أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أسعد محمد تقي - ويحدّثونك عن الربيع العربي















المزيد.....

ويحدّثونك عن الربيع العربي


أسعد محمد تقي

الحوار المتمدن-العدد: 3598 - 2012 / 1 / 5 - 16:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



إنهم يطلقون على ما يحدث في بعض البلدان العربية صفة الثورات ويعطونها نكهة الربيع.. وصار من المفترض أن يهلّل الجميع لهذا الحدث الذي هز الدكتاتوريات وأزال البعض منها ولا يزال يحاول اقتلاع ما تبقّى منها. ولكن، وقبل كل شيء، ينبغي أن نتساءل عن الخصائص العامة التي ينبغي توفّرها بأيّ حدث لكي نطلق عليه صفة الثورة.
فالثورة في حقيقتها تتويج لصراع يقوم على تناقض المصالح وهذه المصالح لا يمكن التوفيق بينها وإلغاء تناقضاتها المحتدمة إلا بإلغاء واحدة من الجهتين المتصارعتين. فعندما احتدم الصراع، مثلا، بين مصالح الطبقة البرجوازية الصناعية في أوربا القرن التاسع عشر ومصالح الطبقة الإقطاعية؛ طبقة النبلاء وامتيازاتها، وصارت هذه المصالح والامتيازات معيقة لتطوّر الطبقة البرجوازية الناهضة، أدركت هذه الطبقة استحالة التوفيق بين مصالحها ومصالح الإقطاعيين، وخاصة حاجة البرجوازية لانتقال البضائع عبر أراضي البلد الواحد بحرّية كافية دون الحاجة لدفع الرسوم والضرائب لكل إمارة أو إقطاعية، مما يقلّل من سهولة انسياب البضائع ويزيد من صعوبة استهلاك الكثير منها بسبب ارتفاع التكلفة وبالتالي ارتفاع أسعارها؛ الأمر الذي يشكل إعاقة كبيرة لتطوّر الإنتاج الصناعي, وكذلك حاجة البرجوازية الصناعية الناهضة الى الأيدي العاملة الرخيصة، فيما يحتجز الإقطاعيون الكثير من قوة العمل داخل إقطاعياتهم تحت تأثير الارتباط بالأرض عبر الديون وإشاعة التخلف, يساعدهم في هذا التحالفُ القائمُ بينهم وبين الكنيسة.
لهذه الأسباب وأسباب أخرى, صار من غير الممكن الاستمرار وفق النمط الإداري القديم للدولة ورأت البرجوازية التي امتلكت القوة الاقتصادية التي يوفرها الإنتاج الصناعي وامتلكت الى جانبها العلوم الضرورية لتطوير هذا الإنتاج, رأت أن صراعا كهذا يجب أن ينتهي بإزاحة الطبقة الإقطاعية وتحرير قوة العمل في الريف من الارتباط بالأرض، وهو ما حدث في أواسط القرن التاسع عشر حيث تمت الإطاحة بالحكومات الإقطاعية ونشأت مكانها الحكومات القائمة على سيطرة القوى البرجوازية. وقد تميّزت هذه الثورات بنشوء الوعي الطبقي لدى طرفي الصراع وإدراك الطبقة الرأسمالية الصناعية الناهضة لطبيعة مصالحها الطبقية. وعلى أساس من هذا الوعي نشأت أحزابها السياسية وأنجزت هذه الأحزاب وظيفتها في قيادة طبقتها الى لحظة الثورة للتخلص من نقيضها الطبقي.
وفي الأدب الماركسي نجد تحليلا مماثلا لتطوّر الصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة التي وُلِدَت معها وتطوّرت بشكل متلازم معها وهي الطبقة العاملة: الرأسماليّة تطوّرت عبر تطوّر العلوم وتركّز رأس المال وتحوّله من الشكل الوطني الى الهياكل المتعددة القوميات عبر ما يشبه ابتلاع الحيتان الكبيرة للحيتان الأصغر منها وهذه بدورها تبتلع الأسماك الأصغر. وهكذا نجد أن عملية تركّز رأس المال تجري على قدم وساق وفي الوقت عينه يزداد استثمار الطبقات الكادحة حدّةً. وفي مسار التطوّر هذا تدرك الطبقات المنتجة ضرورة الحفاظ على مصالحها الطبقية وضرورة انتظامها في تشكيلات نقابية للدفاع عن حقوقها، وتكتشف الحاجة الماسّة لإنشاء حزبها الخاص الذي سيقيم التحالفات مع باقي الطبقات المنتجة وخاصة الفلاحين المعدمين وصغار ملاك الأرض وكذلك مع شغيلة الفكر من البرجوازية الصغيرة ويقود صراعها ضد مستثمريها . وعندما ترتفع حدة الصراع يصبح من غير الممكن ان تستمر الأمور على مسارها السابق فتحدث الثورات التي تتسم بالطابع الديموقراطي من نمطٍ جديد تفرض من خلاله الطبقات المستَثمَرَة قوانينها التي تحفظ لها حقوقها في الحياة وتقيم العدالة الاجتماعية على أساس القيم الاشتراكية وما يرافقها من تطوّر روحي وعلمي
وباختصار شديد , يمكننا أن نجمل مقوّمات الثورات بنقاط محدّدة .. أولها , وجود الصراع الطبقي وتطوره الى حد الاحتدام الذي لا يقبل أنصاف الحلول .. وثانيها , إدراك أطراف الصراع لمصالحها الطبقية وارتفاع وعيها الى الدرجة التي يصبح بإمكانها اختيار الوقوف حتى النهاية في ساحة الصراع وثالثها وجود المراكز القيادية , أحزاب ومنظمات نقابية , والتي تستوعب احتياجات النضال الثوري وتقود طبقتها عِبْرَ تحالفات الى لحظة الثورة .. وهناك أيضا عنصر آخر يدخل في عداد مقوّمات أو محفزات الثورات وهو وجود القوى الأجنبية المهيمنة على دولة من الدول وفي هذه الحالة يجري الصراع بين النفوذ الأجنبي وبين جميع طبقات الشعب الوطنية بما فيها الرأسمالية باستثناء تلك الشريحة من البرجوازية المرتبطة بالمصالح والشركات الأجنبية وهي البرجوازية الكومبرادوريّة التي نستطيع تلمّس دورها التخريبي في مجمل المواجهات السياسية الوطنية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

والآن ... ماذا يمكن أن يُقال عن الثورات في البلدان العربية ؟ وما هو نوع الصراع الذي أدّى إلى هذه الثورات؟ وما هي الأهداف التي حركتها؟ وأيّة طبقة من طبقات المجتمع, في كل بلد على حده, قادت هذه الثورات؟ وبسؤال جامع.. ما هي القوى المشاركة فيها؟
المطلب الرئيس الذي رفعته الحشود المشاركة هو "الديمقراطية".. ولكن الديمقراطية من أجل ماذا ولأيّ هدف؟ كلنا نعرف أن برجوازية أوربا الصناعية الناهضة في أواسط القرن التاسع عشر رفعت شعار الديمقراطية لكي يخدم تلك الطبقة, يخدمها في شيء محدّد هو تكريس الحرية الشخصيّة وحرية المِلْكِيّة الخاصة لوسائل الإنتاج وإلغاء سقف هذه المِلكيّة, الى جانب أهداف أخرى من ضمنها القضاء على النمط الأخلاقي والاجتماعي الذي كانت تكرسه القيم الإقطاعية النابعة من قيم الكنيسة والمرتبطة بها أشد الارتباط عبر التحالف المعروف القائم على أساس تقديم الدعم الإقطاعي لرجل الدين وكنيسته مقابل أن يعمل الأخير على إخضاع الفلاحين وباقي الفئات لسلطة الإقطاع باستخدام قدسية الكنيسة المستمدة من السماء... وعندما طالبت الرأسمالية الناهضة آنذاك بالديمقراطية كانت تعرف جيدا إنها ستطيح من خلالها بطبقة كاملة ونظامها وقيمها الاجتماعية ومن ناحية أخرى كانت هذه الطبقة الرأسمالية قد وصلت الى مستوى من التطوّر يؤهلها لقيادة المجتمع وفق قيمها الجديدة ومنظومة أخلاقياتها وقدراتها الإنتاجية. وكانت تستشعر قوتها الكامنة في هذه القيم وتدرك جيدا إنها ستحقق الانتصار لا محالة لأنها وصلت الى مستوى من القوة يكفي للإطاحة بالخصم الإقطاعي.
والآن ماهو حال الطبقة البرجوازية ورأسمالية بلداننا العربية؟ وماهو مستوى التطوّر الذي أحرزته في صراعها ضد إقطاع بلدانها وقيم التخلف والبداوة السائدة؟ وقبل هذا وذاك ما هو موقعها في الإنتاج؟ هل تمتلك برجوازية العالم العربي القدرة على القول إنها تمتلك حدودا واضحة؟ وهل تطورت الى الحد الذي يمكن القول معه إنها قادرة على أن تدير الاقتصاد وفق قدراتها الإنتاجية؟ وقبل هذا, ينبغي أن نسأل: هل برجوازيتنا منتجة وتمتلك ناصية الإنتاج الصناعي وقادرة على منافسة الآخرين تحت مظلة الديمقراطية والحرية التي تفترضها الديمقراطية وخاصة الحرية في مجال التبادل التجاري للبضائع المنتجة؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فهل بإمكاننا أن نجد ملامح الشكل الآخر من الثورات؟ الشكل الذي تفترضه القوى المنتجة للخيرات المادية والتي تبيع قوة عملها, العمال والفلاحون والكسبة وشغيلة الفكر؟
بطبيعة الحال, لا يمكننا التحدّث عن وجود طبقة عاملة ذات حدود طبقيّة محددة.. فطبقتنا العاملة في جميع الدول العربية, مع ضرورة الإقرار ببعض الفوارق بين هذه الدولة أو تلك, لم تستطع حتى هذه اللحظة أن تتخلص من إسقاطات القيم الريفية التي تنتمي الى منظومة القيم الإقطاعية أولا، وهي لم تتطوّر إلى مستوى يكفي لجعلها تدرك بوعي مصالحها الطبقيّة ثانيا, وهي لا تمتلك, كما هو حال الطبقة العاملة في الدول المتطوّرة, تجمعاتها الكبيرة في المصانع والمعامل الضخمة ثالثا, الأمر الذي يمنحها القدرة على الشعور بجماعية العمل النضالي مما يمنحها الثقة بقدرتها على المواجهة.. وأخيرا علينا الاعتراف بأن الطبقة العاملة في بعض البلدان العربية شاركت, وفي أحيانٍ كثيرة قادت النضال الوطني في مراحل عديدة من تاريخ البلدان العربية ويُفترض أن يكون هذا مدرسة لتخريج قادة سياسيين ونقابيين من نمطٍ فريد يتمكنون في مرحلة من مراحل النضال من قيادة الطبقة العاملة وحلفائها إلى الربط الوثيق بين الحقوق الطبقية والقضايا الوطنية , ولكن الذي حدث إن الأنظمة العربية, وهي بمجملها تربعت على دست الحكم بفضل تعاونها الخفي أحيانا والمكشوف أحيانا أخرى مع الغرب الرأسمالي, هذه الأنظمة كرّست جُلَّ نشاطها لمواجهة حركة الطبقة العاملة وباقي الكادحين ووضعها تحت طائلة القمع والإرهاب والتفتيت والتصفيات الجسدية بمختلف الطرق حتى أضحت هذه الحركة مجرّد بقايا اقتضتها الظروف الموضوعية لوجود الطبقات, ومن تبقّى من قادتها (وهم يمثلون خبرات الحركة) فإنهم يعيشون إما في المنافي أو يتخفون تحت واجهات شتى.. ولا يعتقد الكثيرون من متابعي الشأن السياسي أنّ الأمر اختلف الآن بعد نهاية الحرب الباردة وتضاؤل تأثير الحركة اليسارية عموما في العالم.
وإذا كانت البلدان العربية جميعها لا تمتلك برجوازيتها التي تناضل من أجل الديمقراطية لكي تسود قيم المجتمع الرأسمالي والحرية الفردية ولكي يُبنى الاقتصاد الوطني على أساس العلاقات الرأسمالية وسيادة المبادرة الفردية..هذا من ناحية.. ومن الناحية الأخرى لا تمتلك شعوب هذه البلدان طبقتها العاملة المتطوّرة نقابيا وسياسيا بل وحتى اقتصاديا وكذلك باقي الكادحين في هذه البلدان، وهو ما يعني إن هذه الطبقات غير قادرة على خوض نضال سياسي ثوري واضح المعالم والأهداف.. وإذا كان كلُّ واحدٍ من هذه البلدان لا يمتلك أصلا سوقا واقتصادا موحّدا متكامل الأجزاء يوحي بالحاجة الماسّة للقيم الديمقراطية...
فما الذي يدفع شعوب هذه البلدان الى الانتفاض والثورة؟
هل هو الكفاح الوطني ضد الاستعمار والنفوذ الأجنبي ؟ أم هو البرنامج الاقتصادي ذو الملامح المحدّدة؟ أم هي المطالب المعيشيّة ومتطلبات الحياة اليومية من تعليم وصحة وسكن الخ؟ ولكننا لم نجد لا هذا ولا ذاك في شعارات الثورات تلك.. فقط الشعب يريد إسقاط النظام وعرفنا من الفضائيات أن القوى الموجهة لهذه الثورات التي من الممكن أن تزلزل الكيانات الاقتصادية للبلدان الرأسمالية هم مجموعات كبيرة من الشباب الذين يتواصلون مع بعض من خلال الفيسبوك والتويتر وباقي وسائل الاتصال المستنبطة من ثورة الاتصالات والمعلومات الحديثة. ورغم أن هذا ليس بالأمر الهيّن , إلّا أنه غير كاف لتوجيه نضال الشعوب بالرغم من إنه قد يكون كافيا لإشعال فتيل البدء لكي تتولّى الحركات السياسيّة الأمر بعد ذلك0
إذن ما الذي دعا الشعوب العربية إلى الانتفاض الآن وضمن معطيات ظروف العولمة التي اتخذت الطابع الرأسمالي بعد الانتصار المدوي للرأسمالية في الحرب الباردة؟ وقد يفرض سؤالٌ آخر نفسه: لماذا نجد البلدان الرأسمالية وحلفها العسكري, الناتو, وآلتها الإعلامية شديدة الحماس لدعم هذه الثورات ودفعها لإنجاز مهامها الآنية المتمثلة بإسقاط أنظمتها المحلية؟ وما هي الدوافع التي تجعل من التدخّل العسكري شيئا ضروريا لهذه الرأسماليّات رغم الخسائر البشرية والمادية والتكلفة المعنوية والأخلاقية لمثل هذا التدخل؟
أمريكا دخلت الكثير من الحروب منفردة تدفعها شراهتها للمكاسب الإقليمية وثقتها بأنها الدولة الأقوى عسكريّا واقتصاديّا في العالم كله, فما بالها الآن تطالب حليفاتها الأوربيات بالتعاون العسكري لتغيير الأنظمة العربية, تلك الأنظمة التي أوجدتها هي بنفسها في زمن الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي؟
أعتقد أن الإجابة على هذه الأسئلة سوف تسلّط الضوء الكافي على مسار الأحداث وتمنحنا بعض القدرة على استجلاء كنه الأحداث اللاحقة.

فالغرب عموما, وأمريكا على وجه الخصوص, يعاني من ضغط الأزمة الاقتصادية.. إذ إنّ أمريكا تعرّضت لخسائر فادحة بسبب فتح جبهتي حرب كبيرتين في آنٍ واحدٍ, وكانت هي مركز أزمة الائتمان العقاري والتي امتدّت إلى جميع فروع الاقتصاد وطرقت أبواب كل البلدان تقريبا وما زالت تتفاعل مرتديةً ثوب أزمة القروض السياديّة في أوربا بشكل خاص. وهذه الأزمة, بل الأزمات, حتّمت على الغرب الرأسمالي وأمريكا بالذات أن تدرك الضرورة القصوى للتعاون الدولي والتنازل مؤقتا عن بغلة القيادة المنفردة والقطب الأوحد للعالم, وبما أن لكل شيء ثمناً, وفق المنطق الرأسمالي, فإن الثمن هذه المرّة كان, كما يبدو, مطالبة أوربا لأمريكا بالتنازل عن مناطق النفوذ, والتي هي تقليديا مناطق نفوذ لدول أوربيّة بعينها وفق اتفاقية سايكس-بيكو واتفاقيات وتفاهمات أخرى أعقبت الحرب العالمية الأولى ومن ثم الحرب العالمية الثانية والتي حددتها أحجام المشاركة بتلك الحرب, ويجب أن يُفهم أن التنازل ليس ترك الساحة وإنما توزيع الحصص وفق الميزان الواقعي والفعلي للقوّة العسكرية والقوّة الاقتصادية لكل دولة في الغرب الرأسمالي وبالتالي فإن عمليّة التخلص من الأنظمة الدكتاتوريّة هي في حقيقتها تهيئة الأرض لإقامة أنظمة تمثل ميزان القوى الجديد بين الولايات المتحدة وحليفاتها الأوربيات وهي بمجملها عمليّة إعادة اقتسام مناطق النفوذ من جديد. ومن الواضح إن إعادة اقتسام مناطق النفوذ يقتضي جملة من الإجراءات لأضعاف قدرة الدول المعنية وشعوبها على التحرّك لاستعادة استقلالها والسيطرة على ثرواتها, وسيكون في مقدمة هذه الإجراءات تفتيت الدول إلى دويلات صغيرة لا حول لها ولا قوّة وتسليم الحكم إلى قوى متطرفة استعدادا لتحريك أسباب الحروب الطائفيّة والقوميّة والدينية وعندها فإن أية مقاومة للأطماع الغربيّة لن يُكتب لها النجاح.
والولايات المتحدة في غضون ذلك سوف تنشر الفوضى في المناطق التي تنوي الانسحاب منها جزئيّا لصالح حلفائها بهدف كسب أقصى ما يمكن كسبه من هذه الفوضى ووضع الحلفاء في موضع القبول بالحد الأدنى من المطالب وإلا فإن عليهم مواجهة تكاليف الفوضى والسيطرة عليها والإرهاق الذي سوف تسبّبه لاقتصاديات دُوَلِهِم.
أمّا موقع الشعوب العربيّة من هذه الهزّات فهو نابع من إدراكها لحقيقتين مهمّتين, الأولى إنها تكره حكّامها وتعتبرهم طغاة جاءت بهم الولايات المتحدة الى سدّة الحكم للسهر على مصالحها ورعايتها على حساب المصالح الوطنية. والثانية هي إن هذه الشعوب أدركت, بحِسّها السياسي المرهف, إنّ هؤلاء الطغاة قد رُفِعَت اليد عنهم, يد الحماية الأمريكيّة, وصاروا في مواجهة شعوبهم لوحدهم.. وانطلاقا من تلكما الحقيقتين تحرّكت الشعوب لمعاقبة حكامها ولأخذ المبادرة في إدارة شؤون بلدانها. ولكن حقيقتين أخريين كانتا تفعلان فِعْلَهُما في ساحات الصراع: أولاهما إنّ حركة هذه الشعوب افتقرت إلى البرنامج الواضح لمرحلة ما بعد إسقاط الأنظمة, وأعني به البرنامج السياسي والاقتصادي الذي سيحكم مرحلة ما بعد التغيير، وثانيهما افتقار الحركة بمجملها إلى القيادة السياسيّة المجرِّبة والمميَّزة, القادرة على فهم متطلبات الموقف وبالتالي قيادة الحركة الاحتجاجية بنجاح.. هاتان الحقيقتان تعكسان بوضوح الطبيعة القاسية والشرسة للأنظمة الدكتاتوريّة وفاشيّتها التي حرمت شعوب المنطقة من إمكانيّة امتلاك حركات سياسيّة ناضجة ومتماسكة ومتطوّرة تحت مطرقة القمع, إضافة إلى حرمانها من نِعَم الثقافة والعلوم.

في هذه الثورات هناك جانبان: حركة الشعوب وتطلعاتها نحو أهداف نبيلة -وأكثرها نبلا هو تطلع هذه الشعوب نحو إقامة نظام يسود فيه القانون والحريات من أجل بناء نظام اقتصادي عادل- ولا أعتقد أن في ذهن هذه الشعوب ذاك الشكل التهريجي من الديمقراطية الغربية والذي أفرزته التجربة الأوربية في القرن التاسع عشر وفق معايير المجتمعات الأوربية آنذاك والذي تطوّر فيما بعد عبر أكثر من قرن ونصف الى الشكل الراقي الذي نراه اليوم. وقد يكون مهما ملاحظة إن هذا المسار الطويل من التطوّر حافظ على الموقع المهيمن لرأس المال وأعطاه دائما اليد الطولى لتقرير مصائر شعوب أوربا وفق مصالحه. وقد يعلق البعض بالقول إن هذا الشكل قد منح شعوب أوربا تقدمها ورفاهيتها. نعم هذا هو بالضبط ما حدث ويحدث الآن, ولو ان هذا الطريق اعترته الهزات التي تضرب الاقتصاد الرأسمالي بين آنٍ وآخر وتكتشف شعوب أوربا ومعها شعوب المستعمرات ومناطق النفوذ إنها هي التي تدفع أثمان هذه الأزمات وأثمان حلولها. والفضل في كل الرفاهية التي تتوفر الآن لشعوب الدول الرأسمالية هو في كون الرأسمالية تعمل كمنظومة متناسقة وخاصة في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية, هذه المنظومة بأجمعها تعتمد في رفاهيتها على بؤس شعوب المستعمرات والدول التي وقعت تحت النفوذ الصارم لرأس المال في شكله الجديد: الشكل الاقتصادي المدعّم بالقوة العسكرية الهائلة.
إن البلدان العربية وشعوبها تمتلك خصائص لابدّ وإنها تستدعي بعض الفوارق وتستدعي أيضا قوانين وتشكيلات جدّية لكي تتمكن هذه البلدان من قطع المسافة الشاسعة بينها وبين العالم المتمدن. وهذه مهمة لا تحتمل الترهات التي نراها في التشكيلات التنظيمية في البعض من هذه البلدان التي أسقطت دكتاتورياتها.. برلمان وهيئات وتشكيلات مسلحة مشوّهة وغير منسجمة مع أهداف محددة وفساد إداري ومالي مشرعن بالعرف أو بالقانون.
وهناك في الجهة الأخرى أو الجانب الآخر من هذه الثورات.. الجانب الذي سوف يسود في النهاية.. هذا الجانب يعني بالضبط تفاهمات معينة بين الدول الرأسمالية، وقد يتعلق الأمر لهذا الحد أو ذاك بالاقتصاد العالمي, المقبل على مرحلة من أزمة لم يَبْدُ منها إلّا الجزء الذي يظهر من جبل الجليد العائم, أما ما خفيَ منها فقد يتسبّب بأحداث عالميّة شديدة الخطورة.. إذ إن الرأسمالية تعوّدت أن تَحُلَّ مشاكلها الكبيرة بالحروب الكبيرة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,469,871,023
- الدكتور عبد الخالق حسين بين النوايا الطيبة والموقف من اليسار
- النكتة الأمريكية
- ماذا يحدث ؟
- حول تشكيل الحكومة العراقية الدستوريّة الثانية..آراء وملاحظات
- من سيكون الأقدر على الوصول الى منصب الإدارة... منصب رئيس الو ...


المزيد.....




- وصفه حقوقيون بالمزحة.. مصر تستضيف مؤتمرا لمناهضة التعذيب
- ترامب يدعو باكستان والهند إلى تخفيف حدة التوتر
- دعوات سودانية بالديمقراطية: عقبال للجزائر
- إقالة مدير إدارة السجون الأميركية على خلفية انتحار إيبستين
- ترمب يدعو إلى خفض التوتر بين الهند وباكستان بشأن كشمير
- كوربن: سنسعى لمنع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفا ...
- مقتل جنود سعوديين في اشتباكات مع الحوثيين
- إلغاء استقلال كشمير الذاتي مجازفة قد تأتي بنتائج عكسية
- عملية عسكرية للتحالف بصنعاء وتشكيلات موالية للإمارات تحاصر ق ...
- باراغواي تدرج -حزب الله- و-حماس- على قائمة الإرهاب وإسرائيل ...


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- اللاشعور بحث في خفايا النفس الإنسانية / جان كلود فيلو - ترجمة علي أسعد وطفة
- رأسمالية المدرسة في عالم متغير :الوظيفة الاستلابية للعنف الر ... / علي أسعد وطفة
- الجمود والتجديد في العقلية العربية : مكاشفات نقدية / د. علي أسعد وطفة
- علم الاجتماع المدرسي : بنيوية الظاهرة الاجتماعية ووظيفتها ال ... / علي أسعد وطفة
- فلسفة الحب والجنس / بيير بورني - ترجمة علي أسعد وطفة
- من صدمة المستقبل إلى الموجة الثالثة : التربية في المجتمع ما ... / علي أسعد وطفة
- : محددات السلوك النيابي الانتخابي ودينامياته في دولة الكويت ... / علي أسعد وطفة
- التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي / علي أسعد وطفة وعبد الرحمن الأحمد
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أسعد محمد تقي - ويحدّثونك عن الربيع العربي