أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عامر عبد زيد - التأويل اللاهوتي لتاريخ عند أوغسطين






















المزيد.....

التأويل اللاهوتي لتاريخ عند أوغسطين



عامر عبد زيد
الحوار المتمدن-العدد: 3636 - 2012 / 2 / 12 - 16:23
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"مقاربة في فلسفة التاريخ عند أوغسطين "

« الدين هو عقل مجتمع بلا عقل» مشيل فوكو
د.عامر عبد زيد


تصدير


القديس أوغسطين (13 نوفمبر 354 - 28 أغسطس 430) كاتب وفيلسوف من أصل أفريقي-لاتيني. معنى اسمه الملك الصغير عاش شابا مضطربا وارتد بفضل مواعظ القديس أمبروسيوس . لاهوتي وفيلسوف وكاتب كبير . قاوم البدع : اليونانية والبيلاجية( ) ، وحاول التوفيق بين العقل و الإيمان . من أهم آثاره "الاعترافات " و "مدينة الله" و"النعمة"( ) يعد أحد أهم الشخصيات المؤثرة في المسيحية الغربية. تعتبره الكنيستان الكاثوليكية و الأنغليكانية قديسا وأحد آباء الكنيسة البارزين وشفيع المسلك ألرهباني الأوغسطيني. يعتبره العديد من البروتستانت، وخاصة الكالفنيون أحد المنابع اللاهوتية لتعاليم الإصلاح البروتستانتي حول النعمة والخلاص. وتعتبره بعض الكنائس الأرثوذكسية مثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قديسا.
ولد في شمال أفريقيا من أمه الأمازيغية القديسة مونيكا وأبيه الوثني باتريس الأفريقي-اللاتيني. تلقّى تعليمه في روما وتعمّد في ميلانو. مؤلفاته - بما فيها الاعترافات، التي تعتبر أول سيرة ذاتية في الغرب - لا تزال مقروءة في شتى أنحاء العالم( )
المحور الأول : التحولات الفكرية لدى أوغسطين
المرحلة الأولى: التي مر بها أوغسطين: وهي تنتهي عند إيمانه 386
1.اهتمامه بالبلاغة: حتى هذا التاريخ كان مهتم بالبلاغة حتى غدى معلم لها وأستاذا ومحاضرا فيها ، فعندما بلغ الحادية عشرة من عمره أرسلته أسرته إلى مداوروش، مدينة نوميدية تقع 30 كلم جنوبي تاغست. في عمر السابعة عشرة ذهب إلى قرطاج لإتمام دراسة علم البيان.كانت أمه مونيكا أمازيغية( ) ومسيحية مؤمنة. أما والده، فكان وثنيا. ورغم نشأته المسيحية، فإنه تركالكنيسة ليتبع الديانة المانوية خاذلا أمه. في شبابه عاش أوغسطينوس حياة استمتاعية وفي قرطاجكانت له علاقة مع امرأة ستكون خليلته لمدة 15 عاما. خلال هذه الفترة ولدت له خليلته ابنا حمل اسم أديودادتوس Adeodatus كان تعليمه في موضوعي الفلسفة وعلم البيان، علم الإقناع والخطابة.
2. في سن التاسعة عشرة عام 373 قرأ محاورة شيشرون الشهيرة "هورتنسون" التي يدافع فيها عن الفلسفة ، ويمتدحها بوصفها النشاط العقلي الوحيد القادر على إرشاد الإنسان للسعادة الحقة المتمثلة في اللذة العقلية لا في اللذة المادية أشعلت هذه المحاورة الحكمة في أوغسطين ؛إلا أنها لم تنجح مع هذا في تحوله للفلسفة .( )
3. دراسة الإنجيل :رغم اطلاعه على شيشرون إلا انه قام بقراءة كتاب الإنجيل يدفعه في هذا تأثير أمه عليه ذلك التأثير الذي يجذبه للعقيدة بينما ميله العقلي يجذبه إلى الفلسفة .( ) رغم انه لم تكن لديه دراية جيدة بالفلسفة لم يقرأ من أرسطو سوى مقولاته ، إما أفلاطون فقد قرأ له :"طيماوس "و "فيدون" إما أفلوطين جزا من توسوعاته ، إما شيشرون فقد قرأ له كما مر بنا "هورتنسيون" و"المحاورات الفلسفية " ورغم هذا فقد كان القلق.ورم هذا إلا انه فلقد اخذ في نظرته إلى الأشياء بالتفرقة المشهورة بين الصورة والهيولى كما طرحها أرسطو إلا انه هنا يأخذ بموقف أفلاطون القائل : إن الهيولى ليست غير الصورة العارية عن الكم ، وعلى هذا فإذا أردنا أن نفهم ماهية المادة ، وجب علينا أن نجردها من الصور .(2) في عقل الإله ذاته فأصبح الإله هو الواحد ، وهو المتصف بكونه إرادة ، وعقلا فقد خلق الله العالم من خلال خيرية الله ثم أرادته ، والخير لا يفعل إلا الخير والوجود خير من العدم . ولهذا أوجد العالم فالعالم من حيث وجوده ، فيض من خيره ، ومن ثم انه أوجد العالم بإرادته ، وكان سبب الخلق ، لأنه إرادة ذلك وكل إرادة تستلزم بالضرورة عقلا ، بخاصة إن في العالم نظاما في الضرورة وصفه بالعقل إلى جانب وصفه بالإرادة والخلق جاء مرة واحدة ، وليس باستمرار( ) موقف أوغسطين من أفلوطين : فهو يخالف الفيض لدى أفلوطين على مستويين :

الأول – قوله بمفهوم العلل (Seminales Rationes ) وقد اخذ هذا من الرواقية القائلة بان الأشياء كانت في البدء في حالة كمون على شكل بذور ، وهذه تنمو من بعد ، فتكون الأشياء( ) .
4. التعرف على المانوية :بعد أن عمل في التدريس في تاغست وقرطاج انتقل عام 383 إلى روما لظنّه أنها موطن خيرة علماء البيان. إلا أنه سرعان ما خاب ظنه من مدارس روما وعندما حان الموعد لتلاميذه لكي يدفعوا ثمن أتعابه قام هؤلاء بالتهرب من ذلك. بعد أن قام أصدقاؤه المانويون بتقديمه لوالي روما، الذي كان يبحث عن أستاذ لعلم البيان في جامعة ميلانو، تم تعيينه أستاذا هناك واستلم منصبه في أواخر عام 384.في ميلانو بدأت حياة أوغسطينوس بالتحول. من خلال بحثه عن معنى الحياة بدأ يبتعد عن المانوية منذ أن كان في قرطاج، خاصة بعد لقاء مخيب مع أحد أقطابها.
المرحلة الثانية ": تحوله إلى المسيحية :
وقد استمرت هذه التوجهات في ميلانو إذ ذهبت توجهت أمه إليها لإقناعه باعتناق المسيحية كما كان للقائه بأمبروسيوس( )، أسقف ميلانو، أثرا كبيرا على هذا التحول. لقد أعجب أوغسطين بشخصية أمبروسيوس وبلاغته وتأثر من موعظاته فقرر ترك المانوية إلا أنه لم يعتنق المسيحية فورا بل جرّب عدة مذاهب وأصبح متحمسا للأفلاطونية المحدثة.إلا أنه يبين أن سبب تحوله الى المسيحية النظر في المسيحية فوجد فيها أربعة علامات .
1- فيها تتحقق تنبؤات العهد القديم.
2- وفيها يتمثل الكمال الروحي.
3- وأنها تصنع المعجزات.
4- انتشرت بالرغم من العنت الذي واجهت.( )

في صيف 386، بعد قراءته سيرة القديس أنطونيوس الكبير وتأثره بها قرر اعتناق المسيحية، ترك علم البيان ومنصبه في جامعة ميلانو والدخول في سلك الكهنوت. لاحقا سيفصّل مسيرته الروحية في كتابه الاعترافات.
1. التعميد : فقام أمبروسيوس بتعميده وتعميد ابنه في عام 387 في ميلانو. استمر فيها ثم في روما بعد تعميده .عام 388 عاد إلى أفريقيا وقد توفيت أمه وابنه في طريق العودة تاركين إياه دون عائلة.
2. تحوله الكامل الى سلك الكهنوت : بعيد عودته إلى تاغست قام بتأسيس دير.و في عام 391 تمت تسميته كاهنا في إقليم هيبو (اليوم عنابة في الجزائر). أصبح واعظا شهيرا (وقد تم حفظ أكثر من 350 موعظة تنسب إليه يعتقد أنها أصلية) وقد عُرِفت عنه محاربته المانوية التي كان قد اعتنقها في الماضي.
في عام 396 تم تعيينه أسقفا مساعدا في هيبو وبقي أسقف هيبو حتى وفاته عام 430. رغم تركه الدير إلا أنه تابع حياته الزاهدة في بيت الأسقفية. الأنظمة الرهبانية التي حددها في ديره أهلته أن يكون شفيع الكهنة.
امتازت هذه الحقبة باهتمامه بدراسة الحكمة أي الفلسفة التي كان يسميها amor sapientiae وهي الترجمة اللاتينية للمصطلح اليوناني Philosophua حب الحكمة حيث انشغل بالفلسفة باحثا فيها عن الحقيقة وبعد تعميده كتب مجموعة من الاعمال الهامة منها "خلود النفس " De Immoralitate animae وفي الموسيقى De Musica وفي كمية النفوس De quantitate animae وفي حرية الاختيار De libroarbitro وحقيقة الدين De Vera religione وفي سفر التكوين ضد المانوية ( ) وفي هذه الكتب وخصوصا الكتب الثلاثة الأخيرة تتجلى فيها إرهاصات المرحلة الكهنوتية التالية من حيث غلبة الطابع اللاهوتي عليها ( )
المرحلة الكهنوتية :
هنا جاءت الإحداث بتحول أوغسطين التام من الفلسفة إلى اللاهوت فتحول من اهتمامات النخبة المنعزلة عن الناس إلى الاهتمام بالناس والدفاع عن المعتقدات التي يؤمن بها اذ( اصبح اوغسطين الاسقف يحيا ويعمل من أجل شعبه المسيحي أكثر مما يحيا ويفكر من اجل الفكر الفلسفي )( ) وقد كانت بداية هذه الفترة 391 وتنتهي بوفاته وقد كانت البداية من عندما ذاع صيت أوغسطينوس، وتقواه، وعلمِه، حتى أن الأسقف "فاليروس" أسقف مدينة هيبو، طلب إليه أن ينضم إلى الخدمة الكهنوتية، وبكل خشوع قَبِل أوغسطين هذه الدرجة الكهنوتية ليصبح كاهناً في عام 391م، وكان عليه أن يقوم بمهمة الوعظ والإرشاد الديني والدفاع عن الإيمان ضد الهرطقات، مما حبب إليه الشعب، وقرَّبه من "فاليروس" أكثر، فأوكل إليه إعداد المجمع الأفريقي الذي عُقِد في 393م، فكانت هذه نقطة انطلاقة أوسع لخدمة أوغسطين فيما بعد حين تقدم الأسقف فاليروس في العمر وإذ كان يحب شعبه، ويرى أن أوغسطين هو الأفضل في أن يتولى القيادة خلفاً له، عرض الأمر على أوريليوس أسقف قرطاجة وبقية أسقافة المجمع، فوافقوا على طلبه وَسِيم أوغسطين أسقفاً على مدينة هيبو، وظل أسقفاً لها لمدة 38 عاماً، حتى أنطلق إلى سماء المجد في 28 أغسطس عام 430 ميلادية، لتكون أيام عمره على الأرض، نحو 76 عاماً.بعدما أثرى الكنيسة علماً وفكراً ولاهوتاً جعل منه قاسم مشترك بين الاوغسطينين وغيرهم من التيارات ( )كما مؤسساً للإصلاح الذي شهدته الكنيسة على يد المصلحين الكبار، مارتن لوثر .. كلفن .. زونجلي، هؤلاء الذين استخدمهم الله سبباً في بركة الكنيسة( )
توفي أوغسطين في 18 آب 430 عن عمر يناهز 75 عاما بينما كان الفاندال يحاصرون هيبو. يُزعم أنه شجع أهل المدينة على مقاومة الفاندال وذلك لاعتناقهم الأريوسية. ( )يُقال أيضا إنه توفي في اللحظات التي كان الوندال يقتحمون أسوار المدينة.
أحيانا كان يلقب القديس أوغسطين (بابن الدموع) نسبة إلى دموع امه التي كانت تذرف لمده عشرين سنه رغبه منها خلال صلاتها لرجوعه إلى ديانته الأولى وهى المسيحية.( )
المحور الثالث :تطور رؤيته للتاريخ

وقد نظر إلى أولا: التاريخ بوصفه :انه تعامل مع التاريخ خاص فهو يتخذ من العقيد مصدر لتفسير التاريخ ويتخذ من التاريخ دليل على صدق العقيدة ،وهو يتعامل انطلاقا من تلك المعاير في انه يفهم التاريخ على انه ظاهر وباطن فالتاريخ الظاهري هو رمز للتاريخ الباطن والتاريخ الباطن او المقدس يفسر التاريخ الظاهري ، لهذا اعتمد هذا التصور في إثبات الحقيقة التاريخية وهي تبدأ بالتالي :
1: علم خادم للعقيدة :
فقد شغل التاريخ بوصفه علم مكانة في فكر أوغسطين فالرجل بوصفه رجل دين هدفه الدفاع عن العقيدة وتقديم الأمثلة التاريخية من اجل إثباتها أي انه وظف التاريخ من اجل إثبات الحدث الديني العقائدي (فإذا كان ما يميز المسيحية عن الوثنية أن الثانية دعامتها الأسطورة إما الأولى فدعامتها التاريخ ).( )رغم ان هذا الكلام فيه الكثير مما يرده كون الحدث المسيحي لا يقوم إلا على رواية النص المقدس الإنجيل أكثر مما يقوم على الحدث الاثاري الاركولوجي إلا إننا هنا نريد تأكيد رؤية أوغسطين في توظيف التاريخ لغاية عقائدية ( )ومن الأمثلة التي اعتمدها بوصفها أدلة تاريخية في إثبات العقيدة- عبر إدراج التاريخ المقدس في التاريخ الإنساني وإلا بقى هذا التاريخ المقدس أشبه بالقصة الأسطورية- منها :
أ‌. ولادة عيسي : فقد ولد في عهد بونس بيلات Ponce Pilate .
ب‌. قيام عيس بعد الصلب : وقام في اليوم الثالث لموته في زمن الإمبراطور اغسطس وكان ذلك على ارض فلسطين .
ت‌. النبوءة بظهوره : لقد كانت الكثير من التوقعات تنبأ بها الأنبياء والملوك بمجئ المسيح ( )

2.التاريخ كمصدر لمعرفة الفرق المنحرفة :بوصفه رجل دين نذر نفسه إلى الدفاع عن العقيدة فانه وجد من الضرورة دراسة تاريخ الفرق المعارضة من اجل إن يلم بالظروف التي إحاطة في ظهور تلك الفرق وما آلة إليه (تحول الى مؤرخ لهذه الفرق يرجع للوثائق وللمراسلات وللمحاكمات الخاصة بها حتى يعرف معرفة دقيقة ، شأنه في هذا من حيث الدقة التاريخية شأن المؤرخين المحدثين الذين يوسعون من دائرة مصادرهم بقدر الإمكان )( )لاشك إن العمل على التاريخ كمؤرخ لها هدف أخر وهو مكمل لمشروع الدفاع انه يحاول أن يدافع عن الرؤية الرسمية للدولة والعقيدة من تلك الكنيسة الرسمية ، والتعامل مع تلك الفرق بوصفها حدث منحرف تأتي معالجته من اجل تثبيت تلك الرؤية حتى يتحول التاريخ إلى جزء من اللاهوت الفرق .فهو قد اعطى كل اهتمامه لهذا الكتاب الذي يقول فيه: ( ابتدأت في نفسي : بأنك أنت ، أيها الإله المدبر الموجود ، ما جعلت هذا الكتاب مصدقا ومقدسا عند أهل الخافقين ، إلا لغرض منك ، وهو إن نبحث في هذا الكتاب عنك . وبه نتوسل إلى الاعتراف بك ، واعتناق إيمانك )( ) .

ثانيا :الحقيقة التاريخية :

انه يعكس تصور اللاهوتي ف تفسير الحقيقة التاريخية التي وان كانت تعبير عن الكتاب المقدس إلا انه ليس كل الحقيقة التاريخية إنما هي لا تزيد عن وجه من وجوه هذه الحقيقة ، فهي إحدى تجلياتها .فان إحداث الماضي ورموز الحاضر تحتاج لتأويل من قبل المؤرخ لتكشف له عن الحقيقة الكلية التي تستتر وراءها . وما هذه الحقيقة الكلية إلا حقيقة التاريخ البشرية منذ الخلق حتى اليوم بل وحتى الأبد في الحياة كما أرادها الله .( ) بمعنى انه يدرس التاريخ الكتابي كما تجلى في التوراة من السرد التوراتي من أساطير الخطيئة إلى أسطورة الفداء الصلب والقيام بما فيه من طغيان الشرور حيث هيمنة الشر الى التضحية والخلاص في دورة مستمرة كما تسرد في التوراة والإنجيل فهي تضمن فعل الماضي ، والحاضر والفعل المستقبلي كلها كاملة جلية في النص الذي يتكون من الأساطير الدينية حيث خطيئة آدم وحواء والطرد من الجنة وعملية التطهر عبر فكرة الفداء ، الذي ظهر في فداء هابيل في صراعه مع قابيل أو في فداء إسماعيل لإبراهيم والذبح العظيم كفداء له والفداء عن الخطيئة تجلى في المسيح حيث التكفير عن الخطيئة هنا نحن إمام ترابط السرد التوراتي للتاريخ كما في العهد القديم الذي ورثه العهد الجديد .
هذا التحبيك التوراتي يأخذ في عرف التأويل الرمزي المسيحي إلى ظاهر وباطن وهذا ما عبر عنه أوغسطين فهو ينظر الى أساطير العهد القديم على أنها تمتلك تعبير باطني غير الظاهر منها أسطورة "قابيل وهابيل " فقد كان حسب التاويل الرمزي (قابيل يرمز إلى اليهود قبل المسيح ) ( ) هنا أوغسطين ليس مؤرخ بالمعنى العادي وان كان قد مارس هذا في بعض دراساته إلا انه أيضا يمارس توظيف المنهج الرمزي المسيحي في فهم العقيدة بوصفها ظاهر وباطن كل هذا يقودنا الى الحديث عن فلسفته في المفاهيم التالية الباطن والحقيقة والحرية والنعمة الإلهية وجود الله .
فانه كمؤرخ استفاد من التاريخ على بعدين:
الأول/ من خلال منهجه في تدوين التاريخ :
1.سد الثغرات التاريخية :بدافع تقديم تفسيرا خاصا للتاريخ المتضمن في الكتاب المقدس ليوظفه بعد ذلك في بناء لاهوته ،من هذه الثغرات التي ترد ذكر أولاد ادم ثلاث فقط : " هابيل وقابيل وشيت "رغم أن أيام ادم ثماني مائة ، الحل كان لسد هذه الثغرة قول أوغسطين :( إن الكتاب المقدس لم يكن يعنيه حصر كل ذرية أدم بل كان يعنيه فحسب ذرية ادم التي تنتهي في تسلسلها إلى إبراهيم أبي الأنبياء) ( )
2.إعادة ترتيب الإحداث:في الوقت الذي لم يلتزم الكتاب المقدس بسرد الإحداث بشكل متسلسل ،فان أوغسطين يرى أن على المؤرخ أن يبذل جهد في الترتيب الزمني للإحداث ومن الأمثلة التي تتناول عادة ترتيب الإحداث "بنوة عابر لسام "التي يقول فيها أوغسطين :ان عابر هذا لا يعقل ان يكون ابنا لسام بل هو أحد أفراد الجيل الخامس من ذريتة وماذكره الله قبل سائر الذرية سام الا ليؤكد على ان اوغسطين حقبه تاريخية ليبرز أمرا ( )
3.النقد التاريخي :إما ما يتعلق بهذا النقد للتاريخ وروايات الكتاب المقدس فقد رفض أوغسطين بعض الروايات في الكتاب المقدس ألانها تعارض المنطق ومنها ما رواه الكتاب عن بناء قابيل أو ابنه مدينة بأكملها وعلل أوغسطين رفضه بان المدينة بحكم تعريفها هي مجموعة من الناس تربط بينهم صلات اجتماعية وهو ما يتنافى مع كون ففرد واحد هو الذي بناها .( )
الثاني/ منهجه في تأويل الإحداث من اجل اكتشاف الحقيقة الباطنية في الظاهر :
يبدو أن التأويل من المناهج التي تكمل مشروع بوصفه مؤرخ يحتكم إلى النص المقدس من خلال الاعتماد على وجود معنى ظاهري حرفي وأخر باطني مقدس وبهذا كان ينتمي إلى التفسير الرمزي المسيحي وقد برع هو فيه حتى عد من أهم هرمنيوطيقي العصور الوسطى ، وقد كان لدية دراية ومعانات مقلقة بين الفلسفة والعقيدة وقد وظف معرفته للفلسفة اليونانية ، وعقيدته الدينية المسيحية ، في بلورة مبادئه الهرمنيوطيقية . في كتابه " في العقيدة المسيحية " قدم مبادئ واضحة للتمييز بين نوعين من التفسير ، الظاهر والمعنى الباطن . ، إلا انه وفق أولويات الممارسة الروحية ، يكون الترجيح للتفسير الباطني وفي هذا يقول " على القارئ أن يتعامل مع كل ما يقرأه ، إلى أن يستقر على القراءة التي توصله إلى مملكة الحب . فإذا كان المصدر الأساسي للوحي هو الله أوحى إلى الكتاب بإرشاد الروح القدس ، والكاتب يستخدم كلمات للتعبير عن المعنى ، والمستلم يحاول فهم المعنى من الكلمات فان الروح القدس يعين المستلم على الفهم ( ) هنا دور روح القدس يشبه دور هرمس في التأويل فهو الواسطة وهو المعين في كشف المعنى وهو أيضا اله الحب عند افلاطون ( ) لقد كان منهج اوغسطين في التاويل -على حد تعبير جيلسون وكوبلستون –نظريات اختلطت بها الفلسفة مع العقيدة الدينية ، وكونت علة اللاهوت الوسيط الذي يوفق بين العقل والوحي فقد وثق اوغسطين العلاقة بين الايمان الديني واليقين العقلي بعبارته الشهيرة :"اعقل كي تؤمن وآمن كي تعقل ". مبينا أن الايمان لا يلغي العقل ولا يعفي من البحث ولا يقتل الفكر . وهذا المثال الثقافي الذي ارتسم بشكل صورة توراتية-انجيلية ( )من هنا كان يؤمن أوغسطين بقراءة متعددة للنص الديني ، فلا يوجد نص منحصر بمعنى واحد . ، كيف أن الروح أو الفكر يسمو فوق المعنى الحرفي والأخلاقي ليبلغ المعنى الروحي .( )وقد جاء بهذا المنهج على هدي فيلون وقد وظف اغسطين هذا المنهج في تفسير الحدث التاريخي فهو يوضح منهجه في التأويل المجازي في "المذهب المسيحي "De Doctrina Chrstiana في الباب الثالث ، ولقد لخصه في هذه القاعدة :(ان كل ما جاء في الكتاب المقدس و لا يتعلق مباشر بالإيمان وبالأخلاق لابد من اعتباره معنى مجازيا )( ) إلا انه في الوقت الذي بين ما يمكن تاويلة جعل هناك قواعد تعين المؤول في ترصين تاويلة وجعله علم فهو يفترض أن تفر القواعد التالية :
1.إن يقوم على ثلاثة أسس الاعتقاد ، الأمل ، الإحسان . بالرغم من كل المقاييس الإنسانية ، فإن المعرفة أو الإشراقة اللازمة للولوج داخل فجوات وشقوق المقاطع المعتمة تأتي دائما ، عن طريق الرب . وفي هذا يقول أوغسطين " الإنسان الذي تستند حياته برسوخ إلى الإيمان والأمل والحب ، لا يحتاج إلى النص الديني إلا ليعلم الآخرين .( )
2. توافر إخلاص الروح ووفاؤها حتى تكون مؤهلة لاستقبال الأنوار الربانية التي بها يتم فعل التأويل .( )
3.يفترض أن يلتزم " القارئ للنص الديني "بتحليل حذر وشامل للغة النص وبنيته النحوية ، من اجل منع أية استنتاجات غريبة لا أساس لها . فالكلمات عبارة عن دلالات أو علامات.( )فقد خصص أوغسطين جزءا كبيرا من إعماله التفسيرية لدراسة المعنى الحرفي أو اللغوي ad litteram.
ان المنهج التاويلي المجازي لدى اوغسطين ينقسم الى مرحلتين :
المرحلة الأولى :يتكون المنهج التأويلي من عدة خطوات :
1-القراءة lectio المقصود بها قراءة الكتاب المقدس أو حفظه على ظهر قلب يمكن استرجاعه والاستشهاد به في أي وقت ، وتجعل القارئ يتعود على النصوص .
2.التفسير الحرفي أو اللغوي للنصوص وفيها يوضح الشارح كل التراكيب الغامضة او الغير دقيقة و الكلمات أو التعبيرات الغير مألوفة ، وكتاب مدينة الله فيها هذه التطبيقات .
3. فهي التحقيق emendation بالمعنى الذي كان سائدا في هذه الفترة من بداية العصور الوسطى، يقوم بالتحقيق كلما واجهته مشكلة في النص ، انه كان يقوم بالتحقق من نصوص الكتاب المقدس؛ إلا بهدف شرحها بعد ذلك . ( )

المرحلة الثانية : وهي المرحلة التأويلية الحقيقية بعد أن مر النص بالتفسير اللغوي والتحقق والشرح والتي تحتاج إلى عالم لغوي جاءت المرحلة الثانية وهي تحتاج إلى الاستعانة بمعارف متعددة علمية وفلسفية .
من المسائل التي تناول فيها التأويل المجازي ما ورد في كتاب مدينة الله خلق ادم ، فتأول اسم ادم عندما وقف على دلالته في اللغة العبرية بانه يعني الإنسان على الإطلاق ،أي أنه يدل على الجنسين معا أي ذكر وأنثى .وهو ماجاء في النص : "يوم خلق الله الإنسان على شبه الله علمه ذكرا وأنثى خلقه وباركه ودعا اسمه آدم يوم الخلق( )

المحور الثالث : فلسفة التاريخ عند أوغسطين

1- أسباب كتابته الكتاب :عنى أوغسطين بتوضيح الغرض من تأليفه لمدينة الله في كتابة "المراجعات "Retractiones الذي وضعه في نهاية حياته لمراجعة وإعادة تقييم أفكاره وإعماله وذلك عندما قال هز غزو القوط بقيادة الاريك روما فشعرت بان هذا الغزو لهو اكبر كارثة .وسعى عبده الالهه الوهمية والذين و الذين نطلق عليهم عادة اسم الوثنيين إلى إلقاء المسئولية على عاتق الدين المسيحي واخذوا يجدفون في حق الله بعنف وكراهية لم يسبق لهما مثيل ، ولهذا شرعت –مدفوعا بالإخلاص لبيت الله – في كتابة كتاب "مدينة الله"لارد فيه على تجديف اتهم وضلالاتهم ( )
يحاول أن يبرهن على أن ما أصاب روما من نَهْبٍ وتعذيب وأسْرٍ ليس غريبًا عن التاريخ البشري كلِّه، فإن روما ابتُليتْ بما ابتُليتْ به سائرُ الشعوب على مدى قرون من جراء سطوتها وغطرستها، لذا، فإن العناية الإلهية لا يمكن اعتبارها مسؤولة، لأن مصير الإنسان – يوضح أوغسطين – ليس مقررًا على هذه الأرض، ولا في نطاق حياته الجسدية. مثل هذه المصائب لا تصيب جوهر حياته، ويجب الاَّ تقوده الى اليأس.( ) . تعتمد أطروحة أوغسطين في مدينة الله على وجود مدينتين واحدة أرضية والآخرى سماوية ، يتألف كتاب مدينة الله من اثنين وعشرين بابًا؛ وقد شرع أوغسطين في كتابته سنة 412م. وأنهاه سنة 427م. في الأبواب الأولى، والمجتمعات البشرية ككل ترجع الى هاتين المدينتين، ليست مدينة الله وهي السماوية خيرة بالطبع ولا تلك الأرضية شريرة بالطبع، وإنما ينتمي كل فرد الى إحدى المدينتين بمحض إرادته،(فالحياة الزمنية دار ابتداء تُعِدُّ للأبدية، والمصائب ليست للمسيحي غير امتحان وتأديب) ( ).وبينهما منذ البداية حرب هائلة تجاهد مدينة الله في سبيل العدالة وتجاهد الآخرى لتنصر الظالم، ولا تزال هذه الحرب مستمرة الى نهاية العالم، حتى يفصل بينهما المسيح في آخر الزمان ،فتنعم الواحدة وهي مدينة الله بالسعادة الأبدية، وتلقى الآخرى جزاءها في النار التي لا تنطفئ(
2-من اللاهوت التاريخي إلى فلسفة التاريخ :استخدم أوغسطين مجموعة من المفاهيم اللاهوتية: اللطف الإلهي ، الخطيئة و الجزاء وعلم الله المسبق والقدر والإرادتان الإلهة والإنسانية ،وهي مرتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا بحيث ان من يعالج كل منها على حد عليه أن يبذل هائلا حتى لا يدمر هذا الفصل المصطنع علاقات حيوية بينها في وحدة عضوية تماما . فالإنسان جاء من الله، وبنعمته سوف يعود اليه. التاريخ كلُّه يندرج بين هذين القطبين، وكل شيء يجب أن يوصل الى هذا الهدف الوحيد. ( ). في تفسير تاريخ البشرية ادى هذا الى ظهور مفهوم جديد هو " اللاهوت التاريخ " .( )
3- الازدواجية قيم الإنسانية :تبدأ هذه من ادم فبعد خلق ادم في الجنة ثم خلق حواء من أحد ضلوعه تأكيدا على مفهوم الوحدة .فلما أخطأ آدم أصبح يرمز لوحدة الانسانية الاصلية ولازدواجها الى عالمين أو كيانين أو مدينتين هما مدينة الله التي يسيطر عليها ويتحكم فيها حب الله ، ومدينة الارض او الشر التي يسيطر عليها ويتحكم فيها حب الدنيا ، ذلك الحب الذي أفسد ارادة آدم الطيبة التي فطره الله عليها فلحقت به الازدواجية . وتجلت هذه الازدواجية بشكل واضح على أثر قتل قابيل لهابيل .إذ أصبح هناك شخصان متمايزان يمثل كل منهما إحدى المدينتين بعد إن كانت الازدواجية حبيسة في آدم أبو الإنسانية وتاريخ الجدل بين عنصري هذه الازدواجية الإنسانية .( )
4- أصل مرجعية المدينتان :
كانت هناك الكثير من البحوث التي أخذت تبحث جنالوجيا في أصول هذه المقولة تتصيد الآثار لعلها تجد في مخلفاتها المعرفية خصوصا والمنابع التي ارتشف منها أوغسطين كثيرة فلسفة ودين ومانوية ..الخ
هناك من عاد بها إلى المدن الفاضلة لدى اليونان أو من أعادها إلى التقابل التوراتي بين بابل والقدس ومن أعادها إلى التصورات المانوية (ترجع الباحثة Combes ترجع نظرية المدينتين الاوغسطينية لأصول مانوية ، فقد ذهب في كتابة مذهب القديس أوغسطين السياسي la doctrine politique de St Augustin إلى أن مدينة الله عند أوغسطين ما هي إلا مدينة النور والخير بينما توازي مدينة الأرض عنده الظلمات والشر المانوية . )( )
يبدو أن البحث الجينالوجي يبين أن هناك عالم من الكمال حيث الله هو الحاكم فهو يذكرنا بالمدن السماوية كما كان الحال في الاعتقاد السومري عن السماء حيث" انو" أبو الإلهة الأب السماوي ، كما يذكرنا بالمدن السماوية التي لها أصل كامل في السماء وظل على الأرض كما أن عالم المثل السماوي حيث الكمال عند أفلاطون إلا أن الفكرة تعتمد على المثيولوجيا التوراتية ادم الخطية والصراع بين أولاد ادم على انه صراع بين الشر والخير احدهما يمثل البعد السماوي والأخر يمثل البعد الأرضي ، أن المدينة هذه لم تقم على الأرض بهذا المعنى بل هناك مدينتان من عالمين مفارقين السماء والأرض .إما التحق الفعلي جاء مع اللطف الإلهي حيث التوحد الإبراهيمي اليهودي المسيحي .
6- بنية المدينتان وغاياتهما :انطلاقا من تلك الغاية التي تهدف الدفاع عن المسيحية والرد على من اتهم المسيحية أنها كانت السبب جاءت دراما أوغسطين في سرد التاريخ بعيون النص المقدس من هنا فان مدينة الله التي رسمها أوغسطين ترتكز على نقطتين:
النقطة الأولى : وجود حقبتين زمنيتين تجمع كلا المدينتين الأرضية والسماوية ، الأولى من عهد قابيل أبن آدم الى عهد إبراهيم (عليه السلام) وفيها كانت المدينتين مختلطتان .
النقطة الثانية : ما بعد إبراهيم فالمدينة السماوية تمثلت باليهود، والأرضية شملت باقي الإنسانية، وكانت ذروتها الإمبراطورية الرومانية. والفاصل بين الحقبتين هو ظهور المسيح.( ) .
ذلك هو المحور الجوهري للفكر الأوغسطيني، وهذا التضاد الأساسي بين الإيمان المسيحي الذي يتوق الى السعادة في الجنَّة السماوية، والمثال القديم للمدينة القديمة، المكان الوحيد للحضارة والسعادة.
إنما يجب الا نستنتج من ذلك سريعًا أن الإنسان لا عمل له في هذا العالم، على العكس، يؤكد القديس أوغسطين أنْ لا رابط أساسيًّا بين الكنيسة المسيحية و"الإمبراطورية"، ولا ينكر، تبعًا لذلك، اهتمامه الواعي، وأحيانًا المنفعل، بمثال المدينة القديمة، فهو وارثٌ بامتياز للثقافة الرومانية، ولا يغفل ما لها من حضارة سيطرت على حوض البحر المتوسط؛ لكنه يسعى الى إظهار أن الرومان، في جريهم وراء المطامع الأرضية، لم يحظوا بغير "الخيرات العابرة" السيطرة على العالم، لزمن معيَّن( )
ما فعلوه من أمر عظيم إنما كان بدافع من الوطنية، بيد أنهم أسلموا أنفسهم الى شهوة التسلط التي كانت، من بين شهوات الجنس البشري كلِّها، الأكثر إسكارًا للنفس الرومانية( )
وفي نص يوضح حال أهل المدينة الأرضية يقول أوغسطين.(هؤلاء الناس، مواطنو المدينة الأرضية، وقد حصروا اهتمامهم في واجب تأمين الخلاص لوطنهم ولملكه، لا في السماء بل على الأرض، لا في الأبدية بل في هذه الحياة، في سلالات متدافعة، تموت اليوم أو غدًا، لا فرق – ماذا أحبوا؟ أحبوا المجد الذي يَعِدُهم بحياة جديدة في مدائح المعجبين بهم) ( )
فالحياة الزمنية دار ابتداء تُعِدُّ للأبدية، والمصائب ليست للمسيحي غير امتحان وتأديب.( ).
إن المأساة الداخلية للمدينة الوثنية هي القهر والإكراه، تحت طائلة تدمير نفسها بحثًا عن العدالة والنظام والسلام من طريق قواها وحدها، في حين أن ذلك لا يمكن الحصول عليه الا من الله. المدينة الوثنية إذن تأخذ على عاتقها القيام بأمور هي من خصوصيات الله، وعلى ذلك اعتبرت الدولة الرومانية أن قانونها وسلامَها من المسلَّمات التي يمكن لها أن تتخطَّى تاريخ البشرية كلَّه، هذه المكابرة كانت سببًا لهلاكها، فبادعائها القيام بتنظيم كلِّ شيء، والسيطرة التامة، استبعدت الله. ( ).
وهو ما يعبر عنه أوغسطين بهذا النص الفلسفي العميق الذي يبين فيه بمثالية بالغة عن سبب تعاسة المجتمعات البشرية . حبَّان بنيا مدينتين، حب الذات حتى احتقار الله بنى المدينة الأرضية، وحبُّ الله حتى احتقار الذات بنى مدينة الله، إحداهما تُفآخر بذاتها، والثانية بالله تُفآخر، إحداهما تستجدي المجد من الناس، والآخر تضع أعزَّ ما تفاخر به في الله، الشاهد على ضميرها. حبٌّ في كبرياء، مجدُه يسير مرفوع الرأس، وحبٌّ يقول لإلهه: "مجدي أنت ورافع رأسي". ( ).
مدينة تقع أسيرة التسلُّط من خلال رؤسائها وانتصاراتها على سائر الأمم، ومدينة تقدِّم لنا مواطنيها موحَّدين بالمحبة، يتبادلون الخدمات، حكامًا مُجَلِّين ومحكومين مطيعين. إحداهما تعتزُّ بمقدراتها وقدرة رؤسائها، والأخرى تقول لله: "أحبك يا ربُّ، قوتي الوحيدة." ( )
بهذا يجعل أسباب النكبة التي أحاطت بروما كونها ابتعدت عن الله واقتربت من الشيطان من خلال اهتمامها بالملذات وغيبت الله وقربة مصالحها الوطنية على حساب قربها وطاعتها لله فكان حق ما لحق بها نتيجة ابتعادها عن الله .
وحتى بعد دخول روما في المسيحية فان اوغسطين كا يتابع أمبرواز في الفصل بين الدولة والكنيسة (للدولة المصالح المادية ، والحياة الخارجية ، والجزاءات الجسدية (السيف) . وللكنيسة المصالح الروحية.والحياة الداخلية ، والجزاءات الروحية البحتة "والكل يترافق ، دائما ، بالمحبة ".الا أن هذا لا يمنع من أن الكنيسة تضع نفسها في مستوى أعلى . فقضاؤها يمتد على الكون بدل أن يكون محدودا بشعب معين في حين أن الدولة ليست الا حقيقة متغيرة ومؤقتة ، ومهيأة للاختفاء عندما ستأتي مملكة الله ، فان الكنيسة تجد الأبدية أمامها ، وذلك بمقدار ما تجسد مقدما المدينة السماوية دون أن تندمج فيها .)( )
هناك إذا شرط حتى تكون الدولة قريبة من مملكة الله هي تقلدها تتشبه بها دون أن يعني هذا زواله الانقسام الذي حدث منذ زمن ادم بين الاثنين رغم أن ألتوحد اليهودي المسيحي تعبيرا عن تأثير الله في التاريخ إلا أن الانقسام يبدو من النص الأخير يبقى حتى تقوم المملكة المتخيلة لله على الأرض .يبدو أن الكنيسة تريد أن تبقى مستقلة عن تدخل الدولة وتجعل من نفسها سلطة فوق الدولة
الخاتمة :
كان أوغسطين رجل متحول قلق بين عقلة وعقيدته وان انتصرت الثانية على الأولى؛ إلا انه لم يترك الفلسفة ابد في ميدان تناوله القضايا العقائدية والتأويل والنقد والرد على المخالفين له ولدينه .إلا انه ارسل خطابا متعاليا امتدت أثاره عميقا في العصر الوسيط وفي الخطاب الديني عندما وضع أفكار للفهم ؛ إلا أن الأفكار سرعان ما تبدو متعالية عندما تم تابيدها بوصفها حقيقة أو محك الاختبار الحقيقة ،إن هي افتقدت التاريخ أو البداية، وبما أن النشأة الدينية هي الأكثر استعصاء على الأرخنة فإنها ستبدو متعالية، التعالي هنا لا يترادف مع المقدس تماما رغم التداخل الوثيق وإنما يشي بانسداد الفهم الذي ينتج التعالي ومن ثم الإيمان. عندما أصبحت القاعدة إنا "لست أسعى للفهم لكي أعتقد، بل إني أعتقد لكي أفهم".






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,517,137,020
- نظرية المعرفة
- إشكالية الخطاب الإعلامي والتحول الديمقراطي العربي
- من اجل إحياء العقلانية العراقية الغائبة
- آراء أهل المدينة الفاضلة
- رهانات الحداثة الإسلامية
- التأويل والريبة عند ماركس
- مفهوم الهوية وقبول الأخر
- مقاربة في رواية -الحنين إلى ينابيع الحب -
- تحولات -بروتيوس-(*)
- مجلة قراطيس
- رهان الهوية واليات التعايش في العراق الجديد
- جدلية المثقف والسلطة في الخطاب السياسي عند فلاسفة الإسلام
- مقاربه في المنهج
- إمام الصمت والاستقطاب الطائفي ماذا يحدث في اليمن ؟
- قراءة في مشروع بول ريكور التاويلي
- اللغة واليات انتاج المعنى
- اطياف الديمقراطية في تمثلات الذات العربية
- مقاربه في المجتمع المدني
- الحجة للقيام بإعمالهم العدوانية .مختارات من اعمال المفكر الع ...
- التعويضات بحق العراق ونظام الخلافة الدولية / مختارات من اعما ...


المزيد.....


- التعددية.. وتعديل المادة الثانية / فاخر السلطان
- الإسلام هو ...الله إستسلم....!! / عدلي جندي
- لاتعترفوا با- المجلس السوري - ممثلا شرعيا وحيدا / صلاح بدرالدين
- تهجير المسيحيين فى مصر نمط موضوعى أم عشوائى / أشرف انور
- الموسيقى والغناء,حلالٌ حلال / وليد يوسف عطو
- الأديانُ والتحولاتُ / عبدالله خليفة
- آساطير ألأولين- الفردوس المفقود / كامل علي
- مسلسل خيال علمي مصري من اخراج السلفيين واانتاج الاخوان المسل ... / رزاق عبود
- الفارق بين الشهيد والمقتول فى سبيل الله جلّ وعلا / أحمد صبحى منصور
- ألا يمكن للبشر أن يحتفلوا دون اقحام الصراع الميتافيزيقي في ذ ... / اجرعام ساكورا


المزيد.....

- مصادر سلفية: بسام الزرقا تلقي رفضا لطلبه إلقاء الخطب بالإسكن ...
- فن العديد والعدالة الناجزة
- استعداد مشفى يهودي بطهران لاستقبال الجرحى الفلسطينيين
- علاوي:ارتباك حكام العراق وجنوحهم للسيطرة والاستئثار واعتماد ...
- الشيخ عيسى قاسم يستنكر تهجم السلطة على المذهب الشيعي
- الامين العام للحزب الاسلامي العراقي اياد السامرائي يكشف تفاص ...
- الامين العام للحزب الاسلامي العراقي اياد السامرائي يكشف تفاص ...
- المالكي: يؤسفنا ان نرى دعاة الدم والإرهاب والطائفية يجتمعون ...
- مصر: اتهامات -غسيل الأموال- تُلاحق تنظيم الإخوان
- داعش الحلقة الغائبة


المزيد.....

- مقدمة في تاريخ الحركة الجهادية في سورية / سمير الحمادي
- ريجيس دوبري : التفكير في الديني / الحسن علاج
- الدين والثقافة .. جدل العلاقة والمصير / سلمى بلحاج مبروك
- رسائل في التجديد والتنوير - سامح عسكر / سامح عسكر
- مالك بارودي - محمّد بن آمنة، رسول الشّياطين: وحي إلهي أم شيط ... / مالك بارودي
- أصول أساطير الإسلام من الهاجادة والأبوكريفا اليهودية / لؤي عشري وابن المقفع
- أصول أساطير الإسلام من الأبوكريفا المسيحية والهرطقات / لؤي عشري
- تفنيد البشارات المزعومة بمحمد ويسوع / لؤي عشري
- النزعة العلمانية في الإسلام / نور شبيطة
- مصادر القرآن: بحث في مصادر الإسلام، وليم غولدساك3 / إبراهيم جركس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عامر عبد زيد - التأويل اللاهوتي لتاريخ عند أوغسطين