أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - الماركسية وافق البديل الاشتراكي - محمد علي مقلد - اليسار بين الأنقاض والإنقاذ - قراءة نقدية من أجل تجديد اليسار















المزيد.....



اليسار بين الأنقاض والإنقاذ - قراءة نقدية من أجل تجديد اليسار


محمد علي مقلد
الحوار المتمدن-العدد: 1215 - 2005 / 6 / 1 - 13:23
المحور: ملف - الماركسية وافق البديل الاشتراكي
    


إهداء
إلى كل المناضلين الذين يحدوهم الأمل في استنهاض صفحات اليسار الناصعة
تمهيد
هذا النص محاولة للبحث عن صورة جديدة لليسار ، عن نفحة جديدة لقوى التغيير في المجتمع اللبناني. وهو نوع من المساجلة مع الذات ومع المحاولات المماثلة التي ظهرت منذ انهيار اليسار بمعناه القديم ، أي منذ ما يقارب العقدين من الزمن . ولأنه كذلك ، فهو سيفتح بعض النوافذ على الماضي ، رغبة في تصويب المسار نحو المستقبل
في أواسط الثمانينات من القرن الماضي بدأت تظهر بوضوح علامات سقوط التجربة الاشتراكية السوفييتية ، ومنهم ، من موقع يساري ، من استشرف سقوطها قبل ذلك ، غير أن انهيارها لم يتأخر إلا سنوات . ردة الفعل على ذلك كانت متنوعة في صفوف الحركات اليسارية و القومية والتحررية والتقدمية ، وفي صفوف الشيوعيين . وعلى المقلب الثاني ، تنفس أعداء الاشتراكية الصعداء ، وأعلنت الولايات المتحدة الأميركية نهاية عصر الثنائية القطبية وافتتحت عصر نظام عالمي جديد ، دشنته بحرب الخليج الأولى ثم بحرب تقسيم يوغسلافيا ثم في احتلال أفغانستان وبعدها العراق ، وأطلقت يد إسرائيل في ممارسة أكثر صنوف العدوان وحشية على الشعب الفلسطيني .
على جبهة اليسار اختلط الحابل بالنابل ، شيوعيون واشتراكيون في حكومات أوروبية ، وقوميون وتقدميون من بقايا حركة التحرر الوطني العربية ، اصطفوا بالنظام المرصوص خلف القوات الأميركية في حرب الخليج الأولى وفي يوغسلافيا ، ولم تعد خطوط التماس واضحة بين اليمين العالمي الذي تتزعمه الولايات المتحدة ، واليسار الذي تيتم بانهيار الاتحاد السوفياتي .إذن صار من الضروري والملح أن يعاد رسم خريطة اليسار العالمي من جديد ، بل أن يعاد بناؤه ، و صار ضروريا أيضا وضع تعريف جديد لليسار ولليمين يساعد على إعادة تصنيف القوى السياسية محليا وعالميا ، ويساعد على فهم اصطفافاتها .
القوى المحسوبة في جبهة المواجهة مع الامبريالية حسبت نفسها ، ماعدا الشيوعيين ، غير معنية بالانهيار " اليساري " المدوي ، بل هي راحت ، فوق ذلك ، ترى أن انهيار الشيوعية هو خير تأكيد على صحة النهج الذي اتبعته في إطار تنافسها مع الحركة الشيوعية على تمثيل اليسار المحلي ، حتى أن بعض هذه القوى أخذت تعد العدة لوراثة الأحزاب الشيوعية المحلية .
أما الشيوعيون فلم ينظروا بعين واحدة لهذا الحدث الكبير . منهم من هلل ( بقايا تروتسكيين وماويين ومغامرين جدد ) لهزيمة اللينينية ، الدليل العملي على صواب التروتسكيية ! ومنهم من جرفه الانهيار بسيله فلم يقتصر تنكره على التنصل من التزامات حزبية ، بل طال انتماءه الفكري أيضا ، ومن الشيوعيين الأفراد من اعتكف بموقف شريف من مسألة الانتماء ، متحسرا وغير نادم على ماضيه النضالي ، يحدوه الأمل في أن تتعافى الحركة الشيوعية وتعود بنفحة جديدة ، وهؤلاء هم الأكثرية الساحقة من المناضلين في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني والأحزاب المماثلة .
الذين أصروا على انتظامهم الحزبي منهم من رأى أن الانهيار مجرد حدث عادي تعود أسبابه إلى مؤامرات حاكتها الامبريالية ، وأن عودة الأمور إلى نصابها هي مسألة وقت ، فجسدوا بذلك أوضح صور الجمود العقائدي ، مقابل تيار واسع تنكب مهمة البحث عن أسباب الانهيار خارج منطق المؤامرة ، أي في بنية الحركة الشيوعية فكريا وسياسيا وعلى صعيد التنظيم ، وهم ، على ما نظن ، ما برحوا ، في مرحلة البحث هذه ، يحكون الأدمغة مع أمثالهم من المناضلين والمفكرين المنتظمين وغير المنتظمين في أطر حزبية .
خلال هذين العقدين جرت محاولات عديدة للبحث عن صيغ جديدة لقوى التغيير ، وجرت محاولات أخرى في مؤتمرات الحزب الشيوعي المتلاحقة ، ( من السادس حتى التاسع ) ، فنشأت ، داخل الحزب وخارجه ، أطر وتيارات ، وظهرت وجهات نظر ، وأطلق مناضلون من شباب الجامعات مبادرات وأسسوا تجمعات ، تستلهم كلها نقاطا مضيئة من تاريخ الحركة الشيوعية في لبنان والعالم ( بابلو نيرودا ، مهدي عامل ، طلاب شيوعيون ، العمل المباشر ، وغيرها ) . وفي زعمنا أن ثمار هذه المحاولات ليست قريبة المنال ، لا داخل الحزب الشيوعي ولا خارجه ، ولو أنها قطعت شوطا كبيرا في هذا المجال . وفي زعمنا أيضا أن مثل هذا الاستنتاج يثير حفيظة المستعجلين على بناء يسار جديد و كذلك حفيظة النائمين على حرير طمأنينتهم .
هذا النص هو سجال مع المستعجلين ومع المطمئنين على حد سواء . هو سجال مع النفس بالدرجة الأولى ، لأن كل واحد منا عرضة لشعور مزدوج :
شعور بضرورة وجود قوة " يسارية " تواجه المفاسد السياسية المستفحلة في لبنان ، والغطرسة الأميركية والرأسمالية المتوحشة على الصعيد العالمي ، والعنف غير المسبوق في التاريخ الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد الصهيونية وبدعم إمبريالي ، قوة يسارية تستجيب لنضج الظروف الموضوعية في التغيير وتعبر عن الحاجة إلى وجود اليسار وضرورته أكثر من أي يوم مضى في تاريخ وطننا وأمتنا . بفعل هذه التناقضات المحتدمة في الواقع الموضوعي يأتي إذن الاستعجال . غير أن الشروط الذاتية للتغيير اليساري ما زالت غير ناضجة .
وشعور بأن اليسار لا يستحق مثل هذا " المصير " ، لأن له في تاريخه وفي نضالاته وفي قيمه صفحات مشرقة تضعه في موضع التباهي والافتخار بهذا الماضي الناصع ، بالرغم من كل النواقص في برامجه والثغرات في أساليب عمله . فضيلته ،على الأقل ، أنه حاول أن يغير من أجل مستقبل أفضل للوطن ، في سياق نضال يساري عالمي من أجل مستقبل أفضل للبشرية . في حين كان "اليمين" يمعن في قتل بذور هذا المستقبل ، من خلال تمسكه ، حسب التعبير الماركسي بعلاقات أنتاج اقتصادي وسياسي معيقة لتطور القوى المنتجة . ومن هنا تأتي الطمأنينة ، ويتحول بعضها إلى نوع من الجمود والتمسك الأعمى بالماضي .

اليسار و اليمين ؟ اختلط الحابل بالنابل !
في سياق الثورة الفرنسية وغمرتها نشأ مفهوما اليسار واليمين . وبعد الثورة البلشفية في الاتحاد السوفياتي تطورت الدلالة ، فصار كل منهما يعرف بنعوته ، فيقال اليسار التقدمي والثوري والتغييري والتحرري والاشتراكي الخ ، واليمين الرجعي العميل ، وتكال الشتائم للامبريالية والنهب الاستعماري الخ . ورغم احتدام الصراع على الصعيد العالمي ، ظل انتماء قوى التحرر إلى معسكر المواجهة مع الإمبريالية أضعف من أن ينعم عليها بصفة اليسار ، لأن مفهوم اليسار أخذ يرتبط أكثر فأكثر بالتغيير الجذري الذي ظل يعني ، طيلة الحقبة السوفييتية ، عملية التحول نحو الاشتراكية ، متمايزا ، في ذلك ، عن قوى أخرى مصنفة في جبهة المواجهة مع المعسكر الامبريالي ( قوى التحرر ) التي لم تعتمد خيار التغيير الاشتراكي ، وتداخلت المفاهيم حين تبنت بعض حركات التحرر شعارات اشتراكية ، فصارت تسمى قوى تقدمية ، وظلت الأحزاب الشيوعية وحدها ، إضافة إلى الأحزاب الاشتراكية القليلة العدد والانتشار في عالمنا العربي ، تحتكر صفة اليسارية ، وتتشارك مع قوى التحرر بنعوت أخرى ، وصار يطلق عليها وعلى سواها نعت التقدمية مثلا أو الثورية ، لا سيما بعد أن فرخت " الثورات " العربية كالفطر من المحيط إلى الخليج .



انهيار البنى وانهيار المفاهيم

مع انهيار الاتحاد السوفياتي انهارت منظومة القيم النضالية والمفاهيم المرتبطة بها .أول هذه المفاهيم – الضحايا هو مفهوم الانتقال إلى الاشتراكية . فقد كان عصب إي برنامج سياسي لدى اليسار الاشتراكي أو الشيوعي يستند إلى الاعتقاد بأن هذا العصر هو عصر الانتقال إلى الاشتراكية . مع الانهيار فقد هذا الاعتقاد ، ومعه شعاره ، موازين القوى الموضوعية التي قام عليها على مستوى الصراع العالمي ، واجتاحت أيديولوجية نهاية التاريخ الفوكويامية حقل الوعي الجمعي ، واهتزت المنظومات الفكرية التغييرية .
لم يدم مفعول هذا الاجتياح طويلا ، لأن سياسة الولايات المتحدة ، التي استفردت بقرارات الحرب والسلم في العالم ، " حفرت قبر الفوكويامية بيديها " ، على الأقل في الوعي اليساري ، حين قدمت نموذجا صارخا في سوئه ووحشيته عن نهاية التاريخ هذه ، من خلال الحروب التي افتعلتها لتأكيد هيمنتها على الدول والمجتمعات ، والأزمات التي تسببت بها في أكثر من بلد ، وبالأخص من خلال تدميرها قيما سادت في العلاقات بين الدول بعد الحرب العالمية الثانية وطيلة الحرب الباردة ، حيث صار مصير الأمم المتحدة وسائر المؤسسات الدولية مهددا ، وكذلك مصير العلاقات داخل المعسكر الرأسمالي نفسه ، وأطلقت رصاصات الرحمة على حركات التحرر ومنظمات عدم الانيحاز والتضامن الآسيوي الأفريقي وسائر الأطر الدولية المشابهة ، وباتت الولايات المتحدة بديلا عمليا لكل هذه الهيئات ومركزا وحيدا للاستقطاب العالمي ، وانتشرت مفاهيم جديدة في السياسة الدولية كالنظام العالمي الجديد والعولمة ... الخ ، وتبدلت بنية حلف شمال الأطلسي ، من جبهة أنشأتها القوى الرأسمالية الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة الاتحاد السوفياتي إلى إطار التحقت فيه هذه القوى ، إضافة إلى دول أخرى من المعسكر الاشتراكي المنهار ، بالولايات المتحدة الأميركية ، ما ولد ظروفا موضوعية لبروز تناقضات جديدة بين أطراف هذا المعسكر .
في ظل هذه التغيرات في خريطة الصراع العالمي ظلت بعض قوى اليسار القديم صامدة في الصين ( مع بعض التكيف الذي يستحق الدراسة ) وكوريا وكوبا ، وشهدت بعض البلدان المتحدرة من الاتحاد السوفياتي عودة الأحزاب الشيوعية إلى السلطة ، وفازت قوى يسارية في الانتخابات ( فنزويلا والبرازيل ) وسقط نظام بينوشيه في تشيلي . وفي العالم العربي استمرت بقايا حركة التحرر في نهج الممانعة في لبنان وسوريا وفي نهج المواجهة في فلسطين ، الخ .

الاشتراكية واليسار علاقة علة بمعلول

كان من الطبيعي إذن أن يؤدي انهيارالمشروع الاشتراكي وبناه السياسية الدولتية إلى انهيار مؤسساته الحزبية ، أي الأحزاب المتحدرة من الماركسية اللينينية أو التروتسكية أو الماوية أو سواها من التنظيمات التي استلهمتها ، بما في ذلك قوى سياسية مصنفة في خانة قوى التحرر لا في خانة اليسار ، ومنها بعض فصائل حركة التحرر الوطني العربية .
ضاقت الخيارات أمام هذه القوى المعنية بالانهيار ، وسقطت في ارتباك فكري وسياسي وتنظيمي ، وباتت " كالمضروبة على رأسها " . الأحزاب غير الشيوعية وجدت مخرجا لغويا للأزمة ، ففي نظرها أن الانهيار طال الحركة الشيوعية وحدها ، وأن غياب الشيوعية عن التسمية يجعلها في حل من تداعيات الانهيار ، ولم تنتبه إلى أن مرحلة التحرر الوطني هي ، في جزء منها ، سليلة نجاح الثورة البلشفية في بداية القرن الماضي ، وإحدى نتائج الانتصار السوفياتي في الحرب العالمية الثانية ، وأغفلت أنها ، في معظمها ، نسخ مشوهة عن التجربة السوفياتية ، بسبب تبنيها المركزية الديمقراطية وحكم الحزب الواحد والنظام الأوامري المخابراتي ، واعتمادها صيغا متنوعة من الاقتصاد الموجه ، ونهلها من معين الفكر الثوري ذاته ، اي الماركسية بكل تأويلاتها والاجتهادات الناشئة عنها ، الخ .
كان من الطبيعي أيضا أن تنشأ على أنقاض اليسار واليسار المهجن ، أي حركات التحرر ، قوى أخرى ، تحمل راية " النضال " بديلا عن القوى المنهارة ، وكانت حصة العالم العربي من هذه البدائل أصوليات متعددة المنابع والمشارب وظفت الوعي الديني في خدمة مشروع التحرر الوطني الخالي من أي بعد اقتصادي أو اجتماعي ، أي أنها ورثت عن حركة التحرر صراعها مع القوى الخارجية واستبعدت عنه بعده التغييري ، أولا لأنها لا تملك مثل هذه الرؤيا التغييرية ، أو للدقة لا تملك منها غير شعار " الدولة الإسلامية هي الحل " على وزن " الاشتراكية هي الحل " ، وثانيا لأن أبواب التغيير المتاحة نظريا قد سدت غداة انهيار التجربة الاشتراكية ، فكان لا بد في مثل هذه الحالة أن تستعير الأصوليات بعض شعارات اليسار المنهار ، على غرار ما حصل في إيران ، على مستوى الصراع مع القوى الاستعمارية الخارجية ومع الخصوم الداخليين المتهمين دوما ، أيا يكن هؤلاء الخصوم ، بالعمالة للخارج ، وأن تعتمد على الصعيد الاقتصادي بعض مبادئ الاقتصاد الموجه السوفياتي المنشأ ، وأن تقيم على المستوى السياسي دولة يحكمها المعممون ، بديلا عن دولة الجنرالات وضباط الانقلابات أو دولة الحزب الواحد التوتاليتارية ، التي ظهرت في الثورة البلشفية وتعممت على حركات التحرر في العالم الثالث.

تزامن الانهيارات

ربما لم يكن مجرد صدفة أن يتزامن الانهيار السوفياتي مع انهيارين آخرين ، في المنطقة العربية وفي لبنان . مشروع حركة التحرر ومشروع الحركة الوطنية . فقد مني مشروع المواجهة العربية بهزيمة ساحقة في حزيران 1967 ، غير أن الحركة القومية بكل فصائلها كابرت وامتنعت عن الاعتراف بالنتائج ، إلى أن جاءت حرب تشرين لتكرس نهجا جديدا في حركة التحرر الوطني العربية يقوم على الممانعة بدل المواجهة ، والممانعة هي ، في أحد وجوهها ، تعبير عن المكابرة إياها في عدم الاعتراف بعقم نهج المواجهة المعتمد من قبل حركة التحرر منذ الأربعينات .
وحدها القوى " الثورية التحررية " في لبنان رفضت منطق الممانعة واختارت نهج الهجوم ، فاصطدمت بقوى التحالف القومي الأخرى ، وشكل الصراع الدموي بين النهج الذي تمثله الستراتيجية السورية وذاك الذي مثله تحالف الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية ، أحد تعبيرات الانهيار في حركة التحرر الوطني . وقد انتهت تلك المرحلة بهزيمة التحالف الوطني اللبناني الفلسطيني ، وبخروج منظمة التحريرالفلسطينية من لبنان ، وبالتوصل إلى اتفاق الطائف الذي جسد هزيمة النهج الهجومي وانتصار نهج الممانعة ، أي انتصار الستراتيجية السورية وتسليمها أوراق حل الأزمة اللبنانية. بتعبير آخر ، مني المشروع الوطني اللبناني بهزيمة مزدوجة ، في مواجهة " العدو الطبقي " المحلي والعالمي ، وفي مواجهة " الحليف " التحرري ممثلا بسوريا وبدعم عربي ودولي كامل .
من حسن حظ الحزب الشيوعي اللبناني أنه لم ينعم ، مثل سائر حلفائه في الحركة الوطنية ، بنعيم السلطة الجديدة ، خلافا لرغبته المعلنة والمضمرة . أدى استبعاده عن السلطة إلى جعله القوة الوحيدة التي يفترض فيها تمثيل ما تبقى من اليسار اللبناني ، غير أن رغبته في مشاركة حلفاء الحرب الأهلية مصيرهم في السلم الأهلي أفقدته هذه الحصرية في تمثيل اليسار ،( وهي رغبة ناشئة من دوره كقوة أساسية بين قوى التحالف الوطني خلال الحرب ، ومن المنطقي أن يكون له ما لها وعليه ما عليها ) وجعلته ، على الصعيد السياسي ، من غير قضية ، بعد سقوط الاشتراكية وعجزه مع سواه عن صياغة برنامج بديل مقنع يفتح آفاق المستقبل ، وميله العملي إلى الانخراط في مشروع الممانعة ، أي إلى المشروع الذي كان وراء هزيمة الحركة الوطنية اللبنانية ومشروعها الديمقراطي للتغيير الداخلي .

في تشخيص أسباب الانهيار

أصدرت الدوريات ودور النشر سيلا من الدراسات والمقالات حول أسباب الانهيار ( يمكن العودة على سبيل المثال إلى أعداد مجلة الطريق في سنواتها العشر الأخيرة ) ، وهي كتابات قيمة توفر في مجملها عرضا معمقا لعوامل الانهيار ، وضعها مفكرون ومثقفون تقدميون ويساريون من العالم العربي والعالم ، أما الأحزاب فقد أقرت في مؤتمراتها قراءات نقدية متفاوتة للتجربة السابقة لا تخلو من الارتباك . سيقتصر اهتمام هذا النص على مظاهر الارتباك وأسبابه وتداعياته داخل الأحزاب ، لا سيما الحزب الشيوعي اللبناني ، وفي صفوف القوى " اليسارية " الساعية إلى إعادة بناء اليسار.
شكلت النصوص المكتوبة نوعا من المساومة بين وجهات نظر متباينة . فقد أكدت على وجود أسباب عامة تعود إلى نواقص وثغرات في التجربة الأم ، وإلى ثغرات في التجارب المحلية ، كما أكدت على ضرورة إعادة نظر بالنظرية الثورية وبالأطر التنظيمية . فكان من أولى النتائج النظرية التركيز على وجوب فصل الماركسية عن اللينينية ، وعلى ضرورة العودة إلى الماركسية لا إلى تأويلاتها السوفياتية ، وعلى ضرورة الانتقال من المركزية الديمقراطية إلى الديمقراطية في آليات العمل الحزبي .
هذا الجانب من القراءة النقدية طال هوية اليسار ، أما الجانب المتعلق بالقضية فقد بقي ينوء بعبء الماضي ، ذلك أن الاشتراكية شكلت ، حين كانت بمثابة العمود الفقري لقضية اليسار، عنصر التماسك السياسي ووضوح الرؤيا ، وبات من شأن التخلي عنها أن يفقد الأحزاب الشيوعية مبرر وجودها ، كما أن من شأن التمسك بها أن يلغي الدور العملي لهذه الأحزاب ، بعد سقوط التجربة وتغيير موقع الاشتراكية على سلم الأولويات في جدول عمل التاريخ .
أفضت القراءة النقدية لدى معظم اليسار الشيوعي إلى التمسك بالاشتراكية نظريا أي إدراجها في البرامج النضالية ، وإلى التخلي عنها عمليا وذلك بجعلها مجرد طموح بعيد المدى والمنال ( بعد تغير العصر من عصر الانتقال إلى الاشتراكية إلى عصر سقوط الاشتراكية ) ، واختزالها في شعارات العدالة الاجتماعية ، ما حرم الحزب الشيوعي من تمايزه عن سائر القوى التي تطرح قضية العدالة ، وأبعده ، بالتالي ، عن تمثيل اليسار تمثيلا شبه حصري ، وشجع على ظهور منافسين على وراثة تركة اليسار .
عامل آخر شجع على ذلك هو تشتت الحزب الشيوعي اللبناني بين أن يكون في صفوف المعارضة للسلطة القائمة بعد اتفاق الطائف ( عذره في ذلك عدم توفر المواصفات المطلوبة في القوى المعارضة ) وبين سلوك سياسي يذكر برغبته الدفينة في أن يكون شريكا لحلفائه القدامى في السلطة ، أو أن يكون ، بعد استبعاده عن هذه السلطة ، مهادنا معها ومدافعا عن سياسة الممانعة التي كانت أدواتها وراء هزيمة مشروعه الوطني ، ومتمسكا بتحالفه مع ممثليها وانخراطه معهم في مواجهة المخاطر الخارجية .

قراءات خاطئة

خاض الحزب الشيوعي اللبناني غمار نقاشات عميقة امتدت مئات الساعات وشملت كل الهيئات والقواعد الحزبية منذ المؤتمر الخامس في أواسط الثمانينات ، وكانت محصلاتها الأولى تبشر بإمكانية الخروج باكرا من أزمة الانهيار العام ، غير أن الانهيار المحلي وهزيمة الحركة الوطنية اللبنانية ومشروعها للتغيير الديمقراطي ، وانتصار نهج الممانعة في الصراع مع أعداء الخارج ، كل ذلك أدى إلى تراجع تدريجي في نهج الهجوم الذي استأنفه الحزب من خلال إطلاق المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي ، وبالتالي إلى تراجع دور الحزب في المقاومة ، ثم إلى إفراغ المقاومة من مضمونها الهجومي ، وتحويلها إلى ورقة في سياسة الممانعة ، كما إدى إلى طي صفحة النقاش العميق الذي حصل في المؤتمر السادس ، وبدأت مرحلة جديدة أخذت تتضاءل فيها أهمية الإشكاليات السياسية وحصة الظروف العامة الخارجية والاقليمية والدولية عن الأزمة ، وتسود فيها أجواء اختزال الأسباب ، سببا وراء سبب ، وسحب النقاش من حقل الفكر والسياسة إلى حقل التنظيم وتغليب المسؤوليات الشخصية على ما عداها من العوامل الموضوعية ، ما أدى إلى انحراف النقاش عن مجراه السليم ، فضاقت مروحة التنوع في القراءات و الاجتهادات والاقتراحات لتنحصر في طرح الإشكالية بصورة مغلوطة .
كان لا بد أن يكون الجواب على الإشكالية المغلوطة مغلوطا بدوره ، مهما كانت النوايا . ففي ظل الصعوبات العامة الموضوعية ، والبطء في عملية الخروج من الأزمة ، تصاعدت أصوات الشكوى والتبرم ، وأخذ النقاش ، بصورة لا واعية ، منحى تحميل الحزب مسؤولية أزمة الحركة الشيوعية العالمية ، بعد حصره في قضايا الصيغة والتنظيم ، وتحميل قيادته مسؤولية الأزمة الداخلية ، ما أدى ، وبصورة موضوعية ، إلى ردة فعل لدى القيادة تمثلت بتشدد حيال هذا النوع من القراءة ما لبث أن تحول إلى تشدد حيال كل أنواع النقد ، فأفضت آلية السجال هذا إلى نتائجها المنطقية :
- نقد غير موضوعي يجر تشددا ويخلق لدى القيادة ميلا إلى إدارة الأزمة بدل حلها
- تشدد يجر إلى المزيد من الحدة في شخصنة أسباب الأزمة وفي التصويب على القيادة
- خيبة عارمة في صفوف الحزبيين دفعتهم إلى مغادرة الحزب والإقامة على ضفافه في حالة انتظار
- فرز في صفوف الحزبيين المنتظمين والمغادرين بين من هو مع الحزب والقيادة ومن هو ضدهما

يسار جديد أم انشقاق؟

كان من الطبيعي ، في ظل ما بدا أنه هجوم على الحزب وتاريخه ، أن يكون الفرز لصالح الدفاع عن الحزب ، فظهرت القيادة ، من موقع دفاعها عن نفسها وعن موقعها ، مدافعة عن الحزب ، ما مكنها من التدخل لتحسين شروط الفرز ، في ظل ظروف سياسية عامة ساعدتها على قيادة عملية استنهاض داخلية . في هذا السياق بدا تأسيس حركة اليسار الديمقراطي بمثابة انشقاق داخلي ، بالرغم من كل التصريحات التي تنفي عنه هذه الصفة .
سنحاول في الصفحات التالية أن نثبت ، من خلال النصوص المنشورة ، الطبيعة الانشقاقية لهذه الحركة ، وانسداد الأفق أمامها ، شأن أي انشقاق ، وقصور برنامجها عن حل أزمة اليسار وأزمة الوطن والأمة ، كما سنحاول ، من موقع العلاقات الرفاقية الودودة مع هذه الحركة ومع المناضلين المنخرطين فيها ، واستنادا إلى مقارنة النصوص أيضا ، أن مساحات الاختلاف الموجودة راهنا بين أهل اليسار لا تبرر الانشقاق ، وأن الجديد المزعوم في بيان الحركة لا يكفي لتبرير قيام حركة جديدة ، وأن الحاجة إلى يسار جديد تتطلب مزيدا من الجهد الفكري في صفوف حركة التغيير التقدمي ، في الحزب الشيوعي وفي حركة اليسار الديمقراطي وفي كل الأحزاب والحركات المتحدرة من اليسار القديم ، وفي كل التجمعات الشبابية الحريصة على بناء يسار جديد ، كما سنحاول أن نقدم أفكارا للنقاش حول برنامج يخرج اليسار من أزمته ويفتح الأفق أمام حل لأزمة الوطن

هل الانشقاق عيب ؟ وهل هو ممنوع ؟

طبعا هو ليس عيبا ولا هو ممنوع ، بل إن أحدا لا يستطيع منعه . لكن أي انشقاق ، إذا ما حمل الفرع صفات الأصل كما الغصن صفات الشجرة ، هو تعبيرعن أزمة وليس حلا لها ، وغالبا ما حصلت الانشقاقات في التاريخ في ظل الأزمات واحتدام التناقضات ، أي حين يعجز "الأصل " عن تقديم أجوبة صحيحة ، أو على الأقل مقنعة ، عن أسئلة الواقع والحياة . وإذا لم تكن الانشقاقات تجسيدا لقطيعة ، بالمعنى الايجابي ، أي تجاوزا ، فهي تصبح تكرارا ، والتكرار ، إذا صح قول عن التاريخ منسوب إلى ماركس، غالبا ما يكون على شكل مسخرة ! وحتى لا يكون كلامنا نوعا من التجديف على أحد ، نستعين بتاريخ الانشقاقات الكبرى في الاسلام وفي المسيحية وفي الحركة الشيوعية ، حيث تؤكد جميع الحالات المعروفة على أن الانشقاق الجدي هو الذي يقدم إضافة نوعية عن سابقه ، وفي غياب هذه الإضافة تبقى الفروع خاضعة لقوانين " اللعبة " ذاتها ، ويغدو الاختلاف بين الأصل والفرع اختلافا كميا يدور حول التفاصيل ، ولا يعدو كونه مجرد وجهة نظر أو اجتهاد . هذا ينطبق مثلا على كل الفرق المتفرعة من التفكير الديني أو الميتافيزيقي ، حيث لم يستطع أحد من المجتهدين الكبار أن يحدث نقلة نوعية في مجال اجتهاده بسبب القيود المفروضة عليه من قوانين اللعبة . ينطبق هذا على الحركات الفكرية النهضوية في العالم العربي ، التي لم تقبل بالتجاوز الجدلي ( النفي الجدلي حسب التعبير الماركسي ) للماضي والتراث ، وظلت أسيرة قوانين الحضارة الإقطاعية (الخراجية حسب تعبير سمير أمين ) ، في حين أن النهضة الأوروبية نجحت حين تبنت منظومات فكرية واقتصادية واجتماعية ، ورفعت لواء القطيعة الإيجابية مع الماضي ، أي نبتت من صلبه . حتى الإصلاح الديني المسيحي الذي جسدته البروتستانتية فقد تمثلت نقلته النوعية في قبوله تزمين الدين وربطه بالحركة العلمانية الرأسمالية .
من أجل التأكيد على هذا الاستنتاج سأستخدم من علم الألسنية الحديث مثلا ينسب إلى العالم اللغوي الفرنسي السويسري ، دو سوسور ، وخلاصته أن بإمكانك أن تضع على رقعة الشطرنج حجارة من ذهب أو فضة أو مصنوعة من خشب الزيتون أو من العاج وغيره ، لكن نوع الحجر لايؤثر على قوانين اللعبة ، بل أكثر من ذلك ، إذا فقد أحد اللاعبين واحدا من أحجاره ، فيمكن أن يتفق اللاعبان على استبداله بأي شيء آخر ، قداحة مثلا أو غطاء قلم ، ثم يستمران في اللعبة ، وعلى القداحة أن تلتزم بقوانين الحجر الذي حلت محله ( وزير مثلا أو بيدق أو حصان ) . لكن للقداحة خارج هذا المكان وظيفة أخرى .
نقول ذلك من موقع الاعتقاد بأن لعبة الصراع السياسي في العالم قد تغيرت ، أو أنها انتقلت إلى مرحلة نوعية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ، بما يبدو أن هذه المرحلة النوعية هي بمثابة تغيير جذري . وقد ذكرنا الاتحاد السوفياتي لأن ولادة اليسار في صيغته الأخيرة ارتبطت بالثورة البلشفية ، ارتباط معلول بعلة ، وبات من الضروري البحث عما إذا كان انهيار التجربة الاشتراكية سيؤول إلى انهيار أدواتها ، أي حزبها وإيديولوجيتها .
نعتقد ، من غير الدخول في التفاصيل ، أن البحث عن صيغة جديدة لليسار بات أمرا ضروريا ، ومن هذه الزاوية تبدو أية محاولة في هذا السياق امرا مشروعا ، ولم تكن تجربة حركة اليسار الديمقراطي يتيمة ، ولا هي مقطوعة من شجرة . لقد جرت بضع محاولات في لبنان لبناء حركة تغيير ديمقراطي ، وكان من الطبيعي أن تظهر هذه المحاولات و بالتزامن مع الانهيار السوفياتي ، غداة اتفاق الطائف ، الذي كان بمثابة نعي للمشروع اليساري اللبناني ولتجربة العمل الحزبي القديم . المشاركون في هذه المحاولات يتحدرون من تجربة اليسار إضافة إلى مجموعة من المثقفين الطامحين إلى لعب دور في الحياة السياسية وإلى بعض الصحافيين ، ولم يكتب لأي من هذه المحاولات النجاح . من هنا يبدو مسعى حركة اليسار ، بمعزل عن حجم الجديد فيها ، استجابة للتغيرات الموضوعية على ساحة الصراع الدولي ، لا سيما أن محاولة الحزب الشيوعي اللبناني في مؤتمره السادس ، وهي المحاولة الأكثر جدية وتجديدا ، لم تكتمل هي الأخرى ، وتم التراجع عنها في المؤتمرات اللاحقة ، مما وفر المبرر لأي طامح في التغيير لأن يسعى ، بحثا عن جديد ما في عالم اليسار. غير أن بحثنا هنا لن يتناول تأريخا لهذه المحاولات ، بل سيحصر اهتمامه بالنصوص الصادرة .
عام 1993 صدر أول نص عن اليسار الديمقراطي ، وقعه عشرة رفاق من أعضاء المؤتمر السابع ، وهو عبارة عن بيان اعتراضي على نهج الحزب السياسي والتنظيمي ، ولم يكن مضمونه يختلف عن مضمون مشروع الوثائق التي صاغتها القيادة إلا في أمر واحد . فإلى جانب تباين تكتيكي في مسألة العلاقات اللبنانية السورية ، طرح المعترضون مسألة النسبية في انتخاب الهيئات القيادية ولم يستجب المؤتمر لهذا المطلب ، وظلت القيادة تمانع في ذلك رغم تمسك المعترضين بمطلبهم الذي رأوا فيه بابا للإنقاذ ، وصارت النسبية قضية القضايا ، إلى أن تضمنتها وثيقة حركة اليسار الديمقراطي . النص الثاني صدر بمناسبة المؤتمر الثامن ، في تشرين الأول1997 ، وقد أصدره هذه المرة تيار اليسار الديمقراطي في الحزب الشيوعي اللبناني ، وهو عبارة عن وثيقة بديلة طرحت على النقاش أمام المؤتمرين ، غير أن القيادة لم تعرها الاهتمام الكافي ، لأنها كانت تعترض اعتراضا مبدئيا ، على تقديم أكثر من مشروع وثيقة أمام المؤتمر . النص الثالث صدر عام 2004 حاملا إسم حركة اليسار الديمقراطي في لبنان .
بين النص الأول والنص الثالث كان حجم الاعتراض على النهج القيادي يتسع وتتنوع تعبيراته وتجلياته ، وأكبرها كان يتمثل بالنزف الحزبي الدائم ، وهو ما أشارت إليه قيادة الحزب في نصوصها ، وأبرزته قوى الاعتراض دليلا على صحة اعتراضاتها . ولم يستطع تيار الاعتراض في الحزب أن يجند في صفوفه كل المعترضين ، لأن الأغلبية الساحقة من هؤلاء اختارت الاعتكاف و فضل بعضها البقاء في صفوف الحزب. مع إعلان تأسيس حركة اليسار الديمقراطي في لبنان أضيفت على لائحة المؤسسين والمشاركين الشيوعيين بضعة أسماء لمناضلين ديمقراطيين من ميدان الثقافة والصحافة ، ما يجيز لنا القول إن هذه الحركة ليست سوى انشقاق عن الحزب الشيوعي . مرة أخرى نكرر الإشارة إلى أن إدانة الانشقاق ، إذا كان لا بد من إدانة ، فهي للأصل لا للفرع ، وأن الحزب الذي تضيق علاقاته الداخلية على تنوع الآراء فيه محكوم بالتفسخ و " التشظي " . غير أن همنا الأساسي هو النقاش الرفاقي الصريح مع الرفاق في الحزب و مع حركة اليسار حول جدوى الانشقاق وحول مدى الجديد الذي يضيفه ، وفرضيتنا أن الذي حصل لا جدوى منه ولا جديد ، وهذا ما سنحاول إثباته ، رغبة منا في إعادة النقاش إلى حيث ينبغي أن يكون ، أي إلى المكان الذي يمكن فعلا أن تولد منه حركة يسار جديد في لبنان .

تاريخ اليسار ملك الجميع

تعفينا وثيقة اليسار الديمقراطي من البحث عن أول الأدلة على غياب الجديد ، فهي تقول (ص 3) " لا ندعي أننا نملك أجوبة عن الأسئلة الكثيرة المطروحة حول معنى اليسار اليوم " وفي ظننا أن بدهيات تأسيس الجديد تفترض أن يناقش المؤسسون المبررات القائمة " اليوم " في الواقع الموضوعي ، التي تتطلب قيام الجديد ، ذلك أنهم ، في عدم امتلاكهم أجوبة عن الأسئلة المطروحة ، لا يوفرون لأنفسهم شروطا ناجحة لمنافسة من ينافسونه ولنقد من ينتقدون نهجه .
قد تقول حركة اليسار أنها لا تنافس أحدا ، بدليل أنها " تدعو إلى بناء ائتلاف اليسار على تنوع مكوناته " (ص 3 ) ، وأن اليسار يمكن أن يتسع للجميع ، وأن أحدا لايمكن له ادعاء التمثيل الحصري ، الخ . لكن هذا يدين ادعاءاتها التجديدية ، فهي إذا كانت غير قادرة على التعايش مع أحد مكونات اليسار ضمن إطار واحد هو الحزب الشيوعي اللبناني ، فكيف ستكون قادرة على بناء ائتلاف معه ، إلا إذا كانت تضمر نفي الحزب من خانة اليسار ، وهذا يخالف منطقها في أنها لا تملك أجوبة ، أي أنها لا تملك معيارا تقيس به اليسار وتصنف على أساسه القوى وتفرزها بين يمين ويسار .
والحقيقة أنها ، خلافا لما يمكن أن تدعيه ، دخلت ، قبل تأسيسها ، في تنافس وقامت على نقد التجربة ، وهو ليس نقدا لتجربتها ، لأنها لا تملك ، كحركة ، تجربة بعد ، و تجربتها بدأت مع تأسيسها ، أما التجربة الفردية فهي شأن آخر . إذن لا يمكن أن يكون النقد الذي تتضمنه الوثيقة موجها لغير الحزب الشيوعي خصوصا وللتنظيمات الماركسية على وجه العموم ، وأدلتنا على هذا الأمر متوفرة بكثرة في بيان الحركة التأسيسي .
في الصفحات الست الأولى من مشروع الوثيقة إشارة صريحة تقول : " لا ندعي أننا في ما نكتبه ونقوم به نبدأ من نقطة الصفر . فتجارب اليسارين اللبناني والعربي علمتنا الكثير ، وبعضنا كان جزءا منها بإنجازاتها وإخفاقاتها ، بأخطائها وفضائلها ، ونحن سنحاول أن نكون في أقوالنا وأعمالنا في مراجعة ومساءلة دائمين لها ..."
من حق أي كان أن يبدأ من حيث يشاء ، وأن يختار من يشاء ليراجعه ويسائله . لكن من واجب المؤسسين أن يعترفوا أنهم خرجوا ، باستثناء أربعة منهم من أصل 77 ، من صلب تنظيم الحزب الشيوعي اللبناني ، و لم تقصر الصحافة اللبنانية في الإشارة إلى ذلك .
وفي الصفحات الست الأولى ، وهي بمثابة تعريف بهوية الحركة الجديدة ، أكثر من عشرين إشارة إلى تجربة الحزب الشيوعي اللبناني ، والحركة الشيوعية عموما ، وهذا ليس مأخذا على النص ، لكن هذه العودة إلى تجارب الآخرين تكون سليمة وصحيحة وضرورية وشفافة حين تتوفر شروط الصحة والسلامة والضرورة والشفافية ، وهو ما لم يكلف المشروع نفسه عناء البحث عنه . فقد كان من الضروري ، من أجل الشفافية أولا ، أن يعبر المؤسسون عن كونهم إحدى النتائج المباشرة للمؤتمر التاسع للحزب الشيوعي ، لأن النقطة المركزية على جدول عملهم كانت ، قبل هذا المؤتمر ، تتمحور حول جدوى مشاركتهم أو عدم مشاركتهم فيه ، وقد عبروا عن " يأسهم " من التجديد من داخل الأطر ، لأسباب أعادوها إلى طبيعة التنظيم وإلى نوعية القيادة الحزبية . وليس لي أن أناقش هنا ما إذا كانوا على حق في هذا يأسهم وتشخيصهم أم لا ، لكن الشفافية والصراحة تقضيان بالاعتراف بأن تأسيس الحركة هو من النتائج التي آلت إليها االصراعات على تجديد الحزب الشيوعي ، وحين لم تنجح تجربة الإصلاح من الداخل ، حسب رأي البعض منهم ، كان لا بد من الإصلاح من الخارج .
ومن الضروري ، من أجل سلامة النقد وصحته القول بأن التجربة الشيوعية السابقة هي نتاج ظروف معينة ، وأن الحاجة إلى يسار جديد ليست رغبة أو شأنا إرادويا ، بل هي أمر تحتمه مستجدات الظروف ، غير أن الوثيقة لم تعر اهتماما لأي نوع من المستجدات ، لا على الصعيد الفكري ولا على الصعيد السياسي ولا على الصعيد الاقتصادي ، ولم تحاول أن تقدم أجوبة على الأسئلة التي طرحها انهيار الاتحاد السوفياتي ، بل هي لم تطرح هذه الأسئلة أصلا ، ولم تحاول أن تصوغ منها إشكالية ، ظنا منها أن طرح الأسئلة أمر لاحق يتأتى حسب تعبيرهم ، " من العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع " ، والنقص في هذه العبارة الصحيحة هو أن سبيل الوصول إلى الحقيقة لا يقتصر على العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع ، بل يتعداها إلى علاقة الفكر بالفكر ، وبعض الفلاسفة من المؤسسين يعرفون ذلك ، ويعرف أن التقصير لا يبرر التأجيل . أليس هذا التأجيل هو ما يأخذونه على قيادة الحزب ؟ . من هذه الأسئلة مثلا ما يدور حول طبيعة اليسار الجديد وطبيعة استراتيجية التغيير " الثوري " ، وما إذا كان النضال من أجل التغيير مازال محكوما بآليات التحرر الوطني ، وما إذا كان التغيير يقتضي تغييرا في طبيعة الرأسمالية ، أو انتقالا إلى الاشتراكية ، أو إلى حكم وطني ديمقراطي يفسح في المجال أمام مثل هذا الانتقال ، وما إذا كان فك التبعية هو الحل ، أم استقلال الأطراف اقتصاديا عن المركز هو المخرج من الأزمة ، وما إذا كانت العولمة صيغة مبتكرة من الرأسمالة أم أنها نسخة متجددة منها ، وما إذا كان التوصيف الماركسي قد لحظ هذا التطور الخ . في غياب هذه الأسئلة وأجوبتها يصبح الكلام عن تجديد أدوات النضال ، أي الأحزاب ، معلقا في الهواء ولا يستند إلى أي أساس موضوعي ، ويصبح الكلام عن ضرورة تجديد اليسار خطابا يخلو من مسوغاته ، ويصبح تحديد هوية الحركة في ست صفحات من لزوم ما لا يلزم ، بل هو يجافي الشفافية ويموه على الحقيقة . والحقيقة أن نفرا من المناضلين الشيوعيين المخلصين ضاقوا ذرعا بقيادة الحزب ، وخاب أملهم من التجديد عبر الأطر الحزبية فانطبق عليهم مثل واصل بن عطاء ، يوم انفض عن حلقة استاذه وأخذ زاوية من المسجد فقيل : اعتزل عنا واصل . أي أنه تنحى عنا ، وفي لغة السياسة، انشق .
سقنا هذا الكلام من علم الكلام لنؤكد أن السجال ما زال يدور في " المسجد " ذاته ، وأن الخلاف لا ينحصر في الإمامة وطقوس الصلاة ولا في من سيؤم المصلين ، بل هو خلاف في جوهر القضية على الاجتهاد في " الشريعة " ، أو الابتكار من خارجها . حركة اليسار الديمقراطي لا تزال ملتزمة بقوانين اللعبة إياها ، من دون أي تجديد ، وأن البحث عن الجديد ما زال مطلوبا من كل الحريصين على التغيير ، ثوريا كان هذا التغيير أم ديمقراطيا .
لم يكن واصل بن عطاء مجرد رقم أضيف على لائحة علم الكلام ، فقد كان له دور إيجابي وكبير في حيوية السجال حول آليات الفكر ، غير أن مسعاه في إنقاذ الفكر العربي من سجن النص وإطلاقه إلى رحاب العقل كان يتطلب نقلة نوعية في قوانين اللعبة الفكرية ، وهو ما لم يستطع تأمينه بمجرد الشكوى مما كان قائما في زمانه . فالشكوى بحد ذاتها تكون مؤشرا على الأزمة ، مثلما يكون الألم مؤشرا على المرض ، وليس بالأنين وحده يشفى المصاب.

انشقاق أم توزيع تركة ؟

لئن لم يكن الأمر انشقاقا فهل هو محاولة لوراثة الحزب الشيوعي اللبناني ؟ نص الوثيقة لا يشير صراحة كما سبق القول ، لكن تلميحات لا تعد تؤكد ذلك . وسنأتي على تفصيلها . غير أن الصديق الياس خوري ، وهو أحد ثلاثة مؤسسين لم يتحدروا من الحزب الشيوعي ، كتب في ملحق جريدة النهار ليؤكد " أن هذا اليسار ليس انشقاقا في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني " . من حقه أن يقول ذلك لأنه لم يكن جزءا من " إرث الصراعات الداخلية التي عصفت بالقوى اليسارية اللبنانية المختلفة " ، لكن الوثيقة حملته ، مع اثنين من المؤسسين ، من حيث لا يدريان ، وزر هذا الإرث . ففي إطار نفيه صفة الانشقاق عن الحركة يؤكد أن الإسم هو " استمرار لتراث وطني طويل ، أبدع فكرا وثقافة ورؤية سياسية وتحررية وتجديدية ، من عمر فاخوري إلى رئيف خوري ومن حسين مروه إلى مهدي عامل ..." إذن هو استمرار لتراث شيوعي ، لأن الأسماء التي ذكرها هي من سلالة هذا الحزب . فإذا لم يكن الأمر انشقاقا ، فهل هو وراثة ؟
إننا لا نعتقد انه يريد أن يقول ذلك ، بل على العكس تماما ، إنه يريد ، من موقع شريف بلا شك ، أن ينتسب إلى هذا التراث ، ويريد أن يستمر في هذا النسب النضالي ، من موقع الاعتزاز به ، وهو موقف يجمع عليه المؤسسون ، على ما نعرفه فيهم من صلابة الانتماء إلى هذا التاريخ ، الذي ليس من حق أحد دون سواه أن يحتكر وراثته . غير أن هذا المعيار الشخصي والأخلاقي يصح على موقف المؤسسين كأفراد ، لكنه لا يصح على حركة نشأت من صلب الحزب الشيوعي واعتراضا عليه ثم لجأت ، لتلميع إسمها ، أن تتوكأ على تاريخه . فإما أن يكون هذا التاريخ محل اعتزازنا جميعا وعلينا جميعا أن نستمر فيه ، وإما أن يكون قبيحا فنخرج منه ونعترض عليه . والصحيح أن هذا التاريخ مزيج من " الانجازات والإخفاقات والأخطاء والفضائل " كما تقول الوثيقة (ص 3-4 ) ، والصحيح أننا جميعا ، أنكم جميعا ، وليس بعضكم كما تقول الوثيقة ، أي من غير استثناء الثلاثة غير المتحدرين من الحزب ، والحريصين على احترام تاريخه ، ( هذا ما يفهم من كلام الياس خوري ) ، أنكم جميعا جزء من هذا التاريخ . على ضوء هذه الحقيقة التي لا يمكن أن ينكرها أحد يصبح التفسير الوحيد للعلاقة بالحزب هو أن حركة اليسار الديمقراطي حاولت أن توزع تركة الحزب الشيوعي فأخذت " تراثه الوطني الطويل الذي أبدع فكرا وثقافة ورؤية سياسية تحررية وتجديدية من عمر فاخوري إلى ..." فسمت نفسها بأحد النعوت البراقة ( اليسار) مع كل المحمول الرمزي الذي تختزنه ، وتركت لمؤسسة الحزب ما تبقى من نفايات تاريخه " الحزب الانقلابي والمفهوم المركزي المتشدد والجمود الذي طبع الحركة الشيوعية والإلحاد الذي عزله عن محيطه الخ. " ( العبارات مأخوذة من نص الوثيقة ص 3-9 ) ، ثم اختارت نقيضها بكل شطارة ، ونعتت نفسها بنقيض ما عرف عن الحزب الانقلابي المتشدد الجامد ...نعتت نفسها بالديمقراطية ، فحازت المجد من طرفيه ، مجد التاريخ المضيء ، فهي يسار ، ومجد النقد اللاذع لصفحات الحزب السوداء ، فهي ديمقراطية ، ثم توهمت أنها أطلقت رصاصة الرحمة عليه ، فإذا هي حركة وليست حزبا ، أي هي أقرب إلى قلوب الجماهير من تلك التي كانت تسمى أحزابا . هكذا جاء المولود : حركة اليسار الديمقراطي .
نعتقد أن توزيعا للتركة على هذه الصورة يتنافى مع القيم السياسية والاخلاقية والاجتماعية والثقافية التي تربت عليها الأجيال الشيوعية واليسارية عبر تاريخها الوطني الطويل . أليست هذه القسمة ، أيها الرفاق ، قسمة ضيزى ؟؟؟ إنكم ، بالمعايير التي تستخدمونها في التوزيع ، لا تشجعون أقرب الناس إليكم ، أي من هم من صلبكم وأنتم من صلبهم على التواصل والتفاعل والتكامل ، وتقللون من المصداقية في طرحكم شعار العدالة الاجتماعية . فأي توزيع للثروة تريدون وأية عدالة اجتماعية تنشدون ، إذا كانت هذه هي طريقتكم في التوزيع ؟ اسألوا من يعرف حكاية الأكول و توزيعه العادل للفروج المشوي شفعا ووترا !

الجديد لا يبنى على لاءات
في تجربة الصراع القومي مثال صارخ على اللاجدوى من برنامج يقوم على الرفض ويكتفي به . في مؤتمر الخرطوم للقمة العربية بعد الهزيمة أطلق العرب لاءات ثلاثا : لا صلح ، لا مفاوضات ، لا اعتراف . بعد ربع قرن صالحوا وفاوضوا واعترفوا . منظمة التحرير الفلسطينية لم تقم إلا بعد أن أضافت إلى لاءات الرفض نعما صريحة : نعم لقيام دولة فلسطينية على أي شبر يحرر من أرض فلسطين ، والحركة الشيوعية لم تقم على مجرد رفض الرأسمالية ، بل على فتح آفاق المستقبل نحو بديل للرأسمالية رسمه ماركس في خياله وأسماه الاشتراكية .
ليس مؤكدا أن مجرد وضع برنامج إيجابي يفضي إلى شاطىء الأمان ، لكن الأكيد هو أن الرفض السلبي لا يبلغ غاية ، لأن غايته غير واضحة . في وثيقة اليسار "الجديد " ما يشير إلى أن القواسم المشتركة مع الحزب الشيوعي أكثر من أن تحصى ، وسنحاول تعدادها ومقارنتها من خلال النصوص المكتوبة ، وسنعود ، في سبيل ذلك إلى أربعة نصوص : وثيقة اليسار الديمقراطي ، وثيقة المؤتمر السادس التي شارك في وضعها مؤسسو اليسار الديمقراطي ، وثيقة المؤتمر التاسع التي لم يشاركوا فيها ، أما النص الرابع فهو نص اقترحناه على الحزب وعلى المعترضين في الحزب وما زلنا نراه صالحا ، لكنهم لم يوافقوا في حينه عليه ، لأن المسألة لم تكن مسألة نصوص ، فهل كانت مسألة نفوس ؟
إذن قد يقول قائل ، علام هذا الافتراق وما هي مبرراته ؟
مسوغ قيام اليسار الجديد اعتراض على الحزب واعتراض على الموقف من الوجود السوري . إذن يقوم برنامجه على لاءين . اللا الأولى صريحة وواضحة ومكررة أكثر من عشرين مرة في نص المشروع التأسيسي ، بل في صفحاته التسويغية الست الأولى ، أما الصفحات المتبقية فهي عرض للأوضاع السياسية ، قد تتباين مع وثائق الحزب المؤتمرية لكن التباين هو من الضآلة والشكلية بحيث لا يستحق هذه الضجة التأسيسية ، فضلا عن أن بعض ما في نصوص الحزب أكثر بلاغة وعمقا ووضوحا .
إذن علام الاعتراض ؟ إنه اعتراض على شيء واحد وحيد هو الصيغة التنظيمية في الحركة الشيوعية ، أي على ما يسمونه " الحزب الثوري الانقلابي والمفهوم المركزي المتشدد والجمود الذي طبع الحركة الشيوعية ، والقدسية ، والإسقاط والقسرية في عمل القيادة ، والغرق في المفاهيم الضيقة والفئوية والتقيد بالماركسية ( اليسار في نظرهم أوسع من الماركسية ص4 ، وهذا لعمري تخبيص نظري – سياسي يشبه من يقول : الثمرة ألذ من الشجرة ) ، واعتماد الستالينية مرجعا في السياسة والتنظيم واعتماد الاشتراكية السوفياتية نموذجا في الاقتصاد والاجتماع ، والوقوع في تهمة الإلحاد والانعزال عن المحيط ، والاعتماد على الانتداب في انتخاب القيادة الأمر الذي يؤدي إلى تقليص شمولية التمثيل ، وعلى تراتبية قيادية يتحكم فيها الأعلى بالأدنى ، والانخراط في مؤسسات المجتمع بطريقة مغلوطة ، بحيث تنشأ التناقضات بين أولويات الأحزاب المركزية وأولويات النقابات والمؤسسات الديمقراطية ، هذا فضلا عن أن القوى " الثورية " لم تسارع لمعاودة التواصل مع مجتمعها بعد الثورة ، ما أوقعها في خانة المعيق لمسيرة التغيير ولمسار التطور ، كما أوقعها مع سواها من الأحزاب الدينية في العقم والماضوية ، الخ .
هذا التسويغ يقوم على نقد تجربة الآخرين . ولئن كان النقد حقا مباحا للجميع ، فليس بمثل هذا التسويغ يولد الجديد . ولا كلمة واحدة في النص عن الجديد في الحياة وفي طبيعة الصراع العالمي . ولو سلمنا بصحة التسويغ المحصور في نقد التجربة التنظيمية ، فما علينا إلا العودة إلى النقد الوارد في وثائق المؤتمر السادس للحزب الصادرة عام 1992 وفيه ما يلي بنصه الحرفي :
" ...لايعود الخلل في عمل الحزب إلى سوء التطبيق للأسس المعتمدة بمقدار ما يعود إلى الفكرة الأساس التي تحدد طبيعة الحزب من حيث هو حزب " أنقلابي " عليه اقتناص الفرصة " لخطف " الثورة ... ويقيننا أن ظاهرة الستالينية بأشكالها المختلفة هي ظاهرة طبيعية وحتمية في سياق المفهوم الذي أعطي للأسس اللينينية في تنظيم الحزب ، خاصة بعد أن تحول الحزب إلى سلطة ... ويشمل ذلك على سبيل المثال لا الحصر علاقات الحزب بالجماهير التي باتت مرادفة لعلاقات السلطة بالجماهير ، وعلاقات الحزب بالمنظمات الجماهيرية التي باتت كذلك منظمات سلطوية ... إن مكمن الخلل في الأحزاب التي هي خارج السلطة إنما يتجسد في تركيز كل الصلاحيات في هيئات هرمية تربط بعضها ببعض علاقات تبعية ، يرأسها كلها ويدير نشاطها وأعمالها الأمين العام . وإذا استمر الوضع على هذه الصيغة سيبقى موقع الأمين العام طاغيا على السكرتيريا والسكرتيريا على المكتب السياسي والمكتب السياسي على اللجنة المركزية واللجنة المركزية على مؤتمر الحزب ... إن مسألة الديمقراطية في الحزب تشكل لب المسألة التنظيمية والقضية الأساس في بناء الحزب ..."
النص الوارد في الوثيقة طويل لا يتسع المجال لاقتباسه حرفيا ، وهو بلا شك أفضل من نص حركة اليسارالديمقراطي في وضع الإصبع على الجرح ، لأنه لا يقتنص أخطاء أحد ، ولأنه لا يجدف على أحد ، بل هو نقد صريح للتجربة الذاتية ، لتجربته هو والحركة الشيوعية التي ينتمي إليها ، وفضيلته تكمن قبل ذلك في كونه جاء تحت عنوان : من أجل حزب وطني ديمقراطي اشتراكي جديد في لبنان ، ما يعني إشارة واضحة إلى البحث عن إسم جديد للحزب كما أنه جاء في خاتمة الوثيقة وليس في أولها ، أي تتويجا لمسوغات سياسية حول المتغيرات في خارطة الصراع العالمي ، ما يعني أن الجديد الذي تضمنه استند إلى جديد في ما أفرزته الحياة . ومن الجدير بالذكر أن بعض مؤسسي اليسار الديمقراطي كانوا في عداد من صاغ وثيقة المؤتمر هذه أو وافقوا عليها .
من حق الذين أسسوا حركة اليسار الديمقراطي ومن واجبهم أن يطرحوا على أنفسهم وعلى المخضرمين في قيادة الحزب والحركة السؤالين التاليين :
السؤال الأول عما إذا كانت قد طرأت مستجدات سياسية كبرى أكثر أهمية وتأثيرا من انهيار الاتحاد السوفياتي خلال هذه الدزينة من السنوات التي تفصلهم عن المؤتمر السادس للحزب ، وعما إذا كانت هذه المستجدات تشكل منعطفا في تاريخ الصراع العالمي و تستدعي فعلا بناء يسار جديد غير ذاك الذي كان المؤتمر السادس قد اقترحه ؟
السؤال الثاني عن الأسباب التي جعلت المؤتمر السادس يقرر الموافقة على هذا النص الواضح ، وعن تلك التي جعلت الحزب يتراجع عن هذا النص ، وعما إذا كانت تلك الأسباب تعود إلى عوامل موضوعية ، كزوال الظروف التي دعت الحزب إلى التجديد مثلا ، إم إلى عوامل ذاتية ، منها مثلا عدم نضج أطرنا الحزبية والمجتمعية لممارسة الديمقراطية ، والسؤال بالتالي عن مسؤولية مؤسسي الحركة عن عدم تنفيذ قرارات المؤتمر يوم كانوا في عداد السلطة الحزبية ؟
نظام داخلي واحد ولو تعددت الأسماء

لست أعني بالسؤال الثاني إدانة لأحد ، ذلك أن منطق هذه المساجلة وكذلك سائر مساجلاتنا في هذا المضمار تنطلق من الاعتقاد بأن تنظيم العمل الجماعي يشبه بعضه بعضا في الأحزاب والجمعيات والنقابات والأندية والإدارات الرسمية ، وحتى في الجيوش ، من حيث التراتبية الهرمية : في الإدارة رئيس دائرة ثم رئيس مصلحة فمدير فمدير عام فوزير الخ ، وفي الأحزاب خلية أو فرقة ثم فرع أو فرعية ومنطقة ولجنة مركزية ومكتب سياسي وأمين عام ، وفي النقابات تنظيم هرمي ينتهي بقيادات مركزية وبالاتحاد العمالي ، الخ . وفي كل الأنظمة الداخلية تحديد لمهام اللجان والهيئات والاجتماعات وطريقة اتخاذ القرارات ، وفي كل الهيئات الديمقراطية على الأقلية أن تلتزم بقرارات الأغلبية ( الجيوش وحدها تشذ عن هذه القاعدة بسبب خصوصية تركيبها العسكري ومهماتها ) .

كما ننطلق من الاعتقاد بأن الأحزاب في بلداننا تشبه بعضها بعضا من حيث بنيتها التنظيمية ، وأن كل بحث في التباين والتجديد هو من قبيل ذر الرماد في العيون . فكل الأحزاب المعارضة في العالم الثالث هي نسخ مشوهة من الستالينية في تركيبها العسكري الانقلابي المعادي لبناء دولة القانون والحق ، وكلها محكومة من هيئاتها العليا وضمن أطر غير ديمقراطية ، وأزماتها كلها لا تكمن في طبيعة تنظيمها بل في الأساس السياسي الذي تتشكل منه فلسفة التنظيم ، ولهذا فإن البحث في الأزمات وإعادة الأسباب إلى العوامل التنظيمية هو هروب من المشكلة الأساس ، أي الجوهر السياسي للأزمة . باختصار يمكن القول إن التنظيم الصارم الأوامري الانقلابي هو تعبير عن وهم ثوري في اقتناص الثورة ، وهذا الوهم ناجم بدوره عن الاعتقاد بأن الانتقال إلى الاشتراكية هو سمة العصر وبأن التجربة اللينينية يمكن أن تتكرر في أي مكان في العالم على الطريقة السوفياتية .
وبناء على ذلك يحق لنا أن نأخذ على وثيقة اليسار الديمقراطي إغفالها المسوغات السياسية وتركيزها على قضايا التنظيم ، وبالتالي عجزها الأكيد عن إخراج اليسار من أزمته . ذلك أن النظام الداخلي الذي اقترحته يشبه في كل شيء أي نظام داخلي آخر ، وأن البحث الجدي عن سبل خروج اليسار من أزمته تقتضي نقاشا سياسيا وليس تنظيميا مع الحزب ، ونقدا سياسيا وليس تنظيميا لنهجه

أوهام الاختلاف

قد يقول قائل إن التباين في المواقف بين اليسار القديم واليسار الجديد واضح وضوح الشمس وأن الوثيقة التأسيسية غنية بالتحليل السياسي ، والحقيقة أن ما يتوهمه البعض تباينا ، بل تناقضا ، هو في جوهره تعبير عن نظرة واحدة إلى الأمور ولو بصورتين مختلفتين ، هو وجه الصورة وقفاها . ومن أجل التدقيق في ذلك سألنا أحد أقطاب الحركة أن يساعدنا في إبراز قضايا الاختلاف السياسي من خلال النصوص ، فأشار إلى أنها تكمن في قضايا كثيرة ، منها النظرة إلى المسألة القومية ، والى العلاقات اللبنانية السورية وإلى المسألة الطائفية وإلى الماركسية . حاولنا أن نقرأ النص من جديد على ضوء هذه الإشارة الإرشادية ، وازددنا اقتناعا من الاستنتاجات التي تحصلت لدينا من القراءات الأولى .
في تفصيل ذلك ، يمكن لأي قارئ أن يدقق في التحليل السياسي هنا وهناك ، وفي تشخيص حالة الصراع ، ويستنتج بسهولة فائقة أن النصوص تكاد تكون منسوخة بعضها عن بعض ، على صعيد توصيف الأوضاع السياسية ، ومن ذلك :
- في الوضع العالمي : الاستفراد الأميركي وضرورة مواجته ، وأحداث 11 أيلول وما تلاها من غطرسة أميركية ، في ظل خلل في موازين القوى في غير صالح بلدان العالم الثالث ، وعودة الولايات المتحدة إلى سياسة الحروب الجوالة وإرغامها الحلفاء على الانخراط معها في هذه الحروب الخ ، الخ .
- على الصعيد العربي فلسطين والعراق والهمجية الأميركية ضد كل منهما ، بالتحالف الكامل مع الدولة الصهيونية ، وتعميم الاستبداد وغياب الديمقراطية وغياب الخطة الاقتصادية وتبديد الثروات الخ ، الخ .
- وفي لبنان سلطة فاسدة وانقلاب على الطائف وسياسة سورية في لبنان غير مقبولة من كل أطراف المعارضة ، ومديونية عالية وحاجة لقانون انتخاب جديد وقانون ضرائب جديد ولتصحيح العلاقات اللبنانية السورية ، الخ ، الخ.
لا يتسع المجال هنا لإجراء مقارنة تفصيلية ، حسبنا أن نحيل من لهم جلد على قراءة النصوص ، إلى إجراء هذه المقارنة ، وسيكتشفون سريعا أن واضعي هذه النصوص متحدرون جميعا من أصول تقدمية يسارية واحدة ، وأنهم جميعا مرتبكون بالاختلال الفاضح في موازين القوى بعد الانهيار السوفياتي . يركز نص على فكرة وآخر على فكرة أخرى من غير أن يحدث هذا التفاوت في التركيز أي تباين في النظر إلى طبيعة الصراع . فوثائق الحزب مثلا تولي اهتماما أكبر لظاهرة العولمة ، في حين يبدأ نص اليسار الديمقراطي من أحداث 11 أيلول ، ويتوسع نص الحزب في شرح تجليات الأحادية القطبية وأسبابها ، ولا يعير نص اليسار الديمقراطي هذا الأمر الاهتمام ذاته ، الخ . هذه الفروقات الطفيفة لا تستدعي قيام يسار جديد .
على الصعيد العربي تأكيد في كل النصوص على سقوط النظام العربي ، فهو سقوط مدو في نص الحزب وسقوط مروع في نص اليسار ، وأنظمة ملتبسة الشرعية ودول عربية مشرذمة وعاجزة ومتواطئة وحكام طغاة فاسدون الخ ، هنا ، وأنظمة توتاليتارية ومخابراتية هشمت مجتمعاتها الخ ، هناك ، والتباين ، وهو لغوي في معظم الحالات ، أي أنه يتعلق بطريقة التعبير عن الفكرة ، لا يستدعي قيام يسار جديد .
برنامج المواجهة واحد : التنمية ، الديمقراطية ، مواجهة العدوان الأميركي الإسرائيلي ، إضافة إلى تباين في الموقف من قضيتن اثنتين : ففي حين يتحمس الحزب إلى مقاومة الاحتلال والعدوان مقاومة شاملة ، يميل اليسار إلى تقديم برنامج يقوم على التمنيات من مثل لابد وينبغي ومن الضروي الخ ، لكنها تمنيات تشبه حماسة الحزب إنما مع أستذة أقل وديمقراطية أكثر، إزاء قوى المواجهة العربية . وتؤكد النصوص هنا وهناك على بدائل قومية تقتصر عند اليسار على صيغ من التنسيق والتكامل ، في حين يدفع الحزب الأمر إلى أبعد من ذلك ، طارحا إعادة الاعتبار إلى شعار القومية العربية ، وفي الحالتين لايمكن أن يقوم تنسيق أو تبنى وحدة من غير الديمقراطية .
هذه التباينات الطفيفة في تحليل الوضع العربي ليست محصلة تناقض في الموقف من القضية القومية ، بل على العكس تماما ، إنها بمثابة وجهين للنظرة ذاتها إليها . إن اليسار الديمقراطي ينطلق من الفرضية القائلة : " إن المرحلة التي يخوضها اليسار هي مرحلة بناء ديمقراطي تتداخل مع مهمات تحرر وطني " . ولا يخفى على أحد أن هذه الفرضية هي في صلب البرنامج السياسي الذي اعتمده الحزب منذ مؤتمره الثاني ، وباتت كلمات مهدي عامل في التنظير لها محفوظة في ذاكرة كل شيوعي ، وخلاصتها أن النضال في سبيل الديمقراطية هو هو النضال في سبيل التحرر الوطني ، وهو هو النضال في سبيل الاشتراكية . والتحرر الوطني يعني مواجهة الاستعمار والامبريالية والاستقلال وفك التبعية ، الخ .
غير أن التباين لا يعدو كونه تباينا شكليا ، بحيث تتخذ المواجهة مع الامبريالية في نصوص الحزب أشكالها التقليدية ( مقاومة عسكرية وحروب أنصارية ) لكنها مقاومة على الورق ، ودعوة فقدت كل مقوماتها الواقعية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ( باستثناء ما هو ممكن في فلسطين ) وبهذا يتساوى الموقفان في الدعوة إلى المواجهة ، ويتساويان في آليات المواجهة ، ففي حين يتفادى نص اليسار تحديد سبل المواجهة يطرح نص الحزب آلية غير قابلة للتنفيذ ، وفي الحالتين ارتباك يملي على أهل اليسار، كل أهل اليسار ، أن يبحثوا في العمق عن معنى التحرر الوطني بعد غياب الاتحاد السوفياتي ، ليبنوا على الشيء مقتضاه ، بديلا عن زعم فارغ في نص اليسار الديمقراطي " بأن المراجعة النقدية التي يريدونها لا تبحث عن نقد سطحي ... بل تقطع قطعا كاملا ..." ( ص 4-5 ) وعن تكبير كلام في نص الحزب حول المقاومة الشاملة ، لأن المقاومة إذا كانت بمعنى الممانعة ( والممانعة هي التي هزمت المقاومة كما ذكرنا ) فالأمر مصيبة ، وإذا كانت المقاومة ذات طابع هجومي كما كانت الحال في ظل المظلة السوفياتية ، فالمصيبة أكبر ( لأن المظلة غير موجودة ، والانتقال إلى الاشتراكية لم يعد من سمات العصر ولا هو اليوم نقطة على جدول عمل التاريخ .)
مرة أخرى ، إزاء هذا التطابق العجيب في النظرة إلى القضية القومية وإلى الواقع العربي يحق لنا أن نسأل : ما هو المبرر لادعاء قيام يسار جديد إذا لم تكن طروحاته جديدة حقا . وليس هذا بمثابة دعوة للعودة إلى صفوف الحزب ، فقد يكون مناضلو اليسار الديمقراطي على حق في أن أطر الحزب لا تتسع لهم ، لكنهم بالتأكيد ليسوا على حق في مزاعمهم أنهم يقدمون جديدا .

يسار جديد أم تجديد اليسار
بيت القصيد في أزمة اليسار ليس إذن في التنظيم لأن اليسار " الجديد " كرر النقد ذاته الذي سبقه اليسار " القديم " إليه بأكثر من عشر سنين ، وليس في التوصيف السياسي الحدثي لدى
"اليسارين" ، وهو توصيف أكثر عمقا في وثائق الحزب وأكثر صحافية في وثيقة اليسار الديمقراطي . إذن ما هو بيت القصيد هذا ؟
بيت القصيد في الأزمة أبعد من هذا التبسيط . إنه في الحقل الذي يسميه مهدي عامل الممارسة النظرية والممارسة السياسية ، والممارسة هي البراكسيس في اللغة الماركسية ، والممارسة النظرية ليست هي النظرية ، كما أن الممارسة السياسية ليست هي البرنامج المكتوب ، هي أقرب إلى ما يسمى الأداء السياسي . فقد ينتمي يساريان إلى نظرية واحدة ويختلفان في التأويل والاجتهاد داخلها ، وهذا ما كان يقع خلف الانشقاقات في الحركة الشيوعية ، ولا ينطبق ذلك على حركة اليسار الديمقراطي . وقد يوافق اثنان على برنامج سياسي واحد ولكل منهما طريقته في تنفيذه . لتوضيح هذه المسألة سندخل في استطراد طويل نراه ضروريا لتوضيح الفكرة .
العروبة شأن داخلي

المشكلة الأساس في موقف اليساراللبناني وموقعه من القضية القومية ناجمة عن التباسات العلاقة بين سوريا ولبنان . وفي زعم اليسار الديمقراطي الضمني أن التباين بينه وبين الحزب يكمن في هذه النقطة بالذات ، وهو تباين لا يظهر من خلال النصوص ، لأن النصوص شديدة التقارب ، ومع أن نصوص الحزب تبدو أكثر وضوحا وحزما من نصوص سواه ، فإن تباينا في الأداء يظهر يوميا ، وهو تباين يشير إلى طبيعة المأزق اليساري ذاته لدى أهل اليسار جميعا . والمأزق هو في تحديد العلاقة بين العوامل الخارجية والعوامل الداخلية .
تحضيرا للمؤتمر الشيوعي تقدمنا بورقة سياسية تناولت ، في ما تناولته ، قضية العروبة في لبنان والتباساتها ، وعرضنا أن تكون الورقة باسم المعارضة الحزبية ، أي باسم من شارك بعضهم لاحقا حركة اليسار الديمقراطي ، لكن البعض قرأ النص وعينه على مسألة أخرى ، على ما هو خارج النصوص . فقد يكون الاتفاق داخل الحزب على نص ما توريطا في الموافقة على أمور أخرى . ذلك أن الصراع الحزبي لم يكن على النصوص بل على الأداء القيادي ، أي على الممارسة السياسية وليس على النص المكتوب ، وهو بمعنى ما صراع على القيادة أكثر مما هو صراع على تأسيس يسار جديد ، أو هو صراع على نوع الممارسة السياسية التي من شأنها إخراج اليسار من أزمته .
قلنا في النص أن الدستور اللبناني المنبثق عن اتفاق الطائف حسم انتماء لبنان إلى الأمة العربية ، لكن رواسب الصراع حول هذه القضية لا تزال شديدة الحضور، ذلك أن اقتران العروبة بالإسلام ، كما أراد لها البعض ، في ظل نهوض الإسلام السياسي في المنطقة والتدخل السوري في صغير السياسة اللبنانية وكبيرها ، قد جعل الهوية تبدو كأنها مفروضة فرضا على اللبنانيين ، لاسيما في صيغتها السائدة في أنحاء العالم العربي ، أي عروبة الحكم الوراثي وغياب الديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان .
إن العروبة هي انتماء طبيعي إلى تاريخ هذه الأمة وحضارتها وثقافتها وإلى المصالح المشتركة لشعوبها ، وهي خيار حر جسده اللبنانيون في نضالهم البطولي ضد المشروع الصهيوني والاحتلال الإسرائيلي ، وفي تضامنهم الصادق مع كل الشعوب العربية في كفاحها من أجل التحرر والاستقلال ، وفي احتضانهم جهاد الشعب الفلسطيني في سبيل قضيته العادلة للعودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة على أرضه. لكن هذه العروبة مشوبة بالتباسات ثلاثة ينبغي البحث عن صيغ لمعالجتها :
1- إن قوى سياسية لبنانية وعربية استخدمت العروبة وساوت بينها وبين الإسلام . غير أن العروبة ليست قرينة للإسلام ، بل هي انتماء تاريخي لكل شعوب المنطقة على اختلاف شرائعهم وعقائدهم الدينية ، والعلاقات بين الأديان في لبنان محكومة بالتفاعل الإيجابي الضروري للوحدة الوطنية والقومية على حد سواء ، وعليه فإن دور أحزاب الإسلام السياسي ينبغي أن يخضع للمعايير السياسية وحدها ، وذلك من موقع الفصل الضروري بين آليات النشاط السياسي وممارسة الطقوس والشعائر الدينية ، كما أن على الأحزاب والتجمعات ذات الطابع المسيحي أن تكرس انتماءها للعروبة ، استمرارا لنهج الرواد المسيحيين الذين رفعوا لواء القومية العربية في مواجهة نزعات التتريك . أما العلمانيون فعليهم أن يكفوا عن استخدام التوازنات الطائفية لصالح العروبة تارة وفي مواجهتها تارة أخرى .
2- العروبة ليست قرينة للوجود العسكري السوري في لبنان ولا ينبغي أن تكون نتيجة من نتائج الحرب الأهلية ، بل هي من حيث المبدأ والأساس خيار ينبغي أن يرفع لواءه اللبنانيون ويستخدموه استخداما إيجابيا في مواجهة أسباب الحرب الأهلية ومسببيها وفي مواجهة الوجود السوري على حد سواء .
3-العروبة ليست سببا للوجود الفلسطيني المدني ثم المسلح في لبنان بل إن هذا الوجود هو ضحية المشروع الصهيوني الذي دفع اللبنانيون والفلسطينيون ويدفعون ثمنه غاليا من دمائهم ومصالحهم ووحدة أراضيهم ، وإذا كانت القوى السياسية اللبنانية على اختلافها قد ارتكبت أخطاء متباينة بحق القضية الفلسطينية وثورتها المسلحة إما بمناهضتها من موقع العداء أو بالتماهي بها على حساب الوحدة الوطنية ، فقد آن الأوان لوضع حد قاطع لهذين التماهي والعداء ، لبناء قاعدة متينة للتضامن مع الشعب الفلسطيني استنادا إلى وحدة وطنية لبنانية راسخة .
4-العروبة ليست قرينة للأنظمة التسلطية القائمة في العالم العربي ، بل هي انتماء إلى تراث حضاري زاخر بالمنجزات العلمية والتفاعل الخلاق بين الأديان والحضارات ، وهي في الوقت ذاته انتماء إلى قيم العصر وفي طليعتها تجاوز التقاليد السياسية الموروثة عن العصور الذهبية والظلامية على السواء التي حكمت المنطقة العربية مئات السنوات. لقد بات من الضروري الإقلاع عن استخدام هذه العروبة المتخلفة ذريعة لمناهضة انتمائنا القومي ، والإقلاع أيضا عن التعصب للعروبة تعصبا أعمى ، حتى لو كانت متجسدة بأنظمة رسمية قمعية معادية للتقدم والتطور ، وبات ملحا أن يبني اللبنانيون وحدتهم الوطنية على اساس عروبة ديمقراطية تجيز الاختلاف وتحميه ، وترفض عروبة الحزب الواحد وكل متفرعات القمع والتسلط ومشتقاتهما القديمة والحديثة ، وسائر الآليات المركزية المعتمدة في الأنظمة التوتاليتارية .
وخلصنا إلى الاستنتاج بأن قضية العروبة في لبنان هوشأن لبناني بالدرجة الأولى وعربي بالدرجة الثانية ، وأن عروبة لبنان ليست نقيضا للانتماء إلى الأمة ، وليس التمسك بالكيان اللبناني خطرا على نزوع الأمة إلى وحدتها القومية ، ولا القطرية رديفا للتفكك ، بعد أن صار لأقطار الأمة تاريخ ، وبعد أن غدا الدفاع عن وحدة كل قطر مهمة مقدسة في مواجهة التفتيت العولمي الجاري على قدم وساق . فوق ذلك وقبله ، تبقى الوحدة العربية ضرورة قومية لا تمليها مصالح الحكومات بل إرادات الشعوب ومستوى تطور علاقاتها الاقتصادية والثقافية والإعلامية ومستوى معيشتها ودرجة تطور نظمها السياسية . مثل هذه العروبة لن يبنيها اللبنانيون إلا إذا توفرت الوحدة الوطنية ، والأوطان لا تبنى من غير الوحدة الوطنية .
القومي والقطري

سنعود من هذا الاستطراد الطويل لنربطه ببيت القصيد في أزمة اليسار . لكل حزب ، جديدا كان أم قديما أم متجددا ، نظرية وبرنامج وتنظيم ، وهي أقانيم ثلاثة يستدعي الواحد الآخر ، وأي تغيير في أحدها يفضي إلى تغيير في الطرفين الآخرين أو يكون سببا له . فقد قامت نظرية اليسار في العالم مع بداية القرن الماضي على أساس الماركسية السوفياتية (نظرية ) والانتقال إلى الاشتراكية (برنامج ) والحزب الانقلابي ( تنظيم ) ، وكان من الطبيعي أن ينهار كل شيء مع انهيار التجربة برمتها ، وأن يسعى المخلصون إلى ترميم ما يمكن ترميمه أو تجديد ما يمكن تجديده ، لكن بنية الحزب الشيوعي كانت عاجزة عن القيام بهذه المهمة بالسرعة ذاتها التي تطلبتها ضرورات الصمود أمام الانهيارات الكبرى ، لأن البدائل التجديدية لم تكن جاهزة بعد ، لا عند القيادة ولا عند المعارضة ، ولذلك جرت في مؤتمرات الحزب ، من السادس حتى التاسع ، صيغ من المساومات خلاصتها الاتفاق على صمود الحزب لكي يتفادى أكبر حجم ممكن من تبعات الانهيار وآثاره على الأحزاب الشيوعية ، والاتفاق على ضرورة تجديد الحزب . لكن الممارسة السياسية للحزب لم تنجح في نقل هذا التوافق المساومة إلى حيز التطبيق ، ولم يكن مضمونا أن يتم ذلك فيما لو كان الأداء القيادي مختلفا أو لو تولت قيادة أخرى للحزب ( من المعارضة الحزبية مثلا ) مسألة التجديد فيه ، لأن العامل الذاتي لم يكن مهيأ بما فيه الكفاية لهذه المسألة الشائكة ، ولم تكن المعارضة الحزبية تملك هي الأخرى بديلا تجديديا ، ولذلك انصب هم القيادة على إدارة الأزمة بدل حلها ، بانتظار بلورة بديل نظري وسياسي وتنظيمي ، وجرت الاستعانة بما بدا صالحا من الإرث النضالي في مواجهة الصعوبات والمخاطر ، وفي الوضع اللبناني الملموس فرض على اليسار ترتيب أولويات المخاطر حسب مشيئة النهج المنتصر في الحرب اللبنانية، أي نهج الممانعة . إنها إذن مخاطر متحدرة من إرث النضال التحرري ، الذي يتحدد فيه العدو على أنه عدو خارجي ، وإذا كان طرفا داخليا فهوعميل للخارج ، أي الامبريالية والاستعمار . وقد ساد هذا المعيار منذ الطائف وشعاره : لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، حتى لو كلف ذلك ما كلف من المديونية والدولة الأمنية والفساد وغير ذلك ، وفي رأس تلك الكلفة التباسات العلاقة بين سوريا ولبنان ، بين القطري والقومي ، بين نهج الممانعة ونهج مرتبك لم تبلغ محاولاته التجديدية شاطىء أمانها .
إن مهمات التحرر الوطني التي اعتمدها الحزب هي التي جعلت من المنطقي أن تكون شبكة العلاقات التحالفية التي اختارها منسجمة مع تلك المهمات ، كما أن الفساد الداخلي افترض أن يكون موقعه الداخلي في صفوف المعارضة ، لذلك كان من الطبيعي أن يقع الحزب في موقع حرج بين أن يكون حليفا لقوى الممانعة في إطار مهمات التحرر الوطني ، وهي قوى السلطة اللبنانية الحليفة لسوريا ، وبين أن يكون معارضا لها لأنها سبب في تفاقم الأزمة الداخلية وتفاقم المخاطر على الوحدة الوطنية . ولم تكن أجمل النصوص ولا أكثرها تشديدا على تمايز الحزب عن حلفائه قادرة على إنقاذ الحزب من حالة الالتباس السياسي وعلى وضع حد لحالة النزف في صفوفه .
في المقابل كان بعض المعارضة الحزبية يقترح موقفا أكثر حزما من قوى السلطة اللبنانية ومن حلفاء سوريا ومن الوجود السوري ، وتقاربا أكبر مع قوى المعارضة اللبنانية ، أنطلاقا من الاعتقاد بأن الخطر على الوحدة الوطنية ناجم عن عوامل خارجية ومنها ، بل وفي طليعتها ، هيمنة الاستبداد العربي على كل الشعوب العربية ، وهيمنته على لبنان من خلال الوجود السوري ، ما زرع الوهم بأن خروج القوات السورية هو المدخل لحل كل الأزمات الداخلية . ومن هذه الزاوية بالضبط لم توافق المعارضة الحزبية ، على النص الذي اقترحناه لأنه ، أي النص يقدم مقاربة جديدة عن العلاقة بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية وبين القطري والقومي .
ظاهر الأمر يوهم بوجود تباين في الموقف من العلاقات اللبنانية السورية بين الحزب الشيوعي اللبناني وحركة اليسار الديمقراطي ( الذي احتضنت المعارضة اللبنانية تأسيسه ) ، غير أن هذا التباين لا يظهر في النصوص بل في الأداء ، أي في الممارسة السياسية . ليس هذا التباين إلا وجهين لموقف واحد يتعلق بالممارسة أي البراكسيس . فهذه الممارسة نابعة ، لدى الحزب كما لدى حركة اليسار، من موقع واحد هو موقع الانتماء إلى مرحلة التحرر الوطني التي تلخصها شعارات الاستقلال ( استعادة الاستقلال في لغة حركة اليسار الجديد ) والسيادة والتحرر من الاحتلال الخارجي . ففي نظر الحزب مازال الخطر الخارجي يتجسد في الامبريالية والاستعمار والصهيونية ، أما التعديل الذي تقترحه حركة اليسار الديمقراطي فهو تعديل من داخل اللعبة
هو من داخل اللعبة لأن منظومة المفاهيم النظرية والسياسية والتنظيمية التي تنتمي إليها هذه المهمة متحدرة من صيغة اليسار القديم ، أي من تحالف عالمي كان يضم حركات التحرر الوطني في العالم والأحزاب الشيوعية في العالم الرأسمالي والبلدان الاشتراكية " وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي " . غير أن انهيار المنظومة الاشتراكية بات يفرض أن تتغيرقوانين اللعبة تغيرا جذريا ، وبات من الضروري أن يتخذ النضال ضد الإمبريالية أشكالا جديدة تناسب أشكال الهجوم الجديدة التي تعتمدها جبهة أعداء الخارج ، وأن يعاد النظر بعلاقات الداخل والخارج ، لأن الاستقلال بات ، هو الآخر ، ينطوي على دلالات جديدة لم تكن معروفة في السابق ، ولأن المرحلة الاستعمارية كانت قد انتهت ونالت كل المستعمرات السابقة استقلالها ، بالمعنى القديم أيضا لكلمة استقلال ، وصار النضال في سبيل السيادة ينحو منحى اقتصاديا ، مثل فك التبعية والاستقلال الاقتصادي ، ( الاستثناء الوحيد في العالم هو فلسطين ) ، وبهذا المعنى كان لبنان قبل الحرب الأهلية مستقلا وكذلك عراق صدام حسين وجزائر الثورة وسودان المهدي والانقلابات التقدمية والاسلامية ، الخ . ولأن الاستقلال ، وكذلك زوال الاستعمار القديم ، كان أحد نتائج الانتصار السوفياتي في الحرب العالمية الثانية ، ولأن السيطرة الأميركية على العالم بدأت تختار صيغها الجديدة ، ولأن شعار فك التبعية عن الاستعمار لم يدخل حيز التنفيذ ، وكذلك كان مصير الاستقلال الاقتصادي ، ولأن حركات التحرر المنهارة شكلت أبشع أدوات الاستبداد الداخلي وأفضل وسائل الاستدراج للاحتلال الخارجي ( العراق مثلا ) الخ . باختصار إن مثل هذه السيطرة الامبريالية الجديدة تملي على اليسار الخروج من نهج المواجهة الممانعة الذي توج فشله ، بعد الانهيارات الكبرى ، باستدراج الاستعمار الجديد ، والبحث عن صيغ جديدة في المواجهة من خارج منظومة النظرية السياسية التنظيمية للتحرر الوطني .

انتهاك السيادة من الداخل

حتى في موضوع السيادة لم تقدم حركة اليسار الديمقراطي جديدا ، فهي نهلت من منظومة القيم النضالية التي تدعي أنها تقف منها موقفا نقديا جذريا . حتى في هذا الشأن كنا قد اقترحنا مقاربة جديدة لعلاقات الداخل – الخارج ، انطلاقا من أن السيادة شأن داخلي بالدرجة الأولى وأنها كانت تستباح ، في المرحلة التي تلت استقلال المستعمرات ، من قبل قوى داخلية أو بمساعدتها ، وهذه هي بالضبط الحالة في الوضع اللبناني ، وقد ناقشنا هذه المسألة مليا مع الرفاق في حركة اليسار الديمقراطي ، قبل تأسيسها ، وكانت وجهة نظرنا تشدد على مسؤولية الذين استعانوا بالخارج على خصوم الداخل ، مسؤوليتهم عن انتهاك السيادة وعن استدراج كل أنواع التدخل الخارجي ، وقلنا في النص الذي اقترحناه ما حرفيته :
" أثبتت تجربة الاستقلال أن هشاشة بنية الدولة اللبنانية ناجمة عن إمعان السلطات المتعاقبة بالتفريط بالسيادة الوطنية ، فقد اعتمدت ، للدفاع عن حدود الوطن شعار " قوة لبنان في ضعفه " فغدا الوطن ، بموجب هذا الشعار، ضحية الاستسلام لموازين القوى الإقليمية ، كما اعتمدت بديلا عن سيادة القانون ، سياسة المحاصصة فوزعت سيادة الوطن والدولة إلى سيادات حظي بها زعماء الطوائف والمناطق ، حتى بداية الحرب الأهلية ، ثم شاركهم بعدها أمراء الحرب وممثلو المذاهب . كل ذلك أدى إلى عدم تأصيل شعور وطني ، لدى اللبنانيين ، بالانتماء إلى وطن واحد ونهائي وإلى شعب واحد ودولة واحدة ."
" لقد شاركت كل التيارات والقوى السياسية اللبنانية من دون استثناء ، على تعارض منطلقاتها الفكرية والسياسية ، في هذه العملية ، انطلاقا من عدم اعترافها الضمني بالكيان اللبناني كوطن نهائي ، ومن رغبتها في تحقيق مشاريع يكون فيها لبنان جزءا من كيانات أشمل عربية او إسلامية أو أممية أو جزءا من تحالفات معادية للعروبة . لذلك ظل الولاء للوطن أوهى من الولاء للطوائف والمذاهب وللتيارات القومية والدينية ، وظلت القضايا الوطنية موضوعا للصراع بين القوى ، بدل أن تكون أساسا لوحدتها الوطنية أي أساسا لبناء وطن ، ولم يبن الوطن بعد . ( نتذكر أغنية زياد الرحباني : هاي بلد ، لأ مش بلد ، هي أرطة عالم ... الخ )
" هذه العوامل الداخلية كانت سببا ونتيجة في آن واحد لتشجيع القوى الخارجية على توظيف الانقسامات بين اللبنانيين لصالح صراعات إقليمية فيما بين الدول العربية أو بينها وبين إسرائيل ، فضلا عن الصراعات الدولية بين المعسكرين العالميين ، وقد بلغ التوظيف ذروته بفعل تداعيات القضية الفلسطينية وتفاعلاتها في الوضع الداخلي اللبناني ."
على هذا الأساس على اللبنانيين أن يعترفوا أن كل التدخلات الخارجية كانت ، في جانب منها حاجة داخلية لاستقواء طرف على طرف ، وهي ، من جانب آخر حاجة المتدخلين إلى التدخل ، خدمة لاستراتيجاتهم . حاجة اللبنانيين تمثلت بترسيخ بنية الدولة على أساس المحاصصة ، التي يقال فيها أنها محاصصة طائفية ( ولنا في ذلك رأي آخر سنعود إليه ) ، وبهذا المعنى لم يكن الطائف إلا محاصصة جديدة ، ولم يكن استدراج الخارج إلا لتحسين شروط المتحاصصين . حتى الحركة الوطنية التي رفعت لواء مشروع طموح يتجاوز المحاصصة ، وقعت ، بعد غياب كمال جنبلاط وهيمنة الصراع السوري الفلسطيني على الإمساك بالورقة اللبنانية ، في لعبة المحاصصة ، لكن المحاصصة هذه المرة كانت عربية ، وصارت الحركة الوطنية أداة صراع سوري فلسطيني طغى على دورها البطولي في مواجهة الاعتداءات الاسرائيلية ، ولم تكن وحيدة من بين القوى اللبنانية في تمثيل دور الأداة في تنفيذ صراع داخلي بين أطراف خارجية . ننبه هنا إلى أن هذه القراءة تتنافى مع قراءة أخرى تقول بأن الحرب اللبنانية هي حرب الآخرين على أرضنا ، ذلك أن بين القراءتين مسافة شاسعة هي المسافة بين أن نتحمل نحن اللبنانيين ، قبل سوانا ، مسؤولية الحرب الأهلية وبين أن نتهرب من هذه المسؤولية .
إن السيادة بهذا المعنى كانت تنتهك من قبل اللبنانيين قبل الدخول السوري وقبل الدخول الاسرائيلي والقوات المتعددة الجنسية ، وظلت تنتهك بعد كل التدخلات بالأدوات الداخلية التي كانت تستدعي التدخل ،وبالقوى الخارجية من خلال هذه الأدوات ، وعليه فإن مفتاح استعادة السيادة يبدأ من لبنان ، من نقد جريء تقوم به القوى السياسية اللبنانية ، حتى لا تبقى محرجة أمام اللبنانيين وأمام الأسئلة الصعبة التي تطرحها قضية السيادة : فكيف يكون التدخل السوري وسواه مشروعا في مرحلة واحتلالا في إخرى ، وكيف يتشدق أهل السلطة بسيادة الدولة وهم لا يمونون على شيء ؟ الخارج في المنطق القطري يبدأ على الحدود الدولية مع سوريا ، والخارج في المنطق القومي هو الصهيونية والاستعمار والعملاء طبعا ، والخارج في المنطق الطائفي والمذهبي هو كل الطوائف والمذاهب الأخرى ، وفي المنطق الحزبي الفئوي هو كل الأحزاب والفئات . الآخر ، كل آخر ، هوالخارج . هذا هو مصدرالشوفينية و العداء للديمقراطية ،اللذين أفضت إليهما الحركة القومية العربية وبدائلها . والمطبلون للخارج مهددون بتهمة جاهزة ، إنهم في المنطقين عملاء ، وبدرجة أدنى أدوات . ألم تنضج ظروف الوعي لدى القوى السياسية اللبنانية لكي يكون الجميع مواطنين في وطن واحد ؟ هذه هي المشكلة ، وإلا سيبقى منطق التخوين هو السائد ، ولا مخرج من المأزق في ظل منظومة التحرر الوطني التي حددت عدوها من موقع شوفيني ، وجعلته على الدوام عدوا خارجيا ، وشطبت من الوعي الشعبي حقيقة كون التخلف والاستبداد والحكم الوراثي وحكم الحزب الواحد والنظام الأمني الخ ، كلها ألد عداوة للتقدم والتطور ، وصار الجميع في لبنان ، يسارا ويمينا ، يستخدم منظومة الخارج والداخل لرشق الخصوم وتهديد السلم الأهلي والوحدة الوطنية .
" إما بناء الوطن والدولة إما سياسة المحاصصة ( وإذا دفعت الأمور إلى الأمام تتمأسس المحاصصة داخل ولايات طائفية أو مذهبية ومناطقية - لا خارجها - ، وفي غياب السلطان الشرعي ، تتشرعن الترويكا والدويكا ...) هذه هي المشكلة التي رافقت تطور لبنان الحديث ، حيث اعتادت السلطات اللبنانية على توزيع سيادة الدولة ، فكان للإقطاع السياسي حصة وأخرى لزعماء الطوائف الروحيين ، ثم اقتطع الفلسطينيون حصة داخل المخيمات ما لبثت أن اتسعت خلال الحرب ، وكاد النفوذ السوري يطغى على دور الدولة ، لاسيما بعد الطائف إلى أن نعمت قوى الأمر الواقع بجزر أمنية وإنمائية وقضائية وإدارية في المناطق وفي أجهزة الدولة ، بالتواطؤ الكامل بين أهل السلطة والأجهزة السورية وأمراء الحرب وسلاطين المال."
نعتقد أن مثل هذا المنطق النقدي في قراءة التجربة من شأنه أن يخرج اليسار من مأزق التحرر الوطني الذي آل نهجه في العالم العربي ، إلى ممانعة أمام القوى الخارجية ، وإلى حروب أهلية بين أطراف تنتمي كلها إلى جبهة قوى التحرر بالذات . و كان اليسار أول ضحاياها ، ومن شأنه أن يعطي السيادة معناها الحقيقي . والحال ، فما هو إذن جديد اليسار الديمقراطي في هذا المجال ليسوغ قيام حركة يسار جديد ؟
طائفية ام محاصصة ؟


اعتقد اليسار اللبناني أنه وضع يده على جرح الخصوصية اللبنانية حين قرر أن الطائفية هي علة الوطن والعائق أمام تطوره ، في حين راح اليمين اللبناني يقرر في الجهة المقابلة أن التنوع الطائفي هو علة وجود الوطن ، أما السياسيون المبتذلون فقد أشبعوا الطائفية شتما وخطبا ديماغوجية . وبذلك ارتضى الجميع أن يلتقوا على ساحة المنازلة : الطائفية . واليسار أشبع هذه الظاهرة درسا وكذلك فعل مفكرون وعلماء اجتماع ، وتكفي العودة إلى نصوص الوثائق المؤتمرية ومنها الوثيقة الأخيرة الصادرة عن حركة اليسار الديمقراطي ، للتأكد من أن الخطاب اليساري حول الطائفية واحد ، ومن قبيل التذاكي يستبدل إلغاء الطائفية بتجاوز الطائفية وبالدولة المدنية أو الدولة العصرية ، لكن هذه " المناورات " لا تنطلي على أهل النظام . مرة أخرى نرى أن اليسار الديمقراطي لم يقدم جديدا على هذا الصعيد لكي يعلن نفسه يسارا جديدا ، وليس عليه إلا العودة إلى النصوص المتوفرة ، وهي كثيرة ، لكي يتأكد بنفسه أنه لم يأت بجديد . ونقترح عليه أن يعود بصورة خاصة إلى مهدي عامل في كتابه : في الدولة الطائفية .
إننا في نقدنا برامج المواجهة التي اقترحها اليسار لمواجهة الطائفية ، لا ننطلق من الاستخفاف بهذه الظاهرة ، لكن الفرضية التي ننطلق منها هي أن اليسار اختار الساحة الخطأ للمنازلة ، لأنه ، فضلا عن كونه الأضعف فيها فهو ينجر إلى نقاش فقهي بعيدا عن مفاهيم السياسة ، كما أنه يشخص مرض النظام اللبناني تشخيصا غير دقيق ، فتأتي وصفته العلاجية بالتالي غير صحيحة .
تشخيصه غير دقيق ، لا لأن الطائفية ليست مرضا ، بل لأن معالجة النزف في رأس المصاب أكثر إلحاحا من معالجة نزف في أطرافه . ولأن اليسار دخل غرفة العمليات بغير عدة السياسي ، أي عدة اختصاصه ، بل تناول مسألة الطائفية بأدوات بحث سوسيولوجية وأبدع في اكتشافاته العلمية عنها وأبحاثه المعمقة فيها ، لكنه قصر في الحقل الذي كان عليه أن يبدع فيه ، أي معالجة البنية السياسية .
أثبتت التجربة إذن أن التصويب على الطائفية لم يكن فحسب بلا جدوى ، بل كان بالغ الضرر على البرامج الإصلاحية ذاتها ، لا لأن الطائفية ليست مرضا عضالا في مجتمعنا ، بل ، على العكس من ذلك ، هي حصن النظام المتخلف ، لكنها ليست حصنه السياسي بل هي حصنه الإيديولوجي . والخطأ التكتيكي في برنامج اليسار وفي منطق تحليله يكمن في كونه قدم للإصلاح السياسي برنامجا إيديولوجيا أو سوسيولوجيا ، وقد كان عليه أن يقدم في السياسة برنامجا سياسيا ، وأن يترك الطائفيين يتراشقون ليفضحوا بأنفسهم ضحالة منطقهم وسخف قضيتهم و ديماغوجيتهم .

الالتباس بين السياسي والإيديولوجي ليس بسيطا . فقد كان من نتائجه إنخراط اليسار التقدمي في الصراع الإيديولوجي القائم ، أي الطائفي ، ولم يجده نفعا انتماؤه إلى عالم الأفكار غير الطائفية ولا رغباته الشريفة في تجاوز الطائفية . ولأنه رفع راية العلمنة ، فقد صوره خصومه معاديا للمسلمين ، بل معاديا للدين والإيمان ، ولأنه طالب بإلغاء الطائفية السياسية ، صوروه معاديا للمسيحيين . هكذا بدا الحزب الشيوعي خلال الحرب الأهلية مثلا ، إسلاميا بامتياز لأنه دافع عن شعارات طائفية كشعار المشاركة ، وانزوى في المناطق ذات الأغلبية الإسلامية ، حتى إذا انحدرت الحرب الأهلية إلى قعرها الطائفي المذهبي لم يعد مرغوبا به في المناطق الإسلامية ولا مرغوبا بعودته ، بعد الحرب ، إلى المناطق المسيحية . ولولا إرثه الراسخ في النضال الوطني والقومي لكان نسيا منسيا .

وجه آخر من الالتباس يتمثل في أن لكل نوع من الصراع آلياته الخاصة وعدته ، فهي في الصراع السياسي غيرها في الإيديولوجي، والخلط في سبل استخدامها ليس مضرا فحسب ، بل هو قاتل ، لاسيما أن المنظومة الفكرية العلمانية كلها تتحدر من عصر الأنوار ، أي من سياق تطور وصراع طاول في آثاره كل حقول الحياة ، وأن ما يخص الدين من هذا التطور والتجديد قد جاء ، في جزء منه ، من الصراع داخل المؤسسة الدينية ذاتها ، وبالتحديد من دور رائد لحركة الإصلاح الديني في أوروبا ، وهو ما لم تكلف مثيلتها عندنا عناء الانخراط فيه ، بل هي ، على العكس من ذلك ، خاضت صراعا شرسا ضد المتنورين من خريجي المدارس الدينية ، وبطشت بكل من سولت له نفسه الخوض في غمار التجديد الديني ، من طه حسين وعلي عبد الرازق إلى نصر حامد أبو زيد ، ثم تولت الحركات الأصولية استكمال عمل المؤسسات الدينية في الاعتداء على الثقافة العلمانية والعلمانيين ، من أمثال حسين مروه ومهدي عامل ونجيب محفوظ وفرج فوده . ولهذا السبب وغيره يبدو كل إصلاح للمؤسسة الدينية من خارجها بمثابة اعتداء عليها . هذا فضلا عن أن النظم السياسية في الحضارة الرأسمالية شكلت دعما لحركة الإصلاح الديني ، في حين تنأى البنى السياسة في بلادنا بنفسها عن هذا الدور ، لتمارس نقيضه .

أما وجه الالتباس الأهم فهو أن الميل إلى تغليب الصراع الإيديولوجي جعل اليسار التقدمي في لبنان يصوب في غير الاتجاه الصحيح . فقد بدا لليسار أن النظام السياسي اللبناني حصن منيع ، ركيزته الطائفية ، وتوهم أن نجاحه في تقويضها هو السبيل إلى ولوج باب التطوير الضروري . غير أن التصويب كان على وهم ، إذ ليس النظام طائفيا في بنيته السياسية , مع أن الطائفية متغلغلة في البنى الثقافية والاجتماعية وغيرها . ولذلك كان غول النظام سعيدا جدا لأن خصومه يطلقون النار في اتجاه سواه ، فينبري من تصيبهم النيران ليدافعوا عن أنفسهم وعن النظام . دليلنا على ذلك أن شيئا قد تغير في التوازن الطائفي الموهوم ، وما زال هذا الغول في حصنه منيعا. إذن ، ما هو هذا الغول ؟ وعلام ينبغي على اليسار التقدمي وعلى قوى التغيير في لبنان أن تصوب ؟
الطائفية ليست نظاما ، بل هي سلاح ولباس . سلاح يستخدمه غول النظام عند الحاجة ، ويخلعه أهله حين تتطلب ديماغوجيتهم الترفع عن وسخ الطائفية والتظاهر بالتعالي عليها . والنظام هو المحاصصة .

نظام المحاصصة هو الصيغة التي ابتكرها أصحاب النفوذ في النظام اللبناني من ورثة عصر الإقطاع ، وكانت تسميتهم بالإقطاع السياسي بمثابة الحفر والتنزيل . كل منهم اقتطع لنفسه حصة داخل دولة الاستقلال ، تناسب حصته من النفوذ قبل قيامها .وقد قضت تلك الصيغة بإعطاء حصة من الدولة للمؤسسات الدينية ، تجسدت باستقلال القضاء الشرعي والأوقاف ، ثم أضيفت إليها أجهزة إعلامية خاصة ، منها مكبرات الصوت .
أهل النظام يمثلون مصالح سياسية وثقافية ، وإقتصادية على وجه الخصوص ، ولا تعود المنفعة من حصصهم في النظام ( لا سيما إذا كان النظام المعتمد نظام محاصصة ) إلى الجماعة التي يمثلونها ، خصوصا إذا كانت هذه الجماعة جماعة طائفية . فالحصص في الوظائف العامة مثلا ، الموزعة على أساس طائفي لا تستفيد منها الطوائف . فما هي فائدة الطائفة الشيعية اليوم من وجود مدير عام شيعي ، أو المارونية من وجود وزير ماروني ؟ وما معنى أن تتبدل مواقع الرئاسات الثلاث أو أن يجري التناوب عليها ؟ وهل سيكون عامة الشيعة ، على سبيل المثال ، أفضل حالا في ظل رئاسة شيعية للجمهورية اللبنانية ؟
المحاصصون لا يتحاصصون بقوة الطائفية وحدها ، وهي بعض أسلحتهم بل أضعفها . فالمحاصصة تحصنت واحتمت بقوة القانون ، و سخرت السلطة التشريعية لسن قوانين الخلوي وسوليدار والأملاك البحرية وتجارة البترول وسيارات المازوت ووسائل الإعلام المرئي وقوانين الضرائب والموازنات والكهرباء والماء ... وكل شيء ... كل شيء .
المحاصصون يتحاصصون بقوة رأس المال المعولم الذي يغرينا ببيع القطاع العام كخطوة على طريق بيع الدولة كلها بالمزاد العلني وبيع الوطن إلى الشركات المساهمة
والمحاصصون تحاصصوا بقوة المخابرات المحلية ذات يوم ، ويستقوون اليوم بالجيش السوري ، وقد يستقوون بأية قوة خارجية أخرى .
المحاصصون سياسيون تتبدل أسماؤهم و ملامحهم واحدة ، و لا مكان في دولة المحاصصة ولا في عقل المحاصصين للطوائف كجماعات ولا لأهل الطوائف من الأفراد . فالجماعة الطائفية مجرد سلاح يؤجج عند اللزوم وهي وقود في نار أهل الحصص، يجهزونها للاشتعال فيصنعون وعيا مزيفا ويحشونه في رؤوس القطيع الطائفي، ويستأصلون الوعي بالأسباب الحقيقية للصراعات الاجتماعية والسياسية ، أما الأفراد الفائضون عن اللعبة الطائفية فهم إما أشخاص يفرضون أنفسهم عنوة بقوة الكفاءة ، أو صدفة ، أو أنهم يبحثون خارج أوطانهم أو خارج إدارات السلطة عن سبل معاشهم .
والمحاصصة في السياسة تستدرج محاصصة في كل شيء ، في القضاء والإدارة والجامعة والأجهزة الأمنية والمؤسسات الدينية وسواها ، وتفرخ محاصصات جزئية ينعم بها أهل الدرجة الثانية من المستزلمين وأزلام المستزلمين ، كل حسب وزنه وحجم الخدمات التي يقدمها لسيده من محاصصي الدرجة الأولى .
أكبر المعيقات في وجه نظام المحاصصة هو سلطة القانون ، أي سلطة الدولة . ولهذا تقضي مصالح المحاصصين الراهنة بأن تعود الدولة اللبنانية إلى مرحلتها الانكشارية ، حيث يمكن أن تحكم البلاد بالاستنساب ، وأن تسري الخصخصة على القانون ، فيعطى المحاصصون حق استنساب القوانين والمعايير ، كل في مجال نفوذه أو في منطقته الجغرافية ، هذا للمال والاقتصاد ، وذاك لجمع الضرائب (كما هو مزمع في الكهرباء مثلا) وثالث لقوانين الانتخاب ، ورابع للتنمية وخامس للأمن،الخ... ويلغى القطاع العام بصفته حقلا مشتركا بين أفراد الشعب ، وتترسخ عوامل التقسيم العملي للوطن وتوزيعه على المحاصصين، وبيعه بالتالي لوحش الاقتصاد المعولم الذي لن يبقي للمحاصصين غير الفتات ، ومن الوطن غير الإسم .
في نظام المحاصصة هذا ينعم رجال الدين بحصة وفيرة : المحاكم والأوقاف ومكبرات الصوت ، وهي كلها من اختصاص الدولة في النظام الديمقراطي ، والسلطة في بلادنا تتخلى طوعا عن حقها في الإشراف على هذه الحقول العامة ، مقابل واجب المسؤولين عن الطقوس الدينية ، من أعلى الرتب إلى أدناها ، الدفاع عن نظام المحاصصة في المساجد والكنائس.
حاول اليسار ومعه علمانيون أن يعالجوا هذه المعضلة ، ولأنها في ظنهم معضلة طائفية ، اقترحوا تعديلا على قوانين الأحوال الشخصية ، ما سهل على المحاصصين تصوير المسألة وكأنها عدوان على الدين ، في حين يكفي لحل المسألة أن تستعيد الدولة سيادتها على حقول عامة يعود لها وحدها ، في الدول الحديثة ، حق الإشراف عليها ، فتنضوي المحاكم الشرعية تحت سلطة مجلس القضاء الأعلى ، ولا يهم إن كان القاضي رجل دين أو مدنيا يعين بموجب القوانين المرعية الإجراء و يحكم بموجبها .
أمام مثل هذا الاقتراح يتهاوى المنطق الطائفي الذي يساوي بين الدين ورجال الدين ، فيحرض المؤمنين ضد العلمانيين ، ويصور العلمانية إلحادا ، بمهارة ستغل غرائز العامة أو بحماقة الجاهل جهلا تاما تاريخ العلمانية وتاريخ الإلحاد .
رجال الدين بشر كسائر البشر، ومواطنون كسائر المواطنين، وبعضهم محاصصون كسائر المحاصصين ، بل محاصصون صغار ، وبعضهم لا مكان له في نظام المحاصصة . وإذا كان لهم من دور مفترض في عمليات الإصلاح الوطنية ، ودورهم كبير بلا شك ، فإنه يتوجب عليهم أن يقوموا بالدور المنوط بهم ، تاركين لسواهم أن يقوم كل بدوره ، كل في حقل اختصاصه ،السياسي في السياسة ، والإداري في الإدارة ، والاقتصادي في الاقتصاد ، الخ ... أما هم ففي تشكيل وعي ديني ينسجم مع العصر ويسهم في بناء وحدة الوطن وقيام دولة القانون ، أي أن يستكملوا عملية الإصلاح الديني التي بدأت مع رواد كبار كالأفغاني وعبده ولم تصل بعد إلى نهاياتها السعيدة .
بعض الصراع في لبنان ليس بين الدين والدولة ، بل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية أي بين سلطة القانون وسلطة تستقوي برجال الدين . والفرق كبير بين الإثنين ، لأن الفرق كبير بين الدين ورجال الدين .
الخيار المطروح أمام اللبنانيين ليس بين دولة طائفية و دولة علمانية بل بين دولة المحاصصة ودولة القانون .
في إقتراح المحاصصة بدل الطائفية ، ساحة للمنازلة ، مجال لحل مأزق اليسار، ومجال لإعادة صوغ التحالفات والعلاقة بسوريا والعلاقة بالأديان والطوائف . مثل هذا الاقتراح يشكل مسوغا سياسيا لقيام يسار جديد ، وندعو الحريصين على اليسار الجديد إلى نقاشه .

ماركسية أم كوكتيل نظري

قلنا إن تجديد اليسار يقتضي تجديدا في التنظيم و السياسة والفكر ، وقد حاولنا أن نثبت أن وثيقة حركة اليسار الديمقراطي انطلقت من قوانين اللعبة ذاتها التي رسمتها آليات الصراع الدولي في ظل الوجود السوفياتي ، ولذلك فهي لم تقدم أي جديد في السياسة يسوغ الزعم ببناء يسار جديد ، كما حاولنا أن نثبت الأمر ذاته على صعيد التنظيم ، فماذا عن الجانب النظري ؟
لم تتناول وثيقة حركة اليسار الديمقراطي المسألة النظرية في عنوان مستقل ، لذلك حاولنا أن نجمع بعض الإشارات المتفرقة ذات الصلة بالموضوع وهي موزعة بطريقة غير منهجية على ثلاثة جمل لاتتعدى الواحدة منها السطر، ومقطعين ، الأول من أربعة أسطر والثاني من سطرين . سنحاول أن نجمعها في فقرة ونقرأها قراءة نقدية ، بالمقارنة مع ما ورد عن الموضوع ذاته في وثائق الحزب .
تقول الوثيقة أن الحركة تضم " يساريين من مشارب فكرية مختلفة ص 3 " ، مقتنعين بأن " العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع هي سبيل تلمس الأجوبة ص4 " وهي ستحاول " أن تفك الطوق الفكري والسياسي الخانق المفروض على اليسار ص9 " ، وذلك يفترض " ليس فقط النظر إلى الماركسية كمنهج علمي وغير وحيد لتفسير العلاقات والجدليات الاجتماعية والاقتصادية ، بل أيضا عدم اعتبارها شرطا ضروريا ولازما للتعاقد في ما بيننا كيساريين . فاليسار أوسع من الماركسية ، ويمكن أن يضم في حركته ماركسيين وغير ماركسيين ص4 " ... ذلك أن الاشتراكية لم تعد اليوم نموذجا عمليا ناجزا ، بل إطار نظري أخلاقي لمشروع أممي بعيد المدى ، وثمرة تحولات كبرى في النظام العالمي ص5 " .

الإشارة الواردة في الصفحة الثالثة إلى أن الحركة تضم يساريين من مشارب فكرية مختلفة ، تفسرها إشارة أخرى في الصفحة التاسعة ترى أن قيام الحركة رهن بفك الطوق الفكري والسياسي ( يهمنا هنا الفكري ) الخانق المفروض على اليسار . ومن الواضح أن المقصود بالطوق هو الماركسية وأن السبيل إلى فك الطوق هو تنويع المشارب الفكرية ، حتى لا تبقى الماركسية تستفرد بفكر الحركة وتتسلط على وعيها .
لكن الوثيقة سرعان ما تقدم إشارة ثالثة مناقضة لللإشارتين السابقتي الذكر فتنفيهما بشحطة قلم ، حيث تقول الوثيقة إن العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع هي سبيل تلمس الأجوبة . فإذا كانت العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع تملك مثل هذه الإمكانية فلا يمكن للفكر مهما بلغت سطوته أن يكون السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة ، وبالتالي لا يمكن للفكر أن يكون ذا قدرة على الخنق طالما أن الحياة ، أي الواقع ، تواجهه بالمرصاد لتصحح أي شطط قد يقع فيه ، وتمنع أي نزوع لديه إلى الخنق ، اللهم إلا إذا كان زعم الانتماء إلى الماركسية قد وضع اليسار عموما ، والجديد منه على وجه الخصوص ، في وضع خانق .
الكلام عن مشارب فكرية مختلفة لدى اليساريين يعني ضمنا قدرة القادرين ، نظريا على الأقل ، على تعيين هذه المشارب ، غير أن النص لا يشير من قريب أو بعيد إلى تلك المشارب ، إلا من طريق التعريف الناقص ، أو التعريف بالنفي ، فالمشارب كما يلمح النص في أكثر من مكان هي مشارب ماركسية ومشارب أخرى غير ماركسية ، لكنه لايقول ما هي الماركسية التي يقصدها ولا يقول ما هي المشارب غير الماركسية .
وهل يعني النص أن اليساريين هم الذين يعينون مشاربهم ؟ وإذا كان ذلك كذلك فهل يتكون مشرب حركة اليسار الديمقراطي ( وخلافا لكل الحركات والأحزاب الأخرى ) من حاصل جمع المشارب ؟ أم أن آليات تكون الوعي الجماعي شأن مختلف عن آليات تكون الوعي الفردي ؟ وهل يعني ذلك أن على المنتسب الجديد أن يضمن طلبه إلى الحركة إفادة من ناطور العقول أو تعهدا على مسؤوليته الشخصية حول هوية المشرب الذي نهل منه ؟
هذه السخرية ليست موجهة ضد أحد بعينه ، إنها المرارة في حلوقنا جميعا نحن اليساريين الذين زعمنا أننا قرأنا الماركسية ، وإن كنا قد قرأناها حقا ، فعن طريق الشائعات التي أطلقناها ثم صدقناها ، أو الأحاديث المعنعنة أو في أحسن الحالات من نسختها السوفياتية ، المرارة على ما آلت إليه أحوالنا وأحوال المدرسة الأم ، وأحوال الماركسية ، لأنه ما من مرة في التاريخ كان الوعي الفردي غير محصلة مشارب متنوعة ، فنحن نحصله من انتمائنا الطبقي ومن المدرسة والعائلة والعادات والتقاليد ومن كل ما يسميه الفيلسوف الفرنسي التوسير الأجهزة الإيديولوجية ، والصيغة القديمة للحزب الانقلابي التآمري ( كل الأحزاب والحركات التي استلهمت الستالينية أو تفرعت عنها متشابهة في تآمريتها وانقلابيتها ) هي التي جعلت الأفراد غصبا عنهم ، كأنهم مواليد فقاسة بيض ، أو لنقل كأنهم جنود في جيش الانقلاب ، لباس واحد وتحية واحدة ونظام مرصوص ، نعرفهم من شارة رمزية أو من نظاراتهم السوداء إذا كانوا من الأجهزة السرية ، الخ .
الأفراد في الحزب ، أي حزب ، لايمكن إلا أن يكونوا من مشارب فكرية متعددة لكن المشكلة هي مشكلة الحزب الذي كان ينزع عنهم تنوعهم ، لا في الفكر وحسب ، بل في كل خصوصياتهم التي كان عليها أن تذوب ، حسب منطق النظام العسكري المرصوص ، أن تذوب كل الأنا الفردية ، من أجل أن تحيا الجماعة ، والجماعة هي القيادة ، والقيادة هي الأمين العام ، ومشرب الأمين العام ، كفرد ، يصبح بالقوة مشربا إلزاميا للجماعة . هذا هو معنى أن تكون هوية المدرسة السوفياتية هي الماركسية اللينينية ، أي أن لينين المتأثر بالفكر الماركسي ، ألزم الحزب كله أن يفكر في جميع القضايا ، بعقل شخص فرد إسمه لينين ، ولأن ذلك مخالف لطبيعة الأمور ، لم يصمد أمام التاريخ نسخ البشر والعقول والتجارب وأخذت تتهاوى اللينينية لحظة تنحى لينين عن السلطة .
لكن هذا الكلام عن الوعي الفردي شيء والكلام عن النظرية الثورية شيء آخر ، والسؤال الذي يطرح على اليساريين ، هل النظرية ضرورية للثورة أم لا ( انسجاما مع ما قيل في تراثنا ، لا حزب ثوري من دون نظرية ثورية ) ، وكيف تتكون ؟ من حاصل جمع الوعي الفردي أم خلاف ذلك ؟ إذا كان الأمر مجرد حاصل جمع ، فالمسألة الحسابية تبدو بسيطة ، غير أن الحياة ، أي الواقع ، تثبت أن خصائص النهر ليست مجرد جمع لخصائص السواقي والروافد ، هذا فضلا عن أن العوامل التي تتضافر لتكوين الفكر ليست كلها عناصر مشتقة من الفكر وحده ، ولا هي تتحصل فحسب من فكر الأفراد الذين يشكلون فيما بينهم إطارا مشتركا للعمل ، فهناك عوامل أخرى اقتصادية ونفسية وعائلية وسياسية وغيرها تساهم في تكوين الوعي ( الأجهزة الإيديولوجية للدولة بتعبير ألتوسير.)
غير أن وثيقة حركة اليسار سارعت ( والأصح أنها تسرعت ، لعلمنا بأن في صفوفها مثقفين مشهودا لهم ، وغلطة الشاطر بألف ) تسرعت في تأكيدها على "عدم اعتبار الماركسية شرطا ضروريا ولازما للتعاقد في ما بيننا كيساريين " ، ذلك أن إعادة النظر بالتاريخ اليساري لا يجوز أن تشط بنا إلى حد التنكر لحقائق هي من صلب هذا التاريخ ، إلا إذا كان عذرها في ذلك اعتبار التأكيد الوارد في الوثيقة مجرد تنازل أمام بعض القادمين من مشارب أخرى ، والعذر هنا أشنع من الغلطة.
من حقائق التاريخ أن الثورة والتغيير هما مصطلحان قادمان من رحم التاريخ اليساري ، وأن نظرية التغييرالاشتراكي هي من ابتكار ماركس بالذات . والسؤال الذي يطرح نفسه هو حول البدائل ، فهل عرف الفكر الحديث نظرية أخرى للتغيير غير النظرية الماركسية ؟
الحقيقة أن العلوم الإنسانية الحديثة النشأة نسبيا زاخرة بأنواع المعارف والنظريات وتاريخها زاخر أيضا بأسماء العلماء ، غير أن أحدا لم يزعم ، حتى الآن ، أنه قدم نظرية في الثورة والتغيير بديلا عن الماركسية ، وما المحاولات العديدة في هذا المجال إلا من قبيل التنويعات والتأويلات والاجتهادات المشتقة كلها من الماركسية ، التي لم تصل إلينا من مصادرها بل من ترجمتها السوفياتية ، بل إن بعض هذه التأويلات فرض عليها حجر كامل ومنعت وصودرت من المكتبات ورشق مريدوها أو مؤسسوها بكل تهم الخيانة ، على غرار ما حصل مع التوسير وقبله جورج لوكاتش ، وبعده سمير أمين مثلا من الماركسيين العرب . النظرية الماركسية لم تكن إذن بديلا عن كل العلوم إلا في رأس الستالينية التي قررت وجود صنفين من العلوم : العلم الماركسي ، والعلوم البرجوازية. والحقيقة خلاف ذلك لأنه " لا يوجد علمان أحدهما بروليتاري والآخر برجوازي ، وإذا كان هناك علمان للاجتماع فهذا يعني أن علم الاجتماع ليس علما بل إيديولوجيا " ( ريمون آرون ) . غير أن الماركسية تزعم القدرة على التفكير في " كل المسائل التي تمس العلوم الانسانية المختلفة ، لكننا ، وهذا رأي الفيلسوف محمد الوقيدي ، ننظر إلى وحدة التفكير الماركسي بوصفها وحدة في منهج التفكير لا احتواء لمضمون تلك العلوم جميعها " ( محمد الوقيدي ، العلوم الانسانية والإيديولوجيا ، دار الطليعة ، ص 36) .
لا يتسع الجال إلى الاستفاضة في بحث عن الماركسية ، لكن ما يعنينا أن حركة اليسار الديمقراطي تحاول أن تنوع مصادرها الفكرية لكنها ستصطدم خلال بحثها عن هذه المصادر أنه ليس غير الماركسية أو أحد مشتقاتها نظرية للثورة والتغيير ، أما إذا كانت لا تهدف من وراء إعلان التأسيس ثورة وتغييرا ، و من حقها أن تكتفي بمعارضة النظام ، فلا يجوز لها أن تسمي نفسها يسارا جديدا ، كما لا يحق لها أن ترث من اليسار الجديد شيئا لأنه تكون قد خرجت منه ، ولتقل أنها تريد أن تضيف إلى سائر قوى المعارضة في لبنان قوة جديدة ، فتكون جديدة على المعارضة لا على اليسار ، ولنا فيها ، في مثل هذه الحال ، رأي آخر.
نعود إلى بيت القصيد في هذه الإشارات . فكل ما تعني هذه الإشارت أن تقوله هو أن الماركسية شكلت المرشد النظري الوحيد لحركة اليسار القديم ، وقد آن الأوان لكسر هذا الاحتكار في مجال فلسفة التغيير والثورة . غير أن النص يكتفي بكسر الاحتكار هذا لغويا فحسب حين يضيف إلى الماركسية ، عن طريق حرف العطف ، كلمة غير الماركسيين ، ولا تشكل هذه الإضافة إضافة لأنها لا تعين تعيينا إيجابيا من هم غير الماركسيين ، فهل هم الأفلاطونيون مثلا أم هم الديكارتيون أم هم أتباع ماكس فيبر أو هيغل أو إبن خلدون ، أو ميشال عفلق أو صادق جلال العظم أوعبد الناصر أو ياسر عرفات أو سواهم من المفكرين والسياسيين ؟
هذا النقد المتسرع الوارد في مشروع الوثيقة ليس إلا تعبيرا عن رغبة في الخروج من هذا التاريخ اليساري الموسوم بالماركسية ، أو هو رغبة في تفادي تبعاته الفكرية والسياسية . غير أن النتائج المباشرة للانهيار السوفياتي التي أطلقت الكلام على نهاية التاريخ ونهاية الإيديولوجيا لم تصمد طويلا ، والذين أربك الانهيار تماسكهم الفكري ، عادوا ، بعد هدوء العاصفة ، ليكتشفوا أن اللمعة الفوكويامية لم تكن إلا زوبعة في فنجان ، وأنها لم تكن فلتة فكرية مبتكرة ، بل هي مجرد استعادة لوهم الرأسمالية الأول ، الذي زعم أن قوانين الاقتصاد الرأسمالي قادرة وحدها على إدارة شؤون الكون .
هل الماركسية تهمة ؟

وإذا كان نقد الماركسية قد تمادى قليلا بفعل الوهلة الأولى وتحول من قراءة نقدية إلى تنكر ، فإن على النقد الهادئ أن يعيد الأمور إلى نصابها ، وقد كان أولى بحركة اليسار الديمقراطي أن تعود إلى ما كان أعضاؤها ، أو معظمهم ، قد شاركوا في كتابته في المؤتمر السادس ، فتقرأه ، بعد أن غدا من التراث ، وتقول فيه رأيها . وإن رأته صالحا تتبناه كجزء من الإرث الذي أرادت أن تقتطعه لنفسها ، على طريقة القسمة الضيزى ، أو أن تقول أين أخطأ مؤسسوها وسواهم في هذا النقد . ولكي يستقيم السجال ، سنورد النص بحرفيته . يقول النص في إطار نقد التجربة السابقة ، وتحت عنوان :

فهم خاطئ للماركسية

" إن مكامن الخلل هذه تعود إلى نظرة خاطئة للماركسية لا ترى فيه منهجا علميا يتطور مع تطور العلوم ، بل رأت فيها بديلا عن العلوم . فالأساس في الفكر الماركسي هومنهجه العلمي الجدلي – التاريخي والنظرية الاحتماعية التي يقدمها لدراسة الواقع الاجتماعي وتغييره وتحويله . بسبب من هذا الطابع العلمي للفكر الماركسي لا يمكن اعتبار الماركسية بناء مكتملا ناجزا نهائيا ، بل هي ، في ضوء هذا التحديد ، فكر تايخي نسبي ينطبق عليه ما كشفته الماركسية نفسها من قوانين تتحكم بالفكر وتحكم تطوره ، فلا بد ، إذن ، من أن تخضع للتطور الحي الذي يدفعها إلى تجاوز ما يشيخ منها أو يفقد طابعه العلمي "
"إن نسبية الماركسية وتاريخيتها تؤكدان بطلان التعسف القائم على اعتبارها علما للعلوم ، ولا يغتني طابعها العلمي إلا بمقدار تمثلها للحقائق التي تكتشفها النظريات الاجتماعية الأخرى . ونجاحها كنظرية للتغيير الثوري للمجتمع يتوقف على مقدرتها على تقديم نفسها باعتبارها فكرا كونيا ومنتميا إلى بيئة محلية معينة في آن. وهذا يستدعي جعل الفكر المستند إلى الماركسية ، والهادف إلى التغيير الثوري للمجتمع ، فكرا نابعا من خصائص كل مجتمع ، آخذا في الاعتبار أشكال التناقضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الملموسة فيه . الأمر الذي يقضي بإعادة إنتاج هذا الفكر وتقديمه بشكل ملموس في ضوء هذه الخصائص "
" إن انهيار تجربة البناء الذي سمي اشتراكيا في ضوء ذلك الفهم الخاظئ للماركسية لا ينفي المرتكزات الأساسية للماركسية كمنهج علمي وكنظرية للتغييير الثوري ، بل يؤكدها ، ويملي نظرة جديدة متطورة إليها تجعلها منفتحة على سائر العلوم ، ومغتنية باستمرار بمكتشفات الثورة العلمية والتكنولوجية ، وبتجارب الحياة وبالتراث الثوري على اختلاف منابعه وروافده "
المفكرون الأفراد كتبوا كثيرا وتعمقوا في القراءة النقدية ، لكن هذا الذي صدر عن المؤتمر السادس للحزب هو في نظرنا من أفضل ما كتبته الأحزاب في نقد النظرية ، وبعض الحركيين كانوا في عداد لجنة الصياغة ، وكلهم كانوا في عداد من قرروا الموافقة على النص ، وقد كان بإمكانهم أن يحملوا إنجازهم هذا إلى حركتهم الجديدة ، وبين أيديهم ورقة قوة ضد قيادة الحزب التي فرطت بهذا الانجاز ولم تتقيد به في أدائها ، لكنهم تركوه وأداروا الظهر لكل الكتابات النقدية الوفيرة في الكتب والمجلات ( ومنها مجلة الطريق في أعدادها الصادرة خلال السنوات العشر الأخيرة ، ومنها كتابات غزيرة لسمير أمين ولسواه من المفكرين الماركسيين العرب فضلا عن كتابات كثيرة باللغات الأجنبية ، ومنها استطلاع انكليزي توصل إلى الاستنتاج بأن الماركسية هي النظرية الأكثر تأثيرا على تطور البشرية خلال القرنين الماضيين ، ومنها ، قبل النقد والانهيارات ، أعمال أعظم المفكرين والفنانين والشعراء والكتاب والسينمائيين والروائيين في القرن الماضي الذين كانوا من الماركسيين ، الخ )
إذن لماذا تخلوا عن كل ذلك واستسهلوا النزوع إلى التحرر مما أسموه القيد الخانق ؟ وإذا كانت تتوفر لديهم ملاحظات جوهرية على النظرية الثورية جعلتهم يتخلون عن الاحتكار الماركسي لحقل النظرية الثورية ، فقد كان عليهم أن ينتبهوا إلى أن اهمية النظرية ليست بأهمية المنهج . وإذا سلمنا جدلا بأن النظرية ليست ضرورية للثورة ، وبأن التجربة هي الأساس ، فإن بلوغ أي هدف لا يمكن أن يتم من غير منهج ، وهذا ما أشارت إليه الوثيقة ، حين نظرت إلى الماركسية كمنهج علمي وغير وحيد .
حسنا فعلوا حين اعترفوا للماركسية بأنها تتضمن منهجا علميا . وإذا مضينا مع افتراضهم الضمني بوجود مناهج علمية أخرى ، وهذا صحيح ، إذ إن لكل حقل علمي منهجه ، ولكل علم آلياته وتقنياته ومصطلحاته ومفاهيمه ، ولا يجوز خلط المفاهيم بين الحقول ، ولا أن تستعار مناهج من الفيزياء أو من الرياضيات لدراسة الشعر ، أو من الفلسفة لدراسة الاقتصاد ، وصحيح أيضا أن علم المعرفة أو الإبستيمولوجيا هو الحقل المتخصص في ربط منجزات العلوم ووصلها بعضها ببعض ، غير أن المنهج الوحيد الذي تنطح لتغيير العالم لا لتطويره فحسب ، هو منهج ماركس في المادية التاريخية ، بل إن ماركس هو الوحيد الذي تنطح لوضع نظرية للتغيير ، وإذا كان يمكن أن تكون النظرية صحيحة أو غير صحيحة ، فماذا عن المنهج العلمي ؟
لقد توفر علماء كثيرون في حقل التاريخ وفي سواه من العلوم الانسانية ، مع أن ألتوسير يدقق في ذلك قائلا ، إذا كان اليونانيون قد افتتحوا قارة معرفية أولى هي الرياضيات ، وافتتح غاليلي قارة معرفية ثانية هي الفيزياء ، فإن ماركس افتتح القارة العلمية الثالثة التي هي قارة التاريخ . وعليه فإن الاستشراف التاريخي الوحيد لما بعد الرأسمالية هو ذاك الذي رسمه ماركس في مخيلته ، وبالتالي ليس من منهج ( علمي ؟ ) في حقل التغيير ، غير المنهج الماركسي ، فمن أين أتت الوثيقة بهذه الرغبة الجازمة في وضع حد لاحتكارية المنهج الماركسي ، حين قالت عنه أنه غير وحيد ؟ ولماذا لم تذكر لنا المناهج العلمية الأخرى ؟ الإجابة على هذا السؤال هي أن الماركسية لاتضاف إلى النظريات الأخرى مجرد إضافة ، ولا يستبدل منهجها بأي منهج آخر ، بل هي النظرية التي ما زالت مرتكزاتها كمنهج علمي وكنظرية للتغيير الثوري صالحة ، بل هي ستبقى صالحة إذا هي انفتحت على العلوم ( لا أن تضاف إليها أوتستبدل بها ، فالعلوم تتكامل ولا ينفي بعضها بعضا ) واغتنت بمكتشفات الثورة العلمية والتكنولوجية ، وبتجارب الحياة ( لا أن تستبدل بالمنهج التجريبي ، لأن منهج التجريب على البشر أمر مكلف وغير قابل للتكرار ، ولهذا فهو منهج غير علمي )، وبالتراث الثوري على اختلاف منابعه وروافده ( وليس المقصود هنا المنابع النظرية والفلسفية ، خصوصا الإيديولوجيا الإسلامية ، التي راود بعض اليساريين أن ينهلوا منها ، خصوصا بعد انتصار الثورة الإيرانية ، بل المقصود المنابع النضالية ، لأن الحركات المناضلة من أجل التقدم لم تكن كلها مربوطة بحبل الصرة الماركسي ، غير أن غياب المنهج جعلها ، وسيجعلها بالضرورة ، تقدم تضحياتها من غير أفق ) .

اليسار الجديد اشتراكي أم رأسمالي ؟

مع انهيار المشروع الاشتراكي ارتبكت استراتيجية اليسار . كانت الاشتراكية هي الرافعة والعمود الفقري والحامل لكل البرامج النضالية التفصيلية . في ظل وجود المشروع الاشتراكي كانت الآفاق مفتوحة على المستقبل ، وكانت برامج التغيير لا تكتفي برفض سلبي لما هو قائم ، بل كانت تقدم بديلا استراتيجيا . لكن الارتباك جعل اليسار يتمسك بالخيار الاشتراكي تمسكا أخلاقيا .
وثيقة المؤتمر السادس تناولت الاشتراكية من حيث المبدأ وحددت برنامج الحزب في قضايا أربع لم تكن الاشتراكية واحدة منها ، ورأى الحزب أن التجديد الذي تحمله الوثيقة ينطلق من أن " عملية التغير الديمقراطي هي الهدف الرئيس للحزب " ويشير في المقدمة إلى " أن انهيار الصيغة السابقة المسماة اشتراكية لا يعني بالضرورة انهيارا للاشتراكية كمبادئ ومثل وأهداف ، وكمستقبل للبشرية الطامحة إلى العيش في ظل البحبوحة والعدالة والحرية والمساواة . إن الاشتراكية المبنية على أسس علمية صحيحة ، وبما ينسجم مع الأوضاع الخاصة في كل بلد ، ستبقى هي الحل الأفضل لمشاكل الإنسان والمجتمع " . وقد بدا واضحا أن الاشتراكية لم تعد العمود الفقري في جدول العمل النضالي ، وحلت محلها عناوين أربعة هي : تثبيت السلم الأهلي والقضية الوطنية وقضية الديمقراطية وقضية التقدم والعدالة الاجتماعية .
حركة اليسار الديمقراطي كررت في مشروع الوثيقة التأسيسية موقف الحزب ذاته حين رأت أن " الاشتراكية لم تعد اليوم نموذجا عمليا ناجزا ، بل إطار نظري أخلاقي لمشروع أممي بعيد المدى ، وثمرة تحولات كبرى في النظام العالمي " ثم حددت برنامجها النضالي في ما أسمته تقدم المجتمع اللبناني وبناء اقتصاد مزدهر وتطوير نظام الضمانات الاجتماعية وتعديل النظام الضريبي وتعديل قانون الانتخاب من أجل تعزيز الديمقراطية ، الخ . هذا فضلا عن القضية الوطنية والعلاقات اللبنانية السورية ( وقد سبق الحديث عن ذلك ) .
عود على بدء ، لم تقدم حركة اليسار الديمقراطي جديدا على هذا الصعيد يسوغ قيام يسار جديد . غير أننا ، من موقع الموافقة على اعتبار قضية الديمقراطية هي الأساس في أي برنامج تغييري ، نرى أن النقص في اي برنامج نضالي يساري هو غياب الحامل الأساس بعد غياب الاشتراكية . ذلك أن كل العناوين التي تتضمنها برامج اليسار اليوم ، بعد الانهيار، كانت موجودة في برامجها قبل الانهيار ، لكنها كانت مشدودة كلها بحزام الأمان الاشتراكي . أما بعد الانهيار فقد بدت ، من دون حزام أمان ، عناوين مخلعة ، كل واحد منها صحيح بذاته لكن ما يربطه بسواه من العناوين هو وجودهما معا في نص واحد صادر عن جهة سياسية واحدة .
أكثر من ذلك صارت هذه العناوين مشتركة في برامج جميع القوى السياسية ، يسارا ويمينا ، ولم يعد يخلو أي خطاب سياسي ، أيا كان مصدره ، من العناوين ذاتها : القضية الوطنية ، الديمقراطية ، العدالة الاجتماعية ، بل إن قوى السلطة صادرت ، في الحالة اللبنانية ، الخطاب الوطني التحرري وخطاب المقاومة والمواجهة مع الامبريالية والاستعمار ، فاستكملت بذلك ما كانت قد بدأت به حين وضعت كل العراقيل أمام المقاومة الوطنية اللبنانية التي انطلقت بمبادرة الشيوعيين وتحت قيادتهم ، وظلت تمعن في العرقلة حتى استبعدتها نهائيا عن ساحة العمل العسكري المقاوم ، فجاءت مصادرة الخطاب السياسي لتحجم دور اليسار ولتستبعده عن ساحة العمل السياسي كليا ، حصل كل ذلك حين أطلق تأجيل الخيار الاشتراكي رصاصة الرحمة على التمايز اليساري عن سواه من القوى ، فلم يعد يميزه عنها إلا تاريخه النضالي الناصع . ربما تكمن هنا خطيئة اليسار الديمقراطي الذي بدا نقده لهذا التاريخ وكأنه من خارج التجربة واعتراضا عليها ، أو كأنه جزء من جوقة الهجوم على هذا التاريخ .

دولة القانون أو الدولة القبيلة

في نظرنا أن معضلة البرنامج اليساري تكمن في خلوها من هذا الرابط ، من العمود الفقري ، وتعود جذور هذه المعضلة إلى تقصير المركسيين في استكمال ماركس ، أي أن عليهم أن ينجزوا ، في حقل السياسة ، على ما يقول سمير أمين ، ما أنجزه ماركس في حقل الاقتصاد
كان ماركس قد وضعنا على أول طريق الاستشراف ، و اتفق الورثة والمريدون على أن ماركس افتتح قارة معرفية جديدة في علم الاقتصاد ، وبرع في توصيف آليات الاقتصاد الرأسمالي ، ومن هذه القارة فتح كوة استشرافه المجتمع الاشتراكي . كان على الورثة ألا يروا في الرأسمالية اقتصادا وصراعا طبقيا وتوسعا وسيطرة ، الخ . فحسب، بل كان عليهم أن يروا فيها حضارة ، أي علما وثقافة وفنونا وعادات وتقاليد وبنية أسرية وطريقة عيش ، الخ . ولأنهم حجزوا أنفسهم ، فكريا ، في قمقم الاقتصاد الرأسمالي ، جاء من يحكم عليهم السجن في صورة مثلثة بدوا فيها أعداء للأغنياء ( بصفتهم يمثلون الرأسمال ) وللدين وللحرية ، ومن هذه الصورة كان مقتل مشروعهم .
الرأسمالية حضارة . والحضارة لا تعني تفخيما ومدحا . إن هي إلا مرحلة من تاريخ البشرية ، تختلف عن سائر الحضارات في ميلها إلى أن تكون حضارة كونية ، في حين كانت سائر الحضارات السابقة عليها ذات طبيعة محلية ، أيا كان حجم توسعها ومهما بلغ خيال القيمين عليها وتنامت قدرتهم على الفتوحات . وإن كنا لا نقصد التفخيم في تسمية هذه المرحلة الرأسمالية بالحضارة ، فإن علينا أن نستبعد التقبيح الذي أطلقه ورثة ماركس عليها ، وخلافا لما نعتها به ماركس حين رأى في قيام الرأسمالية ثورة تقدمية على علاقات الانتاج السابقة ، حيث غدت الرأسمالية ومشتقاتها ، في قاموسهم ، شتيمة ومذمة .
لا هذا ولا ذاك . الرأسمالية حضارة . وقد سبقها في الزمن نمطان آخران من الحضارة ( ربما ينبغي أن يعاد النظر بالحقبات الخمس ) : الحضارة ( او الحضارات ) الدينية ، التوحيدية وغير التوحيدية ، السماوية وغير السماوية ، وهي كلها ديانات موصولة إلى حبل الصرة الفكرية ذاته ، وفيها انفتح للبشر أفق للسيطرة على الطبيعة بالواسطة ( الله بكل مسمياته والميتافيزيق ) والحضارة ( الحضارات ) ما قبل الدينية التي كان السحر فيها سبيل البشر الوحيد في مواجهة الطبيعة . والحضارة الرأسمالية التي تسلحت بالعلم بديلا عن السحر والميتافيزيق . وفي كل الحضارات بنية تحتية وأخرى فوقية ، وهو ما قاله ماركس ، أما الماركسيون فقد ركزوا اهتمامهم على ما اهتم به ماركس وأهملوا ما أهمله : البنية الفوقية وتجسيداتها في الفكر وفي السياسة.
ولأنهم أهملوا ذلك كان من الطبيعي ألا يستكملوا ماركس ، وأن يناموا على حرير استشرافه السليم ، واستعاروا من اكتشافاته الاقتصادية مفاهيم فكرية وسياسية ، فأخطأوا في استخدام منهجه ، حين نقلوا نقلا ميكانيكيا مصطلحات ومفاهيم من حقل الاقتصاد إلى حقلي الفكر والسياسة ، فوضعوا أنفسهم في مواجهات خاطئة مع الدين ومع الحرية .

بين اضمحلال الدولة وبناء الدولة

اضمحلال الدولة هو المفهوم الأساس الذي بنى عليه الشيوعيون أخطاءهم اللاحقة . لقد اعتقد ماركس أن الحرية التي تحدث عنها هيغل هي الحرية الممكنة في الحضارة الرأسمالية ، أي حرية رأس المال ، حرية الفلاح أن يعمل أولا يعمل في أرض الإقطاعي ، الخ . أما الحرية الحقيقية فلن يبلغها البشر إلا في المجتمع الاشتراكي . وردا على هيغل القائل بأن الدولة (الرأسمالية ) هي التي تجسد الحرية ، قال ماركس إن البشرية لن تعرف الحرية طالما الدولة موجودة ، ومنه انطلق في استشرافه ليقول إن التاريخ الحقيقي للبشرية يبدأ بالاشتراكية وأن ما قبل الاشتراكية هو مما قبل التاريخ .
قد يكون القضاء على الدولة أمرا سياسيا ، لكن الدولة ، الرأسمالية أو غيرها ، جزء من حضارة . الماركسيون عموما والشيوعيون على وجه الخصوص استعجلوا قوانين التاريخ ، وانفوا من المشاركة في بناء الحضارة الرأسمالية ، لأنهم حسبوها مما قبل التاريخ ، واستحثوا الخطى للقضاء على الدولة الرأسمالية ، ثم استدركوا ، بعد انهيار التجربة ، أن سياسة النيب اللينينية لم تكن تجسد إلا هذا التحدي : تحدي أن يقود الشيوعيون بناء دولة رأسمالية أو أن يشاركوا في بنائها ، إسهاما منهم في تحضير التاريخ للانفتاح على حضارة جديدة ، كان ماركس قد استشرف معالمها وسماها الاشتراكية .
في الوضع الملموس داخل بلدان العالم الثالث ، ونحن منه ، بات واضحا أن الخيار أمام الشعوب اليوم لم يعد خيارا بين التخلف والاشتراكية ، أو بين الرأسمالية والاشتراكية ، بل هو بين بناء الدولة الحديثة ، دولة الحريات والديمقراطية ، بالمعنى الرأسمالي للكلمة ، وبين الحروب الأهلية ، أي أن بناء الدولة الأمة وصياغة وحدة وطنية هو السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الخارجية التي تفرضها علينا آليات التوسع الرأسمالي . دليلنا على ذلك أن الدول التي نالت استقلالها في منتصف القرن الماضي مهددة اليوم بالعودة ، على صعيد الدولة والمؤسسات السياسية ، إلى مرحلة ما قبل الحضارة الرأسمالية ، إي إلى تفتيت الدول القائمة والرجوع بها إلى مرحلة الدولة العشيرة أوالدولة القبيلة .
كل ذلك ليس من قبيل الاعتراض على الاستشراف الماركسي ، بل من قبيل تأكيده . ذلك أن البشرية لم تكن بحاجة إلى مثل هذا الاستشراف حاجتها اليوم إليه ، وهو تأكيد على الاستدراك اللينيني في سياسة النيب . فهل يقبل اليسار اليوم أن يستعيد ألق الماركسية اللينينية ، من موقع النقد لا من موقع النسخ ، فيقبل بالتحدي ، تحدي أن يقود اليسار عملية بناء الدولة حتى يهيئها جيدا للاضمحلال ؟ إن بناء الدولة الديمقراطية غدا اليوم ، في ظل الاستبداد العربي الشامل ، هو المهمة الثورية بامتياز .

الأصوليات : أحزاب سياسية أم دينية

استخف اليسار بشعار بناء الدولة وبقيمته الثورية ، وظل ميالا إلى مركزية الشعارات المشتقة من منظومة التحرر الوطني ، ففرض على نفسه شبكة من التحالفات تنسجم مع هذه الشعارات ، و تتنافى بالتالي مع موقعه المعارض لسياسات السلطة ( سبق الحديث عن ذلك ) . غير أن الأشد التباسا في العلاقة مع قوى السلطة هو علاقته بحركات الاسلام السياسي ذات الصلة بالسلطة السياسية أو بتلك التي تزعم الوقوف في مواجهة الامبريالية والاستعمار . وهي حركات ليست موحدة لا في مواقفها الداخلية ولا في حجم انخراطها ولا في طبيعة دورها ، غير أن انتصار الثورة الإيرانية قدم صورة عن الاسلام التحرري شبيهة بالناصرية ، وطغت هذه الصورة على ماعداها حتى أحداث 11 أيلول وما تلاها من تطورات دراماتيكية في أفغانستان والعراق .
مع أن المعيار الذي اعتمده اليسار في علاقاته مع هذه القوى نابع من موقعها السياسي ، إلا أن تعامله معها يرتكز ، في جانب منه ، على كونها حركات دينية ، في حين أنها تستخدم الدين كما يستخدم المحاصصون الطائفية ، وتمارس السياسة في أحزاب وحركات ومنظمات وأطر تتجاوز همومها شأن التبشيرالديني والبحث الفقهي ، وتستخدم المنابر ومكبرات الصوت وشاشات التلفزة والمظاهرات للتبشير السياسي، وتتوسل الاهتمامات دينية لتبرير نشاطها السياسي .
السجال حول كون الإسلام دينا ودنيا أمر معروف ، ونتائج هذا السجال العقيم معروفة ، من علي عبد الرازق الذي بددت المصالح السياسية للخديوي نفحته التجديدية ، حتى ارتباك العالم الإسلامي حيال الموقف من الغزو الأميركي لأفغانستان ، وهو ارتباك لا يفسره أو يبرره إلا عدم الإجماع الديني والسياسي على اعتبار قضية طالبان والقاعدة وإبن لادن قضية دينية ، والإجماع على أنها قضية سياسية بامتياز، ولهذا السبب بالذات ما كانت مناشداته مقنعة لغير أنصاره ولا مستجابة من الحركات الأصولية .
الأصوليات كلها تتذرع بالنص وتستقوي به على سواها . كل الأصوليات تفعل ذلك ، الإسلامي منها والماركسي والقومي ، ولكل منها نصه الجاهز. وكما تبرأ ماركس ، وهو حي ، من الماركسية حين أصغى إلى أحد أتباعه يبشر بها ، فقد تبرأ مسلمون من مسلمين وسرعان ما يكتشف المرء أن النص نصوص ، هكذا في الماركسية ولدى أهل اليسار ، وكذلك في الإسلام والتيارات الإسلامية ، ولايعود كافيا أن يتبرأ أحد من أحد ، حين يؤول الاختلاف على النص إلى حروب وصراعات مدمرة ، ذهبت بتروتسكي في أميركا اللاتينية على بعد آلاف الأميال عن موسكو ، وأزهقت ذبحا مئات الجزائريين مع نصوصهم المقدسة , هذا هلى سبيل المثال لا الحصر .

والأصوليات تبدأ معاركها بالأسلحة الثقيلة : بالتكفير . فلا يعود مفيدا سجال فكري أو حوار بين مختلفين ، بعد أن يسبق السيف ال...قلم. والأصوليات تزهو بالادعاء الواثق بامتلاك ناصية الحقيقة ، حتى بات يحيرنا من منها يمسك بمفاتيح الجنة ، ومن منها يملك الوكالة الحصرية باسم الخالق . واليقين عند كل منها لا يرقى إليه الشك، وبالتالي فإن طريق الشك معروفة ووجهته واضحة . يبدأ الشك بالأقربين وينتهي بمن نستطيع إليه سبيلا.
استحضر الماركسيون من ماركس لحيته الكثيفة وجعلوا منها إحدى علامات يساريتهم ، أما الحركات الإسلامية فقد استحضرت الصحراء كلها برملها وبداوتها وأزيائها . وإذا كان الماركسيون قد أذعنوا لتواضع فرضته عليهم آليات في بنية الفكر الماركسي، فالإسلاميون أعفوا أنفسهم من المتطلبات المرهقة في حقل المعرفة ومنحوا أنفسهم الألقاب ، وغدا واحدهم جاهزا للفتاوى والأحكام في كل شأن عام وخاص ، من التبوُل حتى علوم الفضاء ، مرورا بالأحوال الشخصية والوضوء وأمور النكاح , ناهيك عن علم اليقين بشؤون الآخرة ...من هذه العدة المعرفية يخرج إلى الناس في صورة المبشر ، الصورة التي تتماهى بالأنبياء والأولياء والمعصومين ، ومن خلال هذه الصورة يخلط بين الدين والسياسة ، ويستحضر من التاريخ الفقهي ما يدعم موقفه السياسي
من هنا بالضبط نشأت الحاجة في الحضارة الحديثة إلى التمييز بين الدين والسياسة باعتبارهما حقلين مختلفين في الهموم وآليات العمل والتفكير، وقد جرت صياغة هذا التمييز بدقة في شعار الفصل بين سلطة رجال الدين (الاكليروس في المسيحية ) وسلطة الدولة ، وقد جرى تحوير هذا الشعار فلم يعد يقصد من الفصل ، الفصل بين سلطة وسلطة أو بين رجال ورجال ، بل تحول الشعار على أيدي خصومه ، إلى فصل بين الدين والدولة ، جاعلا بينهما تناقضا كالتناقض الذي افتعله بعض رجال الدين العاملين في السياسة بين الدين والعلم .
عملية الفصل هذه بين السلطتين تمت لمنع ازدواجية السلطة ، أي لتسهيل قيام الدولة الحديثة ، دولة السيادة والقانون والحق، على أن يبقى للمثقف ، المعمم أو خريج الجامعة ، دوره ، تحت سقف الدولة ورعايتها ؛ وكم هو بالغ الدلالة أن يجمع الأصوليون على مواجهة الدولة الحديثة و على القانون ، كل قانون. إن عقل الأصوليات مصر على منع قيام الدولة الحديثة ، و الوقوف بالتالي في وجه كل حداثة ، بما في ذلك تحديث الدين .
إذا كان على اليسار أن يجدد في خطابه السياسي فإن عليه ، في هذا المجال بالذات ، أن يتعامل مع الحركات الأصولية بصفتها حركات سياسية بامتياز ، وأن ينأى بنفسه عن الاستدراج إلى نقاش فقهي ، بل أن يشد النقاش والسجال معها إلى حقل السياسة ، حيث مجال اختصاصهما ، وأن يترك لسواه الخوض في حقل الفقه والفلسفة والميتافيزيق ، وأهم ما في هذا الحقل السياسي الديمقراطية والوحدة الوطنية وبناء الدولة .







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- تجديد اليسار أم يسار جديد؟
- قراءة سياسية في نتائج مؤتمر الحزب الشيوعي اللبناني
- رسالة من شيوعي إلى السيد هاني فحص


المزيد.....




- إنهاء أزمة الرهائن بمجمع ترفيهي وسط بريطانيا
- ليبيا.. سكان مدينة غاب يطالبون الجزائر بفتح الحدود مع بلدهم ...
- تيلرسون: نريد الحفاظ على علاقات وثيقة بجميع دول أزمة قطر
- وزير الداخلية العراقي يحذر -المتربصين- ويؤكد: بنادق الجيش وا ...
- السعودية.. مقتل مسؤول على يد أحد موظفيه وانتحار القاتل
- الدفاع الجزائرية: رئيس أركان الجيش يزور الجنوب في ظل أخطار م ...
- الجزائر تبحث عن حلول بديلة لإغلاق حدودها مع المغرب
- بعد مقتل المدونة غاليزا .. المالطيون يطالبون بالعدالة
- العبادي يصل إلى الأردن ثالث محطة في جولته الإقليمية
- حركة -التغيير- الكردية تطالب باستقالة بارزاني


المزيد.....

- الدين/الماركسية نحو منظور جديد للعلاقة من اجل مجتمع بلا إرها ... / محمد الحنفي
- اليسار بين الأنقاض والإنقاذ - قراءة نقدية من أجل تجديد اليسا ... / محمد علي مقلد
- الدين/الماركسية من اجل منظور جديد للعلاقة نحو أفق بلا إرهاب / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف - الماركسية وافق البديل الاشتراكي - محمد علي مقلد - اليسار بين الأنقاض والإنقاذ - قراءة نقدية من أجل تجديد اليسار