أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - حقيقة التلبس الشيطاني - الفرق بين أوهام رجال الدين ومنطقية العلم النفسي الحديث















المزيد.....

حقيقة التلبس الشيطاني - الفرق بين أوهام رجال الدين ومنطقية العلم النفسي الحديث


حسن محسن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 3574 - 2011 / 12 / 12 - 12:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    





الملاحظة الأولى: هذه المقالة قد تكون طويلة بعض الشيء، وأرجو العذر على ذلك. فالمادة أدناه تتضمن مقالة المقدمة كجزء أول وهي تشمل رأي شخصي عن قضية التفسير القرآني وما ينتج عنه من مفاهيم قد تتعارض مع العلوم الحديثة، بينما الجزء الثاني يتضمن الترجمة التي قمت بها لقصة التلبس الشيطاني التي حدثت في فرنسا وطريقة تعامل علماء النفس معها هناك كمقارنة مع القصص التي نسمع عنها عندما يتولى حالات مشابهة رجال الدين عندنا. وإنْ كنت أتمنى من القراء الكرام أن يتفضلوا بقراءة الجزءين، إلا أن باستطاعة القراء الكرام قراءة أي جزء دون الآخر ومن دون أن يؤثر ذلك على فهم السياق أو ضياع المقارنة التي أود عقدها هنا.

الملاحظة الثانية: إلى بعض الإخوة والأخوات الذين سوف يسارعون بالإشارة إلى الآية الكريمة من سورة البقرة: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) على أنها دليل لوجود المس الشيطاني. الجواب يكمن في احتمال أن ما قاله الرب تعالى هنا لا يعدو أن يكون مثلاً من الأمثال ضربه جلّ وعلا لبيان عظمة الذنب ولا يراد منه تقرير “سبب” لمرض محدد أو إحالة إلى واقعة حدثت أو قابلة للحدوث والتكرار. هو على الحقيقة طلب لاستعمال الخيال في معرفة حالة من يأكلون الربا، أو ربما يكون المعنى هو “الجنون” كما أتى في بعض التفاسير.




———–




المشكلة الرئيسية لرجال الدين عندنا أنهم يتصرفون وكأنهم يفهمون في كل شيء وبدون أي استثناء. فلهم، أو لشيوخهم وأئمتهم، آراء أو فتاوى في الطب والفلك والتربية وعلم النفس والاجتماع والأخلاق والاقتصاد والمنطق والفلسفة والطبيعة ضمن غيرها من علوم لا أول لها ولا آخر. ولم يوجد أبداً، لا حاضراً ولا ماضياً، حسب علمي المتواضع، أن رجل دين أتاه مستفتي فأجابه بفتوى النبي (ص): “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”، رجل الدين هذا لم تلده النساء بعد. والمشكلة الخطيرة الثانية هي أنهم يملكون في أيديهم سلاح التكفير أو التبديع أو التفسيق يشهرونه في وجه أي إنسان يعترض على تلك الفتاوى والتفاسير والآراء الساذجة التي يبرعون في ابتداعها والتأكيد على صحتها ومنطقيتها، ويجدون من الناس من يقتنع بها وينافح عنها حتى الرمق الأخير، مع أن هذا كله لا يلغي حقيقة أنها تعارض الواقع ومكتشفات العلم الحديث جملة وتفصيلاً. وذخيرة هذا السلاح مخزون كبير من آيات القرآن الكريم يحتكرون تفسيرها وإنزال معانيها على حسب أغراضهم الفكرية والمذهبية، وأحاديث منسوبة للنبي (ص) أو لأئمة الشيعة الإثنى عشرية يتم الإصرار على أنها “صحيحة” بينما هي موضع نظر على أحسن أحوالها.

تفرع من تلك المشكلتين أعلاه مشكلة أخرى لا تقل خطورة ألا وهي إضفاء صفة “القدسية” على بعض تفاسير القرآن الكريم وما نتج عن هذه التفاسير من آراء تتعلق بمواضيع الخَلق والطبيعة والطب وما شابهها من مواضيع. إذ أن الذهنية الفقهية الإسلامية تُصر في جوانب عديدة منها على أن القدماء (سلف، أئمة معصومين عند الشيعة) كانوا يحيطون بكل جوانب “الحقيقة” فيما يتعلق بآرائهم في تلك المواضيع أعلاه. هذا مع العلم أن الدليل التاريخي يشير، وبكل صدق وأمانة وتجرد، إلى أن هؤلاء القدماء (سلف، أئمة معصومين) لم يستفد منهم المحيط الذي عاشوا فيه أي شيء إطلاقـاً فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية والطبية وبراهين المخلوقات التي لا تراها العين المجردة (الكائنات الدقيقة) أو المخلوقات الغيبية (جن، شياطين). فالأمراض كانت تفتك في العالم الإسلامي قتلاً وإعاقة حتى مئة سنة مضت حتى أتى لنا “المسيحيون” من وراء البحار البعيدة لينتشلونا بعيداً عنها ويعلمونا طرق الوقاية منها، ولم يأتيتنا عن القدماء (سلف، أئمة معصومين) علاج واحد، أي علاج، يعالج هذه الأمراض الفتاكة أو يشير لها ولو من بعيد. بل إنهم لم يكونوا حتى على دراية بأهمية غلي الماء وطهي الطعام جيداً (الخضروات على الخصوص) كوسيلة وقائية بسيطة جداً وفعالة لمنع كثير من الأمراض التي فتكت بملايين المسلمين على مر التاريخ ولربما هُم أنفسهم، أي القدماء (سلف، أئمة معصومين)، كانوا ضحايا مباشرين لها. ولم يخرج أي أحد من القدماء (سلف، أئمة معصومين) ليعطي العالم دروساً، أو حتى حقائق عامة، في الفلك أو الجغرافيا أو الفيزياء أو الكيمياء بصورة واضحة لا يحتاج معها المسلمون اللاحقون أن “يتفذلكوا” في تطويع الكلمات واستعمال التفسيرات المطولة لا لشيء إلا ليثبتوا الأوهام التي تقول بأننا سبقنا الجميع في كل شيء تقريباً. والحقيقة سوف تبقى أن طالب المرحلة الثانوية في القسم العلمي اليوم يملك في ذهنه حقائق علمية تفوق بمراحل كثيرة كل ما في أذهان هؤلاء القدماء (سلف، أئمة معصومين) في قضايا الفلك والجغرافيا والكيمياء والفيزياء والأحياء ويملك من مبادئ الصحة العامة ومسائل الحفاظ على السلامة الشخصية (Personal Hygiene) ما يفوق كل ما أتانا عنهم من أولهم لآخرهم. هذه حقيقة لا يستطيع أحد أن يقفز عليها متجاهلاً أو مبرراً لأنها واضحة وضوح الشمس في ظهيرة يوم صاف من الغيوم والغبار.

لهذه الأسباب الواضحة فإن التفسيرات التي قام بها المسلمون القدماء (سلف، أئمة معصومين) لنصوص القرآن الكريم في تلك المواضيع أعلاه بحاجة إلى مراجعة كاملة وشاملة لغربلتها على ضوء مكتشفات العلوم الحديثة. ويجب أن نتعامل مع آرائهم وأقوالهم من وجهة نظر: “اجتهاد ورأي لم يوافق الحقيقة ولا مراد الرب جل شأنه“. ويجب أن نعترف بالحقيقة العلمية الراسخة التي أصبحت تصفعنا مع كل صفحة نقلبها في هذه التفاسير والآراء وهي أن هؤلاء القدماء (سلف، أئمة معصومين) لم يكونوا بالصورة المعرفية التي تحاول الذهنية المذهبية التي ترسمها لهم. ولذلك فنحن بحاجة لإعادة تفسير كثير من المفاهيم القرآنية على ضوء المكتشفات الحديثة. لابد لنا من حركة تجديد تبدأ من عنوان واضح وصريح وهو:

مكتشفات العلوم الحديثة وحقائقها أثبتت بما لا يدع مجال للشك أن الفقه القديم والتفسير الذي قام به هؤلاء القدماء يعاني من قصور واضح في المعرفة. هذا ليس طعناً فيهم، فهم مجتهدون بما أتاحت لهم ظروفهم وعلومهم الدارجة آنذاك، ولكن هذا تقرير لحقيقة واضحة ثابتة لا مجال لإنكارها أو القفز عليها.

أدناه هي قضية من هذه القضايا التي تحتاج إلى إعادة تفسير لنصوص القرآن الكريم، وهي المتعلقة بقضة المس الشيطاني أو التلبس الشيطاني والتي ينشط بها رجال الدين كقضية يؤكدون على صحتها من جهة، ومن جهة أخرى يعتبرون أنفسهم الجهة المؤهلة الوحيدة لعلاج هذه الحالات. بالطبع، أوهام وخرافات رجال الدين هذه نتج عنها الكثير من الطرائف كما نتج عنها الكثير من المآسي. القصة التالية التي قرأتها في كتاب ممتع جداً في الصيف الماضي هو تجل حقيقي لمنطقية العلم الحديث في التعامل مع حالة لو كانت بين يدي رجال الدين عدنا لنتج عنها مأساة حقيقية. والفرق بين ذلك النجاح أدناه والنتيجة الكارثية التي سوف يصل رجال الدين لها فيما لو كانت هذه الحالة بين أيديهم هي بالضبط ما أقصده من تلك المقدمة أعلاه.



حسن محسن رمضان




------------------------



تفاصيل نسختي الشخصية لهذا الكتاب الممتع الذي رافقني لعدة دول حتى أنهيته:

Mysteries, Colin Wilson, Watkins Publishing, UK, 2006



الرموز المستخدمة في الترجمة:

[ ] هو شرح للمقصود من العبارة أو إضافة تطوعت بها لبيان المقصود.
( ) الكلمة باللغة الإنجليزية أو ترجمة مرادفة للكلمة.
[المترجم: ...، انتهى] هو من إضافتي أنا للإسهاب حول نقطة أو للتعريف حول قضية.

ملاحظة: الترجمة أدناه مختصرة بعض الشيء، إذ حذفت بعض الإشارات إلى ملاحظات أو اكتشافات لا تبدو مهمة في سياق القصة.


------------------------------





Mysteries
Colin Wilson
Part 2 – Chapter 2
How Many Me’s Are There
الترجمة عن الإنجليزية والتعليق: حسن محسن رمضان




سجل “بيير جانت” (Pierre Janet) [أحد أشهر علماء النفس الفرنسيين، وتولى التدريس في السوربون وكولج دي فرانس] أحد حالات “التلبس الهستيري” الكلاسيكية في سنة 1894 م، إذ تبدو دلالاتها واضحة بصورة قطعية. التقى “جانت” بمريضه الذي سوف يدعوه باسم “آخيل” [حفاظاً على هويته الحقيقية] في مستشفى سالبيتييه (Salpêtrière Hospital) في سنة 1890 م. “آخيل” هذا كان رجل أعمال في منتصف الثلاثينات من عمره، ابن عائلة من الفلاحين الفرنسيين. وعلى الرغم من أنه قد نشأ في محيط من المعتقدات الفلاحية الخرافية، إلا أن آخيل كان من الظاهر يحمل القليل من المعتقدات الدينية [المتعلقة بهذه الخرافات، ولكنه يحمل حساً دينياً واعياً]. ولكنه على الجهة الأخرى كان “شديد الحساسية” لمواضيع تنوعت من الصراع [الإنساني بمختلف صوره] إلى مسألة المس بالكرامات أو الإهانات، ولم يكن لديه أي تاريخ مرضي فيما يتعلق بالأمراض العقلية.

في شتاء 1890، رجع “آخيل” إلى منزله من رحلة عمل قصيرة كئيباً ولا يجد رغبة في الكلام الكثير، ولكنه بعد قليل تحول إلى الصمت المطبق (بكم تام). في أحد الأيام التي تلت رجوعه من هذه الرحلة، احتضن “آخيل” زوجته وأطفاله، ثم استغرق في غيبوبة تامة استمرت لمدة يومين. استقيظ بعدها فجأة، وعندما جلس بدأ باطلاق ضحكات غريبة، ثم بدأ بالصراخ “بأنهم” (they) يحرقونه. في صباح اليوم التالي بدت حالته أكثر سوءاً، إذ أصر على أن الغرفة مملوءة بالعفاريت وأن “الشيطان” بداخله [متلبس به] وهو يجبره على التلفظ بعبارات كفر وتجديف رهيبة. وبعد محاولاته للهروب من المنزل عدة مرات، وبعد أن تعددت محاولات انتحاره، تم الحجر عليه في مستشفى سالبيتييه تحت ملاحظة الدكتور جاكو (Charcot) الذي بدوره أحال هذا المريض إلى بيير جانت.

لاحظ جانت أن جميع أعراض التلبس الشيطاني التي وصفتها مصادر القرون الوسطى بادية بوضوح على آخيل. فمن خلال صوت عميق (غليظ) كان آخيل يكفر ويجدف على الرب، ثم من خلال صوت دقيق حاد كان يؤكد بأن “الشيطان” (Devil) هو الذي جعله يفعل ذلك. كما أنه كان يعقد مناقشات ومجادلات طويلة ومرهقة تكاد لا تنتهي مع “الشيطان”.

جميع محاولات جانت لاقناع آخيل للتعاون معه قد باءت بالفشل الذريع، “الشيطان” كان يقابل محاولاته بالنظرة الساخرة والتهكم. لكن بينما آخيل كان يهذي [ويتجادل مع الشيطان الذي بداخله]، اكتشف جانت بأنه إذا وضع بين أصابع آخيل قلماً من الرصاص فإنه سوف يكتب مباشرة اسم آخيل [وذلك خلال استمراره بهذيانه ومجادلاته ومن دون أن يعطي أي انتباه لقلم الرصاص الذي بين أصابع يديه]. [أخذ جانت هذا الاكتشاف إلى خطوة أبعد]، إذ حاول أن يهمس بإذن آخيل [خلال هذيانه هذا] ببعض الأوامر التي تتعلق بالقيام ببعض حركات الجسد [مثل أن يرفع يده مثلاً]. كانت المفاجأة كبيرة لجانت أن القلم الذي في يد آخيل بدأ بكتابة: “لن أفعل“.

همس جانت مرة أخرى في أذن آخيل متسائلاً: “لماذا؟”

بدأت يد آخيل تكتب وهو يهذي بأمور أخرى لا علاقة لها بالسؤال: “لأنني أقوى منك“.

همس جانت في أذن آخيل: “مَن أنت“؟

كتب قلم الرصاص في يد آخيل: “الشيطان“.


قرر جانت أن يجرب إحدى الحيل الكلاسيكية [في علم النفس] ليخدع شيطان آخيل. فهو يعرف مقدماً أن الذهنية الشعبية الأسطورية للشيطان [ضمن البيئة التي عاش بها آخيل] تؤكد على أن نقطة ضعفه الرئيسية تكمن في غروره وحبه للتفاخر المُبالغ به (vanity)، فقد تحدى جانت شيطان آخيل أن يثبت قوته التي يدعيها بواسطة رفع ذراع آخيل عالياً من دون أن يبدو آخيل واعياً لهذا العمل. كان هذا سهلاً، لقد ارتفعت ذراع آخيل عالياً. عندها نبه جانت آخيل إلى حقيقة أن ذراعه مرفوعة عالياً في الهواء، بدا آخيل مندهشاً لهذه الحقيقة وكأنه بالفعل لم يكن يعرف بأن ذراعه مرتفعة عالياً وأجاب قائلاً: “هذا العفريت خدعني مرة أخرى”. كرر جانت تحديه لشيطان آخيل بأن يجعل آخيل يرقص، وأن يُخرج لسانه، وأن يُقبِّل قطعة ورق. كما أنه تحدى هذا الشيطان أن يجعل آخيل مقتنعاً تماماً بأنه رأى باقة من الورود وأن يتوهم أن أحد أشواكها قد جرحت إصبعه. عندها صرخ آخيل بفرح كما لو أنه شاهد باقة من الورود، وبعدها مباشرة ظهرت على وجهه علامات ألم كما لو أن اصبعه قد دخلت به شوكة غصن الورد. [أصبح جانت الآن في وضع مناسب لخديعة آخيل (أو شيطانه، فهما واحد) حتى ينفذ أولى خطوات العلاج].

بمكر، طلب جانت من شيطان آخيل إن كان بإمكانه أن يبرهن على قوته الخارقة [في السيطرة على آخيل] بواسطة جعل آخيل ينام. [كان الهدف هو تنويم آخيل مغناطيسياً] إذ أن جميع محاولات جانت السابقة لتنويم آخيل مغناطيسياً قد باءت بالفشل [لرفض آخيل، أو شيطانه، القاطع التعاون مع الأوامر أو الرغبات المباشرة لجانت]. [برهن هذا الشيطان الساذج على قدرته] وبسرعة بدا النعاس على آخيل وخلد للنوم. وعندما بدأ جانت بالتكلم معه بصوت خفيض، أجاب آخيل على جميع الأسئلة وبدون أي تردد. [وهكذا بدأ العلاج النفسي بواسطة محاولة معرفة الأحداث التي قادت إلى بروز هذه الحالة النفسية الحادة عند آخيل] وأخيراً، وبعد تلك المحاولات الأولى الفاشلة، أصبح بإمكان جانت أن يصل إلى الجذور الحقيقية للمشكلة النفسية [بواسطة استجوابه وهو تحت تأثير التنويم المغناطيسي].

في الربيع الذي سبق مرضه مباشرة، وفي إحدى رحلات عمله، اقترف آخيل “ذنباً عظيماً“، [هذا الذنب] يتعلق بعمل “غير عادي” مع إحدى بنات (بائعات) الهوى. “طبيعة” هذا العمل ملأ نفس آخيل بالذنب. يُعلق جانت على هذا الاكتشاف بقوله: “هناك بعض الناس يملكون ذهنيات ضعيفة، لا يستطيعون التعامل مع الجزئيات [التأثيرات الجزئية]، [ولذلك هم] يقعون بصورة مستمرة ضحية المبالغات الغريبة”. ركز آخيل ذهنه وفكره وخياله على ذنبه الذي اقترفه، وشعر بدون أدنى شك بأنه قد تلبسه “روح شرير“ عندما اقترف هذا الذنب بالذات. وكأي شخص عندما يركز ذهنه مفكراً بـ “الحكة” (itching) فإذا به يشعر بالحكة في مكان ما في جسده، فإن آخيل بدأ يعاني من آلام وأوجاع متفرقة في جسده، وكان يشعر بأن هذه الآلام هي عقاب إلهي على ما اقترفه من ذنب عظيم. والرغبة بالاعتراف بهذا الذنب السري الذي اقترفه هي التي قادت إلى حالة الصمت المطبق (البكم ذو الدافع النفسي) [التي سبقت مباشرة تدهور حالته تماماً].

كان آخيل يحلم [في أحلام يقظته] بالموت. وعندما احتضن زوجته وأولاده [كان على الحقيقة] مودعاً لهم، [وعندما دخل في غيبوبة اليومين] كان على الحقيقة يحلم بجهنم والنار. كان يُخيّل إليه أنه يشم رائحة الكبريت واللحم المحترق. [المترجم: تشارلز داروين، صاحب النظرية الشهيرة في النشوء والارتقاء، مر بحالة مشابهة. فعند تطوير نظريته عن أصل الكائنات كانت زوجته "إيما" (Emma) لا تخفي قلقها نهاراً من أن بحثه العلمي هذا سوف يكلفه "خسارة روحه الخالدة"، وفي الليل كان داروين يحلم أثناء نومه بأن "رأسه سوف يُقطع أو أنه سوف يُشنق". لقد كان يؤمن إيماناً راسخاً (كان خائفاً مرعوباً على الحقيقة) بأن تقديم نظرية علمية تصادم في مضمونها الرواية الإنجيلية الرسمية تساوي تماماً "الاعتراف بجريمة قتل". انظر: The Encyclopedia of Evolution, R. Milner, pp. 113 انتهى]. وهكذا سيطر “الشيطان” [والشيطان ليس إلا نتاج لقناعة آخيل وأوهامه لا أكثر] على قلبه المذنب الشرير. ولذلك استيقظ مجدفاً على الرب، ومقتنعاً بأنه قد مات ولُعن.

حالما استطاع تنويم آخيل مغناطيسياً، استطاع جانت أيضاً أن يتحكم في هلوساته [عن الشيطان]. فقد استطاع [بالتدريج] تحويل ذكريات آخيل عن ذنبه الذي اقترفه إلى شيء أقل حدة، ومن ثم، وكخطوة أخيرة في العلاج، استطاع تقديم زوجة آخيل، في لحظة مناسبة من لحظات هلوسات آخيل، لتعلن غفرانها التام له وغفرانها الكامل لكل ذنب اقترفه. بعدها، استطاع “ضمير” آخيل، ولكن ببطئ، أن يلعب دوراً [في الشفاء]، إذ كان لا يزال يحلم ليلاً ببعض “التعذيب الجهنمي”، ولكنه عندما يستيقظ في الصباح كان يضحك منها. خلال مدة قصيرة بعدها تماثل آخيل للشفاء التام. وعندما كتب جانت ورقته العلمية عن حالة آخيل، أي بعد ثلاثة سنوات من شفائه التام، لم يكن لدى آخيل أي أعراض مرضية على الإطلاق.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,819,027
- إشكالية المجاميع الليبرالية الكويتية
- السلطة المعنوية لقمة الهرم السياسي الكويتي كما هي عليها اليو ...
- مقالة في الفرق بين التمدن والتحضر
- المشكلة المذهبية في مجتمعات الخليج العربي
- الذهنية السياسية الشعبية الكويتية المتناقضة … الموقف من معتق ...
- في مشكلة الائتلاف والاختلاف ... الحالة الكويتية كنموذج
- الآراء الاستشراقية في نقد النصوص المقدسة الإسلامية
- مقالة في أن الحرية لا بدّ لها من قانون يقننها
- أن الحرية ذات المنشأ الديني هي حرية أنانية بالضرورة
- المنهج الليبرالي وضرورات الإيمان والإلحاد
- الرأي العام في السياسية المذهبية والدينية
- في أوهام الشعار الإسلامي (صالح لكل زمان ومكان)
- المشكلة العرقية في المجتمع الكويتي
- المشكلة السياسية في الكويت
- الخطاب التمجيدي الإسلامي
- ضرورة إعادة قراءة وصياغة الفقه الإسلامي
- والشعب أيضاً كان يريد إسقاط النظام أيام عثمان بن عفان
- الحرية التي نريد


المزيد.....




- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر
- عضو مجلس الإفتاء بدبي: الثراء الفقهي المنقول منهل لا ينضب لك ...
- مفتي الأردن: علماء الشريعة الإسلامية وضعوا علوماً وقواعد مست ...
- رحلة لاستكشاف عالم سري أسفل كاتدرائية شهيرة
- كيف يعود أطفال تنظيم الدولة الإسلامية إلى بلدانهم؟
- 611 مستوطنا يتزعمهم وزير إسرائيلي يقتحمون المسجد الأقصى


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - حقيقة التلبس الشيطاني - الفرق بين أوهام رجال الدين ومنطقية العلم النفسي الحديث