أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - حسني إبراهيم عبد العظيم - الإعلام وإنتاج الوعي






















المزيد.....

الإعلام وإنتاج الوعي



حسني إبراهيم عبد العظيم
الحوار المتمدن-العدد: 3635 - 2012 / 2 / 11 - 00:56
المحور: الصحافة والاعلام
    


يمثل الإعلام منهجا وعملية يقوم على هدف التنوير والتثقيف والإحاطة بالمعلومات، فهو يقوم بنشر الأخبار والحقائق على الأفراد من أجل إحداث توعية بين هؤلاء الأفراد، ويعد الإعلام أهم مصادر التوعية، فهو يساعد الأفراد على الإلمام بالحقائق التي تساعد على تنمية مداركهم وإنضاج وعيهم.
ويقصد بالتوعية إيجاد الوعي وإكسابه للأفراد والجماعات لحملهم على الاقنتاع بفكرة معينة أو رأي محدد، واتخاذ منحى سلوكي معين بقصد تحقيق نتائج يهدف إليها القائم بالتوعية، ويقصد بالوعي في هذا المجال، الإدراك والإحاطة ... وقد يعبر عن الوعي بالفطنة والذكاء، فيقال رجل واعٍ وامرأة واعية، وقد يقصد بالوعي العقل في مقابل اللاوعي أي اللاشعور أو ما وراء الحواس، وإذا كان مصطلح الوعي يعبر عن الإحاطة بحقائق الحاضر، فإنه كذلك يعني الإحاطة بحقائق الماضي، وإدراكها واستخلاص العبرة منها، ثم هو يعني أيضًا الرؤية الكاملة في تجربة الماضي.
والواقع أن الإعلام لكي يؤدي دوره في تنوير المجتمع وتوعيته، فإنه يقوم بمجموعة من المهام والأنشطة التي تتكامل في تحقيق هذا الدور، ويرصد أحمد النكلاوي في كتابه المدخل السوسيولوجي للإعلام الصادر عن مكتبة نهضة الشرق بالقاهرة في عام1977هذه المهام فيما يلي:

1. مقاومة الشائعات والقضاء عليها

من الثابت أن الإنسان يعيش في بيئة يتفاعل معها، يأخذ منها ويعطيها، ومن اللازم لاستمرار حياته أن يتعرف على هذه البيئة، وأن يدرك ما يتم فيها من تغير، وما يحدث فيها من وقائع وأحداث، وتشكل هذه الأحداث ما يسمى بالأخبار News والإنسان في بحثه عن الخبر مدفوع بدوافع نفسية واجتماعية داخلية تهدف إلى تعرفه على البيئة والمجتمع الذي يعيش فيه، ومن ذلك أن كل إنسان يحب أن يستطلع ما يجري حوله، ثم ينبغي أن يتناول ما يدور حوله بإدراكه وتفكيره وخياله ليصل في النهاية إلى مدلولات جديدة تضيف إلى معرفته بما حوله.
وإذا كان الخبر بما يجري لازم للإنسان لزوم حياته، إذ بدونه لا يستطيع أن يتعرف على ما يجري بمجتمعه، مما يؤثر على درجة تكيفه مع مجتمعه، وفي كثير من الأحيان قد لا يوجد الخبر ... وهنا يكون مجال الإشاعة.
والإشاعة Rumor هي معلومات تنتقل بين الأفراد دون أن تكون مستندة إلى مصدر موثوق يشهد بصحتها، وهي غالبًا ما تستهدف فردًا معينًا وربما تستهدف المجتمع بأسره، فقد يكون للإشاعة طابع محلي أو قومي أو عالمي، كما قد تنتشر ببطء انتشارًا مرسومًا ومحددًا، وأحيانًا تكون رمزية في صورة نكتة لا تقصد شيئًا معينًا بل تترك لكي يأخذ منها كل شخص حسب استنتاجه الخاص.
ويطلق على هذا النوع من النكات (النكات الموجهة) وقد استغلت إسرائيل عقب هزيمة يونيو 1967 سلاح النكتة في نشر شائعاتها واتجاهاتها المغرضة المؤثرة، وذلك لدراية الإسرائيليين بحب الشعب المصري للدعابة وسماع النكتة، وتؤدي الشائعات الممتزجة بالنكات إلى إحداث نوع من الهزيمة النفسية وخفض الروح المعنوية للشعوب.
وتؤثر العوامل النفسية على قوة انتشار الشائعة، كما أن لكل مستوى اجتماعي وثقافي إشاعاته الخاصة به، وإذا كانت الإشاعة تغذيها العوامل النفسية ـ وتساعد عليها ـ فإنها من ناحية أخرى هدفها نفسي ـ كما ذكرنا فيما سبق ـ وقد اعتمد اليهود عليها في حربهم النفسية منذ القدم هادفين من وراء ذلك إلى تضليل أعدائهم، وإشاعة أن: "الرب يؤيدهم باعتبارهم ـ كما يتوهمون ـ شعب الله المختار".
وكما يختلف نمط الشائعة تبعًا لاختلاف الفئات والمستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فإنها تختلف كذلك في المدينة عنها في القرية، فقد دلت الدراسات على أن المدينة بتنوعها وزحامها وسرعتها وتعقدها بيئة خصبة لانتشار الشائعات وذلك بسبب سهولة وسائل الاتصال وتنوعها ووفرتها.
وتتحمل العملية الإعلامية مشقة مواجهة حرب الشائعات بوسائلها المختلفة، ولا يمكن تحقيق هذه المواجهة بكفاءة ونجاح دون تناول تحليلي ودراسة عميقة لاتجاهات الرأي العام القائمة وطبائعها وعناصرها، والكشف بالتالي عن أنسب الطرق والأدوات لتعديل الشائعات ومقاومتها، وتوجيه أفراد المجتمع نحو خطورتها. ويفرض ذلك على رجل الإعلام أن يكون ملمًا بالعناصر والأبعاد المشكلة المؤثرة في كيان المجتمع الثقافي والاجتماعي، حيث تقوم المواجهة الإعلامية في ضوء مدخل سوسيولوجي متكامل يحقق لخطة العمل الإعلامي أكبر قدر من الفاعلية والتأثير.
وقد كشفت إحدى الدراسات التي أجريت في المجتمع الأمريكي عن انتشار المعلومات الصحية، قام بها مركز بحوث الرأي القومي الأمريكي National Opinion Research Center (NORC) أن وسائل الإعلام تلعب دورًا هامًا في نشر الوعي الصحي من خلال تبسيط المعلومات الطبية وتصحيحها، ومقاومة الأفكار والمعلومات غير الصحيحة المتداولة بين الأفراد مثل الشائعات المرتبطة بخطورة بعض الأمراض والمبالغة في وسائل انتشارها. (Feldman 1968: 651).
إن مقاومة الشائعات إذن تمثل همًا قوميًا ينبغي أن تتصدى له وسائل الإعلام من أجل رفع مستوى الوعي الاجتماعي في كافة المجالات: السياسية والاقتصادية والتربوية والدينية ... إلخ.

2. القضاء على الرواسب الثقافية المعوقة

تمثل الثقافة إطارًا شاملاً لكل جوانب الحياة، وعلى الرغم من تعدد تعريفات الثقافة إلا أن التعريف الذي قدمه "روبرت إدوين تايلور" R. E. Tylor عام 1971 يمثل واحدًا من أكثر التعريفات أهمية في تاريخ المصطلح، فلقد قدم "تايلور" أول تعريف منهجي للثقافة، وذلك في كتابه الثقافة البدائية حيث ذكر أن الثقافة هي ذلك الكل المعقد الذي يحتوي على المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون، والعادات، وكل القدرات والأعراف التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوًا في المجتمع. (Bernard & Spencer 1996: 137).
ويقصد بمفهوم الرواسب الثقافية Culture Residues بعض العناصر الثقافية التي ترسبت عن مواقف ثقافية قديمة كانت أكثر تكيفًا معها. ويذهب "هوبل" Hoebel في هذا الصدد إلى أن الراسب الثقافي هو عنصرًا أو مركب ثقافي تغيرت وظيفته الأصلية بمرور الزمن، بحيث أصبح استعماله مجرد اتفاق شكلي، أما "جاكوبز ويستيرن" Jacobs Western فيقرر أن الراسب الثقافي هو سمة ثقافية مستبقاه بوظيفة ضئيلة أو بدون وظيفة على الإطلاق، ويضيف "وينبك" Wenbick أن الرواسب الثقافية هي بقايا عصر سالف مازالت موجودة في الثقافة المعاصرة.
وقد اختلف العلماء حول القيمة (الوظيفية) للرواسب الثقافية، فيرى "ماريت" أن الرواسب الثقافية ينبغي أن تؤدي وظيفة معينة في السياق الثقافي لكي تبقى فآثار الماضي هي أكثر من مجرد كونها آثار، ذلك أن لها قيمة حاضرة في نظر المتمسكين بالقديم من أبناء المجتمع، وتجاهل وظيفتها الحالية هذه يكون بمثابة قطع الصلة بحركة التاريخ، ويختلف "ديفيد بدني" عن "ماريت" إذ يرى أن الرواسب الثقافية هي بعض عناصر الثقافة التي ربما فقدت –بالنسبة لنا الآن- وظيفتها الأصلية دون أن تكسب وظيفة جديدة.
ومهما كان الاختلاف فإن ما يمكن تقريره هما هو أن الراسب الثقافي سوف يؤدي دائمًا وظيفة بطريقة أو بأخرى حتى لو اختلفت هذه الوظيفة عن وظيفتها الأصلية ... فالرواسب الثقافية جزء من التراث الاجتماعي والثقافي للأمة، وهي من ثم تلقى احترامًا وتقديسًا في نفوس الأفراد الذين ينتمون إلى جيلها، وهم يحاولون الحفاظ عليها، بل ويصلون إلى حد تقديسها ترجمة لما يحملون لها في نفوسهم من ولاء صارم يقودهم إلى الانقياد لها، حتى لو كانت وظائفها قد تبدلت أو انتهت مع حلول جيل ثقافي آخر.
وهناك العديد من النماذج للرواسب الثقافية القائمة في الوقت الراهن في المجتمعات العربية والشرقية ومن بينها المجتمع المصري بطبيعة الحال. من أبرز هذه النماذج ما يعرف بالطب الشعبي Folk Medicine وهو نمط من الطب ساد في فترات تاريخية ماضية، وما زال الكثيرون يتبعونه في مجتمعات عديدة، وينظر إلى الطب الشعبي باعتباره إطارًا كليًا يجمع الصحة، والمعرفة، والقيم، والمعتقدات، والمهارات، والممارسات التي يقوم بها أفراد المجتمع والتي تشمل كافة النشطة الإكلينيكية وغير الإكلينيكية المرتبطة بالحاجات الصحية لأفراد المجتمع. (Anjinam 1945: 321).
ومن النماذج الأخرى – المنتشرة في مصر بوجه خاص- ظاهرة إرسال الرسائل إلى أضرحة أولياء الله الصالحين، وتحكيمهم في المشكلات التي يتعرض لها الأفراد، ومخاطبتهم، وزيارتهم، وتقديم الهدايا والنذور إلى غير ذلك من صور الرواسب الثقافية القائمة، وقد خضعت هذه الظاهرة لدراسة علمية دقيقة من جانب العالم الاجتماعي الكبير د. سيد عويس، وتناولها باعتبارها إحدى رواسب الماضي السحيق، ويرجع وجودها الآن بالضرورة إلى وجود قيم قديمة معينة استمرت على مدار الأيام. وهي قيم مستمدة من ظروف المجتمع المصري، أي أنها قيم لها أصول وجذور تاريخية.
وقد أوضح "عويس" أن دراسة هذه الظاهرة هي محاولة لإبراز سماتها، وفهم عوامل تمسك أفراد المجتمع بها على الرغم من صور التقدم الواضحة التي يعيشها المجتمع، والتي تسعى إلى تحقيق قيم إنسانية جديدة.
والواقع أن التأثير السلبي للرواسب الثقافية يكمن في أنها قد تحجب الرؤية الصحيحة للأشياء، وتجعل الإنسان أسير أفكار قديمة مرتبطة بظروف بنائية وتاريخية معينة، وبالتالي فإن هذه الرواسب تؤدي إلى إعاقة التقدم وتعطيل برامج التنمية المختلفة.
ولذلك فإن وسائل الإعلام تؤدي دورًا بارزًا في المواجهة التدريجية والمنظمة لهذه الرواسب، ويمكن أن نعتبر أن الكشف عن هذه الرواسب وتحديد مستويات انتشارها وجذورها الحضارية الكامنة في أعماق البناء الاجتماعي من المهام العلمية التي يقوم بها علماء الاجتماع، وتؤدي إلى نجاح وسائل الإعلام في التصدي لهذه الظواهر. ولذلك فإن التعاون مهم وضروري بين رجال الإعلام وعلماء الاجتماع لرسم خطة علمية منظمة وواعية من أجل مواجهة الرواسب الثقافية المعوقة والقضاء عليها قضاءً مبرمًا.

3. إبراز الشخصية القومية وإنمائها

يرى علماء النفس الاجتماعي أن الشخصية هي ذلك النسق المنظم للسلوك والاتجاهات والمعتقدات والقيم، غيرها من السمات والخصائص التي تميز الفرد. (لطفي "د.ت" 124) والشخصية هي نتاج تفاعل الإنسان مع عناصر بيئته الاجتماعية والثقافية والطبيعية، وهي في جوهرها نبتًا وترجمة واقعية لكيان المجتمع وثقافته القائمة.
فثقافة المجتمع هي التي تمد الفرد بنسق قيمة الأساسي بما يتضمنه من أفكار واتجاهات وإطارات مرجعية ومعتقدات اجتماعية، كما تمده بأنماطه الأساسية للتعامل، وتتضمن –فيما تتضمنه- العادات واللغة والإشارات والحركات وغيرها من الطرق الظاهرة. إذن فإن الثقافة والبناء الاجتماعي يلعبان دورًا في تشكيل شخصية الفرد، وهي ما يطلق عليها علماء الاجتماع الشخصية القومية، ويسميها الإنثروبولوجيون "الطابع القومي للشخصية".
ويمكن تعريف الشخصية القومية أو الطابع القومي National Character بأنه مجموعة الخصائص المميزة للشخصية الناتجة من العناصر الثقافية والبناءات النظامية التي تكفي لتمييز مجتمع عن غيره من المجتمعات، وتعد الجهود التي قام بها علماء السياسة من المحاولات الرائدة التي بذلت لدراسة الفروق والاختلافات القومية دراسة علمية منظمة، ... وقد تطور المصطلح بعد ذلك من خلال دارسات عالمة الأنثروبولوجيا الشهيرة "روث بندكت" Ruth Bendict .(عاطف غيث 1990: 299).
وتمثل الأخلاق Morals جوهر الشخصية القومية، ويقصد بالأخلاق –على نحو عام- مجموعة القواعد السلوكية التي تسلم بها جماعة من الناس في فترة تاريخية معينة ... ولما كان لكل شعب من الشعوب أخلاقه الخاصة التي عملت على تحديدها الظروف الاجتماعية التي أحاطت به، فليس في استطاعتنا أن نثبت في نفوس أفراده مبادئ أخلاقية جديدة مهما كان سموها وعلو شأنها، دون أن نحدث فيه شكلاً ما من التفكك الاجتماعي حتى نمهد السبيل لغرس القيم الجديدة.
والخلاصة الناجزة في هذا الصدد أن كيان الشخصية القومية كيان حضاري وجوهره أخلاقي – اجتماعي، ومن هذا المنطلق يتعين على المتعاملين مع الشخصية القومية لمحاولة إبرازها جلية وإنمائها وتقويتها أن يدركوا هذين البعدين الحضاري والأخلاقي، بحيث ينظر إليهما كوحدة متكاملة من عنصرين مترابطين. وهذا هو جوهر العمل الإعلامي، فمخاطبة الجانب الحضاري أمر هام، والأهم أيضًا مخاطبة الجانب الأخلاقي الاجتماعي فيها، فهو الذي يشكل سلوك الأفراد ويولد قيمة الانتماء للوطن.
وقد حصر "أحمد النكلاوي" أبعاد الشخصية القومية المصرية أو الطابع القومي للشخصية المصرية في ستة عناصر:
‌أ) القناعة. د) العطاء والكرم.
‌ب) الاستغراق في الوعي الديني. هـ) الولاء والارتباط بالأرض.
‌ج) الطاعة والتوحد. و) الشهامة والإقدام.
فقد كان الطابع القومي للشخصية المصرية –ولا يزال- بعيدًا عن النزعة الفردية Individuality فمن سماته الميل إلى العطاء أكثر من الأخذ، ويرتبط العطاء بالقناعة، وكان للبيئة المصرية الزراعية الفضل في خلق مصادر هذه السمات، وعاملاً مكنها من الوجود، وكان طبيعيًا من خلال الجمع بين الرضا والقناعة أن يكتسب المصري صفة الكرم، كرم في العطاء المادي، وسخاء في العطاء الفكري والوجداني.
ولقد نشأ العطاء الوفير والكرم إذن في مصر، وقد كان ولا يزال سمة من صلب البيئة الطبيعية، وعملت البيئة الاجتماعية على تهذيبها وتطويرها، وأضحى العطاء والكرم سمة مصرية أصيلة ننهل منها جميعًا مهما اختلفت الظروف وتباينت الأحوال.
أما الاستغراق في الوعي الديني –وهو سمة أصلية من سمات الطابع القومي المصري- فقوامه مركب وجداني عقائدي يمتد بجذوره في أعماق تاريخ مصر القديم، فالدين قد استغرق المصريين قديمًا وحديثًا بشكل مميز ملحوظ، فالمصريون كانوا ولا يزالون حريصين على الدين وعقائده وطقوسه وتقاليده، وقد ساعد استقرار الحضارة لمدة طويلة على أسس إنسانية على إيجاد نضج وجداني عند الإنسان المصري يجمع بين الواقعية والمثالية، وهو أعلى مراتب الوعي الروحي.
كذلك فقد تأصل في نفس المصري حب الأسرة والولاء لها، حتى أصبح ذلك سمة يعرف بها كل مصري تقريبًا، ومع التطور الاجتماعي نشأت الفردية شعورًا ذاتيًا يتجلى في البداية من خلال الولاء للأسرة، ثم يتعدى حدوده إلى الولاء للأسرة الكبيرة وهي "الأمة" ... ومن خلال حب الأسرة كان اهتمام المصري بالموتى والعالم الآخر نابعًا من عنايته بالذرية حتى لا تضيع تمامًا، وقد كان من ذلك اهتمام المصري بتحنيط الجثة قديمًا لتكون مصدر الحياة بعد الموت.
وقد كان ارتباط المصري بالأرض، وما يزال، وثيق الصلة بالولاء للأسرة، ويعد ارتباط المصريين بأرضهم من أكثر سمات الشخصية المصرية وضوحًا، وقد ترسخت هذه القيمة على مدار تاريخ الحضارة المصرية القديمة التي تأسست على الزراعة بشكل جوهري.
وأخيرًا فإن الطاعة تعد سمة واضحة لدى الإنسان المصري، وهي مرتبطة بقيم العطاء والقناعة والرضا، وتمثل طاعة الحاكم بصورة تبدو آلية إحدى تجليات هذه الطاعة، فلم يعرف تاريخ مصر الطويل ثورات شعبية عميقة ضد الحكم إلا في حالات نادرة، وقد لعب الفراعنة دورًا بارزًا في تعميق هذه السمة، وذلك لأنهم كانوا يحكمون باسم الآلهة، فكأن عصيان الحاكم هو عصيان للإله، وهذا يتناقض مع استغراق المصري في الوعي الديني، وحرصه الشديد على إرضاء الآلهة التي عبدها على مدار تاريخه.
وتعد شخصية "ابن البلد" من الملامح الأصلية للشخصية القومية المصرية، وهو مصطلح يشير إلى الشهامة والأصالة والفطنة، والكرم، وإذا كان هناك من يستخدم لفظ "ابن البلد" للإشارة إلى أبناء الطبقات الدنيا تمييزًا لهم عن أفراد الطبقات العليا "أولاد الذوات" الذين يعيشون نمطًا غريبًا من الحياة، فهذا التمييز غير دقيق، ومن شأنه أن يشيع التفرقة بين أبناء الأمة، ويؤسس نسقًا طبقيًا مغلقًا. فابن البلد هو مصطلح يشير إلى المصري الحقيقي Real Egyptian المصري المرتبط ارتباطًا شديدًا بالتقاليد المصرية – الشرقية، ويرفض الاتجاهات "الغربية" البعيدة عن طبائعه وأخلاقه.
والواقع أن وسائل الإعلام تلعب دورًا هامًا في إبراز الشخصية القومية وتنميتها، والكشف عن معالم تميزها وتفوقها، وتحاول قدر المستطاع تنقية هذه الشخصية من بعض الشوائب الثقافية التي التصقت بها نتيجة ظروف معينة، كاللامبالاة، وعدم تقدير الوقت واحترامه، والخوف ـــ المرضي أحيانًا ـــ من السلطة، وهو ما يدفع المصري في أحيان كثيرة نحو الخنوع.
والحقيقة أن الأعمال الدرامية بصورة عامة تقدم نماذج جيدة لشخصية ابن البلد بكل سماته الإيجابية، وإن كان يعيبها أنها تقتصر هذه الشخصية على أبناء الطبقات الدنيا، وساكني المناطق الشعبية في المدن الكبرى، وهو ما يعكس قصورًا في فهم هذه الشخصية فابن البلد كما أوضحنا هو المصري الحقيقي الذي يمثل جوهر هذا المجتمع بمختلف طبقاته الاجتماعية.

4. ضبط اتجاه الرأي العام وتوجيهه

اتفق كثير من علماء الاجتماع المحدثين على وجود ظاهرة نفسية تتميز بها الجماهير الشعبية، ويتشكل بها السلوك الجماعي بصورة عامة، وتتحدد وفقًا لها الضوابط والتنظيمات الاجتماعية بصفة خاصة، وهي ظاهرة تلقائية أطلقوا عليها العقل الجمعي أو الضمير الجمعي على نحو ما ذهب إليه عالم الاجتماع الفرنسي "إميل دوركايم".
على أنه يبدو أن فكرة العقل الجمعي في ذاتها فكرة فلسفية تجريدية لا وجود لها من الناحية الموضوعية، فالوجود الواقعي الملموس والمحسوس هو للرأي العام Public Opinion ويقصد به الفكرة السائدة بين جمهور من الناس تربطهم مصلحة مشتركة، إزاء موقف من المواقف أو تصرف من التصرفات أو مسألة من المسائل العامة التي تثير اهتماماتهم أو وعيهم بمصالحهم المشتركة.
وينبغي أن نلفت الانتباه في هذه الصدد إلى أن الرأي العام ليس مجرد رد فعل بسيط أساسه العرف والتقاليد، وإنما هو حصيلة امتزاج الأفكار بالعواطف، واختلاط التحيزات بالحقائق، وتصارع المصالح والمبادئ، وهو ليس رأيًا كليًا أو مطلقًا بمعنى الكلمة، فلا يكون مطلقًا في عموميته إلا نادرًا، ولذلك فإنه يقصد بالرأي العام في هذا المجال رأي الأغلبية Majority Opinion.
وينشأ الرأي العام نشأة تلقائية كجزء من التكوين الثقافي والحضاري للمجتمع، والذي يطلق عليه كثير من علماء الاجتماع مصطلح الرأي العام المستقر أو الثابت Static نظرًا لتأصله في البنية الاجتماعية، وحرص المجتمع عليه باعتباره صادرًا عن مجموعة القيم والمثل والنماذج الثقافية والعقائدية التي انتقلت عبر الأجيال المتعاقبة وأسهمت في بلورته، بشكل يضمن استقراره وثباته إلى درجة يصبح معها مصدرًا شفافًا يعكس تقاليد المجتمع وأعرافه، وتشريعاته، ويصبح قوة ضابطة فعالة لسلوك أفراد المجتمع ومواقفهم.
ويلعب الرأي العام دورًا هامًا في عملية الضبط الاجتماعي بشقية الرسمي وغير الرسمي، فعلى المستوى الرسمي نجد أن الرأي العام يمثل مصدرًا للتشريعات والتقنينات الضابطة في المجتمعات الديموقراطية، ففي ظل النظام الديموقراطي تكون القوانين تعبيرًا عن رغبات الرأي العام، وتحقيقًا فعليًا للإرادة الجماعية، وضمانًا للنظم والتنظيمات الاجتماعية. وعلى المستوى غير الرسمي فإن الرأي العام يؤثر في سلوك الأفراد وأحكامهم إزاء الأحداث الجارية، دون انتظار أو ترقب للإجراءات الرسمية التي تتخذها الهيئات المتخصصة في إصدار الأحكام والجزاءات على مخالفة الأفعال المشروعة. وغني عن البيان أن الرأي العام يؤدي إلى تطوير الجزاءات القانونية الرادعة بالنسبة لبعض الجرائم التي تهز الكيان الاجتماعي والثقافي.
والواقع أن عملية قياس الرأي العام عملية في غاية الأهمية، إذ أنها تنير الطريق أمام رجال الإعلام وغيرهم من الذين يرغبون في معرفة حالة الرأي العام معرفة دقيقة إزاء قضايا ومسائل معينة، كما تساعد على تعليم الناس وتثقيفهم. ويمكن لوسائل الإعلام أن تلعب دورًا مهمًا في ضبط الرأي العام وتوجيهه.
ومن القواعد الأساسية في ضبط وتوجيه الرأي العام التزام الإعلام خط التجديد كأمر مرغوب فيه، حتى لا تسأم الجماهير من التكرار الممجوج أو الرتيب، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الاستمرار بأسلوب واحد يعطي الفرصة للدعاية المضادة للرد على هذا الأسلوب، بينما أن عملية التجديد لا تمكن الأعداء من ملاحقة خطط الإعلام.
وليس معنى ذلك أن التكرار أمر غير مرغوب فيه لذاته، بل إنه في كثير من الحالات يعتبر "التكرار" وسيلة فعالة لغرس وإنماء الاتجاهات وتثبيتها، خاصة إذ اتخذ شكل عملية "التركيز المستمر" دون تكرار في الصورة أو المظهر فمثلاً لكي نخلق أو نعمق اتجاهًا مضادًا للصهيونية لابد وأن يركز الإعلام بصفة مستمرة على المذابح المتعددة التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين المحتلة، ولابد أن يذكر الجماهير بالفظائع المتكررة التي اقترفتها، وفي كثير من الأحيان، يكون من المستحسن أن تأخذ عملية "التركيز المستمر" أسلوب "الملاحقة" وبمقتضى هذا الأسلوب يعمد القائمون على عملية التوجيه، إلى ملاحقة المواطن في كل مكان يذهب إلية، وبمختلف وسائل الإعلام والاتصال.
ولاشك أن الرمزية واتخاذ الشعارات المبسطة التي يسهل ترديدها تعتبر من الأمور الجوهرية اللازمة لعملية تهيئة الرأي العام وتوجيهه في اتجاه معين، أو نحو هدف محدد أو غاية مرجوة.

5. تطوير القيم الاجتماعية وإدخال أخرى جديدة

يعد مفهوم القيم من المفاهيم التي اهتم بها كثير من الباحثين في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد والتربية، وقد أدى هذا التنوع إلى غموض المفهوم وعدم دقته. ويعني المفهوم في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، المستويات الثقافية المشتركة التي نحتكم إليها في تقدير الموضوعات والاتجاهات الأخلاقية والمعرفية، وهناك اعتقاد بين من يشاركون في هذه المستويات بأنها صادقة، وأنه يتعين الاعتماد عليها في تقييم الموضوعات ... ومن التعريفات الهامة في هذا الصدد تعريف "كلاكهون" C. Kluckhon فالقيمة هي تصور Conception واضح أو مضمر، يميز الفرد أو الجماعة، ويحدد ما هو مرغوب بحيث يسمح له بالاختيار من بين الأساليب المتغيرة للسلوك، والوسائل، والأهداف الخاصة بالفعل. (عاطف غيث 1990: 506).
وهناك فرق بين القيم والاتجاه attitude، فعلماء النفس الاجتماعي يرون أن الاتجاه هو ميل مسبق للاستجابة بطريقة صحيحة أو غير صحيحة نحو الموضوعات والأشخاص والمفاهيم أو أية أشياء أخرى، وثمة علاقة تربط الاتجاه بالقيم، فالقيم أكثر اتساعًا وعمقًا من الاتجاهات، ويمكن أن تستند عدة اتجاهات لقيمة واحدة. (Michelle 1982: 127).
والواقع أن نسق القيم Value System يمثل ركيزة أساسية في كل مجتمع إنساني، ولا يمكن لأي مجتمع أن يستمر في الوجود بشكل مرضي وسليم دون أن يستند إلى بناء قيمي متين.
ولذلك فإن تطوير القيم وتجديدها لتلائم الاتجاهات الحياتية المعاصرة الجارية في المجتمعات المتحضرة والمتقدمة يعد أمرًا جوهريًا لتغير المجتمع وتقدمه، ولما كان تطوير القيم الاجتماعية من الأمور التي تتطلب جهدًا كبيرًا فضلاً عن منظور تاريخي حضاري يكشف أصالتها وعمقها في بنية الكيان الاجتماعي والثقافي للمجتمع، فإن دور أجهزة الإعلام في هذا الأمر خاصة في مجال تطوير القيم العتيقة، وإدخال أخرى جديدة يعد من الأدوار بالغة الأهمية وبخاصة في إطار مجتمعاتنا النامية والتي تمر بمرحلة تحول.
والحقيقة أن هناك سيلاً هائلاً من الدراسات والبحوث التي تناولت مسألة تطوير القيم الاجتماعية، وكيفية هذا التطوير، وانتهت إلى بلورة دور الإعلام في ذلك ... وينبغي على المستغلين بالإعلام الاطلاع عليها والاستفادة منها عند رسم البرامج الإعلامية الخاصة بإدخال قيم جديدة من شأنها أن تحقق التوازن بين الفرد والمجتمع وتدعو إلى المشاركة الجماهيرية في العمل العام، بحيث تأتي أجهزة الإعلام معبرة عن المستويات الاجتماعية المختلفة.
والخلاصة من كل ما سبق أن القضايا المطروحة فيما يتعلق بدور الإعلام في تنوير المجتمع وتوعيته تمثل مرحلة أولى من مراحل تهيئة المجتمع لتقبل برامج التنمية، ومن ثم تيسير سبل نجاحها، ولذلك فإن الإعلام يساهم مساهمة فعالة في عملية التنمية، وهذا ما سنكشف عنه في الفقرة التالية مباشرة.
ـــــــــــــ
المصدر: حسني إبراهيم عبد العظيم، مقدمة في سوسيولوجيا الاتصال، مكتبة دار الكتاب الجامعي، بني سويف،ج.م.ع. 2011.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,591,280,944
- الجسد الأنثوي بين المعتقد الشعبي والمعتقد الديني: رؤية أنثرو ...
- من روائع الفكر المصري في عصر التنوير:رسالة إلى ولدي للدكتور ...
- المرأة في بر مصر
- وسائل الاتصال الجماهيري وتأثيراتها في الواقع الاجتماعي(*)
- حرية العقيدة في الإسلام قراءة في كتاب لا إكراه في الدين للدك ...
- تعليقا على الصورة العارية للمدونة علياء المهدي: الإنسان حيوا ...
- التطور التاريخي للاتصال الإنساني
- مفاهيم إعلامية
- حرية العقيدة في الإسلام: قراءة في كتاب لاإكراه في الدين للدك ...
- بيير بورديو . . . الفلاح الفرنسي الفصيح
- ذاكرة الجسد وذاكرة المجتمع
- ختان البنات ورأس المال الرمزي
- عن محمد الرسالة والرسول . . . هكذا تكلم نظمي لوقا
- كلمات الحق القوية
- الإسلام والحضارة(2) ردود وتعليقات
- الإسلام والحضارة : رؤية محايدة
- النظرية السوسيولوجية وقضايا الإعلام والاتصال
- ميشيل فوكو وتأسيس سوسيولوجيا الجسد (2) النظم الفاعلة في تروي ...
- الهرمنيوطيقا والوعي التاريخي: قراءة في كتاب (إشكاليات القراء ...
- البيئة والصحة والمرض: مقاربة سوسيو- تاريخية-*-


المزيد.....




- بالصور..11 منتجعاً حضرياً تنسيك عجقة المدن
- إسماعيل.. -روبن هود- العصابة المقدسة بفنزويلا
- -درون- تسجل لقطات مذهلة لبركان آيسلندا
- جنرال كلفته واشنطن بتنسيق التحالف ضد داعش لـCNN: لإيران دور ...
- المكسيك تلقي القبض على إيكتور لْيِفا أحد كبار رؤوس الإجرام ا ...
- استقالة مديرة الخدمة السرية المكلفة بحراسة الرئيس أوباما
- واشنطن: تدريب معارضة سوريا يحتاج سنوات
- وزيرة بحرينية تهاجم حزب الله وتنفي وجود "أكثرية شيعية&q ...
- مقتل 3 أشخاص بتفجير في أفغانستان
- بالفيديو.. 4 سنوات لطفل في دقيقتين ونصف


المزيد.....

- هل تحولت علوم الإعلام والاتصال في المنطقة العربية إلى ساحة ل ... / بن سالم رشيد
- النظرية السوسيولوجية وقضايا الإعلام والاتصال / حسني إبراهيم عبد العظيم
- وسائل الاتصال الجماهيري وتأثيراتها في الواقع الاجتماعي(*) / حسني إبراهيم عبد العظيم
- الصحافة العراقية والتطور السياسي والاقتصادي والثقافي 1869-19 ... / ابراهيم خليل العلاف
- الصافة المطبوعة والصحافة الرقمية( الالكترونية ) دراسة مقارنة / ناجى عبدالسلام السنباطى
- مقالات لا تخلو من فوائد / ماجد الكعبي
- الصهيونية والوطنية الفلسطينية في مجلة -حيفا- / محمد باسل سليمان
- الراصد النشرة الثانية من العام 2006 / مركز التنمية البيئية والاجتماعية
- مختارات من حكي الجرايد الشامية / أثير محمد علي
- واقع الممارسة الصحفية في المغرب من خلال ماورد بتقرير النقابة ... / عمر الفاتحي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - حسني إبراهيم عبد العظيم - الإعلام وإنتاج الوعي