أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - من الأزمة السورية إلى المسألة السورية















المزيد.....

من الأزمة السورية إلى المسألة السورية


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 3657 - 2012 / 3 / 4 - 18:04
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


دخلت سورية في أزمة وطنية حادة بفعل التعامل العدواني للنظام مع الثورة السورية. وعلى أعتاب عام من الثورة يوحي المتاح من المؤشرات أننا نتحول من الأزمة السورية إلى المسألة السورية، أعني تحول البلد إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية مزمنة ومعقدة، تكاد تضيع فيها القضية الأساسية، صراع السوريين من أجل الحرية.
نتكلم على مسألة سورية حين تتراكب التدخلات الخارجية، الإقليمية والدولية، مع "التخرجات الداخلية"، أي التكوينات الأهلية كأوساط استقبال لتلك التدخلات، ومع العنف المنفلت في الداخل بتغذيه خارجية مستمرة. ويتشكل من التقاء الثلاثة معقد داخلي خارجي يدوم لوقت طويل على نحو نعرف سوابقه في لبنان والعراق.
المسألة السورية باختصار هي النتاج المحتمل لتفاعل التدويل مع الصراعات الأهلية العنيفة. وفي أفقها دوما احتمالات تمزق الكيان الوطني أو تقسيمه.
وفي تكوينه ذاته يعرض النظام السياسي السوري استعدادا قويا لتحويل البلد إلى مسألة إقلمية ودولية مزمنة. فلطالما شكل المثال الأصفى للدولة الخارجية التي تغلق الملعب الداخلي، وتنكر الجدارة السياسية على محكوميها، بينما تتفرغ للعب مع لاعبين إقليميين ودوليين، مستمدة منهم شرعية خارجية تعوض عن شرعية داخلية ناقصة. رفاه السوريين وترقي مقدراتهم المادية والسياسية والفكرية ليس مما يدخل في حسبان الدولة الخارجية، على نحو ما أسسها حافظ الأسد في سبعينات القرن العشرين. في هذا سورية ليست مثل إيران التي لديها طبقة سياسية وطنية، ولا هي حتى مثل حزب الله الذي يولي رفاه الشيعة اللبنانيين مكانة مهمة في حساباته السياسية.
ومن جهة أخرى، شغل النظام على الدوام موقع المهيمن على تفاعلات السوريين، وعمل على تغذية تمايزاتهم الدينية والمذهبية، بما يضعف الثقة بينهم، ويجعل منه حلا لتنازع بينهم يبدو وشيكا على الدوام ومنبثقا من كونهم من هم، وليس من أي ترتيبات سياسية ومؤسسية وإيديولوجية تشرف على استمرارها نخبة الحكم. ولقد تكرست الطائفية كغريزة أساسية للنظام منذ أن صار الحكم وراثيا في الأسرة الأسدية. هذه طرف اجتماعي خاص، وفكرة الدولة العامة غريبة عليها كل الغرابة.
وفي المقام الثالث كان العنف المنفلت أداة سياسية عادية للنظام على الدوام، وبنى من أجله أهرامات أمنية كانت طوال عقود منبعا للإرهاب والخوف في المجتمع السوري. كما جرى تفخيخ المجتمع ومؤسسات الدولة بالخلايا الأمنية والمخبرين بحيث لا تستطيع أن تخرج عليه دون أن تتفجر وتؤذي نفسها. ونتكلم على عنف منفلت لأنه لم ينضبط يوما بضوابط قانونية أو بمبادئ وطنية أو بأصول أخلاقية، فوق كونه مفرطا كميا وفائضا بالمقارنة مع الهدف المتصور من ممارسته. هذا ليس عنف دولة، وليست دولة من تمارسه. ولقد بلغ هذا العنف الإرهابي في بعض الأوقات، عقد الثمانينات بخاصة، مستويات مهولة، انحفرت في بنية النظام كاستعداد مستمر لتكرار الشيء نفسه في أي وقت.
اجتماع هذه العناصر الثلاثة: الدولة الخارجية أو التكوين المدول للنظام، والتمزيق الطائفي (وغير الطائفي) للمجتمع المحكوم، والعنف المخزون الجاهز دوما للتسييل، يسوغ القول إن سورية كانت تعيش حربا أهلية باردة طول عقود الحكم الأسدي، وأن المسألة السورية احتمال كامن في بنية النظام، يتحول إلى واقع محقق حين يواجهه تحد من طرف محكوميه. بالمقابل، لم يكن الانفتاح الديمقراطي من احتمالات هذه البنية في أي يوم.
وبينما اتجهت جهود السوريين طوال شهور من الثورة إلى تغيير النظام، أي التحول نحو الدولة الداخلية، وتشكل "الشعب" السوري الواحد، والتحول من نظام العنف والاحتلال الخارجي إلى نظام السياسة والدولة الوطنية، فقد قاوم النظام بأدواته المجربة: التدويل والاستناد إلى حلفاء دوليين، روسيا وإيران وحزب الله بخاصة، والتوتير الطائفي واستنفار الحساسيات الطائفية، وطبعا العنف المنفلت والمهول الذي يعرفه العالم.
اليوم، تجد هذه الاستعدادات المتأصلة في بنية النظام السوري بيئة إقليمية ودولية متجاوبة أكثر.
تحولت الأزمة السورية إلى قضية دولية منذ وقت مبكر بحكم موقع البلد وروابطه وتحالفات نظامه، لكن أيضا بفعل البربرية الاستثنائية التي واجه بها النظام الاحتلالي ثورة المحكومين. وتقاطعت حول البلد استقطابات وتجاذبات دولية متعددة المحاور، تتقابل فيها روسيا والصين مع القوى الغربية، والغرب ودول الخليج العربية مع إيران. وما كان يجري تقديره دوما من أن إسرائيل أقرب إلى الموقف الروسي الصيني منها إلى الموقف الغربي، تؤكده اليوم معلومات عن مطالبة وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك الإدارة الأميركية بالتخفيف من لهجتها وضغوطها على النظام السوري. وعلى كل حال توحي تموجات الموقف الأميركي وتردداته، وكذلك المواقف الغربية عموما، بأن هناك قوة خفية تؤثر عليها. هل يمكن أن تكون غير القوة الإسرائيلية؟
ومن جهة أخرى يتراكب الاستقطاب الإقليمي الخليجي الإيراني مع استقطاب سني شيعي يزداد حضورا وتطييفا لحقل الصراع في سورية وحولها, وفي الإقليم ككل. من المحتمل جدا أن هذا محدد قوي لموقف حزب الله غير المحتشم أبدا في دعمه للنظام. ولعله عنصر في ما يبدو من انصراف حماس عن دعم النظام. تندرج المنظمتان في تركيبات إقليمية لا يحددها العامل الطائفي وحده، لكنه مهم الحالين.
ويلوح العنف أو التهديد بممارسته في أفق المسألة السورية بصورة متزايدة. ليس بالضرورة في شكل تدخل عسكري دولي من صنف ما سبق أن رأينا بخصوص يوغسلافيا 1998، والعراق 2003 وليبيا 2011، بل في شكل دعم متنوع الأشكال للنظام أو للمقاومة المسلحة النامية في البلد. تدعم روسيا النظام بالسلاح، ومثلها تفعل إيران التي تدعمه أيضا تكنولوجيا وبالخبراء. بالمقابل ظهرت في الآونة الأخيرة، وبعد فشل مؤتمر تونس في الجمعة الأخيرة من شباط الماضي، أصوات عربية، سعودية وقطرية بخاصة، تدعو إلى تسليح المعارضة السورية. ويبدو هذا الاقتراح الآن منعطفا غير مدروس، يحمل في طياته أخطارا سياسية جمة، ويشكل قفزة نحو تمام تحول سورية إلى ساحة، وإلى خوض حروب الوكالة على أرضها. وسيوفر ذلك ذريعة إضافية لقوى بالكاد تنتظر ذريعة من أجل تصعيد دعمها النظام السوري بالعتاد والمال، وربما تضيف إليهم الرجال، الأمر الذي يحتمل أن تكون محصلته تمادي الأزمة السورية بدل تسهيل أمر حسمها، والإجهاز على ما لم يجهز عليه النظام الأسدي من الوعود الإيجابية للثورة.
فإذا كانت المسألة السورية مكتوبة في بنية النظام السوري، وهي كذلك، فإن سقوط النظام هو المقدمة الأولى للقطع مع هذا الاحتمال المخيف. وخير سقوط النظام أسرعه، اليوم أفضل من الغد.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,355,912
- سورية، إلى أين؟ أسئلة نارين دانغيان
- عناصر أولية من أجل استراتيجية عامة للثورة السورية
- الحزب الذي لم يعد قائدا للدولة والمجتمع...
- -اختراع التقاليد- لإريك هوبسباوم
- ملامح من الوضع الراهن للأزمة السورية
- الحكم بالاحتلال!
- في الطائفية والنظام الطائفي في سورية
- -قتل ذاك الماضي-، حازم صاغية يروي سيرة -البعث السوري-
- المثقف المبادر... في تذكر عمر أميرالاي
- في الشبّيحة والتشْبيح ودولتهما
- حول العسكرة والعنف والثورة...
- ديناميتان للثورة السورية: المستقبل في الحاضر
- المثقفون والثورة في سورية
- -حكي قرايا-: تدخل عسكري دولي!
- مكونات الثورة السورية وسياستها
- عام ثوري وأزمنة صعبة قادمة
- الفاشية السورية وحربها ضد العامة!
- محاولة لشرح القضية السورية للمنصفين
- حوار في شان الطغيان والأخلاق
- عن حال مؤسسات الحكم البعثي بين عهدين أسديين


المزيد.....




- لبنان: احتجاجات تطالب بـ-إسقاط النظام-.. وجنبلاط: اقترحت على ...
- ما هي أهم النقاط في الاتفاق الأمريكي التركي لوقف إطلاق النار ...
- واشنطن وأنقرة.. إنهاء عملية -نبع السلام-
- خالد بن سلمان يبحث مواجهة إيران مع نائب وزير الخارجية الأمري ...
- جنبلاط: قلت للحريري إننا بمأزق كبير وأفضل أن نذهب ونستقيل مع ...
- الجزائر: البرلماني "النافذ" بهاء الدين طليبة في قب ...
- الجزائر: البرلماني "النافذ" بهاء الدين طليبة في قب ...
- جني البلح في غزة.. موسم الأفراح والأرباح
- صحيفة: السعودية تؤجل -الحدث الأضخم في التاريخ-
- أنباء عن تعيين أحمد الكزبري رئيسا مشاركا عن دمشق في اللجنة ا ...


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - من الأزمة السورية إلى المسألة السورية