عمار ديوب - كاتب وناشط يساري سوري - في حوار مفتوح حول: ثورة الخبز والحرية في سوريا ضد سياسات الليبرالية الجديدة والاستبداد، دور ومكانة القوى اليسارية والتقدمية


عمار ديوب
الحوار المتمدن - العدد: 3594 - 2012 / 1 / 1 - 18:19
المحور: مقابلات و حوارات     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.

حوارنا - 70 - سيكون مع الاستاذ عمار ديوب - كاتب وناشط يساري سوري - حول:  ثورة الخبز والحرية في سوريا ضد سياسات الليبرالية الجديدة والاستبداد، دور ومكانة القوى اليسارية والتقدمية.
 

الدلالة الرمزية لهاتين الكلمتين واضحة تماماً؛ فالثورة السورية، هي ردٌّ على السياسات الليبرالية في سورية، وتحديداً في السنوات الخمس الأخيرة، وكذلك هي ردٌّ على استبدادٍ مديدٍ، غطى العقود الأربعة من تاريخ بلادنا. الاستبداد قديم، ولم ينتج لوحده ثورة، ولكن وحينما تأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي للفئات المفقرة، كانت الثورة، المستندة إلى الإفقار أولاً ثم إلى تاريخٍ من الاستبداد كما أشرت.
تفجر الثورة السورية جاء في إطار ثورات عربية لها الأسباب ذاتها، ولكن تميّز سورية يكمن في تطبيقها المتأخر للسياسات الليبرالية وقوانين السوق المنفلتة والانفتاح على تركيا والصين بصورة خاصة مع غياب أيّ شكلٍ سياسيٍّ للتعبير، وهو ما أزّم الأوضاع، وأوجد كتلة بشرية تصل لقرابة أربعين بالمائة من العاطلين عن العمل، وأجور شحيحة، لا تتناسب أبداً مع الأسعار العالمية للمواد في سورية، فالأجور محلية والأسعار عالمية؛ ولكن كذلك ليس بحدّة تأزم الأوضاع في مصر وتونس.
سيفسر البعض هذا الكلام بأنّه تلبيس الثورة ثوب الماركسية، إذ أن حجته في ذلك: لماذا لم يرفع الشعب المطالب العمالية والفلاحية والطلابية واضحة ومحدّدة وغيرها.
نقول: إن سورية حُكمت بخلاف مصر وتونس واليمن، بنظام شمولي سحق إيّ متنفس ديمقراطي أو حريات عامة، وبالتالي لم تبرز الاحتجاجات الشعبية أبداً، بل كان الاحتقان هو السائد. عدا عن ذلك، على أنّه في بداية الثورة، وجهت الاتهامات بصورة مباشرة لرامي مخلوف ولمحافظ حمص إياد غزال وذو الهمة شاليش، ولآخرين، وهؤلاء هم رموز للنهب المنظم للدولة وليس للفساد فقط، الذي مهمة الاستبداد بالمعنى الدقيق حمايته، فالاستبداد لا يفسر بالرغبة في القمع وحيازة السلطة فقط بل يفسر بالمصلحة منه.
وبالتالي وحينما انفجر الناس، كانت المناطق الأكثر اشتراكاً هي المناطق الأكثر فقراً، والأكثر معاناة من الاستبداد، في شرط عربي ثوري، شجع على الثورة وعلى توليد شعور عارم بإمكانية إسقاط النظام.
لو تابعنا المناطق المنتفضة بقوة، سنجدها المناطق الأكثر تهميشاً، ولو بحثنا في شهداء الثورة سنجدهم من هذه المناطق، ولكن ومع تعمق الثورة، اشترك أفراد من كل الفئات الطبقية فيها، نستثني هنا المناطق الثائرة فأكثرية الشعب مشاركة في الثورة، ولكن بقيت المظاهرات العارمة في المدن والبلدات الأكثر تضرراً من السياسات الرأسمالية الجديدة، والنهب المباشر.
من الخطأ، تسمية الثورة بثورة حرية، ومن الخطأ تسميتها بثورة خبز، هي كلا الأمرين معاً، فالناس تريد الخلاص من الاستبداد ومن الإفقار، ولكن كل ذلك تم بعد الإفقار الشديد، المتعلق حصراً بالسياسات الليبرالية الجديدة للسلطة السورية، وهي سياسات لصالح مافيات السلطة ومافيات التجارة والقطاع الخاص.
ستنتصر الثورة لا محالة، فالثورة شعبية، ومن لم يدخل بالأشهر السابقة للثورة سيدخل لاحقاً، فالبشر في سورية جميعهم متضررون من النظام، عدا التجار وأصحاب الأموال في مدينتي حلب ودمشق، حيث بقوا إلى جانب السلطة، وإن بدأت تظهر مؤشرات إلى فك عقد زواج الثروة والسلطة منذ السبعينيات في سورية.
شارك اليسار السوري، كأفراد في الثورة منذ اللحظة الأولى لاندلاعها، بل كان موجوداً طيلة الوقت ومنذ وقفات الاحتجاج ضد النظام المصري والتونسي والليبي، ولاحقاً كان مع الناس في درعا وحمص ودوما وبقية المناطق، طبعاً الأحزاب الشيوعية الرسمية، كانت مع النظام منذ اللحظة الأولى كذلك، أي بالاتجاه الآخر، ولا تزال، ولكن معظم أفراد تلك الأحزاب، أصبحوا خارجها، ومع الناس، وإن لم ينخرطوا، كقوى منظمة وفاعلة، بل كأفراد.
ظهر ومنذ الشهر الرابع للانتفاضة تنظيم يساري (ائتلاف اليسار السوري) ولاحقاً (تنسيقيات الشيوعيين) و(أفاق يسارية)، وهناك أشكال جديدة، تعلن عن نفسها بالتتالي، وهي تؤيد الثورة، ولا ترتهن لأيِّ من التيارين الرئيسيين في المعارضة، هيئة التنسيق والمجلس الوطني، بل تعمل مستقلة؛ فهي مع إسقاط النظام وضد التدخل العسكري الخارجي أو أي معطى دولي يؤدي إلى ذلك التدخل، أو يؤدي إلى التضحية بالثورة.
وترى هذه القوى اليسارية الجديدة، كما يظهر من بياناتها ووثائقها وتعليقاتها على الفيس بوك، أن الثورة السورية، ثورة شعبية، وهناك الكثير من القوى تحاول السيطرة عليها، وإخضاعها لوجهتها، وتحاول حرفها عن كونها ثورة شعبية، تريد تغيير النظام بكليته وليس فقط إسقاط الرئيس والنظام الأمني والسياسي. وبالتالي تجد هذه القوى أن هدف الثورة الأساسي هو إسقاط النظام، وبناء نظام ديمقراطي تعددي يستند إلى إرادة الشعب، ويضمن أوسع تمثيل للفئات المفقرة ويضمن مصالحها في العمل والصحة والتعليم والسكن والضمان الاجتماعي، وإنصاف عائلات الشهداء والمصابين، كقضية أولية بعد نجاح الثورة، ومنذ الآن إن أمكن.
الثورة السورية، عانت الأمرين من تيارات المعارضة (الهيئة والمجلس) فهما لم يثقا بالشعب وبقدرته على الانتصار، فكان طرحهما لمستقبل الثورة، إمّا عبر الحوار(الهيئة) أو التدخل الخارجي (المجلس)، وبالتالي لم تطرح أيّة قضية جديّة، تعالج مشكلات الثورة، فلم تطرح قضية الفقراء والوضع الاقتصادي المتدهور لملايين العاطلين عن العمل، وقد لعب النظام على هذه القضية مدعياً بأن السلطة القادمة ستحرم الكثيرين من العمل.
ولم تُبدّد تخوف الأقليات، لجهة شكل النظام السياسي المستقبلي، بل وكان كلام الإخوان المسلمين يفهم في سياق: أن الأقليات لن يعتدى عليها، وكأنّهم أهل ذمة، وليسوا مواطنين، بينما كان الأفضل طرح الدولة المدنية، وأن يتخلى الإخوان عن اسمهم هذا كما في مصر أو المغرب أو غيرها، وأن يقدموا بياناً للناس يوضح موقفهم من شكل الدولة المستقبلي. وكذلك لم يقدموا رأياً محدّداً وجازماً من القضية الكردية، ولا تزال هذه العقلية مستمرة؛ فلا موقف دقيق من الجيش الوطني الحر ولا من شكل الدولة المستقبلية ولا من الأقليات وكل الكلام لا يزال ملتبساً ويمكن لأيّ أحد في المجلس بصفة خاصة أن يعبر كما يشاء، ويخيف المواطنين الصامتين.
الثورة عبر قيادتها، وبعيداً عن التيارات السياسية معنية بتقديم برنامج لكل الناس، وأن تقدم إجابات واضحة، عن السياسات الاقتصادية وعن الأقليات وعن الطائفة العلوية بالتحديد وعن القضية الكردية وعن الجيش الحر وعن احتلال إسرائيل للجولان، وعن شكل العلاقة مع إيران وحزب الله. الثورة معنية بكل هذه القضايا، وأن تكون هي المعنية بإعلام الثورة وليس سياسيين سوريين من خارج البلاد ويريدون دفع الثورة نحو خيارات طائفية أو عسكرية، قد تقتل الثورة ذاتها، ففي عسكرة الثورة، النظام سيجد خلاصه الأثير.
لذلك أقول: بدأت الثورة شعبية، ويجب الحفاظ عليها كذلك: شعبية وسلمية ووطنية وترفض العسكرة والطائفية، وأن يكون دور المنشقين من الجيش، الوطنيين الصادقين، حماية المظاهرات السلمية حصراً، وأن تكون عملياتهم لا تتجاوز هذا الهدف.
الثورة الشعبية لا تفشل، فلم تبق مدينة ولم تشترك بعد، ورغم تباين الأعداد وكذلك من الطوائف المختلفة، فهذا لا يغير من طبيعتها الشعبية شيئاً، ولذلك نرى ضرورة وضع برنامج عام لها، يحدّد فيه هيكلية الدولة المستقبلية؛ في الاقتصاد والنظام السياسي والتعليم وتمثيل الأقليات فيها ووضع الطائفة العلوية.

ووفق ما كتبته هنا، أقدم نفسي للقراء المتابعين للثورة السورية، على آمل أن يكون الحوار جاداً، بعيداً عن الانفعالية والإقصاء، وانطلاقاً من مواطن المستقبل، حيث للأفراد حقوق وواجبات، ولا يحق لأحدٍ سلب حقوق الأفراد في التعبير عن الرأي، ومهما كان الرأي، وشكراً لكل من سيبادر للحوار ويعطي قليلاً من وقته للمشاركة أو طرح أسئلته.