أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد سليمان - طـــلال معـــلا في غوتنغن / ملـــــــــــف: ترجمة حسية لعالم منشطر مكانه الطبيعي مخيلة الفنان .... قراءة عن معرضه و مشاركات نقدية لــ عمر شبانة ومحمد الجزائري و سعدي عباس بابلي






















المزيد.....

طـــلال معـــلا في غوتنغن / ملـــــــــــف: ترجمة حسية لعالم منشطر مكانه الطبيعي مخيلة الفنان .... قراءة عن معرضه و مشاركات نقدية لــ عمر شبانة ومحمد الجزائري و سعدي عباس بابلي



أحمد سليمان
الحوار المتمدن-العدد: 1077 - 2005 / 1 / 13 - 10:48
المحور: الادب والفن
    


يعرض الفنان التشكيلي العربي طلال معلا أعماله في مدينة غوتنغن الألمانية ( وسط البلاد ) بدءا من مساء يوم الجمعة الساعة السادسة والنصف الواقع في 21 /1 على أن يستمر لغاية 20/2 وهو يوم مغادرة طلال معلا إلى الشارقة حيث مكان إقامته وكانت أكاديمية غوتنغن للفنون هيأت في واحدة من صالاتها لوحات الفنان المدعو الذي سيصل قبل أيام من الإفتتاح وقد تسنى لنا مشاهدة
اللوحات وكانت هذه القراءة

عنوان المعرض ( صمــــت )

سيلاحظ المتأمل لأعمال الفنان طلال معلا في معرضه هذا وجوها ذات أشكال وأساليب وألوان متخاصمة ومتآلفة ، حادة وبريئة ، قاسية ومرحة ـ إنها سيرة الفنان ربما ـ أي سيرة آلامه ـ كماإنهاتبدوبأحايين كثيرة سيرة متأمل طارئ مثلي أو مثلكم .
كأن الفنان أراد أن يحدثنا عن إرث مديد فيما هو يتوغل بمزاج متجانس ، بمعنى ما إنه يفكك عناصر جمالية مهمة ليعاود تكوينها ، أمر كهذ يحدث حين يعيش الفنان قلق وجودي ومعرفي فلسفي بإمتياز


هوكذلك الفنان طلال معلال السوري المغترب المقيم في الإمارات ، الشاعر والناقد الذي أصدر عدد من الكتب ذات الشأن الإنتقادي في التشكيل والشعر ، والقول إن معرضا حمل إسما مثل ( صمــــت ) كان بمنتهى البلاغة ، حيث يحيل العنوان إلى طقس آخر على خلاف أعمال الفنان طلال معلا الموزع بين أكثر من إهتمام كان آخرها برنامج (عيون عربية) أعده وقدمه في تلفزيون الشارقة

نقرأعناوين كتبه المطبوعة وهي:الفن العربي والبحث عن الهوية ـ الفن العربي بين التغيير والابهام ـ الشارقة ـ شكل الذاكرة ـ جسد (مقاربة الوهم والخيال والحلم بآليات التعبير الجسدي ـ دراسة جمالية) ـ أحوال الصورة (نصوص تشكيلية) موت الماء ـ شعر ـ عزف منفرد على الطبل (نص) أوهام الصورة ( نصوص تشكيلية ) المحترف الإماراتي (نصوص تشكيلية) العنف والفن (نصوص تشكيلية)العالم الضال - التشكيل العربي .. الثقافة السائبة (نصوص تشكيلية)

وهنا يكمن سر عنوانه ( صمــــت ) الذي يحيل إلى صدمة جمالية مثيرة ، صدمة يحتاجها
المتأمل ربما ، أو إنها علاقة حميمة بين الواقع والمأمول ـ المفترض ـ هي ذي وجوه تشكيلية تم توزيعها وجعلها متعايشة أزمنة آفلة إلى زمننا هذا،، وجوه تقنع المتأمل بأنها ذات مرجعية وأيضا تخذلنا الوجوه حين نمعن فيها ، نكتشف خفايا لم نلحظها لوهلة أولى ... هي على هذا النحو أو ذاك ملتبسة ، تشبه شخوصا نعرفهم أو نتعرف عليها في مقبل الأيام

أخيرا ، نقول إنه عالم وجوه نفترض بأنها مزيج بين دواخل الفنان وعبرها يحاول قراءة محيط ما ـ الآخر ـ وكثيرا مانجدها( الوجوه) كذات مستقلة متحررة متفردة مختلفة إلا أنها في المحصلة ترجمة حسية لعالم منشطر مكانه الطبيعي مخيلة الفنان




أحمد سليمان
2005 غوتنغن





----------------------------------------------------------------------------------
ملحق عن الفنان طـــلا معـــلا
----------------------------------------------------------------------------------



- وجوه تدوّن نسيانها وتوثّق صمت الوقائع -
طلال معلا يفتح دفتر الوجوه



محمد الجزائري / كاتب عراقي




الوجوه، حضور أو نسيان قسري، تعود في الرسم أو في الكلمة، لتدون نسيانها!
هل تنسى الوجوه، الملامح والحالات؟
ربما... لكن، في التذكر، هي تجربة ــ عتبة، تماما كقراءة الوطن بمناخ شعري من ضفة النهر الثانية، بحاجة إلي جهد مؤثث نادر، لإعادة تدوين الخصال، فالوطن عبر قراءة المنفي أو المبعد، أو المهاجر أو النسيان يقع في النواح مثل حنين القروي، أو الهجاء مثل غضب المطرود من العشيرة والجنة، ولكن حين يقرأ الوجوه بكفاية وتمكين ويعبر الشرك والغام الحنين والبكاء والهجاء يعبر أيضا، ذلك الحقل المديد من الألم أو الفرح النائي، وان بأقدام عارية دامية أو مدماة! الوجوه مثل المخيلة، وتصبح كذلك في الذكري، لا تهرب في غابات سوريالية أو تغيب, أكيد لها جذر ومنبت، ولها انتماء، حتي لو تحددت بالمخيلة في مطلق رحابتها!
تبدو الوجوه أليفة مشتقة من نفس خصالها، حين تفحصها عيون مثقفة او مدربة على سبر غور الثقافي والتجوال في أطيافه وأخاديده وتضاريس جوهره.
أحيانا تتبدي الوجوه من جذر تاريخي أو درامي أو حكائي..
إنها تقص! كأنها تمثل تعبيرا صامتا لطقس ضاج! أو: شوقا..
لا تقفز الوجوه حالما نعيد تدوين نسيانها، في عتم التجريب ولا في متاهات أفضية وهمية، وان اختزنت كثير التعابير عن وهم اسمها وتجربة معناها.
كونية، ربما، أو لصيقة بالاوطان.
كوزموبوليتانية، لكنها في مطلق الأحوال لها بويضة خرجت من رحم دافىء حين شقت دربها عبر عتمته وخوابيه إلى نور الرسم أو نور المخيال والاستعادة.
الوجوه هناك ليست شبها لأحد لكنها تشبه نفسها، تشبه أحادويتها تماما مثل الوجوه السومرية في (عوائل) المنحوتات الميثولوجية الماقبل التاريخية!
تتحول الوجوه في مخيلة الرسم علي الورق أو الكانفاس أو الطباعة إلى (عائلة) الذاكرة..
ملونة، قد تكون أو بلون واحد ومشتقاته أو ظلال درجاته، تصير، بحسب الأرض والنسغ في مختبر النسيان والتذكر مع زهد الأوان والخطوط والكتل أو بذخها: نسقا ــ نظاما ــ أسلوبية..
إنها مثل (كتابة بالايقاع) لا تعني (كتابة الايقاع) بل تؤكد المضمون الخاص بها.
الوجوه طلاسم، أسباب وأسئلة اقنعة وإعلانات، خوابي لآلام معتقة مثل النبيذ، ولأفراح كانت تزغرد، وتجارب حياة أو براءة ورعونة وعفوية رعوية، أبواب وعتبات سفور أو حجاب، وهي رسائل: إشارات وعلامات تعبر من والي.. دائما، وتخضع لهذا النظر،
غائية إن لم تر وتشم أو تلمس، أو تستعاد في الحلم وأحلام اليقظة والتمني..
زينتها في بهاء وهجها وحين تعتم تنذر أو تثير الحيرة.
الرسام، إذا، حين يمسك بلحظة الوجوه يمسك بغيابها ليدونه حضورا فالوجوه حين ترسم أو تنحت تدون نسيانها فتعبر في الاستعادة والتدوين، المجاز والاستعارة عن كنايتها وكبانيتها فيما تخفي أو ظهر للعيان، إنها الباطن المستور والظاهر العلن في آنها.
كل وجه له رؤيات مثل الفن ومثل الحقيقة ترى بحسب الناظر ومدركاته وثقافة بصره وبصيرته، لذا تتغير في الوهلة والتو بحسب المزاج والمزاح والجد والتمعن والمكابدة في التأمل، الغضب وسلام النفس..
كتاب أو كتابة، مرات تعبير الوجه يكون رمزا أو ترميزا غامضا لدرجة التوهان في ضبابه كأنه ينظر إليك خلل زجاج معرق أو مظلل يراك ولا تراه برغم انك تنظر إليه أيضا، ربما تحدسه أكثر مما تلمسه.
ومرات التعبير يكون فصيحا وبليغا مثل الرغيف الساخن.
من يقرأ الوجوه يقرأ علاماتها، إشاراتها، سيمياء شفراتها،
أو: يقرأ فصاحتها حين تصدح ولا تلثغ أو تتلعثم!
الوجوه بيان له سحره في بلاغته.
عند طلال معلا: الوجوه مرسومة في (دفتر) تستعيد حضورها وترتاح من سفرها المبهم، في استعادة تدوين نسيانها مبصرة وتفيض غامضة وتغيب أو خجلى تبوح بهمس!
تدوينات لحالات مؤنسنة خرجت من صلب الذاكرة القرآئية والوجدانية وترائبها
لها شبيه ومرجعية وقد لا تشيه أحدا ومرجعيتها الوحيدة مخزون الذاكرة البصرية منذ الولادة حتي لحظة الرسم/التدوين.
وتماما كما وجوه سومر، الاقنعة الافريقية أو تماثيل الاغريق والرومان أو مثل الوجه المربع النادر شديد الاختزال لتمثال (عزة/الاله) في المدينة النبطية الوردية (البتراء) الذي أعاد النحات المعاصر اسماعيل فتاح صياغة تدوينه في منحوتة هي الوجه وحده مكتفيا بذات فنه مع تحوير مهم، هناك العيون مربعات كذلك الفم، باختزال مكثف ورؤي استثناء وفرادة، وهنا الانف مستدق وطويل يشبه الانوف السومرية..
إذا.. لكل وجه مرسوم أو منحوت علامة انتماء لجذر الفنان، ثقافته وموروثه، أو لجذور نفسه في آن خلقه كابداع..
في دفتره، لا تحتاج الوجوه إلى أشعار مجاورة يكتبها طلال معلا الرسام الشاعر والناقد، كنصوص تفسيرية أو مؤثرات يتكئ عليها النص البصري: (الوجه) كتابة تستوحي أو تشرح صدر الصورة، كما يضع الرسام أو النحات عناوين أعماله، تحت صورة التفاحة ويكتب: (تفاحة!) بل أن تكون نصوص ذاتها مكتفية بكينونتها وشعريتها خارج فنية الوجوه وداخل نسيجها كنص بصري في آن..
شيطانا أو ملاكا، زوجة أو عشيقة ــ محبوبة، بغيا أو صاحبة متعة عابرة وجوه الرسم أو النحت كتابة للحالة ولبس للشخص، إبداعا في الحصيلة حتي لو نسينا الاسم والمسمى يكون الوجه مسمى فنه في لحظة المشاهدة، التي بقدر ما تبدو حيادية فهي منحازة إلى الفن، تماما كما لو اننا نشاهد تمثالا صنعه النحات تقدمه دينية ضمن طقوس عشتار إذ يخرج من مفهومه (الديني) الطقسي إلى محض فن له قوة وحضور وعبور أزمنة وحقب، وما زال محتفظا بقدرته على خلق المتعة لدي المتلقي، مثل متعة القراءة التي يفيض بها نص اسطوري كملحمة كلكامش أو قصيدة (رثاء أور) كتبتها أول شاعرة اكدية في ذاكرة التدوين على الطين (2350 ق.م) وهي الاميرة (انخدوانا) ابنة (سرجون الاكدي)، فالنص البصري يستظهر تجليات جوهره اباد في انوية قراءته كمثل الشعر.. والوجوه تنوعت علي مدى تاريخ الفن ومراحله، من تلك التي كرست للنبلاء وأسرهم وعشيقاتهم، إلى الحور العين (الحرية تقود الشعب/ديلاكروا) و(المحكومون بالاعدام/غويا) حتي وجوه جحيم دانتي والمعري، إلى وجه الشهيد (محمد الدرة) و(آية الاخرس) في انتفاضة الحجارة والاقصي واطفال العراق..
ومن فتاة نمرود بوجهها العاجي وابتسامتها العذبة مجهولة اسم مبدعها، إلى (جيوكندة) دافنشي ونساء روفائيل و(مفكر) رودان.. الخ.
دون المبدع تلك الوجوه وصانها من النسيان والاهمال..
ومن بيكاسو (المعلم) الذي اشتق وجوه لوحاته من حبيباته وزوجاته، غير وحور، وجعل للتكعيبية والتشويه معنى، وللاقنعة الافريقية وحضارة المايا وسومر وبابل مهادا للتجريب والخلق والفرادة فصارت وجوه مرسوماته ومنحوتاته، لا وجوه معاصراته ومعاصريه، أو الاخرين والاخريات من عمق الحضارات برغم ملامحها الموحية وجذرها في المرجعية والانتماء كأصل أعيد تدوين نسيانه، فصار في ذاكرة الرسام ومنجزه، مثل تذكرا.
اذا.. المخيلة تروح إلى أبعد من الملامح (البيولوجية) أو (الاثنية) فتخترع من خزين الذكريات والثقافات البصرية والقراءة والشوق ما تعيده في الوجوه!
مرات يهجو الرسام حبيبة خذلته أو خذلها فيعيد رسم وجهها على وفق مزاجه وموقفه الجديد منها، فتتحول المعشوقة لشيطانة ويتحول هو إلى (ديك) ربما رمزا لفحولة متمناة!
كل رسام ثم كل نحات.. اشتغل علي الوجه فالوجه مرأي ومرآة، انه النظر الاول لمكابدة التأمل في الجمال أو القبح أو الغرابة.. وأولى حكايات المبهم تأتي من النظر والملامسة والحواس الاخرى بدرجات متفاوتة لتتبين صورة الوجه وتخزنه في الذاكرة الوجدانية سلبا أو إيجابا عبر الذاكرة البصرية بدءا من نظرة الوليد الاولي لوجه أمه ثم الملامسة الاولي لملامح وجهها وانتهاء برائحتها كذلك يفعل العاشق والمتيم، يتفقد ويتلمسه الوجه كي لا ينساه.
اسماعيل فتاح في لوحاته التسعينية ربما بسبب رحيل زوجته الفنانة الالمانية ليزا الترك، راح يكرر الوجوه كي يعيد تدوين الغائب فرسم الوجه المكتفي بذاته كذلك كرس عديد تماثيله.
كذلك فعل سعيد حدادين بعد عودته من دراسة الرسم في موسكو ليختص بالوجوه حتي لو اصابها التشويه والتكبير والتجريب فهي تقول ولا تصمت!
طلال معلا.. استعان باليوميات الرسمية إنه بدون حالات الوجوه مقاربة لزيتياته أو لوحاته الطباعية (الكرافيك) كذلك بالألوان الاخري، ففي الدفاتر زهد المتخيل فالوجوه مرسومة بماء الحياة كما يحلو له أن يسمي ذلك المنقوع من الديدان التي تتجمع في آنية فخار صغيرة يدعكها فيختلط دمها وعصير جسدها بالماء بعد تحلل الديدان فيصبح المنقوع مخلوطا مثل الصبغة، ومثل لون الزعفران المعتق أو القهوة المخففة بدرجة البني الفاتح فيغطس قلمه أو ريشته، تماما مثل الرسام أو الحرفي العربي الاسلامي القديم ومثل الرقاش والمزخرف أو مثل الصيني والياباني في حرفة الرسم، لكنه يرسم هنا ولا يزخرف، ولا ينقل عن الطبيعة أو يرسم عن (ماكيت) أو نموذج، أو (مانيكان)، بل يلقن الورق عافية الاختلاف والتنوع..
طلال معلا يستخرج وجوه ذاكرته لان الوجوه حكايا ومرايا وأسرار واحتكامات (يوثقها) الفنان، مدونات أحاسيس لها تجلياتها في التعبير وقوتها في الخط والاختزال، غنية برغم زهدها فهي تنتمي إلى الفن المتقشف (الفقير).
استذكر: (وجوه، وجوه، سلاما عراق)، سيناريو شريطي الوثائقي عن تاريخ معاناة انسان بلادي وتقلبات أحوالها لم أدون أي تعليق مساند لا صوتا ولا كتابة، اكتفيت بموسيقي الوجوه في اللوحة والصورة الضوئية (الفوتغراف) والمنحوتة لكن في أحياز الوجوه وحدها لتشكل حضورها ومعناها في فضاء الشريط وتتكلم!
هناك: المعطي معروف اللوحة لصاحبها والتمثال لزمنه والصورة الضوئية لحالتها.
هنا: طلال معلا يختلف.
إنه يقدم في دفتر المدونات وجوها غير معروفة يجعلها معروفة في انتمائها لفنه، لذا يخرجها من النسيان ليعيد تدوينها في حضورها الفني، مكتفية بذاتها نصا بصريا رديف الشعر!

محمد الجزائري



--------------------------------------------------------------------------------------


وجوه المعذبين في الأرض.. تجربة غنية باللون لطلال معلا

عمر شبانة / كاتب وصحفي اردني

لما كان الوجه هو واجهة الإنسان، وهو مفتاحه الذي يفتح أبواب عالمه على الدنيا، وبه يفتح أبواب الدنيا ليدخلها، فإن في الإمكان القول إن معرض الوجوه المسمى “هذا الصمت” لطلال معلا ، هو معرض يجسد إطلالة الإنسان على الدنيا من خلال وجهه، وإطلالة الدنيا على هذا الإنسان من خلال هذا الوجه أيضاً.

وهي للحق ليست مجرد إطلالة معمقة وكاشفة ومكثفة وجارحة، بل إطلالة تفاعل بين العالمين الداخلي والخارجي للوجه وللإنسان. إطلالة على أعماق الكائن البشري وتفاصيله وملامحه، وإطلالة هذا الكائن على العالم البائس بكل معالم هذا البؤس. وما ينجم عن هذه الإطلالة من حيوات ومن موت ومن فرح ومن أحزان. فوجه الإنسان هو اسمه الأول الذي يمكن أن يدل على أعماقه كما على ملامحه الخارجية.



ما يقارب مائة لوحة، بأحجامها المتعددة، وأساليب ومواد تنفيذها، يقول معلا إنها “جزء من آلية بحث أهتم بها. لا يعنيني الأسلوب، أنا مؤمن أن الفن لا بد أن يحمل رسالة واضحة للناس، دون التخلي عن المستوى الفني الذي يرضي الفنان في التعبير عن قدراته الفنية والفكرية والتقنية”. وعن وجوهه وعنوان معرضه يقول معلا “هي وجوه تعبر عن صمت الناس تجاه ما يجري حولها. والمشاهد لا يحتاج كثير عناء لالتقاط المقولة الفكرية المضمنة في الأعمال. وأنا معني بالتعبير عن هذا الصمت وهذا العجز في حالنا. أما مرجعيات اللوحات فهي وجوه الأهل والأصدقاء، وثمة ما هو قادم من الذاكرة الشخصية والجماعية ومن التاريخ للتعبير عن كل من يحاول أن يصرخ”.

هذه الوجوه إذن هي فرصة لقراءة الوجه أولاً، ولقراءة علاقة الفنان بالوجوه التي يرسمها ثانياً، وللتعرف الى علاقة الوجوه ببعضها وبالواقع الذي تعكسه والتاريخ الذي تذهب إليه. فنحن أمام وجوه تربط الماضي بالحاضر على نحو شديد الثقة بهذه العلاقة. وجوه تملك أن تفتت الوقائع وتقدمها تعبيرياً أو تجريدياً، لكنها في كل الأحوال وجوه ذات حضور كثيف على المستويين الموضوعي والجمالي.

المعرض الذي يقول عنه طلال معلا إنه جزء من آلية بحث يقوم به وتجربة يريد التعبير عنها، يضم 98 عملاً بأحجام مختلفة، وفيه تحضر الوجوه ذات الملامح الغريبة والمشوهة والبريئة والمزودة بأقنعة، وجوه نساء ورجال في صور وأشكال متعددة، كما تحضر تجربة تلوين متميزة تقف جنباً إلى جنب الموضوع أو الثيمة الأساسية المتمثلة في الوجوه، حتى يمكن القول إننا في معظم الحالات أمام ما يمكن أن نسميه لوحة داخل لوحة الوجه. فليست اللوحة هنا مجرد وجه فقط، إنها إلى ذلك تجربة لونية تدعو إلى التأمل والغوص في تفاصيلها، لا تفاصيل الوجه فقط.

ووجوه معلا، كما يقول هو، تنطلق من مفهوم يمتزج فيه التاريخي والمعاصر الراهن، الوجه عنده صورة للحياة التي نعيش، وهو الشكل التفصيلي لإطلاق العواطف بما ينطوي عليه من الحواس الإنسانية، ففيه تجتمع العناصر التي تحولت في المذاهب الفنية إلى رموز ذات دلالات كثيفة. والوجه في مرحلة من المراحل بات معبراً عن الطبقة التي ينتمي إليها الشخص. ويستذكر معلا حادثة بين نابليون الثالث والفنان كوربييه، حين قام نابليون بجلد لوحة للفنان بالسوط لأنه رسم الفلاحين.

ويرجع معلا تاريخ التعامل مع الوجه إلى الكهوف البدائية، وخصوصاً ما عثر عليه من وجوه في آثار الفيوم (مصر)، تلك الوجوه التي شكلت انعطافة حقيقية في قراءة تاريخ الفن. ويظل الوجه بالنسبة إلى معلا مادة أساسية لفهم الإنسان ولقراءة الجمال بطريقة مثلى. وهو يشير إلى الكثير من الأشعار والنصوص المقدسة التي تغنت بالوجه، ويرى أنه رمز دائم للتعبير عن أحوال الإنسان.

لوحات المعرض مشغولة ومنفذة بمواد مختلفة، بعضها ألوان من مواد الطبيعة، بعضها من نباتات وتوابل وزعفران وسواها من مواد يجري تخميرها أو “تعفينها”، وبعضها بمواد مثل الأكريليك والشمع والباستيل، ما يخلق مزاوجة بين لوحة الفنان وبيئتها. بين الوجوه القادمة من أمكنة وأزمنة متعددة وبين البيئة الغنية بالمواد والوقائع. هذا الغنى المتجسد فنياً في تعدد الوجوه واختلافها وغربتها أو اغترابها أو تغريبها عن واقعيتها.

نتجول في المعرض ونبدأ من أسماء اللوحات، فلكل لوحة اسم كما لو أن الفنان لا يريد أن يترك للمشاهد/ قارئ اللوحة أن يبتعد كثيراً بخياله، وبدءاً من “الصباح” حيث المرأة الممسكة بالمزهرية، وتنظر باندهاش أو باستهجان إلى العالم، وحيث الألوان الكثيفة تتقدم واجهة اللوحة، وصولاً إلى آخر لوحة في المعرض وهي التي تحمل اسم “حديث المساء”، يكون الفنان قد أكمل يوماً كاملاً من الصباح حتى المساء، وهو يوم من الوجوه والحوار بينها، يوم من “تضاريس النسيان” ومن “ظلال التاريخ” ومن “نساء الحكاية” و “حديث النهار”. عالم من الذكريات والوقائع الراهنة التي تختلط بالرؤية التاريخية وبالوعي الشقي للإنسان العربي خصوصاً، وللإنسان الكوني على العموم.

يوم طويل من البؤس والشقاء يقف وراء هذه الوجوه التي لا تكرر نفسها، فكل وجه هو عالم قائم بذاته، ولكل وجه ملامحه وتفاصيله وتعبيراته، فهذا وجه طويل لرجل بعينين بارزتين وأنف عمودي فوق شفتين غليظتين تحيلان إلى القناع الافريقي، وهناك وجه امرأة بملامح غير واضحة لكن الوجه بخطوطه الحادة أو اللينة تعبير عن مأساة ما. الوجوه كلها هي تعبير عن هذه المأساة في صورة من صورها، لكن بعض الوجوه يعبر مباشرة وبعضها بأسلوب غير مباشر. وجوه رمادية وأخرى ترابية اللون، وجه وحيد في اللوحة، ووجوه عدة تتحاور وتتجاور في لوحة أخرى. لوحة مفردة هنا، ومجموعة لوحات تصل إلى ما يقارب عشرين لوحة صغيرة لوجوه أشخاص بملامح شائهة أو حزينة أو أقرب إلى الكاريكاتورية.

نتذكر هنا مقطعاً من قصيدة لبول إيلوار عن الوجوه (نقلاً من مقالة للناقد محمد البنكي حول معرض للفنان إبراهيم بوسعد يستوحي قصائد لقاسم حداد، يقول إيلوار:

أيتها الوجوه الصالحة للنار

أيتها الوجوه الصالحة للبرد

للحرمان والليل، للسب والضرب

أيتها الوجوه الصالحة لكل شيء

هاهو الخوف يحدق فيك

ولسوف يصبح حماتك عبرة

أجبروكم على دفع ثمن الخبز

ثمن السماء والأرض والماء والنوم ثمن البؤس

في حياتكم.

وجوه إيلوار هذه ليست مجرد وجوه، إنها البشر البؤساء جميعاً، وهذا ما تفعله وجوه طلال معلا حين تأخذنا إلى البؤساء والمعذبين في الأرض عبر متوالية من اللوحات التي تتداخل فيها التجربة البحثية واللونية مع تجارب البؤس والعذاب التي تعبر عنها.

يلفت الانتباه أولاً في وجوه طلال معلا أنها تبدأ من العيون، فليس هناك رأس أو دماغ، كما أن الجسد لا يحضر تحت الوجه سوى جزء منه في بعض الأعمال. وحين سألنا الفنان عن هذه الظاهرة اللافتة قال إن هذا تعبير عن غياب الدماغ والعقل والوعي لدى إنسان هذا الزمان. وربما يكون الأمر كذلك، لكن إضافة الى هذا التفسير ثمة تقدير بأن الاهتمام بالعيون وإبرازها على هذا النحو هو تعبير عن المثل الشعبي في بلادنا الذي يقول “العيون مغارف الحكي”، والعيون في لوحة طلال معلا تحكي وتسرد الكثير، وهي تحتل الحيز الأول في اللوحة، وتتخذ أشكالاً متعددة ذات إيحاءات ودلالات قاسية وتتلبس بالشاعرية في بعضها، وبالواقعية في البعض الآخر. ويغيب الجسد عن معظم اللوحات، ويحضر جزء منه في القليل منها، لأن معلا، كما يقول، لا يريد لفت الانتباه بعيداً عن الوجه الذي هو موضوعه وفكرته.

وأمام وجوه معلا يمكن أن نتذكر أولاً وجوه مواطنه الفنان السوري المقيم في ألمانيا مروان قصاب باشي ومواطنه الآخر نذير إسماعيل بتجربته الغنائية الجارحة، لكننا سنتذكر فوراً بعد ذلك تجارب فنانين عالميين بدءاً من غويا الذي كان رسام بلاط عدد من ملوك إسبانيا، وأعمال دومييه القبيحة وبورتريهات رامبرانت المشوهة وسواهم. لكن وجوه معلا تبقى ذات نكهة مميزة لجهة ملامحها وتعبيراتها ودلالاتها، ولجهة التجربة التلوينية والخطوطية فيها. فهي تجربة تستحضر تجارب عديدة، تهضمها وتعيد صياغة الوجه في صورة ذات خصوصية.

عن هذا اللقاء مع تجارب الفنانين مع الوجوه في العالم، وخصوصاً عند مروان قصاب باشي ونذير إسماعيل يقول طلال معلا “لكل فنان طريقته في التعامل مع الوجوه، ومروان قصاب باشي هو من المبدعين الذين اختطوا هذا الخط منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لتقديم لوحة تعتمد إيقاع الوجه والقيم اللونية والسطوح المتعاشقة التي تبرز ملامح الوجه ومعاناته”، ويضيف معلا عن نذير إسماعيل إنه “ذو تجربة غنائية تعبيرية مهمة”، وعما يجمع تجربته بتجربتيهما وما يفرق بينهما وبينه يقول “الفرق بيني وبينهما أنني تعاملت مع الوجه كحالة بحثية جئت إليها وسأغادرها. لقد تعاملت مع الوجه في السبعينات بطريقة جمعتني مع تجربة الفنان سعد يكن، من حيث التشويهات والقسوة، وفي مرحلة أخرى تعاملت مع الوجوه كما هي عند يوسف عبدلكي، أما التجربة الجديدة هذه فتعتمد التصعيد النفسي العالي وتتعمد توصيل خطاب اللوحة مباشرة. ومن الموتيف إلى اللوحة المكتملة سطحاً وشكلاً وقيمة جمالية، أسعى لاختبار الوجوه لأجعل من مشاهداتي اليومية مادة لعمل فني يرصد الواقع فنياً، وأضمن تجارب الآخرين واختباراتهم في عالم الوجه الإنساني للوصول إلى مقولة أشد متانة بصرياً وفكرياً”.

وجوه طلال معلا بلا زمان أو مكان، هي من كل زمان وكل مكان أيضاً. فما من وجه محصور في هوية محددة، حتى الوجه الذي نقول إننا نكاد نعرفه، يذهب في اتجاه آخر حين نتأمله أكثر. ثمة وجوه قد تحيل إلى أشخاص نعرفهم، لكن الفنان يصر في اللحظة الأخيرة على إضافة ملمح يلغي الشبه بين هذا الوجه وبين الشخصية الواقعية التي استلهمها. ما يعطي الوجه سمته الكونية والإنسانية العامة. ولهذا فهي وجوه عابرةللزمان والمكان، لا يمكن القول إنها عربية من هذا الزمن، كما لا يمكن إنكار بعض الملامح العربية التي تتسم بها أو تنطوي عليها. هي عربية وإنسانية في آن.

الزمن يحضر في اللوحة من خلال آثاره التي تركها في الوجوه. فقد حفر الزمن فيها أخاديد وهموماً تبدو غير قابلة للمحو، وتحضر هذه الأخاديد والآثار عبر الألوان والخطوط ضمن رسالة واضحة لا تحتاج العين إلى كثير تأمل لاكتشافها. فالخطوط المتعرجة للوجه، والألوان الباهتة التي تملأ خارطته، هي وسائل تمنحه زخم التعبير عما ينطوي عليه من هواجس وهموم إنسانية قد تمتد عبر التاريخ. والفنان هنا لا يكتفي باستلهام وجوه واقعية يعرفها، بل يستوحي من التاريخ الإنساني وجوها وملامح تنتمي إلى حضارات وثقافات مختلفة.

لقد أراد طلال معلا لوجوهه هذه أن تعكس وتجسد شرائح متعددة اجتماعيا وسياسياً وفكرياً، فهي وجوه تفضح وتعري مجموعات من البشر المهزومة التي تصر على أن تحتل المشهد، فثمة وجه يعبر عن هزيمة ما بملامح الهزيمة، لكن ثمة وجوهاً لا تريد أن تعترف بهزيمتها فتراها تصر على البقاء في الواجهة، وهنا يمنحها الفنان فرصة التعبير عن التبجح والبروز بألوان وخطوط حادة وقاسية تفضح ملامحها العارية.

وعلى مقلب آخر من وجوه المعرض، نرى الفنان يمنحنا فرصة لنشاهد أنفسنا في مرايا وجوهه. فرصة أن نرى عجزنا وصمتنا وعرينا وهمومنا. فالوجوه التي أمامنا ليست سوى صورة من صور ذواتنا. هي وجوهنا على نحو ما. وإذا ما كانت مشوهة، فهي تعكس تشوهاتنا وتشوهات الإنسان عبر التاريخ. وإن كانت مهمومة وعاجزة فهي تجسد هموم البشر وعجزهم عبر الزمن. وما من وجه محايد. ما من وجه في صورته الطبيعية. أو أن الصورة الطبيعية للوجه البشري هي هذه الصورة غير الطبيعية. صورة المأساة والقهر.

كتاب الوجوه هذا يشتمل على ظاهرة لافتة أخرى، هي الفارق بين اللوحة الصغيرة واللوحة الكبيرة. ففي اللوحات الصغيرة نشعر بأننا أمام وجوه أقزام، وجوه ترتد إلى الداخل. وهنا تأتي ألوان اللوحة أقرب إلى البرود، ألوان شبه باهتة صفراوية أو ترابية. في حين أن الوجه في اللوحة الكبيرة يبدو عملاقاً وممتداً إلى الخارج حتى ليكاد يقفز من اللوحة بخطوطه وألوانه الصارخة، حيث الأسود والأحمر والأخضر تتداخل بمقادير مختلفة وبدرجات متفاوتة.

لا نستطيع الخروج من المعرض قبل الإشارة إلى التفتت الذي تجسد في توزيع اللوحات على صالات عدة، ما سبب تشتتاً في التلقي ما كان ليحدث لو أن اللوحات جميعها عرضت في صالة واحدة. فعرض الوجوه في عدة صالات يشتت المتلقي عندما ينتقل من صالة إلى أخرى، في حين أن صالة واسعة تجمع الأعمال كلها تتيح شكلاً من اشكال التلقي المتناغم والمتتابع نفسياً وروحياً. وكان يمكن لتوحيد اللوحات أن يتيح رؤية بصرية وروحية شاملة من خلال الإطلالة الأخيرة على المشهد برمته. لكن ذلك لا يمنع النظرة الفاحصة من الإلمام بتفاصيل المشهد عبر تجميع تفاصيله من هنا وهناك.

عمر شبانة



-------------------------------------------------------------------------------------------



إيقاعات تشكيلية هادئة تستوحي قصائد لوركا وعرار

سعدي عباس بابلي


في أي موقع من مواقع الثقافة إذا كانت مكانية أو زمانية هناك نشاط إنساني يحاول أن يؤكد هويته لا لكي يشير إلي تفاعلاته ومدياتها وإنما لإطلاق حالة إبداع تغلف ذاكرة التسجيل البشرية وبالتالي مولداً انفعالاً ذا متعة مكتشفة وهذه هي إحدي مهمات الفن بشكل عام، والفن التشكيلي يبدأ من علاقته البنائية الأولي الخط بعد الانفعال لتشكيل الصورة وقد تأتي كلمة أو صورة والعلاقة بينهما علاقة قامت من أول تسجيل لحضارة الإنسان.

فالتعبير الموصوف لصورة الذاكرة للأشكال المسجلة فيها كان أول استخدام لها هو إطلاق الصوت ثم جاء الخط ليشكل الكلمة وكانت بعد ذلك الكتابة ثم من الكتابة إلي الصورة المشكلة، وفي الكلمة قامت الصورة المتصورة وفي الشكل قامت الصورتان (المصورة والمتصورة) برغم أن الثانية هي المؤشر الإبداعي للفنون والأولي المؤشر الحرفي (المهاري) للفنون ومن الثانية قامت علاقة الربط بين الشعر والتشكيل المصور، فالشعر يطلق صور التصور في تشكيل الكلمة وتنظيم علاقاتها والرسم كذلك في تشكيل الشكل وتنظيم علاقاته فالمهمة واحدة والإبداع مختلف وكذلك الانفعال.

في معرض من معارض العاصمة الأردنية عمان وبالتحديد في جاليري زادة قدم مجموعة من الفنانين رؤياهم الفنية القائمة علي ربط العنصرين الإبداعيين (الشعر والرسم) واتفقوا علي أن تتوحد الرؤي في رؤية واحدة هي (موال) ليقدموا فناً ولكي يكون مقطعاً غنائياً يحاول إمساك تذوق الآخرين ويمتد ليؤشر حالة ربط ثانية بين ما شكلته الكلمة وما شكله الشكل وساهمت كلمة الشاعر الأردني عرار والاسباني (لوركا) في منح رؤي تصويرية للفنانين محمد العامري وحكيم الجماعين (الأردن) وعبد الوهاب عبد المحسن (مصر) وطلال معلا (سوريا) وعباس يوسف(البحرين) وكلارا أمادو (اسبانيا) وعمر الحجيلان من السعودية.

إن ما يميز هذا المعرض الجديد هو حالة الانفعال التي سببت صور الشاعرين عرار ولوركا هي نفسها التي سببت انفعال هؤلاء الفنانين برغم فواصل الزمن بينهما وهذا ما يفسر اختيار الفنانين التشكيليين للصور الشعرية المتخيلة قبل أن تنتقل إلي الصور المشكلة مرئياً، برغم أن للشاعرين دوراً أكبر في هذه العلاقة أولاً حيث وازنه التشكيليون في تشكيلهم المرمز وعلاقاته اللونية والفضائية ثانياً، وكان هذا الـ موال.

ولنبدأ بالعامري الذي كان له حضوره القوي والمميز في لوحاته ومقاطعه الشعرية:

لوحات العامري قدمت خلاصاته الشكلية في بحثه عن حس الجمال وأقيامه الهاربة وبين قوة التعبير ومدياته المؤثرة واستخدم تقنيات جديدة لم تكن مألوفة في تجاربه السابقة وهي أولاً إغلاق الفضاء تماماً في تشكيل مكتظ بالأشكال الملونة حيث لم تعد كافية ضمن مساحة التوازن الأساسية في اللوحة وإنما امتدت لتغلف إطارها الخارجي في علاقة لونية ذات إيقاع هادئ تشتد حركته في وقع وتخف في آخر.

اللون عند محمد العامري قارب في إيقاعاته الهادئة ترددات الصوت الغنائي في (طرد الهوي) لعرار وقوياً وقاسياً في (شكوي الموت) لوركا، أما الشكل النسائي منحه نفس الدور هادئاً وخيالياً في الأولي وعنيفاً معبراً في الثانية، هذا التنقل بين حالات الانفعال المصور جعل من لوحته الثالثة التي لم تحظ بالنشر في دليل المعرض والتي أستطيع أن اصفها وبلا تردد في موقع أقوي عملاً فنياً في هذا المعرض شكلاً إنسانياً يقطع مساحة اللوحة ويمتد بالتوازي مع توازنات التشكيل اللوني كاملاً لأن العامري قدم فيها علاقة توازن جهد أن يرتفع بها إلي أقصي مدي بين القيمتين الجمالية والفنية معاً وهذا ما جعل درجة تذوقها أن تحتل موقعاً متميزاً تنافسها فقط في هذا المعرض لوحة الفنان السوري طلال معلا الحادة اللون المكون بتباينات عالية مع تشكي الشكل والتي تذكرنا بلوحات المدرسة الفرنسية في الفن.

المعلا هنا أراد أن يداخل بين انفعال الصورة المشكلة وانفعال الكلمة برغم أن الشكلين الأساسيين في علاقاته البنائية كان الرجل والمرأة وما بينهما إن سرعة فرشاته وحركته الانفعالية بين مواقع الفضاءات الفاصلة منح عمله إنشاءً دراماتيكياً ذا قدرة تواصل مع المتلقي الذي أفرخته العلاقة اللونية في وجه الرجل الذي أعطاه اشتعالاً يوازيه إطفاء في وجه المرأة وكأن العلاقة تكاملية.

في الجانب الثاني في هذا المعرض يقف كل من الفنانين الاختزاليين الذين فضلوا أن يغلفوا شعر عرار ولوركا في بناءات تجريدية أرادوا أن لا تكون للشكل هوية وإنما حركة انتقالية يكون قائدها اللون وتردداته الإيقاعية وبناء شكلياً ينظمه الضوء أحياناً وتشتته الحركة أحياناً أخري مما جعل علاقة التوازن تحقق هدفها في موقع وتخفق في موقع آخر في اعمال المصري (عبد الوهاب عبد المحسن) والاسبانية كلارا أمادو، برغم أن الأول كان متمكناً من أدوات لونه والسيطرة عليها أما الثانية فقد فقدت تماماً سيطرتها علي اللون والبناء والإنشاء وجاءت أعماله ضعيفة لم ترتق لمستوي الأعمال المعروضة الأخري، البحريني (عباس يوسف) والسعودي (كيكو) كان لهما خط متشابها في البناء والشكل جاء مختزلاً أما اللون فكان له إيقاع ترددي عال عن يوسف وواطئ عند الحجيلان، هذا التنظيم اللوني الجميل منح أعمالهما تلقائياً غنائية توازي الصور الشعرية وبالتالي تقدم تفاعلات إنشائية لتشكيل صور انفعالية لدي المتلقي مما جعل الدخول إلي عوالمها الداخلية سهلاً بدون عوائق لكي تحقق علاقة التلقي أما أشكالها فيمكن متابعة حركتها بين مواقع الفضاء وتبايناته الضوئية، والاثنان يبدد في أعمالهما الجهد الواضح في خلق معادلة التوازن التي تمد الجسر بين ما يري وما يتصور ولذلك كانت تجريدات الشكل التعبيرية قدرة المخاطبة حتي إن كانت تبدو في غاية الحذر ولكنها حققت بواسطة الأقيام الفنية والجمالية معاً حالة القبول والتمتع.

لم تبق سوي تجربة الفنان الأردني حكيم الجماعين الكارافيكية التي أظهرها بتقنية الطباعة بين الحفر وطباعة الشاشة الحريرية، والتي جاءت ذات مشاهد بيئية أخفت معادلة التوازن في بعضها وساهمت في انخفاض قيمتها الفنية برغم وجود الأقيام الجمالية للون والشكل وفي إحدي لوحاته حيث جاءت في بناء إنشائي وتشكيل صوري غير محكم مما أفقدها هويتها الفنية تماماً لأن الفنان أوقعه شكل تخطيطي في جهة اللوحة اليمني لواقعية وجه إنساني في منطقة إفشال العمل الذي لم يكن في مواصفات العرض.

تجربة المعرض هذه جميلة وممتعة لأن ما أراده هؤلاء الفنانون الغنائيون الذين أنشدوا مع عرار ولوركا أن يمنحوا متلقيهم في ساحة ثقافية هادئة متعة الحوار الجمالي والفني.

وتوسدي صدري وحسبك نعمة

هذا الذي تومين من خفقاته.

سعدي عباس بابلي


--------------------------------------------------------------------------------------



بيبلوغرافيا عن الفنان طلال معلا



طلال معلا ـ 1952

· مدير المركز العربي للفنون - الشارقة

· مشرف معهد الشارقة للفنون.

· اجازة كلية الآداب والعلوم الانسانية ـ قسم اللغة العربية ـ سوريا.

· دراسة خاصة بتاريخ الفن المعاصر ـ ايطاليا.

· فنان تشكيلي وناقد فني وشاعر ينشر في الصحافة العربية والاجنبية.

· عضو هيئة الإياب ـ اليونسكو ـ اتحاد الفنانين العالمي (باريس).

· عضو منظمة النقد العالمي (الآيكا ـ باريس).

· عضو اتحاد التشكيليين العرب.

· عضو نقابة الفنون الجميلة ـ سوريا.

· عضو جمعية الامارات للفنون التشكيلية ـ الامارات.

· عضو اللجنة العليا لبينالي الشارقة الدولي للفنون والمقرر العام لبينالي ـ 1997.

· منسق الندوة الدولية الموازية لبينالي الشارقة (الشعرية البصرية 1997).

· عضو اللجنة العليا لملتقى الشارقة الدولي لفن الخط العربي .

· عضو لجان تحكيم معارض عربية ودولية.

· عضو اللجنة الاستشارية لكلية الفنون الجميلة – جامعة الشارقة .

· عضو لجان تحكيم معارض عربية ودولية.

· مدير تحرير مجلة «الرافد» الثقافية 1993 ـ 1997.

· أعد وقدم برامج (عيون عربية) و(قضية للتشكيل) و(دعوة للتشكيل) و(تأملات جمالية) ،حوارات في الفن التشكيلي العربي ـ تلفزيون الشارقة.

· أعد مجموعة من الأفلام التلفزيونية الوثائقية .

· نشر العديد من الدراسات والمقالات حول الفنون التشكيلية والنقد الفني في الصحافة والدوريات العربية.

مطبوعات:

· الفن العربي والبحث عن الهوية ـ 1993

· الفن العربي بين التغيير والابهام ـ الشارقة 1995.

· شكل الذاكرة ـ 1997.

· جسد (مقاربة الوهم والخيال والحلم بآليات التعبير الجسدي ـ دراسة جمالية) ـ 1999.

· أحوال الصورة (نصوص تشكيلية) ـ 1999.

· موت الماء ـ شعر ـ 1999.

· عزف منفرد على الطبل (نص) ـ 2000.

. أوهام الصورة ( نصوص تشكيلية )2001

· العالم الضال - التشكيل العربي .. الثقافة السائبة (نصوص تشكيلية)2003

· المحترف الإماراتي (نصوص تشكيلية)2003

· العنف والفن (نصوص تشكيلية)2003




شارك في مؤتمرات فنية منها:

· بينالي البرونزية الصغيرة ـ ايطاليا ـ 1992.

· معرض لوغوس الدولي ـ ايطاليا ـ 1993.

· الندوة الدولية (الهوية) بينالي الشارقة الدولي للفنون 1993.

· مؤتمر منظمة الآيكا ـ القاهرة ـ 1995.

· الندوة الدولية (المحلية والعالمية)، بينالي الشارقة الدولي للفنون ـ 1995.

· الندوة الفكرية الموازية لبينالي القاهرة ـ القاهرة ـ 1996.

· الفن والبيئة ـ تركيا ـ 1997.

· النحت والعمارة ـ الأردن ـ 1997.

· الرياضيات والفن ـ بوخارست ـ 1998.

· الندوة الدولية (الشعرية البصرية) بينالي الشارقة الدولي للفنون 1999.

· الندوة الدولية (الكلمة في عصر شمولية الصورة ـ صفاقس ـ تونس 1999).

· الفن العربي .. اشكاليات وآفاق – البحرين 2000

· الصورة والعصر .. بينالي المحبة – سورية 2002

· الندوة التداولية للمشرفين على الأنشطة الفنية العربية الكبرى – الشارقة 2002

· الفنون العربية – سلطنة عمان 2003

· الندوة الدولية ( حوار الشرق والغرب في الفنون الإسلامية ) طهران - ايران 2003

· الندوة الدولية الموازية لملتقى أصيلة – البحرين – البحرين 2004

· الندوة الدولية الموازية لملتقى الخط – الجماليات الاسلامية في الفنون المعاصرة – الشارقة 2004

· أقام العديد من المعارض الفردية وشارك في المعارض الجماعية وأعماله مقتناة في: سوريا ـ اليابان ـ فرنسا ـ ايطاليا ـ كوبا ـ الولايات المتحدة ـ مصر ـ ليبيا ـ رومانيا ـ انجلترا ـ هولندا ـ ألمانيا ـ الامارات ـ بلجيكا – النمسا – الأردن – لبنان - البحرين.



موقعه على الأنترنت
------------------


لمراجعة أعماله التشكيلية يمكنكم تصفح هذا الموقع
http://www.geocities.com/moualla_art/pages/arabic_CV.html

لمراجعة كتاباته يمكنكم تصفح هذا الموقع
http://www.geocities.com/mouallat/international.htm

لمراجعةموقع أكاديمية غوتنغن للفنون
http://www.khaled-kunst.de/frameset.htm






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,525,642,879
- ملـهاة القنــدريس : إذ طالما ابتعدناعن سيدة تلون أعيننا
- إغتيال بابا نويل :عذرا لن أعايدكم....لأن هذه السنة ستكون بلا ...
- أتـحــــــــــــــــــــرر/ غرمت ببنت سريانية وبعدها بمستشرق ...
- حوار مع النائب في البرلمان الألماني جمال قارصلي /ودعوة لحضور ...
- البحرين : بإعتقالها عبد الهادي الخواجة تعيش ماضيها، كإمارة م ...
- حملة دولية للنشر والتعميم :أوقفوا التسوية الجزئية لقضية الاي ...
- صرحت مسؤولة القسم الأوربي في ائتلاف السلم والحرية فيوليتا زل ...
- ائتلاف السلم والحرية: كي لا تكون البلاد بؤرة للشاذين واللصوص ...
- السلطات الليبيه تمارس ارهاب الدوله على مواطنيها / بصدد قضية ...
- مبروك عاشور نصر الورفلي : آملين من السلطات الليبية أن تكون ح ...
- أبدأ محرقة أهندسها على ذوقي ، كمزاج نبيذ معطل أو فعل منبه يص ...
- بمثابة دعوة للمشاركة ... من بلادالرين ...من بيروت مجددا /الا ...
- السعودية:ارفعوا أيديكم عن المدنية التي يحتاجها مواطنيكم : نط ...
- أمراء الارهاب السياسي في سورية يحاورون دعاة الفكر والتحرر ال ...
- ائتلاف السلم والحرية: يفك ارتباطه بمفاعيل مؤتمر ويقدم توضيحا ...
- الدولة التي لاتريد أن تفهم اجابات المجتمع عليها انتظار أجلها ...
- صرحت مسؤولة القسم الأوربي في ائتلاف السلم والحرية فيوليتا زل ...
- بلاغ عاجل من بلغاريا / تهديدات , فضلا عن حالات استجواب غير م ...
- تصريح صحفي لائتلاف السلم والحرية حول تحضيرات المؤتمرالعربي و ...
- تفاصيل نشرالإيدز في ليبيا


المزيد.....


- كالك فلوور / رحاب ضاهر
- اليك وحدك .....كل الهوى والحب / ذياب مهدي محسن
- خواطر / كريم رضي
- الجمرة / بدر الدين شنن
- المحــامـي والخيــط ... قصة قصيرة من الواقع الحي المعاش في س ... / فلورنس غزلان
- أوَ تذكر...؟ - شعر / كامل السعدون
- سونامي العراقية / حميد كشكولي
- الفضاء العربي بين الابحاث الغربية والواقع المتحول..حين نرى أ ... / علي سفر
- تنبؤات / رياض بدر
- أنشودة الحياة ـ 5 ـ ص 417 ـ 418 / صبري يوسف


المزيد.....

- مشاهير يدعمون فلسطين ويدينون جرائم إسرائيل
- أكثر من مئة فنان إسباني يتهمون الاحتلال بالإبادة الجماعية لل ...
- مهرجان بالونات و-عيديات- من بابل لـ-أحباب الله- النازحين للم ...
- شوقي مسلماني: زهرةُ الطريق - إيلاف
- مسلسل هزلي يهجو الأسد ونظامه
- الكشف عن مقتطفات الجزء الثالث من -هوبيت-
- -قصاصات غيم-.. القصيدة ترميم لصدع العالم
- برادلى كوبر طاه شهير
- «الليلة الكبيرة» يجمع سامح عبدالعزيز بمشايخ الصوفية
- صيف غنائى فقير


المزيد.....

- يوميات اللاجئين / أزدشير جلال أحمد
- الفن والايديولجيا / د. رمضان الصباغ
- زخات الشوق الموجعة / الحكم السيد السوهاجى
- اعترافات عاشق / الحكم السيد السوهاجى
- التيمة: إشكالية المصطلح وامتداداته / ليلى احمياني
- الضحك والحرية لميخائيل باختين / سعدي عبد اللطيف
- مالفن ؟ / رمضان الصباغ
- رواية نيس وميس / ضياء فتحي موسى
- (الصيدلاني ( عقاقير -الصمت والحلم والنسيان - شعر و فوتوغراف ... / ناصر مؤنس
- رواية فؤاد المدينة / كرم صابر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد سليمان - طـــلال معـــلا في غوتنغن / ملـــــــــــف: ترجمة حسية لعالم منشطر مكانه الطبيعي مخيلة الفنان .... قراءة عن معرضه و مشاركات نقدية لــ عمر شبانة ومحمد الجزائري و سعدي عباس بابلي