الشعبية في صنع التطور التاريخي . ان إرادات مئات الالوف من الشبان تلتقي في اتجاه واحد يرمي الى رفض الرأسمالية وتجديد المجتمع ككل ، والمدلول التاريخي والتغييري لاحتشاد هذه الطاقات الفتية ، هو الامر الجديد الذي يجب ان يتنبأ له من يشتغلون في الشأن العام ، انها قنبلة موقوتة .
يلاحظ انه بعد الزمهرير العربي وبعد الخرجات الشبابية التي قوبلت بالقمع في وول ستريت وبألمانيا وفرنسا وايطاليا وما يحصل اليوم باليونان وسيحصل بالبرتغال وباسبانيا ...لخ اخذت الحركة اليسارية الثورية في العالم تبدي اليوم المزيد من الاهتمام بمسالة الشبيبة ، وذلك في سعيها الى تحديد إمكانتها الجديدة ، بغية الالتفاف عليها واستيعابها كخطوة لتدارك الجمود والعقم الذي اصاب اليسار الجدري واليسار الراديكالي والأحزاب القومية ، بسبب التكلس والتحنيط والتمسك بالقوالب الجامدة التي نخرت التنظيم من الداخل قبل ان تمتد اليه سلطة الزجر . والماركسيون اللينينيون والتروتسكيون والشيوعيون حين يعملون على هذه الحقيقة لتجاوز ما فات ، فان مرجعيتهم تستمد قوتها مما خططت له مراجيعهم الايديولوجيين امثال اجلز ولينين وستالين في موضوع الشبيبة . في هذا الصدد ودائما سنجد ان انجليز سبق ان قال بخصوص موضوع الشبيبة " نحن حزب المستقبل ، والمستقبل مآله للشبيبة ، ونحن حزب المجددين ، والمجددون هم على الدوام احب ما تقتفي مآله الشبيبة ، ونحن حزب الكفاح المليء بالتضحيات والموجه ضد عفونة القديم ، والشبيبة هي على الدوام اول من يتهيأ لهذا الكفاح المليء بالتضحيات " وقد علق لينين على ذلك بقوله " سنبقى دائما حزب الشباب في طبقتنا الطليعية " وكتب لينين في مناسبة اخرى " ثمة بين صفوفنا نوع من الخوف البرجوازي الصغير الروتيني من الشبيبة وعلينا ان نحاربه بكل ما نملك من قوة " ومن الواضح ان مثل هذا الموقف لا يتأثر بالخوف على المستقبل الثوري من تطرفية ورعونة الشبيبة المستلبة والمندفعة وغير المجربة والمؤطرة بما يضمن التوازن في القيم والمبادئ والأصول ، بل حسب هؤلاء المنظرين ان هذا التحليل والموقف ينصب على تحريك طاقتها الكامنة الزاخرة والديناميكية ، وهذا طبعا ما حاولت ادراكه الجماعات اليسارية المتطرفة والراديكالية حين ارتمت وبخلفيات مسبقة ضمن حركة 20 فبراير ، وهو ما عمق الفجوة بين هذه التنظيمات والتيارات وبين الفبراريين الذين لا ينتمون عضويا الى هذه الجماعات .
ومع ذلك يمكن القول ان مسالة الشبيبة كقوة غير مؤطرة ومنظمة ، هي معقدة مثل كل القضايا التي تطرح اليوم ، وهذا التعقد لا يرجع فقط الى معرفة مدى انطواء مطامح الشبيبة في كل حالة معينة على مضامين اجتماعية وسياسية قد تمس او لا تمس استقرار النظام الاجتماعي والسياسي ، بل يرجع ايضا الى ضرورة توفير الشروط المناسبة للقيام بتحليل موضوعي ملموس وشامل لحياة الشبيبة ونشاطها ، يستهدف في النهاية اكتشاف افضل السبل وأحسن الوسائل ، كي تصب حركة الشبيبة بمطالبها الحقيقية وتطلعاتها الكبيرة ، في الوسطية والاعتدال والبعد عن التسرع والتطرف المؤديين الى الهلاك والتخريب . واذا كانت مسالة الشبيبة كظاهرة سياسية واجتماعية قد عرفت انتكاسة واضمحلالا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين وتحول الصين الى نظام يمارس الرأسمالية في ابشع صورها وتراجع الدور الكوبي خاصة بعد شيخوخة فيديل كاسترو ، فان ظهور الجحافل المناهضة للعولمة في اوربة وبعدها ظهور الزمهرير العربي قد أعادا للشبيبة قوتها ورمزيتها الى درجة تدفع بنا الى القول ان الوقت الذي نعيشه اليوم هو عصر الشبيبة ، بدليل ان التحولات التي نعيشها لا تهدف فقط الى تجديد شباب العالم ، بل تهدف الى ظهور عالم الشبيبة كقوة اجتماعية مبدعة وخلاقة . واذا كان لا يمكن تصور مجتمع بدون شبيبة ، فان وجود الشبيبة وحده لا يكفي لظهور مسالة الشبيبة . فحينما كانت الرأسمالية في اوربة تنعم باستقرار وطيد ، وحين كان الركود الاجتماعي يخيم على وقاعنا الاقطاعي المتخلف ، لم يكن هناك مسالة حادة خاصة بالشبيبة . آنذاك لم يكن التحدث عن حركة الشبيبة او عن مطامح او مطالب خاصة بها ، ظاهرة اجتماعية تستأهل الانتباه . لقد كان المجتمع يعمل بقواه التقليدية السائدة على ضبط حركات الجيل الطالع وحبس افكاره ومطامحه في قوالب جاهزة . وحين كان ذلك المجتمع يكيف افكار الشبيبة وتطلعاتها وأشكال تلبية حاجياتها في اطار قواعد الحياة الراسخة القديمة ، كان يبدو ان عالم البالغين وحده هو الذي يصنع الحياة ، اما نشاط الشبيبة وعملها فليسا سوى تجسيد لإرادة البالغين . و هذا الوضع كان تجسيدا ومميزا للمجتمع العربي التقليدي المتخلف ، وقد كان لاستقرار البنية الطبقية لهذا المجتمع القديم طيلة قرون ، ورسوخ العلاقات الاجتماعية العتيقة ولسيطرة الركود الاجتماعي ، اهمية حاسمة في هيمنة عالم الراشدين على حياة المجتمع كله . وفي ظل تلك الظروف الاجتماعية كان هدف الشاب بل حلمه احيانا يجتاز تجربة الرجولة ، وان يعترف به مجتمع الراشدين ، لقاء تكيفه مع العلاقات والمؤسسات والقيم السائدة . ولم تكن هذه العلاقات التقليدية بين الشاب و الراشد في الواقع سوى مظهر من مظاهر الاضطهاد الاجتماعي لم يرافقه احتجاج ملحوظ إلا فيما نذر . ولا غرابة في ذلك ، فما دام المجتمع متماسكا في هيكله القديم لا يعاني من صراع داخلي حاد ، ومادامت القوى المنتجة لم تتطور فيه الى حد تفجير العلاقات الاجتماعية الطبقية السائدة ، فليس ثمة مجال لبروز طاقة الجيل الصاعد كقوة اجتماعية مستقلة الى حد ما . لقد كان دور الجيل الصاعد يقتصر في الغالب خلال فترات طويلة من التاريخ البشري على تنفيذ عملية الاندماج ببنية المجتمع القائم وعلى الجري وراء دورة الحياة القديمة ، وأخيرا على السجود امام قداسة ما صنعه وما تركه السلف . ان رسوخ سلطة الراشد التقليدية هو في الحقيقة رسوخ لنظام المجتمع القائم وقيمه . غير ان احتدام التناقضات في قلب العالم القديم وتصدعه بمؤسساته وتقاليده وقيمه وبروز دور فئات العمال والطبقات الكادحة الاخرى والشعوب المضطهدة في ساحة التطور التاريخي ،، كل ذلك قد انعكس في تبدل اهداف الشبيبة ومطامحها وفي ظهور اهداف ومطامح لدى الشبيبة لا تتفق مع ما يريده المجتمع القديم منها ، وأخيرا في ظهور مطالب خاصة بالشبيبة كشبيبة .
لقد كانت الشبيبة في الماضي وما تزال خزان طاقات ثرية مؤهلة للتجديد والابتكار . اما شبيبة اليوم فانه بالإضافة الى ذلك تملك عموما طاقات تجديدية ثورية كاملة ، وهي لا تنطوي على هذه الطاقات التغييرية لان تبدلا بسيكولوجيا قد طرا على نفسيتها ، بل لان العواصف الثورية والتجديدية التي هبت على العالم ( مناهضة العولمة والربيع العربي التي تحول الى زمهرير شتوي ) مع تعاظم كفاح الفئات الاجتماعية الكادحة والمستلبة والمهضومة الحقوق ، لم تدع الشبيبة تنعم بذاك الاندماج السلبي البائس بحياة الماضي ، ولم تدعها تستسلم لمصيرها الخامل القديم الذي تؤطره افكار الماضوية والتكلس التي تمثلها شرائح الاخوان والسلفيين من نصيين وجهاديين وحزب التحرير الاسلاموي المبشر بنظام الخلافة ( مؤخرا عرفت تونس اجتماع نساء حزب التحريرالاسلاموي غير المعترف به ، من جميع الدول خاصة الاوربية فطالبوا بتعيين خليفة على المسلمين قد تكون تونس عاصمة هذه الخلافة ، وقد منع الرجال والصحفيين من حضور هذا الاجتماع واللقاء الشاد عن المعقول ) بل هزت قواها الغافية وفتحت اعينها على آفاق جديدة وأماطت اللثام عن اهميتها كقوة اجتماعية فاعلة ومؤثرة تتطلع بطبيعتها الى المستقبل والتجديد . ان هذه العواصف قد حملت الى الشبيبة روحا جديدة شابة ، فوجدت قطاعات هامة من الشبيبة نفسها امام مهمة تاريخية ، تعكس آفاق التغيير الاجتماعي من جهة وتتفق من جهة ثانية مع مطامحها النوعية الى التجديد ،ألا وهي التطويح بالمجتمع القديم القائم على الاستثمار والقهر والجمود . واذا كانت الشبيبة ترغب بمعظمها في التغيير وهو حق مشروع ما دام ينهج الوسطية والاعتدال ويتجنب التطرف والابتذال ، فذلك لأنها ،اي الشبيبة تعاني اكثر من غيرها من مأساة الحاضر ومن اخر ما انتهت اليه تطورات المجتمع وتناقضاته .
ان المهمات الاساسية المطروحة امام الوطن العربي الآن تتلخص بتجاوز التخلف عن طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المخططة والمرتبطة بالتحويل المتكافئ للعلاقات الاجتماعية ، وبتجاوز وتخطي التجزئة والتفرقة عن طريق تهيئة الاسس لبناء الدولة العربية الموحدة القادرة على تصفية كل مصالح الامبريالية والصهيونية ، تصفية نهائية في الوطن العربي . ان انفصال جنوب السودان وانفصال اقليم دارفور وانقسام ليبيا باسم الفدرالية وتقسيم سورية ولبنان باسم الاعراق والاثنية والتهديد المحيط بقضية الصحراء المغربية واللعب على التناقض المذهبي بين المسلمين والأقباط وبين السنة والشيعة ، يبقى ورما خبيثا ، ان استفحل سيعجل بنهاية التاريخ العربي والدولة القومية او القطرية القوية ، وليس العدوان الذي يتعرض له الان الوطن العربي ، ضرب لبنان في 2006 وضرب غزة في 2008 ومواصلة ضربها الان مع ما يحاك للقدس من مخططات تدميرية امام صمت وعجز عربي ، سوى حلقة من حلقات الصراع الدائر بالمنطقة في تاريخ نضال الامة العربية من اجل تحقيق مهماتها الاساسية . ومن الواضح ان مجتمعا متخلفا لا تزال تسيطر فيه التقاليد البطريركية ، ويرصف في مستوى راكد للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي ولإشكال الوعي والتفكير والحياة ، لا يمكنه ان يتقدم على طريق الحركة التغييرية والمتجددة . انه يحتاج من اجل ذلك وقبل كل شيء الى وعي ابعاد تخلفه ، هذا الوعي الذي ينبثق من تناقضات الحياة الاجتماعية ذاتها والذي يستطيع إذ اتخذ اشكالا سياسية وتنظيمية ان يحرك الجماهير للعمل على تبديل شروط حياتها وبناء مستقبلها وكيانها والحفاظ على دولتها القوية الضاربة في العراقة اكثر من 1400 سنة . ان وعي وإدراك ابعاد التخلف وجذوره التاريخية يقود بالضرورة الى ادراك اهمية اعداد الطاقات المادية والبشرية اعدادا مخططا يمكنها فعلا من حل المهمات التي يطرحها التقدم الاقتصادي والاجتماعي . وهذا الوعي هو بجانب من جوانبه وعي بدور الشبيبة في انجاز هذه المهمة التاريخية ، وهو بنفس الوقت وعي تربوي يتعلق بتنشئة الجيل الصاعد ، تنشئة تتفق مع حل هذه المهمة في ظل الاستمرارية والحفاظ على المقومات الاساسية للدولة ، بدل الزج بها في متاهات انتحارية ستكون نتائجها نارا ستأتي على الاخضر واليابس . وإذا كانت الشبيبة غير المؤطرة بفعل نزوات الشباب الاندفاعية ترفع شعار الانقلاب على النظام ( ملكية لا يسود فيها الملك ولا يحكم ) لصالح نظام اخر ضمن استمرارية الدولة ( وصف احد الامراء شباب 20 فبراير بالأنبياء الشعبيين) فان دعوات الجمهورية ، اسلاموية او ماركسية بمختلف تلاوينها المذهبية ، تبقى دعوات لا علاقة للشباب بها فهي من صنع التنظيمات التي ركبت على الحركة فحاولت الالتفاف عليها باستقطاب عناصرها لخدمة اجندة لا علاقة لها بمطالب الشباب الذي يطالب بتغيير نظام بنظام لكن داخل الاستمرارية الدولتية ، وهو ما يعني وجود خلافات شاسعة بين الطرفين فكانت من الاسباب الرئيسية في تقوقع حركة الشباب التي يجب ان تراجع الحسابات بما يمنطق الاختيارات والتوجهات ، وبما يحافظ على اللحمة والوحدة لخدمة ادولة الواحدية القوية وليس الدولة المريضة الضعيفة.
لقد ادى خروج الشبيبة في مسيرات وتنظيمها لتظاهرات ومظاهرات بمناسبة بزوغ ( الربيع العربي ) الى وجود وجهتي نظر ووجود تقييمين للحراك الشبابي احدهما يمثله المحافظون الاسلاميون والأخر يمثله المتطرفون الماركسيون . ففي جانب فريق المحافظين نجد ان ما يشبه القول بان تحرك الشبيبة ما هو إلا تعبير عن احتدام الصراع بين الاجيال وعن وجود تناقض شديد بين الشبيبة من جهة والمجتمع برمته من جهة اخرى . فالاتجاه الرجعي الظلامي الذي مثلته العدل والإحسان والحركات السلفية والى حد ما حزب العدالة والتنمية يدافع عن استقرار مؤسسات المجتمع وليس الدولة واستقرار قيمه ، ويرفض اي تغيير اذا كان على حساب الماضوية التي يمثلها رجال الدين . وبين ممثلي هذا الاتجاه المحافظ القروسطوي يوجد من يقول ان تحرك الشبيبة قد احدث ازمة تعكس حدة التعارض بين رغبات الشبيبة اللامحدودة وبين امكانياتها المحدودة ، وان الشاب إذ يؤزّم التعارض بين الاجيال يخرج على شرعية الحياة السوية ويتبنى موقفا هداما معاديا للحضارة والقيم والمجتمع ، لأنه يذهب الى حد رفض كل الارث الايديولوجي والكفر بالقيم الحضارية والتنكر للمؤسسات والتقاليد ، هنا يمكن ان نفهم لماذا انعزلت جماعة العدل والإحسان في خرجاتها عن حركة 20 فبراير ، ونفهم كذلك انقلاب الجماعة على حزب النهج الديمقراطي ورفضها كل تعامل مع اليسار الجدري الذي ينشط داخل الحراك الاجتماعي ، كما يمكن ان نفهم تبرأ العدالة والتنمية من 20 فبراير واختلاف الشعارات التي يرفعها السلفيون عن شعارات التنسيقيات المرتبطة بالحركة
الى جانب هذا التقييم العدمي للحراك الشبيبي ، نجد اتجاها يساريا اكثر راديكالية وتطرفا ينطلق من القول بالصراع بين الاجيال وبان الواقع الاعمق اليوم هو الصراع بين الشبيبة من جهة والمجتمع من جهة اخرى ، لكن وبعكس الاسلامويين فهو لا يتردد من ابداء اعجابه بتفجر طاقات الشبيبة وتحركها العفوي والأصيل ، وهذا الاتجاه لا يقف من تحرك الشبيبة موقفا ايجابيا فحسب بل يرى في الشبيبة القوة الثورية الوحيدة القادرة على دك قلاع الدولة والنظام وإزالة مؤسسات المجتمع القديم وقيمه ، اي ضرب الموروث الايديولوجي للدولة ومن ثم تغييرها الى نظام الجمهورية . ان ممثلي هذا التيار ( النهج الديمقراطي ، رابطة العمل الشيوعي ، النهج الديمقراطي القاعدي...لخ )يرفضون الفكرة القائلة ان ثورية طبقة او فئة اجتماعية ترجع الى موقعها في عملية الانتاج ، ويدللون على ذلك بقدرة النظم الرأسمالية على تذويب فئة العمال ضمن النسق الاستهلاكي ومن ثم تخلفية الفئة العاملة عن مهامها ، وربما انها اضحت اكثر تخلفا واقل ثورية من الشبيبة التي ترمز الى التحدي والمجابهة . ان الشبيبة في نظر هؤلاء اليوم اضحت وحدها المؤهلة لتكون الطليعة القادرة على مجابهة مختلف التحديات التي تعيق التطور . ان هذا الفهم لجدلية الحراك يدفع الى القول بان اعباء قيادة الثورة اليوم تقع على عاتق الشبيبة ، وهو ما يختزل الصراع ليس في ما يردده في خطاباتهم بالصراع الطبقي ، بل ان الصراع يصبح مختزلا بصراع الاجيال الدائر على نطاق المجتمع او في الصراع بين المجتمع والشبيبة . وهو ما يجعل مقياس العمل الثوري في نظرهم وفي الغالب مبنيا على العفوية الحرة والاندفاع الطبيعي والتلقائي ، وهو ما يتناقض بالأساس مع جميع الاطروحات التي يروجون لها . ولا شك انه يتعذر على من يقيم التناقض بين المجتمع برمته والشبيبة ان ينظر الى تحرك الشبيبة كجزء من كفاح الحركة ( التقدمية ) و ( الثورية ).
نستطيع القول ان ظاهرة تحرك الشبيبة في بلادنا وبإرجاء المعمور هي على العموم مظهر من مظاهر الصراع الاجتماعي والسياسي الذي يرتكز الى درجة معينة لتطور العلاقة الجدلية بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج ، ومع ذلك فان من الخطأ الاعتقاد ان ثمة تطابقا تاما بين تحرك الشبيبة والصراع الاجتماعي او الطبقي في المجتمع . ان التوحيد الميكانيكي بين الصراع الاجتماعي وتحرك الشبيبة لا يعير اهتماما لوجود اوضاع ومطامح ومطالب نوعية للشبيبة كشبيبة ، فليس صحيحا ان ابناء الطبقة الاجتماعية لا يختلفون من الناحية السياسية عن آبائهم ، وان ليس ثمة بالتالي مسالة شبيبة خاصة . فاذا اكان الصراع الاجتماعي هو في آخر تحليل المحرك الاعمق للتاريخ الانساني ، فهذا لا ينفي ان ثمة ملامح خاصة لحركة الشبيبة ، وان بين الصراع الاجتماعي وصراع الاجيال علاقة جدلية يتمتع فيها تحرك الشبيبة بمقدار من الاستقلال النسبي ، وهذا ما جسدته الفروقات والاختلافات بين الشبيبة كشبيبة غير عضوية في تنظيمات وبين احزاب ومنظمات التنسيقيات التي التحقت بها من بعد ، اذ رغم المشاركة في المسيرات ، فقد ظلت الشعارات المرددة تختلف بين ما كانت تردده الشبيبة وبين شعارات التنسيقيات التي كانت تعكس بؤس الشعارات وبؤس الفلسفة ,فكانت النتيجة التراجع الكبير ليس فقط للشبيبة الفبرايرية بل النكوص والتكلس للتنسيقيات التي ظلت تلهت في واد والواقع في آخر . اذن ما هي الاسس الخاصة لتحرك الشبيبة في المغرب ؟
بالرجوع الى التجارب التي مرت بها الشبيبة المغربية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي حيث انها كانت مسيسة وعضو في تنظيمات راديكالية وجذرية وفي احزاب اثرت في الظرفية السياسية والحركة الحزبية واخص بالذكر هنا الاتحاد الاشتراكي قبل المؤتمر الوطني الاستثنائي وبعده . وبالرجوع الى الوضع الذي اضحت عليه الشبيبة المغربية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين ، حيث حصل تقوقع للشبيبة التي فقدت غطائها الايديولوجي . وبالرجوع الى الوضع الذي اضحت عليه الشبيبة بعد الحراك الشبيبي الذي اطلق عليه ب ( الربيع العربي ) وبعد المسيرات والمظاهرات المنددة بالعولمة وبعد مسيرات وول ستريت والمسيرات التي عمت المانيا ايطاليا اسبانيا البرتغال فرنسا ووضع اليونان ... نكاد نجزم على خلاصة تعكس الاسس العامة لتحرك الشبيبة ، كما تعكس الصفات التي تشترك فيها ، بحيث تكاد تكون المطالب واحدة رغم بعد المسافة الجغرافية التي تردد فيها نفس الشعارات
--- ان الشباب يؤلف في كل زمان ومكان مرحلة زمنية او حقبة من العمر . والشبيبة هي تلك الفئة من السكان التي يقع افرادها في نطاق تلك المرحلة . فهي ليست طبقة اجتماعية بل فئة سكانية ينحدر افرادها من منابع اجتماعية وطبقية مختلفة . غير ان الشبان لا ينتمون الى الطبقة التي ينحدرون منها بنفس انتماء آبائهم اليها . لا شك ان اغلبية الابناء تدور في فلك الطبقة التي ينتمي اليها آبائهم ، إلا ان ثمة درجة معينة من الانفكاك والحرية تتمتع بها الشبيبة ازاء طبقتها ، وهذا ما قد نسميه مجازا بالانتحار الطبقي . مثلا لقد تمرد المهندس انيس بلافريج على الطبقة الميركانتيلية التي ينتمي اليها عضويا ، واختار الانضمام الى مجموعة الى الامام الماركسية اللينينية . ان هذا التحول يبين ان الانفكاك النسبي عن الطبقة التي ينحدر منها الشاب ، يتجلى على الخصوص في مراحل التحولات الاجتماعية الكبرى ، حيث يتم بين جيل وجيل آخر تبدلات عنيفة وعميقة في ملامح الحياة الاجتماعية وقواعدها ، وتطرأ تغيرات كبيرة على مواقع السكان الاجتماعية وعلى البنية الاجتماعية والديمغرافية بصورة عامة . هكذا يمكننا ان نتأكد من وجود تبدل كبير في مواقع الفئات الاجتماعية مثل العمال او الفلاحين او المعلمين او الموظفين . ان هذا الانفكاك النسبي له اهمي خاصة وقصوى في ظهور حركة الشبيبة كقوة مستقلة عن الاحزاب والمنظمات الحزبية
---وثمة عوامل تولد مطامح مشتركة وتطلعات متشابهة لدى فئة الشبيبة . فالى جانب الاشتراك في العمر المتقارب ، نلاحظ لدا قطاعات واسعة من الشبيبة ولا سيما في قطاع الطلاب بالكليات والجامعات ، ما يسمى بالانعدام المؤقت للمصالح الاقتصادية الثابتة وعدم تحدد المصير الاجتماعي وضعف تأثير التقاليد وشدة تأثره بالأشكال الجديدة للتناقضات الاجتماعية ، كما نلاحظ لدى الشبيبة اسلوبا خاصا في التفكير والانفعال والتخيل . ان هذا الاسلوب يتجلى في نظرة الشبيبة الخاصة الى المستقبل وفي جرأتها الاخلاقية والفكرية وفي ميلها الى التجديد واستعدادها للبدل والعطاء وتحمل المخاطر والمشقات الكبيرة ، وعلى اساس هذه الخصائص المميزة للشبيبة تنشأ مطامحها المشتركة الى التثقيف الواسع والتطور المتكامل والإبداع والعمل المنتج والتمتع الخصب بالحياة وبأوقات الفراغ والتعبير الطبيعي عن ميولها وشخصيتها . ولا شك ان لحجم الشبيبة الديمغرافي السكاني اهمية كبيرة في تحديد دورها الاجتماعي في المجتمع .
لذا فان اي اهمال للمشتغلين بالشأن العام من دولة وأحزاب عقلانية سيفسح المجال لاعتناق الشبيبة الافكار المتطرفة من المؤثرات التقليدية الرجعية الظلامية والاستعمارية ( التغريب الاعمى باسم الحداثة المفترى عليها في خطابات اشباه العلمانيين ) ومن قبل التطرف الماركسي الذي لا يرى الكون إلا في سوداويته . ان هذا يعني ان تكون الدولة والأحزاب العقلانية على اتصال مباشر بمطامح ومطالب الشبيبة وإمكانياتها وان تدرك ادراكا تاما انها مسئولة مسؤولية تاريخية عن تعبئة الشبيبة بما يضمن التطور السلس في ظل الاستمرارية والموروث الايديولوجي الذي يميز الدولة في المغرب .












































































































اثار ما يطلق عليه بالربيع العربي الذي تحول الى زمهرير اسلاموي اعادة طرح السؤال حول عملية احياء روح الشبيبة العالمية التي احتكرت المشهد السياسي طيلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي ، و زاد من هذا السؤال خروج شباب غير متحزب في وول ستريت وبالمدن الامريكية وبالمدن والعواصم الاوربية مقتدين بالتجربة العربية التي الهمتهم مثلما كانت التجارب الاوربية تلهم الشبيبة العربية التي انساقت وراء الاطروحات الايديولوجية الوافدة من اوربة الغربية . وإذا كان المهتمون والمحللون السياسيون يدركون ان العصر الحالي الذي نعيشه هو بامتياز عصر التحولات الاجتماعية الكبيرة ، فان الاسباب التي ادت الى هذا التحول لم تكن هي نفسها التي قادت المظاهرات والتظاهرات الشبابية في القرن الماضي . لقد اتسمت شبيبة الامس باعتناقها الخطاب الثوري المستمد من النظريات والأفكار السياسية التي روج لها العديد من المفكرين الايديولوجيين الذي اغنوا الساحة السياسية ، فكان لوجود الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي والصين الشعبية والحرب في الهند الصينية والصراع العربي الاسرائيلي ، ابلغ الاثر في وسم تلك التجربة بطابع خاص يختلف عما يجري به العمل اليوم ، حيث بمجرد انحلال المعسكر الشرقي وسيادة الخطاب الوحيد الاوحد الذي تمركز حول القوة الامريكية والمنظومة الغربية في انتصارها في الحرب الايديولوجية ، حتى خفت صوت الشبيبة العالمية كقوة منددة بالظلم ورافضة لكل ما هو أركاييكي وتقليدي ، وهو ما كان يعطي الانطباع بان مجرد الحديث عن الشبيبة كان يفسر بصراع الاجيال بسبب الاختلاف بين الافكار الشائخة والأفكار الشابة ، التطور والتجديد ضد الجمود والتقوقع ، الانفتاح ضد الانغلاق ، الامل ضد الاحباط .
بالأمس كانت الشبيبة العالمية وفي غالبيتها تنتمي الى الاحزاب اليسارية من اشتراكية وشيوعية وماركسية وقومية ، فكانت تلك الشبيبة هي الاداة الفعالة الممثلة للطموحات وللانتفاضات . فمن منا ينسى تحرك الشباب الرافض للحرب الامريكية في الهند الصينية ، ومن منا ينسى او يتناسى الدور الرئيسي للشبيبة في الانتفاضة التي عرفتها جل الدول الاوربية في ماي 1968 ، كما من منا يتناسى دور الشبيبة الحزبية في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي رفضت الكولسة وأنصاف الحلول معلنة عن ميلاد منظمة 23 مارس ، ورفض شبيبة حزب التحرر والاشتراكية للتوجهات البرجوازية والإصلاحية للقيادة ، خاصة موقفها المساند لمشروع روجيرز في الشرق الاوسط ومعلنة التأسيس لمنظمة الى الامام ، كذلك من منا ينسى او يتناسى دور الشبيبة برئاسة الحسن الثاني رحمه الله في بناء طريق الوحدة بالريف ودورها في المساهمة في اعادة بناء اغادير بعد الزلزال التي ضربها في الستينات من القرن الماضي وفي التطوع في المسيرة الخضراء . وإذا كانت اهمية حركة الشبيبة العالمية تكمن في الاهداف السياسية والاجتماعية التي تكافح من اجلها وفي مدلولها التقدمي التغييري بما ينسجم مع روح العصر ، فان بعض ما يسمى اليوم بشبيبة الاحزاب الاسلاموية لا يصح ان نطلق عليها تسمية الشبيبة كما هو حاصل مع الشبيبة العالمية ، بل هي مجرد ميلشيات تتكون من فيالق وكتائب شبه عسكرية من حيث التنظيم والاستعراض والترويج لمشروع فاشي ظلامي ورجعي . ان الصفة المميزة لنشاط الشبيبة على المستوى العالمي هي على العموم صفة التقدمية والتطور والتجديد والمعاداة للامبريالية والبرامج القروسطوية . ومن خلال الرجوع الى تجربة الشبيبة المغربية سواء تلك التي ناضلت ضمن احزاب في الستينات وسبعينات القرن الماضي ، او تلك التي نظمت ضمن جمعيات محسوبة على احزاب اليسار ،فإننا نكاد نجزم انه لم يسبق لأحد اعضاء هذه الشبيبة ان اهدر دم احد او قتل اخر رغم ثقل الشعارات التي كانت ترددها الشبيبة في الجامعة ، لكن اذا رجعنا الى التاريخ الاسود لما يسمى ب ( الشبيبة الاسلامية ) فإننا سنجد انهم قتلوا منظر الطبقة العاملة المغربية عمر بنجلون ، كما قاموا بإعداد لوائح سوداء تضم اسماء اساتذة ونشيطين يساريين مرشحين للقتل . وهنا لا ننسى قيادة عبدالاله بنكران لمظاهرة بالدار البيضاء ضدا على الاحكام التي صدرت بالإعدام في حق قتلة بنجلون ، ولا ننسى كذلك الهجوم المسلح الذي قاده بنكران في سنة 1978 ضد لجنة التنسيق الوطنية التي كانت مخولة للتحضير للمؤتمر الوطني السادس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بعد الحصر الذي فرض في سنة 1973 . كذلك لا يجب ان ننسى الاغتيالات التي قام بها اعضاء من جماعة العدل والإحسان لطلبة وناشطين يساريين في العديد من المدن المغربية ، واليوم وفي هذا الصباح حملت الاخبار ان فيلق وكتيبة الطلبة التجديديين المنتمين الى حزب العدالة والتنمية قامت باستعمال العنف بمدينة سطات ضد طلبة من حزب التقدم والاشتراكية الذي يجلس معهم في الحكومة ، وهو نفس العنف استعملته كتائب وفيالق هذا التنظيم وكتائب وفيالق العدل والإحسان ضد خصومهم في الجامعة المغربية خاصة بفاس وجدة اغادير مراكش ...لخ . هناك ملاحظة اساسية نود اثارتها وهي انه اذا كانت الشبيبة العضو في احزاب اليسار تشكل الاكثرية في القرن الماضي ، فانه بالنسبة للعشرية الثانية من الالفية الثانية تقلص دور الشبيبة الحزبية بسبب تأثرها بالصراعات الفوقية بين الزعامات الحزبية ، وأصبح دور الشبيبة الحزبية محصورا في مجال جد ضيق لا يكاد يبرح ابناء وأبناء اسر قدماء الحزب الذين يحرصون على توريث المناصب لأبنائهم قصد الاستفادة من الريع الحكومي والبرلماني ، وهنا هل يمكن ان نقيس مثلا وضع شبيبة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي اصبحت شبيبة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خلال الستينات وطيلة السبعينات ، اي بعد المؤتمر الاستثنائي ، بوضع شبيبة الحزب اليوم . ثم هل يمكن ان نقيس وضع الشبيبة لما كان على رأسها الاستاذ محمد الساسي مع وضعها اليوم ، حيث يوجد على رأسها علي اليازغي ابن محمد اليازغي ؟ انه وضع لا يقبل البتة اية مقارنة مع وجود فارق كبير بين الامس وبين اليوم . لذا فان ما لا حظه كل متتبع ومحلل ، هو ان الشبيبة التي خرجت فيما سمي بالربيع العربي تتكون من شباب لا علاقة لهم بالأحزاب كيفما كانت توجهاتها الايديولوجية ، وحين خرجوا في مسيراتهم لم يكونوا يرددون شعارات حزبوية او حزبية ، بل رفعوا شعارات مرتبطة بمصالح الفئة البرجوازية الصغيرة وما فوق الصغيرة والمتوسطة وما فوق المتوسطة ، وهي فئات تتناقض اجتماعيا مع المخططات والمشاريع التي تعمل لبلوغها الاحزاب السياسية. وهنا لا بد ان نشير الى ان احزاب اليسار المحصورة تنظيميا والجماعات الاسلاموية المراهنة على مشاريع فاشية ستحرق الاخضر واليابس ، حين التحقوا مؤخرا بالشبيبة العربية ومنها الشبيبة المغربية التي خرجت تحت عنوان 20 فبراير ظلوا في واد والشباب في اخر ، بل لقد كان التحاق ما يسمى بالتنسيقيات بالحراك الشبابي من اكبر الاسباب التي افشلت حركة الشباب وجعلت مطالبها تتبخر بين سقف الملكية البرلمانية التي لا يحكم فيها الملك ولا يسود ، وبين مطالب الجمهورية التي رفعتها الاحزاب والتيارات الراديكالية والمتطرفة وجماعة العدل والإحسان ، وهو ما جعل المسيرات التي نظمت بمناسبة الذكرى الاولى للحركة تمر خافتة وجد ضعيفة . فهل بعد الحراك الاجتماعي الذي اسقط رؤساء ولم يسقط انظمة يمكن القول ان الشبيبة قد استعادت تاريخها الملتصق بالعصرنة والتطور ورفض المشاريع البالية والفاشية التي يروج لها التيار السلفي والاخواني اليوم بعناوين كثيرة ؟ وهل يمكن اعتبار الشبيبة قد انجزت ما هو مطلوب منها في ظل سرقة مبادرتها من طرف من كان ينتظر ويتربص الدوائر وسيطر على الوضع ؟ . انها اسئلة جوابها مكمون في حزب الحرية والعدالة وحزب النور في مصر وفي حركة النهضة في تونس وحركة الاخوان المسلمين في سورية والحركات الاخوانية والسلفية المسيطرة على المشهد السياسي في ليبيا وفي اليمن ...لخ . بمعنى رغم ان الشبيبة قد تمكنت من ابراز دورها التأثيري في المشهد السياسي إلا انها ظلت متخلفة من ان تأثر في وضع تحكمه قوانين مرعية تجسد الخصوصية التي حطمت جميع المشاريع التغريبية التي روج لها الشباب
واذا كان المحللون بمعظم اصنافهم يدركون ولو بدرجات متفاوتة حتمية وسنة التغيير بفضل صراع الاجيال ، إلا انهم يحرصون ألا يأتي نبأ المستقبل بما يتعارض مع الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف والتسرع والمشاريع الانتحارية ايا كان لونها وطعمها السياسي والإيديولوجي ، اي انهم ينظرون الى المستقبل الذي هو هنا ارادة الشبيبة بما يناسب التحولات التدريجية وليس التحولات الاستبدالية والتغريبية التي تحطم عليها المشروع الفبراري ( 20 فبراير ) مثلما تحطم عليها بالأمس المشروع الفوقي القومي و الماركسي والاسلاموي . والواقع اننا لا نستطيع ان نفهم ابعاد ما يجري في عصرنا الحالي على نحو صحيح اذا اغفلنا دور الشبيبة في صنع الحدث . ففي سنة 1968 هزت الشبيبة الطلابية والعمالية في فرنسا حكم الاحتكارات ، وقامت الشبيبة في المانيا الغربية بنشاطات موجهة ضد الاحتكارات وضد الامبريالية الامريكية وحرب الفيتنام ، وشنت شبيبة الولايات المتحدة الامريكية كفاحات سياسية تجلى تأثيرها في الضغط المتزايد على البيت الابيض لإنهاء حرب الفيتنام . كما ان الشبيبة العربية اليها ولوحدها يعود الفضل في اسقاط مبارك وبنعلي والقدافي وصالح وغدا بشار والبشير و ابومازن . واذا كانت بعض حركات ( الشبيبة ) الاسلاموية قد تسهم في غالب الحالات في دعم البرامج الرجعية والفاشية مما يتنافى بالمطلق مع دور الشبيبة المعادية للاحتكار وللامبريالية ويسمح بإطلاق وصف وتسمية الكتائب والفيالق على هذه المجموعات الشبه العسكرية من حيث التنظيم والاستعراض ، فقد كشف نشاط الشبيبة عن وجود اندماج نسبي بين مطالب الشبيبة الخاصة والمطالب السياسية الديمقراطية والعصرية التي ترفعا القوى التقدمية في العالم . ان نشاط الشبيبة المعاصرة يرتبط بمطالب فئات واسعة منها ، تجعلها ظروفها الاجتماعية العامة مهيأة لمجابهة المجتمع القديم ولرفض العلاقات الرأسمالية ، وما يوحد هذه الفئات اليوم في جميع انحاء العالم ( القوى المناهضة للعولمة )هو ارادة التجديد الاجتماعي التقدمي والتجديد الحضاري . كما لا يمكننا ان نفصل هذه الظاهرة اليوم عن روح العصر الثورية وعن تعاظم دور الطبقات الكادحة والجماهير الشعبية في صنع التطور التاريخي . ان إرادات مئات الالوف من الشبان تلتقي في اتجاه واحد يرمي الى رفض الرأسمالية وتجديد المجتمع ككل ، والمدلول التاريخي والتغييري لاحتشاد هذه الطاقات الفتية ، هو الامر الجديد الذي يجب ان يتنبأ له من يشتغلون في الشأن العام ، انها قنبلة موقوتة .
يلاحظ انه بعد الزمهرير العربي وبعد الخرجات الشبابية التي قوبلت بالقمع في وول ستريت وبألمانيا وفرنسا وايطاليا وما يحصل اليوم باليونان وسيحصل بالبرتغال وباسبانيا ...لخ اخذت الحركة اليسارية الثورية في العالم تبدي اليوم المزيد من الاهتمام بمسالة الشبيبة ، وذلك في سعيها الى تحديد إمكانتها الجديدة ، بغية الالتفاف عليها واستيعابها كخطوة لتدارك الجمود والعقم الذي اصاب اليسار الجدري واليسار الراديكالي والأحزاب القومية ، بسبب التكلس والتحنيط والتمسك بالقوالب الجامدة التي نخرت التنظيم من الداخل قبل ان تمتد اليه سلطة الزجر . والماركسيون اللينينيون والتروتسكيون والشيوعيون حين يعملون على هذه الحقيقة لتجاوز ما فات ، فان مرجعيتهم تستمد قوتها مما خططت له مراجيعهم الايديولوجيين امثال اجلز ولينين وستالين في موضوع الشبيبة . في هذا الصدد ودائما سنجد ان انجليز سبق ان قال بخصوص موضوع الشبيبة " نحن حزب المستقبل ، والمستقبل مآله للشبيبة ، ونحن حزب المجددين ، والمجددون هم على الدوام احب ما تقتفي مآله الشبيبة ، ونحن حزب الكفاح المليء بالتضحيات والموجه ضد عفونة القديم ، والشبيبة هي على الدوام اول من يتهيأ لهذا الكفاح المليء بالتضحيات " وقد علق لينين على ذلك بقوله " سنبقى دائما حزب الشباب في طبقتنا الطليعية " وكتب لينين في مناسبة اخرى " ثمة بين صفوفنا نوع من الخوف البرجوازي الصغير الروتيني من الشبيبة وعلينا ان نحاربه بكل ما نملك من قوة " ومن الواضح ان مثل هذا الموقف لا يتأثر بالخوف على المستقبل الثوري من تطرفية ورعونة الشبيبة المستلبة والمندفعة وغير المجربة والمؤطرة بما يضمن التوازن في القيم والمبادئ والأصول ، بل حسب هؤلاء المنظرين ان هذا التحليل والموقف ينصب على تحريك طاقتها الكامنة الزاخرة والديناميكية ، وهذا طبعا ما حاولت ادراكه الجماعات اليسارية المتطرفة والراديكالية حين ارتمت وبخلفيات مسبقة ضمن حركة 20 فبراير ، وهو ما عمق الفجوة بين هذه التنظيمات والتيارات وبين الفبراريين الذين لا ينتمون عضويا الى هذه الجماعات .
ومع ذلك يمكن القول ان مسالة الشبيبة كقوة غير مؤطرة ومنظمة ، هي معقدة مثل كل القضايا التي تطرح اليوم ، وهذا التعقد لا يرجع فقط الى معرفة مدى انطواء مطامح الشبيبة في كل حالة معينة على مضامين اجتماعية وسياسية قد تمس او لا تمس استقرار النظام الاجتماعي والسياسي ، بل يرجع ايضا الى ضرورة توفير الشروط المناسبة للقيام بتحليل موضوعي ملموس وشامل لحياة الشبيبة ونشاطها ، يستهدف في النهاية اكتشاف افضل السبل وأحسن الوسائل ، كي تصب حركة الشبيبة بمطالبها الحقيقية وتطلعاتها الكبيرة ، في الوسطية والاعتدال والبعد عن التسرع والتطرف المؤديين الى الهلاك والتخريب . واذا كانت مسالة الشبيبة كظاهرة سياسية واجتماعية قد عرفت انتكاسة واضمحلالا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين وتحول الصين الى نظام يمارس الرأسمالية في ابشع صورها وتراجع الدور الكوبي خاصة بعد شيخوخة فيديل كاسترو ، فان ظهور الجحافل المناهضة للعولمة في اوربة وبعدها ظهور الزمهرير العربي قد أعادا للشبيبة قوتها ورمزيتها الى درجة تدفع بنا الى القول ان الوقت الذي نعيشه اليوم هو عصر الشبيبة ، بدليل ان التحولات التي نعيشها لا تهدف فقط الى تجديد شباب العالم ، بل تهدف الى ظهور عالم الشبيبة كقوة اجتماعية مبدعة وخلاقة . واذا كان لا يمكن تصور مجتمع بدون شبيبة ، فان وجود الشبيبة وحده لا يكفي لظهور مسالة الشبيبة . فحينما كانت الرأسمالية في اوربة تنعم باستقرار وطيد ، وحين كان الركود الاجتماعي يخيم على وقاعنا الاقطاعي المتخلف ، لم يكن هناك مسالة حادة خاصة بالشبيبة . آنذاك لم يكن التحدث عن حركة الشبيبة او عن مطامح او مطالب خاصة بها ، ظاهرة اجتماعية تستأهل الانتباه . لقد كان المجتمع يعمل بقواه التقليدية السائدة على ضبط حركات الجيل الطالع وحبس افكاره ومطامحه في قوالب جاهزة . وحين كان ذلك المجتمع يكيف افكار الشبيبة وتطلعاتها وأشكال تلبية حاجياتها في اطار قواعد الحياة الراسخة القديمة ، كان يبدو ان عالم البالغين وحده هو الذي يصنع الحياة ، اما نشاط الشبيبة وعملها فليسا سوى تجسيد لإرادة البالغين . و هذا الوضع كان تجسيدا ومميزا للمجتمع العربي التقليدي المتخلف ، وقد كان لاستقرار البنية الطبقية لهذا المجتمع القديم طيلة قرون ، ورسوخ العلاقات الاجتماعية العتيقة ولسيطرة الركود الاجتماعي ، اهمية حاسمة في هيمنة عالم الراشدين على حياة المجتمع كله . وفي ظل تلك الظروف الاجتماعية كان هدف الشاب بل حلمه احيانا يجتاز تجربة الرجولة ، وان يعترف به مجتمع الراشدين ، لقاء تكيفه مع العلاقات والمؤسسات والقيم السائدة . ولم تكن هذه العلاقات التقليدية بين الشاب و الراشد في الواقع سوى مظهر من مظاهر الاضطهاد الاجتماعي لم يرافقه احتجاج ملحوظ إلا فيما نذر . ولا غرابة في ذلك ، فما دام المجتمع متماسكا في هيكله القديم لا يعاني من صراع داخلي حاد ، ومادامت القوى المنتجة لم تتطور فيه الى حد تفجير العلاقات الاجتماعية الطبقية السائدة ، فليس ثمة مجال لبروز طاقة الجيل الصاعد كقوة اجتماعية مستقلة الى حد ما . لقد كان دور الجيل الصاعد يقتصر في الغالب خلال فترات طويلة من التاريخ البشري على تنفيذ عملية الاندماج ببنية المجتمع القائم وعلى الجري وراء دورة الحياة القديمة ، وأخيرا على السجود امام قداسة ما صنعه وما تركه السلف . ان رسوخ سلطة الراشد التقليدية هو في الحقيقة رسوخ لنظام المجتمع القائم وقيمه . غير ان احتدام التناقضات في قلب العالم القديم وتصدعه بمؤسساته وتقاليده وقيمه وبروز دور فئات العمال والطبقات الكادحة الاخرى والشعوب المضطهدة في ساحة التطور التاريخي ،، كل ذلك قد انعكس في تبدل اهداف الشبيبة ومطامحها وفي ظهور اهداف ومطامح لدى الشبيبة لا تتفق مع ما يريده المجتمع القديم منها ، وأخيرا في ظهور مطالب خاصة بالشبيبة كشبيبة .
لقد كانت الشبيبة في الماضي وما تزال خزان طاقات ثرية مؤهلة للتجديد والابتكار . اما شبيبة اليوم فانه بالإضافة الى ذلك تملك عموما طاقات تجديدية ثورية كاملة ، وهي لا تنطوي على هذه الطاقات التغييرية لان تبدلا بسيكولوجيا قد طرا على نفسيتها ، بل لان العواصف الثورية والتجديدية التي هبت على العالم ( مناهضة العولمة والربيع العربي التي تحول الى زمهرير شتوي ) مع تعاظم كفاح الفئات الاجتماعية الكادحة والمستلبة والمهضومة الحقوق ، لم تدع الشبيبة تنعم بذاك الاندماج السلبي البائس بحياة الماضي ، ولم تدعها تستسلم لمصيرها الخامل القديم الذي تؤطره افكار الماضوية والتكلس التي تمثلها شرائح الاخوان والسلفيين من نصيين وجهاديين وحزب التحرير الاسلاموي المبشر بنظام الخلافة ( مؤخرا عرفت تونس اجتماع نساء حزب التحريرالاسلاموي غير المعترف به ، من جميع الدول خاصة الاوربية فطالبوا بتعيين خليفة على المسلمين قد تكون تونس عاصمة هذه الخلافة ، وقد منع الرجال والصحفيين من حضور هذا الاجتماع واللقاء الشاد عن المعقول ) بل هزت قواها الغافية وفتحت اعينها على آفاق جديدة وأماطت اللثام عن اهميتها كقوة اجتماعية فاعلة ومؤثرة تتطلع بطبيعتها الى المستقبل والتجديد . ان هذه العواصف قد حملت الى الشبيبة روحا جديدة شابة ، فوجدت قطاعات هامة من الشبيبة نفسها امام مهمة تاريخية ، تعكس آفاق التغيير الاجتماعي من جهة وتتفق من جهة ثانية مع مطامحها النوعية الى التجديد ،ألا وهي التطويح بالمجتمع القديم القائم على الاستثمار والقهر والجمود . واذا كانت الشبيبة ترغب بمعظمها في التغيير وهو حق مشروع ما دام ينهج الوسطية والاعتدال ويتجنب التطرف والابتذال ، فذلك لأنها ،اي الشبيبة تعاني اكثر من غيرها من مأساة الحاضر ومن اخر ما انتهت اليه تطورات المجتمع وتناقضاته .
ان المهمات الاساسية المطروحة امام الوطن العربي الآن تتلخص بتجاوز التخلف عن طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المخططة والمرتبطة بالتحويل المتكافئ للعلاقات الاجتماعية ، وبتجاوز وتخطي التجزئة والتفرقة عن طريق تهيئة الاسس لبناء الدولة العربية الموحدة القادرة على تصفية كل مصالح الامبريالية والصهيونية ، تصفية نهائية في الوطن العربي . ان انفصال جنوب السودان وانفصال اقليم دارفور وانقسام ليبيا باسم الفدرالية وتقسيم سورية ولبنان باسم الاعراق والاثنية والتهديد المحيط بقضية الصحراء المغربية واللعب على التناقض المذهبي بين المسلمين والأقباط وبين السنة والشيعة ، يبقى ورما خبيثا ، ان استفحل سيعجل بنهاية التاريخ العربي والدولة القومية او القطرية القوية ، وليس العدوان الذي يتعرض له الان الوطن العربي ، ضرب لبنان في 2006 وضرب غزة في 2008 ومواصلة ضربها الان مع ما يحاك للقدس من مخططات تدميرية امام صمت وعجز عربي ، سوى حلقة من حلقات الصراع الدائر بالمنطقة في تاريخ نضال الامة العربية من اجل تحقيق مهماتها الاساسية . ومن الواضح ان مجتمعا متخلفا لا تزال تسيطر فيه التقاليد البطريركية ، ويرصف في مستوى راكد للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي ولإشكال الوعي والتفكير والحياة ، لا يمكنه ان يتقدم على طريق الحركة التغييرية والمتجددة . انه يحتاج من اجل ذلك وقبل كل شيء الى وعي ابعاد تخلفه ، هذا الوعي الذي ينبثق من تناقضات الحياة الاجتماعية ذاتها والذي يستطيع إذ اتخذ اشكالا سياسية وتنظيمية ان يحرك الجماهير للعمل على تبديل شروط حياتها وبناء مستقبلها وكيانها والحفاظ على دولتها القوية الضاربة في العراقة اكثر من 1400 سنة . ان وعي وإدراك ابعاد التخلف وجذوره التاريخية يقود بالضرورة الى ادراك اهمية اعداد الطاقات المادية والبشرية اعدادا مخططا يمكنها فعلا من حل المهمات التي يطرحها التقدم الاقتصادي والاجتماعي . وهذا الوعي هو بجانب من جوانبه وعي بدور الشبيبة في انجاز هذه المهمة التاريخية ، وهو بنفس الوقت وعي تربوي يتعلق بتنشئة الجيل الصاعد ، تنشئة تتفق مع حل هذه المهمة في ظل الاستمرارية والحفاظ على المقومات الاساسية للدولة ، بدل الزج بها في متاهات انتحارية ستكون نتائجها نارا ستأتي على الاخضر واليابس . وإذا كانت الشبيبة غير المؤطرة بفعل نزوات الشباب الاندفاعية ترفع شعار الانقلاب على النظام ( ملكية لا يسود فيها الملك ولا يحكم ) لصالح نظام اخر ضمن استمرارية الدولة ( وصف احد الامراء شباب 20 فبراير بالأنبياء الشعبيين) فان دعوات الجمهورية ، اسلاموية او ماركسية بمختلف تلاوينها المذهبية ، تبقى دعوات لا علاقة للشباب بها فهي من صنع التنظيمات التي ركبت على الحركة فحاولت الالتفاف عليها باستقطاب عناصرها لخدمة اجندة لا علاقة لها بمطالب الشباب الذي يطالب بتغيير نظام بنظام لكن داخل الاستمرارية الدولتية ، وهو ما يعني وجود خلافات شاسعة بين الطرفين فكانت من الاسباب الرئيسية في تقوقع حركة الشباب التي يجب ان تراجع الحسابات بما يمنطق الاختيارات والتوجهات ، وبما يحافظ على اللحمة والوحدة لخدمة ادولة الواحدية القوية وليس الدولة المريضة الضعيفة.
لقد ادى خروج الشبيبة في مسيرات وتنظيمها لتظاهرات ومظاهرات بمناسبة بزوغ ( الربيع العربي ) الى وجود وجهتي نظر ووجود تقييمين للحراك الشبابي احدهما يمثله المحافظون الاسلاميون والأخر يمثله المتطرفون الماركسيون . ففي جانب فريق المحافظين نجد ان ما يشبه القول بان تحرك الشبيبة ما هو إلا تعبير عن احتدام الصراع بين الاجيال وعن وجود تناقض شديد بين الشبيبة من جهة والمجتمع برمته من جهة اخرى . فالاتجاه الرجعي الظلامي الذي مثلته العدل والإحسان والحركات السلفية والى حد ما حزب العدالة والتنمية يدافع عن استقرار مؤسسات المجتمع وليس الدولة واستقرار قيمه ، ويرفض اي تغيير اذا كان على حساب الماضوية التي يمثلها رجال الدين . وبين ممثلي هذا الاتجاه المحافظ القروسطوي يوجد من يقول ان تحرك الشبيبة قد احدث ازمة تعكس حدة التعارض بين رغبات الشبيبة اللامحدودة وبين امكانياتها المحدودة ، وان الشاب إذ يؤزّم التعارض بين الاجيال يخرج على شرعية الحياة السوية ويتبنى موقفا هداما معاديا للحضارة والقيم والمجتمع ، لأنه يذهب الى حد رفض كل الارث الايديولوجي والكفر بالقيم الحضارية والتنكر للمؤسسات والتقاليد ، هنا يمكن ان نفهم لماذا انعزلت جماعة العدل والإحسان في خرجاتها عن حركة 20 فبراير ، ونفهم كذلك انقلاب الجماعة على حزب النهج الديمقراطي ورفضها كل تعامل مع اليسار الجدري الذي ينشط داخل الحراك الاجتماعي ، كما يمكن ان نفهم تبرأ العدالة والتنمية من 20 فبراير واختلاف الشعارات التي يرفعها السلفيون عن شعارات التنسيقيات المرتبطة بالحركة
الى جانب هذا التقييم العدمي للحراك الشبيبي ، نجد اتجاها يساريا اكثر راديكالية وتطرفا ينطلق من القول بالصراع بين الاجيال وبان الواقع الاعمق اليوم هو الصراع بين الشبيبة من جهة والمجتمع من جهة اخرى ، لكن وبعكس الاسلامويين فهو لا يتردد من ابداء اعجابه بتفجر طاقات الشبيبة وتحركها العفوي والأصيل ، وهذا الاتجاه لا يقف من تحرك الشبيبة موقفا ايجابيا فحسب بل يرى في الشبيبة القوة الثورية الوحيدة القادرة على دك قلاع الدولة والنظام وإزالة مؤسسات المجتمع القديم وقيمه ، اي ضرب الموروث الايديولوجي للدولة ومن ثم تغييرها الى نظام الجمهورية . ان ممثلي هذا التيار ( النهج الديمقراطي ، رابطة العمل الشيوعي ، النهج الديمقراطي القاعدي...لخ )يرفضون الفكرة القائلة ان ثورية طبقة او فئة اجتماعية ترجع الى موقعها في عملية الانتاج ، ويدللون على ذلك بقدرة النظم الرأسمالية على تذويب فئة العمال ضمن النسق الاستهلاكي ومن ثم تخلفية الفئة العاملة عن مهامها ، وربما انها اضحت اكثر تخلفا واقل ثورية من الشبيبة التي ترمز الى التحدي والمجابهة . ان الشبيبة في نظر هؤلاء اليوم اضحت وحدها المؤهلة لتكون الطليعة القادرة على مجابهة مختلف التحديات التي تعيق التطور . ان هذا الفهم لجدلية الحراك يدفع الى القول بان اعباء قيادة الثورة اليوم تقع على عاتق الشبيبة ، وهو ما يختزل الصراع ليس في ما يردده في خطاباتهم بالصراع الطبقي ، بل ان الصراع يصبح مختزلا بصراع الاجيال الدائر على نطاق المجتمع او في الصراع بين المجتمع والشبيبة . وهو ما يجعل مقياس العمل الثوري في نظرهم وفي الغالب مبنيا على العفوية الحرة والاندفاع الطبيعي والتلقائي ، وهو ما يتناقض بالأساس مع جميع الاطروحات التي يروجون لها . ولا شك انه يتعذر على من يقيم التناقض بين المجتمع برمته والشبيبة ان ينظر الى تحرك الشبيبة كجزء من كفاح الحركة ( التقدمية ) و ( الثورية ).
نستطيع القول ان ظاهرة تحرك الشبيبة في بلادنا وبإرجاء المعمور هي على العموم مظهر من مظاهر الصراع الاجتماعي والسياسي الذي يرتكز الى درجة معينة لتطور العلاقة الجدلية بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج ، ومع ذلك فان من الخطأ الاعتقاد ان ثمة تطابقا تاما بين تحرك الشبيبة والصراع الاجتماعي او الطبقي في المجتمع . ان التوحيد الميكانيكي بين الصراع الاجتماعي وتحرك الشبيبة لا يعير اهتماما لوجود اوضاع ومطامح ومطالب نوعية للشبيبة كشبيبة ، فليس صحيحا ان ابناء الطبقة الاجتماعية لا يختلفون من الناحية السياسية عن آبائهم ، وان ليس ثمة بالتالي مسالة شبيبة خاصة . فاذا اكان الصراع الاجتماعي هو في آخر تحليل المحرك الاعمق للتاريخ الانساني ، فهذا لا ينفي ان ثمة ملامح خاصة لحركة الشبيبة ، وان بين الصراع الاجتماعي وصراع الاجيال علاقة جدلية يتمتع فيها تحرك الشبيبة بمقدار من الاستقلال النسبي ، وهذا ما جسدته الفروقات والاختلافات بين الشبيبة كشبيبة غير عضوية في تنظيمات وبين احزاب ومنظمات التنسيقيات التي التحقت بها من بعد ، اذ رغم المشاركة في المسيرات ، فقد ظلت الشعارات المرددة تختلف بين ما كانت تردده الشبيبة وبين شعارات التنسيقيات التي كانت تعكس بؤس الشعارات وبؤس الفلسفة ,فكانت النتيجة التراجع الكبير ليس فقط للشبيبة الفبرايرية بل النكوص والتكلس للتنسيقيات التي ظلت تلهت في واد والواقع في آخر . اذن ما هي الاسس الخاصة لتحرك الشبيبة في المغرب ؟
بالرجوع الى التجارب التي مرت بها الشبيبة المغربية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي حيث انها كانت مسيسة وعضو في تنظيمات راديكالية وجذرية وفي احزاب اثرت في الظرفية السياسية والحركة الحزبية واخص بالذكر هنا الاتحاد الاشتراكي قبل المؤتمر الوطني الاستثنائي وبعده . وبالرجوع الى الوضع الذي اضحت عليه الشبيبة المغربية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين ، حيث حصل تقوقع للشبيبة التي فقدت غطائها الايديولوجي . وبالرجوع الى الوضع الذي اضحت عليه الشبيبة بعد الحراك الشبيبي الذي اطلق عليه ب ( الربيع العربي ) وبعد المسيرات والمظاهرات المنددة بالعولمة وبعد مسيرات وول ستريت والمسيرات التي عمت المانيا ايطاليا اسبانيا البرتغال فرنسا ووضع اليونان ... نكاد نجزم على خلاصة تعكس الاسس العامة لتحرك الشبيبة ، كما تعكس الصفات التي تشترك فيها ، بحيث تكاد تكون المطالب واحدة رغم بعد المسافة الجغرافية التي تردد فيها نفس الشعارات
--- ان الشباب يؤلف في كل زمان ومكان مرحلة زمنية او حقبة من العمر . والشبيبة هي تلك الفئة من السكان التي يقع افرادها في نطاق تلك المرحلة . فهي ليست طبقة اجتماعية بل فئة سكانية ينحدر افرادها من منابع اجتماعية وطبقية مختلفة . غير ان الشبان لا ينتمون الى الطبقة التي ينحدرون منها بنفس انتماء آبائهم اليها . لا شك ان اغلبية الابناء تدور في فلك الطبقة التي ينتمي اليها آبائهم ، إلا ان ثمة درجة معينة من الانفكاك والحرية تتمتع بها الشبيبة ازاء طبقتها ، وهذا ما قد نسميه مجازا بالانتحار الطبقي . مثلا لقد تمرد المهندس انيس بلافريج على الطبقة الميركانتيلية التي ينتمي اليها عضويا ، واختار الانضمام الى مجموعة الى الامام الماركسية اللينينية . ان هذا التحول يبين ان الانفكاك النسبي عن الطبقة التي ينحدر منها الشاب ، يتجلى على الخصوص في مراحل التحولات الاجتماعية الكبرى ، حيث يتم بين جيل وجيل آخر تبدلات عنيفة وعميقة في ملامح الحياة الاجتماعية وقواعدها ، وتطرأ تغيرات كبيرة على مواقع السكان الاجتماعية وعلى البنية الاجتماعية والديمغرافية بصورة عامة . هكذا يمكننا ان نتأكد من وجود تبدل كبير في مواقع الفئات الاجتماعية مثل العمال او الفلاحين او المعلمين او الموظفين . ان هذا الانفكاك النسبي له اهمي خاصة وقصوى في ظهور حركة الشبيبة كقوة مستقلة عن الاحزاب والمنظمات الحزبية
---وثمة عوامل تولد مطامح مشتركة وتطلعات متشابهة لدى فئة الشبيبة . فالى جانب الاشتراك في العمر المتقارب ، نلاحظ لدا قطاعات واسعة من الشبيبة ولا سيما في قطاع الطلاب بالكليات والجامعات ، ما يسمى بالانعدام المؤقت للمصالح الاقتصادية الثابتة وعدم تحدد المصير الاجتماعي وضعف تأثير التقاليد وشدة تأثره بالأشكال الجديدة للتناقضات الاجتماعية ، كما نلاحظ لدى الشبيبة اسلوبا خاصا في التفكير والانفعال والتخيل . ان هذا الاسلوب يتجلى في نظرة الشبيبة الخاصة الى المستقبل وفي جرأتها الاخلاقية والفكرية وفي ميلها الى التجديد واستعدادها للبدل والعطاء وتحمل المخاطر والمشقات الكبيرة ، وعلى اساس هذه الخصائص المميزة للشبيبة تنشأ مطامحها المشتركة الى التثقيف الواسع والتطور المتكامل والإبداع والعمل المنتج والتمتع الخصب بالحياة وبأوقات الفراغ والتعبير الطبيعي عن ميولها وشخصيتها . ولا شك ان لحجم الشبيبة الديمغرافي السكاني اهمية كبيرة في تحديد دورها الاجتماعي في المجتمع .
لذا فان اي اهمال للمشتغلين بالشأن العام من دولة وأحزاب عقلانية سيفسح المجال لاعتناق الشبيبة الافكار المتطرفة من المؤثرات التقليدية الرجعية الظلامية والاستعمارية ( التغريب الاعمى باسم الحداثة المفترى عليها في خطابات اشباه العلمانيين ) ومن قبل التطرف الماركسي الذي لا يرى الكون إلا في سوداويته . ان هذا يعني ان تكون الدولة والأحزاب العقلانية على اتصال مباشر بمطامح ومطالب الشبيبة وإمكانياتها وان تدرك ادراكا تاما انها مسئولة مسؤولية تاريخية عن تعبئة الشبيبة بما يضمن التطور السلس في ظل الاستمرارية والموروث الايديولوجي الذي يميز الدولة في المغرب .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,105,587,568
- ملف المراة : آفاق المراة والحركة النسوية بعد الثورات العربية
- حقوق الانسان المفترى عليها في الخطاات الحكومية وغير الحكومية
- اغلاق خمارة ( اسكار) بالدارالبيضاء
- الرجعيون والتقدميون في الاسلام
- القرامطة وافلاطون
- بلشفيك الاسلام . هل هم قادمون ؟
- الديمقراطية بين دعاة الجمهورية ودعاة الخلافة
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 8 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 7 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 6 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 5 )
- منتصف الطريق فالإجهاض
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 4 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 3 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 2 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 1 )
- مقاطعة الانتخابات في المغرب ( الخطر قد يقترب )
- ردا على مزاعم بعض المشارقة بخصوص الاستفتاء بالصحراء
- ملف حول قيام الدولة الفلسطينية والقضية الكردية وحقوق الأقليا ...
- استثناء الاستثناء المغربي


المزيد.....




- باكستان ترحب بمحادثات أمريكا وطالبان في الإمارات: نأمل في ال ...
- مقتل 62 مسلحا من حركة الشباب بغارات أمريكية في الصومال
- اليمن: وقف إطلاق النار في الحديدة يدخل حيز التنفيذ الثلاثاء ...
- الامة القومـي يعلن وصول الإمام الصـادق المهدي للبـلاد في الخ ...
- العراق.. اعتصام شمالي بغداد بسبب سوء الخدمات
- تركيا أصدرت 28 ألف تصريح عمل للسوريين في عامين
- وزير إسرائيلي: أستراليا ارتكبت خطأ عليها إصلاحه
- #ملحوظات_لغزيوي: البريني يفتح الكهف!!
- انفجار يتسبب بهدم مبنى في اليابان والشرطة ترجح أن يكون جراء ...
- تفجير قنبلة في أكبر محطة تلفزيونية يونانية


المزيد.....

- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الشبيبة