أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - حسن محسن رمضان - أفضل هدية في عيدها أن نتصارح مع الكويت















المزيد.....

أفضل هدية في عيدها أن نتصارح مع الكويت


حسن محسن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 3649 - 2012 / 2 / 25 - 16:32
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
    




عندما تلبس الكويت في يوم عيدها الوطني أثواب العيد الزاهية لا يمكن لأي إنسان أن يخطيء نظرات الحزن في أعينها. فما الأعياد عند حزين الفؤاد إلا حالة مضاعفة من حالات الاغتراب، يتصنع الفرح ولكن جراح الروح تثقل ابتسامة الشفاه وتقاسيم الوجه. عندما يكون هذا الحزين أماً أو أختاً أو زوجة أو حبيبة أجد نفسي مدفوعاً دائماً لأن احتضنها، أمسح على رأسها، أقبّلها، ثم أصارحها بالحقيقة كما هي، كما هي تماماً، حتى إذا فاضت الدموع خفق القلب بالغضب، ربما، أو بالتمرد، ربما، أو بالصمت، ربما، ولكن دائماً بعد تلك العاصفة يكون السكون وربما الفكرة والعبرة والدافع إلى العمل. فإذا كان هذا هو حال المرأة العزيزة على قلبي، فما بالك بوطن؟

الكويت، كما هي اليوم، وطن بدون مستقبل. هذه هي الحقيقة، ولا يكابر عليها إلا واهم. فالكويت بعد أكثر من نصف قرن من اكتشاف النفط وتصديره، لم تستفد من عوائد هذه الثروة التي سوف تنضب عاجلاً إلا من حيث استيراد “مظاهر” للمدنية، يبيعها لنا أصحاب “الحضارة” من بعيد من دون أن ينعكس هذا إيجاباً على الذهنية الحضارية للإنسان الكويتي وعلى مجتمعه وعلى مستقبله. فالإنسان العربي بصفة عامة، والإنسان الكويتي بصفة خاصة، غير مساهم إطلاقاً في صناعة الحضارة الحديثة إلا من حيث استهلاكها، وتبقى الذهنية والأفكار والقناعات والممارسات أسيرة لمعايير القرون الوسطى تتبدى جلياً في الصراع الديني والمذهبي والعرقي داخل المجتمع، غير متأثرة بقيم ومعايير أصحاب الحضارة الحديثة إلا من حيث المظر الخارجي. ولا شيء من هذا "البؤس" يؤرق ذهنية المواطن الكويتي. فلا يبدو أن حقيقة الكويت التي لا تملك عمقاً جغرافياً كافياً، ولا تملك موارد زراعية أو معدنية، ولا مياه، ولا موارد أولية أياً كانت، ولا أيدي عاملة رخيصة، ولا مؤسسات علمية وأكاديمية قادرة على التطوير والاختراع أو حتى الإعتماد عليها في رأي تخصصي، ولا صناعة فاعلة، ولا مؤسسات استثمارية أو مالية محترفة تكون قرارتها بمعزل عن الأهواء السياسية، ولا تملك “إنسان” منتج فاعل، ولا "ثقافة" محايدة ترى "العمل" كقيمة أولى لا تتجاوزها قيمة معايرية أخرى، ولا إدارة تشريعية منتخبة ناضجة سياسياً، ولا جهة تنفيذية مؤهلة في الإدارة وبعيدة عن التمصلح الذاتي، كل هذا، ضمن أشياء أخرى أيضاً، لا يبدو أنه يُقلق الإنسان الكويتي أو حتى الهرم السياسي فيها. إذ لا يبدو أن سؤال (ماذا بعد النفط؟) قد مر على ذهن رجال الكويت ونسائها الفاعلين سياسياً في التشريع والتخطيط للدولة بصورة جدية وذو أولية قصوى، ولا يبدو أن الإنسان الكويتي واعياً أصلاً لخطورة هذا السؤال، وخصوصاً أن المسألة هي مسألة حياة أو موت، حياة وطن أو موته. ولا عجب ولا غرابة هنا، فهم أصلاً مخرجات إما للذهنية القبلية بكل بؤسها المنافي للمواطنة والتعلق بقيمة الأرض خارج حدود (الريع والمرعى)، أو هم مخرجات للذهنية الطائفية التي ترى في الآخر المخالف على أن “عدو” تجب محاربته حرباً مقدسة، خفية أو علناً، وإن أمكن تصفيته فلا مانع، أو هم مخرجات للذهنية المصلحية الفردية الأنانية التي تؤمن بالحكمة الخالدة لكل خائن ومنافق ولص أو غبي (أنا ومن بعدي الطوفان).

تتشابك المفاهيم والمصطلحات في هذا الوطن، فلا يعود ما يدل عليه الخطاب السياسي الناضج في الدول المتحضرة مفهوماً عندنا. فعندما يتكلم سياسيو العالم الأول عن “حزمة الإنقاذ الاقتصادي” فإنهم يتكلمون عن الصناعات والميزان التجاري والصادرات والواردات وفرص العمل ومراقبة نسب البطالة وإنقاذ صناعات وطنية توظف عشرات وربما مئات الآلاف من مواطنيهم، ولكننا في الكويت عندما يتكلم السياسيون عن “الإنقاذ الاقتصادي” فإنهم يتكلمون عن محفظة مليارية، من أموال النفط الناضب، أموال الأجيال القادمة، سوف تدخل البورصة لتشتري أسهم. أو يتكلمون عن إسقاط قروض استهلاكية عن أفراد الشعب اقترضوها من البنوك المحلية ذهبت في تمويل شراء سيارات أو إجازات خارج الكويت أو تمويل شراء مساكن فاخرة أو منتجات استهلاكية غالية الثمن، وأقل قليلها ذهبت لحاجات إنسانية. أو يتكلمون عن زيادات متتالية وبمبالغ كبيرة على رواتب موظفي الدولة الذين يشكلون النسبة الأكبر من العمالة الوطنية، هذه العمالة ذاتها التي تشكل النسبة الأكبر والأخطر من البطالة المقنعة في البلاد. أو يتكلمون عن زيادات على القروض الإسكانية المتضخمة أصلاً والتي تشكل سابقة فريدة وشاذة في العالم أجمع ومن دون استثناء، أو يفننون في التحايل على أنظمة الضمان الاجتماعي لتكون الكويت من الحالات النادرة والشاذة في العالم أجمع بحيث تستطيع المرأة المتزوجة أن تتقاعد عن العمل عن بلوغها حوالي سن الخامسة والثلاثين أو الرجل في بعض المهن أن يتقاعد عن بلوغه سن الأربعين، أي في ذروة القوة الانتجاية للفرد. وهكذا دواليك. ولا عجب ولا غرابة، فإن هذا البرلمان بأعضائه الذين من المفترض أن يقفوا حماة لهذه الأموال، وحماة لهذا المجتمع، بعيدين عن الفكرة البدائية في إدارة التشريع والدولة والتي تلخصها مقولة (إذا أجدب المرعى فارتحل لآخر)، هؤلاء هم عناصر غير محايدة أصلاً حتى ضمن نظرتهم للنسيج الاجتماعي الكويتي، ولا يملكون حساً وطنياً صادقاً أو سياسياً ناضجاً بحيث يُغلّبوا مصلحة وطن على مصلحة فئوية انتخابية ضيقة. ولم يعترض شعب، هذا واضح من خياراته الانتخابية، ولم تعترض حكومة، هذا واضح من سياساتها، ولم يعترض مجلس أمة، ولم تعترض صحافة، ولم يعترض تيار وطني (!!!). أيكون هذا بلد ذو مستقبل وحياة؟!

وعندما يتكلم سياسيو الدول المتحضرة عن التخطيط السياسي والاقتصادي، فإنهم يتكلمون عن “مؤسسات” تضطلع بهذا الدور الخطير في حياة الأمم لأنها تتعلق بمستقبلهم ومستقبل أبنائهم. فكل شيء، كل شيء بلا استثناء، يخضع للمشورة والدراسة والتخطيط القصير والمتوسط والطويل المدى، ويتم التنقيح عليها باستمرار تبعاً لتغير الظروف والمصالح. ولكن عندنا في الكويت، مع فقداننا لهذه المؤسسات الناضجة الأكاديمية المهنية المتخصصة والمحايدة للتخطيط، فإن هذا التخطيط إن تم سوف يتم نسفه من أساسه بسبب “مشيئة” فرد أو عدة أفراد. وهذه “المشيئة” سوف تتغلب على آراء كل المستشارين الذين تم اختيارهم على أساس المعرفة الشخصية أو العرق أو الأصل وربما المذهب أيضاً. أيكون هذا بلد ذو مستقبل وحياة؟!

وعندما يتكلمون هناك عن “الارتقاء بالمجتمع والفرد” فإن يتكلمون عن تفاعلات اقتصادية واجتماعية يكون فيها الفرد ضمن المجموع عنصراً أكثر إنتاجية وأكثر انسجاماً مع النسيج الاجتماعي. هم يتكلمون عن ضرورة القبول والتعايش ضمن بيئة تتعدد فيها الأديان والمذاهب والثقافات والأعراق والأفكار، ويتكلمون عن ضرورة تساوي الفرص، ويتكلمون عن التفاضل المهني بغض النظر عن أي شيء آخر، ويحاربون التمييز ويشمئزون من دعاوى التصفية والتكفير والانقسام على أساس الأعراق والأديان والمذاهب. ولكن عندنا في الكويت فإن “الارتقاء بالمجتمع والفرد” لا يقصدون بها أكثر من إسقاط قروض إستهلاكية عن مواطنين إشتروا منتجات وسيارات ومنازل فاخرة أو استغلوا هذه القروض لإجازات خارج الكويت، أو يقصدون بها انتخابات فرعية قبلية عنصرية، أو يقصدون بها إعطاء مجانين “سادة” الشيعة و “شيوخ” السنة حق الكلام في السياسة وتأليب عواطف العامة وطعن الآخر المختلف بالتلميح تارة والتصريح تارة أخرى، أو يقصدون بها تفتيت المجتمع لقبائل وأعراق وطوائف. فأي مجتمع في العالم، مجتمع يحترم نفسه ويريد أن يعيش ويستمر، يسمح لمؤسساته الجامعية والأكاديمية والتطبيقية أن يكون اختيار بعض مرشيحها على أساس انتخابات قبلية عنصرية؟! أيكون هذا بلد ذو مستقبل وحياة؟!

كل شيء في هذا الوطن أصبح يدور حول “الاستحواذ” بطريقة أو بأخرى، الاستحواذ على الثروات الوطنية، الاستحواذ على المناصب بالحق وبالباطل للاستنفاع وللتنفيع، الاستحواذ على الأموال من دون انتاجية. لا شيء أبداً يدور حول المستقبل، أو يدور حول ما بعد النفط، أو يدور حول من سوف يولدون في الزمان القادم. فكل منصف يعلم أن المجتمع الكويتي اليوم، بحالته هذه، لن يستطيع أن يعيش يوماً واحداً بعد نضوب النفط، لن يستطيع أن ينفق على أبناءه القادمين، لن يستطيع أن يوفر لهم ما يوفره اليوم من دون حساب لشعب المميزات الريعية، لن يستطيع أن يعطي قرضاً من دون فوائد وعلى فترة سداد تمتد إلى حوالي خمسة وعشرين سنة بسبعين ألف دينار (حوالي ربع مليون دينار) ولن تحصلها الدولة كاملة في أغلب الأحيان، لن يستطيع أن يمنح سكن لكل فرد من دون النظر إلى دخله الشهري، لن يستطيع أن يوظف كل مواطن، لن يستطيع أن يستمر في العلاج في الخارج، لن يستطيع أن يدعم الماء والكهرباء والوقود، لن يستطيع أن يبقى من دون فرض ضريبة. وكل منصف يعلم أيضاً أن أكثر من ينادون اليوم بشعارات “الوطنية” و “حب الوطن” عند كل مشروع ريعي أو استهلاكي أو حتى مشبوه ويتبنى منهج توزيع أموال الدولة على المواطنين بدون مقابل، هُم أول من سوف يغادر هذا الوطن لأرض الله الواسعة عند أول بوادر نهاية عهد النفط.

الكويت بلد مهدد في كيانه، في وجوده، في استمراريته، وسوف يذوب في “كيان” آخر لا محالة إذا استمر هذا الوضع على ما هو عليه. فلا شيء في الكويت اليوم إلا النفط، والنفط فقط. وكل خلاف الدولة بمؤسساتها ومواطنيها على أوجه الصرف الريعي والبطالة المقنعة، على من يأخذ أكثر.

الكويت، كما هي اليوم، وطن بدون مستقبل.







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,069,900
- في العلمانية ومفهوم الليبرالية والهدف منهما
- ديموقراطية الشذوذ القَبَلي
- أرى خلل الرماد وميض نار - الحالة الكويتية
- عندما يقول الغرب لكم: إن قبائلكم ومذاهبكم يثيران الاشمئزاز ا ...
- الكلمة التي ألقيتها في الحلقة النقاشية عن مواقع التواصل الاج ...
- إنها قشور دولة
- حقيقة التلبس الشيطاني - الفرق بين أوهام رجال الدين ومنطقية ا ...
- إشكالية المجاميع الليبرالية الكويتية
- السلطة المعنوية لقمة الهرم السياسي الكويتي كما هي عليها اليو ...
- مقالة في الفرق بين التمدن والتحضر
- المشكلة المذهبية في مجتمعات الخليج العربي
- الذهنية السياسية الشعبية الكويتية المتناقضة … الموقف من معتق ...
- في مشكلة الائتلاف والاختلاف ... الحالة الكويتية كنموذج
- الآراء الاستشراقية في نقد النصوص المقدسة الإسلامية
- مقالة في أن الحرية لا بدّ لها من قانون يقننها
- أن الحرية ذات المنشأ الديني هي حرية أنانية بالضرورة
- المنهج الليبرالي وضرورات الإيمان والإلحاد
- الرأي العام في السياسية المذهبية والدينية
- في أوهام الشعار الإسلامي (صالح لكل زمان ومكان)
- المشكلة العرقية في المجتمع الكويتي


المزيد.....




- يقدّم مع كل مولود جديد.. ما أصل طبق الكراوية؟
- -روسيا.. الحكم الجديد في الشرق الأوسط-
- الخارجية الأردنية: العثور على المواطن المفقود في تركيا
- صحيفة: 6 سنوات من عمل الأمريكيين في شرق سوريا دمره ترامب خلا ...
- قطر حول -نبع السلام-: لا يجوز إلقاء كل اللوم على تركيا
- كشف الآلية الرئيسية لإطالة العمر
- بوتين في أبوظبي ومحمد بن زايد يصف الزيارة بالتاريخية
- أسترالية تخسر دعوى ضد طيران الإمارات أقامتها بسبب "العط ...
- قرار ترامب سحب القوات الأمريكية يغير شكل الحرب في سوريا
- تجربة تونس مع قيس سعيد تثبت أن الديمقراطية -ممكنة- في العالم ...


المزيد.....

- واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!! / محمد الحنفي
- احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية / منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
- محنة اليسار البحريني / حميد خنجي
- شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال ... / فاضل الحليبي
- الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟ / فؤاد الصلاحي
- مراجعات في أزمة اليسار في البحرين / كمال الذيب
- اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟ / فؤاد الصلاحي
- الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية / خليل بوهزّاع
- إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1) / حمزه القزاز
- أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم / محمد النعماني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - حسن محسن رمضان - أفضل هدية في عيدها أن نتصارح مع الكويت