أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حيدر علي سلامة - -في نقد وعاظ الثقافة والمثقفين- نحو تحليل فلسفي ولغوي للمشروع الثقافي للعلاّمة علي الوردي















المزيد.....



-في نقد وعاظ الثقافة والمثقفين- نحو تحليل فلسفي ولغوي للمشروع الثقافي للعلاّمة علي الوردي


حيدر علي سلامة

الحوار المتمدن-العدد: 3571 - 2011 / 12 / 9 - 09:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



بات من المعروف أن الدراسات الاجتماعية والسوسيولوجية التي تناولت فكر الوردي، قد انقسمت بين أصناف عدة وأراء شتى، حتى ظهر فيها كبرى الاختلافات والانشقاقات كتلك التي تحصل فيما بين الفقهاء ورجال الدين حول طبيعة الأحكام الشرعية. فبرزت فرق من المثقفين والأكاديميين بل حتى من الصحفيين الذين لطالما استوقفهم النص الوردي وأخذتهم الحيرة في قراءته وتصنيفه، بل وأصبح ذلك النص مصدر قلق وإرباك للمؤسسات الأكاديمية والثقافية على حد سواء، وكأننا بهم يتساءلون في قرارة أنفسهم عن حكم قارئ النص الوردي، فهل تجوز قراءته ابتداء، ام انه على الأفضل تجنبه وتركه حفاظا على ثقافتنا وقيمنا من الوقوع في الكبائر؟ فظل النص الوردي متراوحا بين المكروه جدا والمستحب جدا، وأحيانا ذم كل من يقرأ ذلك النص ووصمه بمرتكب الكبيرة التي تستوجب عليها محاسبته.
في مثل تلك الظروف والأحوال ترعرعت الدراسات والكتابات لأغلب الكتاب والمثقفين والأكاديميين الذين سعوا من خلال ورش عملهم النقدية الى تفكيك النص الثقافي الوردي وتقويض مفاهيمه السوسيولوجية، تلك المفاهيم التي اصبحت تقع في المنزلة بين المنزلتين عند كتابنا وباحثينا، فلا هي في نظرهم مفاهيم اجتماعية تستمد اصولها من الوقائع الاجتماعية اليومية؛ ولا هي مفاهيم نظرية أو ادبية لها علاقات بنيوية متداخلة مع فلسفات اللغة والنظريات الأدبية. مع العلم أن مفاهيم الوردي هي مفاهيم اشكالية قبل كل شيء، ويجب أن تقرأ بطرق اشكالية. لكن الذين عملوا على دراسة النص الوردي تعرضت نصوصهم، وللأسف الشديد، إلى حالة من الاختلالات المفاهمية والانزياحات القيمية، اي ان نصوصهم بقيت منعزلة عن خطابات العلوم الإنسانية والابستمولوجية وخطابات الدراسات الأدبية أو النظرية الأدبية، ناهيك عن ابتعادها عن مجمل طروحات الدراسات الثقافية، لذا نراها اشتغلت على نقد طروحات الوردي بطريقة تجزيئية وانفصالية، الأمر الذي جعل اغلب كتاباتهم تسير على خطى الكتابات القديمة التي تناولت الوردي بالنقد والتحليل إبان فترة الخمسينيات والستينيات آنذاك. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن البنية النظرية للمثقف العراقي لم يصبها شيء من التغيير والتحول النقدي لمفاهيمها وارتكاساتها الابستمولوجية، وذلك لانها بقيت كتابات محكومة بالأنساق التجزيئية والانفصالية والأغراض الأيديولوجية، ونائية بنفسها عن مواكبة مجمل التطورات والقفزات الابستمولوجية الحاصلة في مجالات النقد الأدبي واللغوي بل حتى الفلسفي. فعندما يتناول الكتاب والباحثون بعض المفاهيم الوردية كمفاهيم ازدواجية الشخصية العراقية وجدل البداوة والحضارة، بالنقد والتحليل تجد أن اغلبهم يفصل تلك المفاهيم الابستمولوجية عن المنظومة الابستمية الوردية التي تمثل الكل الثقافي والنقدي الذي تتحرك بين أزمنته مجمل المفاهيم الثقافية والاجتماعية، فيبدو فكر الوردي هنا بسيط وهزيل بل وتشعر انك قد لا تكتشف اي جديد يذكر في مجمل كتبه وكتاباته، الأمر الذي يجعلنا نتخيل أن مؤلفات العلاّمة جميعها تركزت على تلك المفاهيم السابقة الذكر.
من هنا نرى أن كثير من الكتابات الأكاديمية الرصينة تقع في مثل تلك المزالق نتيجة لغياب رؤية نقدية جديدة ومتكاملة ومستندة على كشوفات الابستمولوجيا المعاصرة والدراسات اللغوية وأنظمة تحليل الخطاب الثقافي. فمن بين تلك القراءات هذه القراءة أو الدراسة التي تسقط طروحات الوردي، لاسيما نظرية ازدواجية الشخصية العراقية، فتعدها جزء بسيط من مسلسل التأثيرات الهوليودية كتلك الحاصلة في افلام الخيال العلمي حيث يقول الباحث المختص في الدراسات النفسية:((عاد علي الوردي من أمريكا حاملا شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع عام 1950. وحدث أن ظهرت في الخمسينيات في امريكا حالات مرضية غريبة ونادرة، أشهرها حالة فتاة أسمها "سيبل" كان لها ثلاث شخصيات: حواء البيضاء، التي تذهب الى الكنيسة أيام الآحاد لتصّلي، وحواء السوداء، التي تذهب في الليل الى النوادي ترقص وتشرب..، و سيبل، الفتاة الموظفة التي تمارس عملها اليومي المعتاد في النهار. وكانت كل شخصية لا تعرف شيئا عما تقوم به الأخرى من سلوك، فكل واحدة منها لها اسلوبها الخاص بها في السلوك والادراك والتفكير والتاريخ الشخصي والصورة التي تحملها عن ذاتها، وقد أطلق على هذه الحالة مصطلح (تعدد الشخصية) وقدمتها السينما الأمريكية بفلم حمل عنوان (ثلاثة وجوه لحواء) قامت ببطولته الممثلة "وودورد". وكان قبلها قد شاع مصطلح (ازدواج الشخصية) الذي قدمته السينما ايضا بعنوان (الدكتور جيكل والمستر هايد) عن رواية بطلها طبيب يمارس عمله في النهار بشكل طبيعي، ولكنه يتحول في الليل الى مجرم قاتل بأسم المستر هايد، ولا يعرف أحدهما شيئا عن أمر الآخر. ويبدو أن عالمنا الجليل الوردي قد تأثر كالآخرين الذين أدهشتهم هذه الحالات، وزاد في التأثير ما فعلته السينما والتلفزيون ووسائل الاعلام الأخرى التي جعلت هذه الحالات المرضية الغريبة الحديث اليومي للناس. والخطأ العلمي الذي وقع فيه أستاذنا الوردي أنه استعار مفهوما من "علم النفس المرضي" يخص حالات مرضية نادرة وطبقّه في "علم الاجتماع ّ" وعممه على شعب بأكمله))(1). نلحظ أن الكاتب في نصه السابق، يقرأ طبيعة سفر الوردي الذي كان مخصص لدراسة العلوم الاجتماعية في الجامعة الأمريكية، قراءة منعزلة عن الاشكاليات الثقافية والمعرفية والتاريخية المتعلقة بنشأة وحياة العلاّمة الحافلة بالتحولات السياسية والانقلابات القيمية، ناهيك عن أزمنة الانكسارات السياسية التي منيت بها الشخصية العراقية، فجميع تلك الاشكاليات تختصرها -حسب رأي الباحث- الصرعة التي كانت سائدة آنذاك، وهي صرعة افلام الخيال العلمي خاصة المتعلق منها بأفلام الخيال السيكولوجي والشخصيات الفصامية، المتحولة بين الليل والنهار.
من هنا يتضح كيف أن الباحث المختص في العلوم السيكولوجية، عمل على حصر المنجز الاجتماعي والثقافي للوردي في مجرد تأثر في سرديات الدراما الأمريكية، الأمر الذي اضعف تلك القراءة السابقة، لافتقارها إلى ابسط تقنيات المناهج الابستمولوجية المعاصرة. ثم هل من المعقول أن يجري القفز على جميع الحقائق والوقائع التاريخية والسياسية والجغرافية التي استند عليها الوردي في شرح نظرياته الاجتماعية والاخلاقية، من اجل ألتأكيد على حقيقة واحدية مطلقة تدحض نظريات العلاّمة، الا وهي تأثره بطريقة التنويم المغناطيسي برواية الدكتور جيكل ومسترهايد؟ ثم هل هناك علاقة منطقية وابستمولوجية بين النص الروائي والخيال العلمي وبين نظريات واشكاليات الوردي؟ ولماذا لم يقدم الباحث المختص دراسات تحليلية وابستمولوجية موضوعية تهدف إلى إعادة قراءة النص الوردي، عوضا عن تقديم مقاربة تتصف بالرؤية التجزيئية والهشاشة المفاهيمية لنظريات العلاّمة. زد على ذلك أن الباحث المختص بالدراسات السيكولوجية يعيب على الوردي تأثره بالأشكال الروائية والنصوص الأدبية ويدعوه إلى التقوقع في اختصاصه اي العلوم الاجتماعية، فعلى ما يبدو أن الباحث لا يؤمن بوجود علاقات وتداخلات ابستمولوجية بين العلوم الإنسانية من جهة والعلوم الأدبية من جهة اخرى. وقد عاب الباحث على الوردي استعارته لبعض من مفاهيمه المستعملة في المنظومة الاجتماعية من العلوم النفسية، وعلى ما يبدو أن الباحث عد ذلك احد التجاوزات الأكاديمية.
هكذا نلحظ كيف أن علومنا الإنسانية لازالت تعيش في عزلة ابستمولوجية وتفرقة أيديولوجية بين علم وآخر، وهذا نتيجة لغياب المناهج الابستمولوجية والنقدية والحوارية بين العلوم الإنسانية التي تحولت إلى مؤسسات ارثوذكسية منغلقة على "نرجسيتها المؤدلجة". فالباحث في العلوم الاجتماعية ليس له الحق في استعارة اي مصطلح سيكولوجي ليوظفه في الخطاب الاجتماعي وما شابه، هذا يعني أن الثورة الفرويدية التي طغت مفاهيمها على العلوم الانتروبولوجية والسيكولوجية والتاريخية واللغوية والادبية والابستمولوجية...الخ، كانت ثورة ليست في محلها لانها تخطت حدودها وأطرها النظرية ومفاهيمها الابستمولوجية؟ ألم يكن من الأولى بالباحث -وهو الذي يعتبر حجة في اختصاصه السيكولوجي- نقد كافة العلوم الاجتماعية المتأثرة بالنظرية الفرويدية، بدلا من نقده الوردي لمجرد انه وظف بعض المصطلحات السيكولوجية في المنظومة الاجتماعية؟ والى متى تبقى علومنا الإنسانية تعيش في عزلة ابدية فيما بينها؟ وهل أن تلك العزلة فرضتها طبيعة الأيديولوجيات السياسية المسيطرة التي تشطر وتفصل كل شيء، ام طبيعة العلوم الإنسانية نفسها؟ ولماذا نلحظ انشغال الوردي في إعادة تشكيل العلوم الإنسانية بهدف تخليصها من سيطرة التشكيلات الأيديولوجية السابقة، ونلحظ في الوقت نفسه عدم اهتمام مؤسساتنا الأكاديمية بتلك الاشكالية؟
أن غياب جدل العلوم الإنسانية والابستمولوجية، اوقع اغلب الدراسات في سلسلة كبيرة من التمركزات البيداغوجية حول الاختصاص والمنهج، وبالتالي جاءت رؤيتها غير مكتملة نتيجة لسيطرة نظام مفاهيمي واحدي مطلق يحاول أن يحصر الاشياء في نسقه البيداغوجي حتى بدت مبعثرة ومشتتة، بل بلا اي قيمة ثقافية. ويبدو ذلك واضحا من خلال تلك القراءة التي قدمها احد المشتغلين والمهتمين في احياء الهوية الثقافية العراقية*، والذي ارفد المكتبة العراقية والعربية بأهم الموسوعات الثقافية واللغوية والدينية...الخ، والتي تؤكد في مجملها على اصالة ومركزية الهوية العراقية الواحدة. هذا إلى جانب كونه روائي من طراز رفيع وله أكثر من رواية وسيرة ذاتية واحدة. لقد عرض ذلك المختص في جينالوجيا الهوية العراقية دراسة عن الوردي، قد لا تبدو مختلفة عن تلك القراءة السابقة الذكر للباحث السيكولوجي من حيث المنهج والرؤية والمضمون، وذلك لان الباحث المختص في احياء الهوية العراقية ينطلق في نقده للنص الوردي من كون أن العلاّمة لم يكن عالم اجتماع من الطراز الجيد بحسب وصفه، وانه اي الوردي مجرد مؤرخ جيد لتاريخ العراق الثقافي والسياسي، إلى جانب أنه عالم يمتاز بقدرة عالية على استعمال لغة سهلة ومفردات بسيطة لدرجة أن الباحث نعته بالحكواتي. ويذكر الباحث كيف ان الوردي استطاع أن يناقش كثير من القضايا والاشكاليات الثقافية التي لطالما ترفع عنها المثقفون آنذاك، ثم يأتي بعد ذلك إلى ذكر مسألة طبيعة علاقة تنظيرات الوردي الاجتماعية بالرؤية الاستشراقية الضيقة، ثم يستمر الباحث في إيراد التحليلات النقدية والتاريخية التي تقوض نظريات الوردي خاصة المتعلق منها بنظرية صراع البداوة والحضارة. أن ما يلفت في تلك الدراسة هو انها بقيت منعزلة تماما عن طبيعة الاشكاليات الثقافية التي عمل الوردي على تعريتها وتحليلها، وذلك لان الكاتب في دراسته تلك، جزأ وشتت الوردي بين استشراق عنصري مفترض ونعوت ثقافية تكاد أن تكون ليست في موضعها الصحيح، لانها افتقرت إلى العمق الابستمولوجي والتحليل النظري واللغوي لطروحات الوردي. وكأننا بالباحث هنا قد تعامل مع فكر الوردي بطريقة استشراقية كلاسيكية تركز على البحث في القضايا المركزية والمتفق عليها، وبذلك تنأى بنفسها عن كل ما هو مسكوت عنه أو غير المصرح به في تلك النصوص. فمصطلحا البداوة والحضارة مثلا، وبحسب رأي الباحث وقعا تحت نفوذ وهيمنة الرؤية الاستشراقية العنصرية؛ أو الرؤية الصنمية المقدسة؛ أو أنها تأخذ اشكال ماركسية اسيوية استبدادية أو قومية عروبية...الخ. لكن تلك المفاهيم تنحو منحى اخر ضمن سياق النص الوردي -على عكس ما جاء به الباحث- وبما تتسم به من تداخل بنيوي ولغوي وابستمولوجي، يجعلها بعيدة كل البعد عن اي علاقة عنصرية مع الحداثة الغربية ورواد الفكر الترقيعي والأيديولوجي والشمولي. إن تلك المفاهيم عُزلت من قبل الباحث بطريقة استشراقية عن الاشكاليات اليومية والدينية والسردية، اضافة إلى الاشكاليات العقلية والفلسفية التي تجلت في حضور الخطاب السفسطائي الذي وقف بالضد من الخطاب الارسطوافلاطوني الذي بقي مهيمن على ذهنية النخب العراقية منذ ايام الوردي والى يومنا هذا، بل أن النموذج الارسطوافلاطوني كان الداعم الرئيسي لكل الدكتاتوريات الثقافية والسياسية والأكاديمية، وهذا ما حدا بالوردي إلى التأكيد مرارا على العلاقة الابستمولوجية بين نظرية البداوة والحضارة وازدواجية الشخصية العراقية، وتاريخ الانشطار الذهني بين العالم المثالي المسيس بالضرورة والعالم اليومي المغطى بالممارسات اللغوية وازدواجية الخطابات الثقافية والسياسية المضطربة في تاريخ شخصية الفرد العراقي. فكيف يمكننا أن نتكلم عن البداوة بمعزل عن نظرية الازدواجية؟ وهل أن نظرية البداوة عند الوردي اشتغلت بشكل منفرد ومنفصل عن منظومته الاجتماعية والسيكولوجية؟ وهل يمكننا أن نعد تلك المفاهيم من الناحية الابستمولوجية والتاريخية، صنم مقدس في خطاب الوردي؟ هذا مع العلم أن الباحث هو الذي كان قد كرر مرارا في كافة دراساته وكتاباته على رؤيته النقدية للمشاريع الحداثوية والليبرالية والماركسية،وكأنها تحولت الى مقولات صنمية في نقده وتحليله للمنجز الثقافي العراقي. فترى الباحث يزج بالنص الوردي في تيارات الحداثة والماركسية والقومية أو حتى الليبرالية بطبعتها الأمريكية على اعتبار ان الوردي كان متأثرا إلى حد ما بالعلوم الاجتماعية الأمريكية. بالطبع أن مثل هذا الرأي يبدو صحيحا وذلك بسبب أن المدرسة الأمريكية كانت الأقرب إلى رؤية الوردي الطامحة إلى تشكيل ثقافة عراقية تتميز بالنزعة العلمية أو الابستمولوجية التي من خلالها فقط يتم تجاوز التشكيلات الأيديولوجية لثقافة الانحطاط الحضاري والقيمي والأكاديمي، وقد برز ذلك التوجه عند الوردي من خلال تأكيده المتواصل على أهمية الفلسفة السفسطائية وليس فقط الفلسفة الشكية، لان السفسطائية تمثل الانطولوجيا البديلة لبردايم الانطولوجيا الارسطوطاليسية التي تتميز بأسبقية المعنى والمفهوم على الوجود اليومي والممارسات الكلامية واللغوية وتشكيل الخطاب اللساني وإنتاج المعاني. بمعنى أن السفسطائية تتقاطع مع الفلسفات الارسطوافلاطونية التي حولت الفلسفة إلى واقعة ميتافيزيقية متعالية، وذلك لان السفسطائية تعتبر الفلسفة واقعة لغوية وتاريخية، وهذا هو المنحى الفكري الذي سار عليه الوردي في كافة مؤلفاته الاجتماعية والثقافية.
من هنا علينا أن نتساءل، لماذا لم يوضح الباحث الروائي تلك العلاقة الابستمولوجية للوردي مع الفلسفة السفسطائية؟ ولماذا غض النظر عن أهمية ذلك الانقلاب "الكوبروردي" الذي ينقل الفكر والفلسفة والوجود من نموذج واحدي وقروسطوي ودوغمائي إلى نموذج ثقافي وإشكالي ونقدي لكافة اشكالياتنا الثقافية؟ ثم هل صحيح أن الفلسفة السفسطائية كانت كالفلسفات المادية والماركسية؟ ام أن الباحث كان يقارن بين الفلسفات الشكية الحديثة والمعاصرة مع الفلسفات المادية والماركسية؟ وهل يمكننا أن نعتبر بالضرورة أن كل فلسفة نقدية تدعو الى النسبية التاريخية هي فلسفة "متمركسة" ولها علاقة بالنزعات المادية والحداثوية؟ والغريب أنه وعلى الرغم من ان الباحث الروائي صرح بحضور الجانب الشكي والتاريخي الذي لا يمكن حصره بأيديولوجية ضيقة في خطاب العلاّمة، الا انه وضع الوردي ضمن مقولات الفكر القومي والماركسي والليبرالي التي يعتبرها الباحث تمثل في مجملها الاشكال الأولية للحداثة العراقية، تلك الاشكال التي تتسم بسيطرة النظرة التبخيسية والظلامية للميراث الديني الشعبي باعتباره موروث عثماني ورجعي. فهل يصح ادراج الوردي مع تلك البردايمات الشمولية المتعالية على كل ما هو شعبي وديني؟ وهل تميزت حقا كتابات الوردي بتلك النظرة التبخيسية للأديان والمعتقدات الشعبية، وهي التي شغلت مجمل تحليلاته الابستمولوجية والنقدية لاسيما في كتبه: وعاظ السلاطين؛ خوارق اللاشعور؛ الاحلام بين العلم والعقيدة. فتلك المؤلفات تميزت بطابع التفاعل التاريخي بين كل من تاريخية النص الديني: رواية؛ وحديث نبوي؛ وحديث قدسي؛ ومعارك إسلامية وغزوات إلى جانب وصف الرحالة للحياة الثقافية والدينية لأهل العراق كرحلة بن جبير وما شابه، وبين السياق الثقافي للوجود اليومي الذي يعيد تشكيل تلك الخطابات الدينية مع طاقتها السردية والمتخيلة، لتتشكل بذلك حركة المجتمع وتتكون مع تلك الحركة مقولاتنا الذهنية واطرنا العقلية واحكامنا القيمية. وبطبيعة الحال لما كان الوردي عالم اجتماع يبحث في سوسيولوجيا المعرفة وارتباطها بالأيديولوجي واليوتوبي على حد تعبير مانهايم، لذا نراه قد كرس جل جهده لوصف وتحليل طبيعة الفكرة الدينية والظاهرة الشعبية للتدين، للكشف عن المزالق الشعورية واللاشعورية التي يستغلها وعاظ السلاطين لخدمة اغراض السلطة الشمولية المهيمنة في كل عصر. فليس من المعقول أن يتعالى الوردي عن ذلك الموروث الديني الذي يشكل قاع ثقافتنا وتاريخينا السياسي والاقتصادي، وهو الذي حاول أن يعيد قراءة ونقد ذلك الموروث، مثله كمثل اي مفكر عربي له مشروع نقدي للخطاب الاسلامي امثال محمد اركون ونصر حامد ابو زيد ومحمد عابد الجابري وهشام جعيط...الخ.
ثم بعد ذلك يحاول الباحث الروائي تأصيل جينالوجيا الحداثة العراقية فيجد ان لها ارهاصات وبدايات مع الأيديولوجيات القومية والماركسية والليبرالية، تلك الأيديولوجيات التي يعدها الباحث بمثابة الاعلان الاول عن تشكيل خطاب الحداثة العراقية. فهل صحيح أن الفكر القومي بتياراته المؤدلجة والماركسية بخطاباتها الدوغمائية تمثل جميعا مقدمة في خطاب الحداثة العراقية؟ وكيف تمثلت العلاقة البنيوية والابستمولوجية بين خطاب الحداثة الذي يحاول تأسيس بردايم ثقافي عقلاني يحاول قدر الامكان التحرر من هيمنة الأيديولوجيات الشمولية التي تسحق كل ما هو عقلاني ونقدي وبين انظمة شمولية تسعى إلى بناء الأنساق الميتافيزيقية والمثالية والدينية لتشكل بعد ذلك انساق سلطوية شمولية تسحق جميع اشكال انطولوجيا الوجود اليومي؟ ثم أنه من المعروف ان هناك ماركسيات عديدة منها الستالينية ذات التوجه الدوغمائي والبيداغوجي الذي يمجد عبادة الشخصية الصنمية المتأدلجة بخطابات المؤسسة الحزبوية، فهل يمكننا هنا أن نلمح إرهاصات للحداثة في ظل تلك الماركسية؟ وكذلك هناك ماركسية تسودها بيروقراطية مركزية وأيديولوجية مولهوته ومؤسطرة تصنم مقولات الماركسية المتحولة لتجعلها حبيسة سجن الغيبيات القبلية، وهناك أيضا الماركسيات البنيوية والانتروبولوجية واللغوية والفلسفية والابستمولوجية التي تنطلق في مجموعها من نقد النزعات الميتافيزيقية والانسانوية المؤسطرة من خلال الاعتماد على اخر كشوفات فلسفات اللغة وتقنيات التحليل النفسي والدراسات الثقافية والادبية وعلوم تحليل النص والخطاب. فعن اي ماركسية كان يتحدث الباحث؟ ومع اي فكر قومي استبدادي يمكننا أن نلمح جذور الحداثة العراقية؟ وهل يمكننا مثلا أن نعتبر مؤلفات ميشيل عفلق خاصة كتابه الموسوعي (في سبيل البعث) مقدمة في خطاب الحداثة العراقية، وداعيا الى الاخذ بنموذج الحداثة الغربية؟! أو اننا ربما نجد ارهاصات حداثوية في كتابات ساطع الحصري! وقل نفس الشئ عن اعمال البيطار والارسوزي والياس فرح، والقائمة تطول برواد الفكر القومي، فهل تمثل جميعها استمرار لخطاب الحداثة على الطريقة القومية؟ ثم هل صحيح أن الخطاب القومي كان يعتبر الدين جزء من مخلفات المرحلة العثمانية؟ على الرغم من انه خطاب يؤكد دوما على حقيقة واحدة ومفادها أن النظرة للقومية تنطلق من قيمة الترابط القومي بين كل من الدين والتراث واللغة -(وهذا ما ستوضحه مقاربتنا اللاحقة بين الوردي وزكي الارسوزي وتاريخ الفكرة القومية)- باعتبارهم حقيقة محمدية واحدة وذات رسالة عروبية خالدة، وهذا ما ستجده في الصفحات الاولى من كتب القائد المؤسس، بل وفي اغلب كراريس البعث وكتب المنهاج الثقافي المركزي والثورة العربية. يمكننا ن نعد تلك الكتب في مجملها -التي تعد من الكتب الاكثر شعبية ورواجا والاكثر تبسيطا للافكار القومية- تنطلق من خطاب واحدي وهو "نظرتنا إلى الدين والتراث". وهذا ما تميزت به كثير من كتابات ومحاضرات القائد المؤسس، اي بحضور طاغ لفلسفة الاسلام وانبعاثها التاريخي، وهو القائل: ((في حياتنا القومية حادث خطير وهو ظهور الاسلام. حادث قومي، وانساني عالمي. ولا اجد أن الشباب العرب يعطون هذا الحادث حقه من الاهتمام. لا اجد انهم يدرسونه ويحيطون بكل ظروفه وتفاصيله وملابساته، لان فيه عظة بالغة، فيه تجربة هائلة من تجارب الإنسانية يمكن أن تغنيهم وتغني ثقافتهم العملية والسياسية وكل شيء)).(2)

نقد الفلسفة الأفلاطونية والقومية المحدثة بين الوردي وزكي الارسوزي

يتضح مما سبق أن الوردي كان يمهد من خلال طروحاته الفلسفية المتمثلة في نقد الأسس الميتافيزيقية، بدأ من الفلسفات الافلاطونية والارسطوطاليسية، مرورا بتأسيس انطولوجيا النقد الفلسفي من خلال نماذج الفلسفات الشكية والسفسطائية، وانتهاء بنقد سيطرة نماذج وبردايمات العلوم الإنسانية ذات المناهج الارسطوافلاطونية. وعند تتبعنا للبحث في تاريخ العلاقة الجدلية والفلسفية بين نشأة الفكرة القومية وإعادة إحياء البردايم الأفلاطوني المتجسد في أفكار البعث العربي وحزبه العروبي، سنجد أن ثيمات الإحياء والانبعاث العروبي والقومي ما هي إلا فيوضات افلاطونية وشذرات رحمانية بحسب توصيف مؤسس الفكرة القومية الدكتور زكي الارسوزي. بمعنى أن الفكرة القومية كنموذج محدث للفلسفة الافلاطونية، ظلت تستمد معارفها وفلسفتها من الفيوضات الرحمانية التي تجمع بين جدل الرحمن واللسان والإنسان بحسب رأي الارسوزي، فمن خلال تلك الثيمات الصوفية يؤسس الارسوزي تاريخ الفلسفة العربية وتاريخ اللغة وإحياء البعث العربي، ويمكننا أن نستدل على ذلك من تلخيصه لفلسفته: ((للعرب فلسفة كاملة قائمة في ثنايا لغتهم، لم يعبر عنها حتى ألان أي مفكر آخر، تعبيرا كليا، إذ أن أحدا منهم لم ينتبه إلى أن الطريق التي تؤدي إليها، يجب أن تستند إلى فهم نظام اللغة العربية. فاللغة العربية بما لها من قوة بيانية خاصة تبدع كل معنى من المعاني الوجودية الكبرى، صورة تستقطبها وتؤديها بأمانة. ويرى أن إنشاء هذه الفلسفة يؤدي إلى نتيجتين هامتين، الأولى: إرساء فكرة البعث على قواعد صحيحة. والثانية إسهام العرب إسهاما جديا حاسما في التراث الإنساني. فالعقل الإغريقي الغربي، يجنح نحو الكشف عن نظام الطبيعة، بينما يجنح العقل السامي العربي نحو الحقيقة الروحية المثالية)).(3)

ثم يحاول الارسوزي إعادة اكتشاف الفلسفة العربية، حيث تعامل مع تلك الفلسفة كما تعامل من قبل مع ثيمات الأمة والقومية واللسان...الخ، اي بطريقة لاتاريخية بل مفرطة بالميتافيزيقا، فوفقا لرؤيته أن الفلسفة العربية ((لا تتوقف عند حدود التأمل، بل تطمح إلى ما هو ابعد من ذلك. وطموحها ينتج عن موقف الذهن. وإذا كانت التصورات تستند إلى العادة الذهنية في تلخيص الأشياء الكونية، من زاوية نظر معينة، فأن الفلسفة العربية تتجه نحو الوجدان لتسبر أغوار الوجود من الصميم. والمعنى المستجلى يخلق معه عبارته، وعندئذ يساعد على تنمية النفس وتحويل قدرة صاحبها إلى حرية أكمل فأكمل. والحالة المنبثقة من الأعمال تجهل الموت وتتحدى الخطر. ومن هنا موقف النفوس الكبيرة، المتجهة اتجاها سليما في استجلاء ماهية الحياة. فهي تتصرف بكليتها إلى الإصلاح، ولو أدى ذلك إلى ما يتعارض مع المحافظة على البقاء)).(4)
من الملاحظ أن ميتافيزيقا الحضور تسيطر على النص الارسوزي، فالمعنى المستجلى يخلق معه عبارته دون أن نفهم السياق الابستمولوجي والثقافي لتاريخية تشكيل المعنى، فالمعنى هنا سابق على حقيقة الأشياء وعبارته تتشكل في عالم ماورائي. بتلك الطريقة تشتغل الفلسفة العربية التي لم يرغب لها الارسوزي أن تتوقف عند حدود التأمل لان هناك تأملات شمولية اكبر تنتظرها، حتى تسبر أغوار الوجود فيتحقق خطاب الإصلاح الذي تقوده النفوس الكبيرة. يتضح هنا كيف أن الارسوزي بقي وفيا لتنظيراته اليوتوبية واللاتاريخية، كما هو الحال عليه في تنظيراته للقومية والامة العربية والبعث العربي، حيث اننا لا يمكن أن نجد ثمة فروقات جوهرية في طبيعة اللغة اليوتوبية والمثالية المستعملة في وصف الفلسفة العربية والقومية العربية والبعث العربي، بل حتى للغة العربية التي تكمن((العبقرية العربية في لسانها ...فالأمة..مستودع لتراثنا... والبعث القومي يعني..العودة إلى الحدس المتضمن في الكلمات..لان بلوغ ما بلغه الأجداد من سؤدد وعزة لا يكون الا اذا عدنا إلى لغتنا وعشناها عن وعي)).(5)

من هنا يبدو النص الارسوزي اقرب إلى الأنساق الميتافيزيقية أو انطولوجيا الوجود الشمولي، حسب قراءتنا للوردي، مما يجعله نص يحمل غاية أيديولوجية واحدة وهي خدمة أيديولوجيا البعث القومية كطريق للاستقلال الفلسفي على حد تعبير الدكتور ناصيف نصار. لكن اللافت في طروحات الارسوزي وعلى الرغم من أنها سليلة انتماءات منهجية للمدارس الفلسفية الفرنسية كالبرغسونية والمناهج الحدسية والصوفية...الخ، الا انها لم تنشغل بالجوانب الابستمولوجية واللغوية في تلك المدارس، حيث بدت لنا من خلال نصوصه وتوظيفاته الفلسفية اشبه بنصوص مكتوبة فقط من اجل عرض الأفكار الحدسية والذوقية والغنوصية، فخلت بذلك تلك النصوص من الأبعاد الثقافية والنقدية والابستمولوجية، وكأن هنري برغسون كان قد أسس كل فلسفته وجل مؤلفاته فقط لعرض التطور الخالق وخلق الديمومة وحدس الوجدان والاستغراق في متاهات الوجود، مع العلم أن مؤلفاته قد اشتملت على تنظيرات لغوية ونقدية للفلسفة وتاريخها، إلى جانب التنظيرات الابستمولوجية لفلسفات العلم وفلسفات الوعي والعقل والاخلاق...الخ. فلماذا غابت جميع تلك الثيمات الفلسفية عن نصوص الارسوزي؟ ولماذا يتم التركيز على الابعاد المتعالية والروحانية في تلك الفلسفات؟ وهل صحيح أن تلك النصوص احتوت على مثل تلك التنظيرات الغنوصية؟ واذا ما وجدت، فهل وجدت بذاتها ام انها كانت جزء لا ينفصل عن سياقاتها الفلسفية والابستمولوجية؟ وهل ترجمت بطريقة ابستمولوجية ونقدية ام بطريقة أيديولوجية؟ ولماذا غابت التنظيرات اللغوية والثقافية والسياقية عن تلك النصوص؟ ثم هل صحيح أن اللسان العربي هو مجرد امتداد تاريخي لأمجاد الأمة العربية؟ وهل هذا يعني انه لسان منعزل عن سياقات التداول في انطولوجيا الوجود اليومي؟ وهل اللسان ظاهرة ميتافيزيقية ام تاريخية؟ وهل هو منفصل عن وظائف الذهن وعمليات تشكيل الكلام في المؤسسة الاجتماعية؟ ثم هل من المعقول أن نتكلم عن عبقرية البيان العربي من خلال نظرية إنتاج الصور البيانية الميتافيزيقية؟ ولماذا غابت النظريات الاتصالية والتواصلية والثقافية في وصف البلاغة واللسان والبيان العربي، على الرغم من أن الارسوزي التزم بالمنهج العلمي سبيلا إلى عرض افكاره الفلسفية؟ فهل كان العلم الذي يعنيه علم ظواهر الحدوس القومية؟
وألان دعنا ننتقل إلى الوردي وننظر فيما إذا كان قريبا من الفكر الافلاطوني والقومي بالضرورة ام لا. إن من بديهيات النص الوردي هي النقد الابستمولوجي للفلسفات الارسطوافلاطونية المتربعة والمهيمنة على خطابات العلوم الإنسانية عامة وعلوم اللغة خاصة، حيث وكما هو معروف إن الوردي شكّل ورش عمل نقدية وثقافية لنقد وتفكيك التجليات الأفلاطونية في العلوم الاجتماعية والثقافية واللغوية، وربما أن العلوم اللغوية شغلت الحيز الكبير من اهتمامه، فكان دائم النقد والتفكيك للبيان والبلاغة العربية، لاسيما في كتابه (أسطورة الأدب الرفيع)، بل كان ناقدا دوما لتاريخ الشعر العربي باعتباره تاريخ أيديولوجية الشعر وبيداغوجية التسلط السياسي. لذا لا يمكنك أن تجد في كتابات الوردي لغة شاعرية وميتافيزيقية أو تقديس للحدوس القومية وتجليات المعاني الخالدة...الخ، فالكل الثقافي الوردي يتحرك بطريقة ابستمولوجية ونقدية لمجمل الشموليات السلطوية والميتافيزيقية التي تأسست عليها الأيديولوجيات القومية والبعثية، بمعنى أن الوردي يقف على طرفي نقيض من طروحات الارسوزي، خاصة الفلسفية منها، فالملاحظ على نص الارسوزي خلوه من ذكر المدارس الشكية والسفسطائية وكأنه ينأى بنفسه عن كل ما هو نسبي وتاريخي، قد يعرض الفكرة القومية للتسأول والمراجعة النقدية. والملاحظ أيضا أن منهج الارسوزي كان هو الاقرب لمناهج الفلسفة في مؤسساتنا الجامعية، فهي الاخرى لا تزال محكومة بالفلسفة الرحمانية والرؤية القومية في كتابة وتدريس الخطاب الفلسفي. اما مؤلفات الوردي فنراها زاخرة باستحضار الخطاب السفسطائي والشكي والنسبي والتاريخي كبديل للخطاب الارسطوافلاطوني السكوني والأيديولوجي. إن الفلسفة السفسطائية تحولت على يد الوردي إلى فلسفة نقدية لتاريخ غموض اللغة واستعمالاتها الخاطئة وزوائدها الفائضة عن المعنى والتداول، فصارت البلاغة مع الوردي خطاب تواصلي واتصالي يشكل الوجود اليومي بعلاماته ورموزه الاتصالية، مبتعدة بذلك عن هيمنة النسق الميتافيزيقي للمعاني القبلية السابقة على اللغة، فلم تعد ماهية اللغة العربية تكمن في لسانها، وانما وجود اللسان يكمن في استعمالاته اللغوية كخطاب تداولي كما تكمن ماهية الدازاين في وجوده على حد تعبير هيدجر، ولم تعد الكلمات مع الوردي مجرد حدوس شعاراتية، بل أخذت أشكال ممارسات قيمية واخلاقية تمثل حقيقة الفعل الإنساني ضمن نسقه الثقافي. ان خلاصة القول في تلك المقاربة، ان فكر الارسوزي جاء فكر متضخم بميتافور الحدوس القومية، بينما كان فكر الوردي ممتلئ بنقد الآثار الميتافورية بدأ من الأفلاطونية وانتهاء بنقد الحياة اليومية.

الوردي: بين جدل الفكر القومي والفكر الاستشراقي

مما سبق يتضح كيف أن الفكرة القومية ومنذ البدء تحاول أن تتأسس على انساق شمولية وميتافيزيقية متمثلة بالفكرة الإسلامية وانبعاثها في التاريخ، وهذا معروف في الكتابات القومية التي تسعى جاهدة إلى الهيمنة بمفاهيمها الكلية والهوياتية والشمولية أيضا على حركة التاريخ والمجتمع الانساني، فجميع تلك المفاهيم تحتكر تفسير الحقائق والوقائع بالمنطق الافلاطوني المتعالي دوما عن النقد والصيرورة والتبدلات التاريخية. فأين هي تلك العلاقة الفصامية بين القومية والدين التي حدثنا عنها الباحث الروائي صاحب منهج الهوية العراقية الموحدة؟ ثم الا نلحظ أن هناك مجموعة من التناقضات بين طبيعة الحداثة ذات النشأة الأوروبية المابعد المرحلة القرووسطوية وبين طبيعة الفكرة القومية التي لم تتخلص بعد من هيمنة النماذج القرووسطوية والميتافيزيقية التي لا تترك فسحة تاريخية واحدة لولادة العقلانية النقدية والذات الحقوقية والمدنية التي تحكمها القوانين الطبيعية والمدنية كما جاء عند جان جاك روسو وجون لوك...الخ؟ وبعد كل ذلك ما هي علاقة الوردي بالمشاريع القوموية والماركسوية؟ وهل يمكننا أن نقارن بين المشروع الثقافي للوردي وبين تلك المشاريع البيداغوجية التوجه والباثولوجية الممارسة؟ وهل علينا أن نعد كل من يشتغل على إعادة قراءة موروثه الثقافي والاجتماعي بطريقة نقدية، ماركسيا أو قوميا أو حداثويا بالضرورة...الخ؟ ثم أن تأكيد الباحث على مسألة نسخ الوردي للنموذج الاستشراقي الحداثوي الذي ينظر للثقافة العربية والإسلامية من خلال المقولات اللاتاريخية كالتخلف والبداوة والتعصب الديني وما شابه، يدعونا بعد كل ذلك إلى التسأول عن مدى صحة أن الوردي قد تعامل بالفعل مع ثقافته العراقية بالروح الاستشراقية الأجنبية والعنصرية، فهل كان المستشرقون مثلا يجالسون المجتمع ويعيشون مع كافة طبقاته، لاسيما الدنيا منها كالساقطين والغوغائيين الذين يعتبرهم الوردي الأساس الجينالوجي لولادة علم الاجتماع؟ وإذا كان الوردي قد نسخ النموذج الاستشراقي على الثقافة العراقية، لماذا بدت كتاباته خالية من الغموض الاستشراقي والمفاهيم النظرية المجردة واللغة التقنية العالية الدقة والتعقيد الاصطلاحي، ناهيك عن التوجهات الأيديولوجية الاخرى؟ فالوردي هنا ليس كالمفكر محمد عابد الجابري الذي عمل على إقصاء الفلسفات الغنوصية والعرفانية كما تمثلت عند ابن سينا وبعض فرق الشيعة، على اعتبار ان جميع تلك الفلسفات لا يمكن أن تنطبق عليها مفاهيم العقلانية الرشدية التي تميزت بها الفلسفة المغربية بعكس الفلسفة المشرقية حسب رؤية الجابري. فهنا يمكن أن تلمح موقف استشراقي صارخ وواضح، لكن لا يمكننا أن نجد مثل تلك الرؤية الضيقة عند الوردي الذي لم ينغلق على أيديولوجية معينة ولم ينحاز لمعتقد أو لطائفة معينة، انه كان يميل دوما الى الرؤية الابستمولوجية والاجتماعية المنفتحة على إعادة قراءة إشكاليات الثقافة العراقية، بدأ من الإشكالية السياسية والدينية والانتروبولوجية...الخ، وانتهاء بإشكالية الفرد العراقي والشخصنة العراقية المحكومة بأنساق الثقافات الازدواجية الممتزجة مع تاريخية البداوة جغرافيا وثقافيا. لذلك جاءت لغة الوردي بسيطة ومفرداتها واضحة ومعانيها ميسرة يدركها الجاهل قبل المتعلم، فصار الجميع يقتني مؤلفاته من العامل إلى العالم، ليس لأنه حكواتي جيد أو "امسولفجي" على الطريقة العراقية، بل لأنه كان يحاول أن يجعل المفاهيم في خدمة الطبقات المحرومة والمسحوقة من قبل الأنظمة الثقافية والسياسية النخبوية. وبالطبع مثل ذلك الفعل كان غريب على ثقافتنا العراقية التي اعتادت على تمجيد التعقيد والإطناب البلاغي الذي لا يجيدهما الا المتحذلقون للسلطة والأيديولوجية المسيطرة. فهل كانت لغة الاستشراق تكتب بتلك الطريقة؟ ومنذ متى كان النموذج الاستشراقي يبحث في القضايا الجزئية الغير مصرح بها في بنية المجتمع العراقي خاصة في ازقته واسواقه ومقاهيه وحاراته الصاخبة بالعراك وسيطرة النزعة الشقاواتية بين محلة واخرى؟ وهل كان النموذج الاستشراقي الذي نسخه الوردي على الثقافة العراقية، نموذجا يهتم بالجماعات البسيطة والمهملة ذات الثقافات المنسية وبالحياة اليومية المعدمة، ام أنه كان يحاول أن يخترع ويبتكر نموذج الشرق وفقا لنظامه المفاهيمي والسردي والمتخيل المحكوم بالهيمنة الكولينيالية على حد تعبير ادوارد سعيد؟ وهل اشتغل الاستشراق الغربي على وصف المؤسسات الصحية المنهارة وثقافات الغذاء المرضية وعادات الاكل والتغوط واللواط...الخ، وهل اشتغل ذلك الخطاب على نقد قمامات الاغذية المخزونة في معدة الذاكرة العراقية، وهل اشتغل على نقد خطاب الجلاوزة السياسي في العراق كما اشتغل عليه الوردي؟ فعن اي نسخ ميتافيزيقي يحدثنا الباحث الروائي؟ وعن اية رؤية استشراقية طبعت كتابات الوردي؟ واذا ما وصف الوردي اهم التشكيلات الثقافية والتاريخية التي شكلت شخصية الفرد العراقي بذلك الطابع الازدواجي الذي يفضح المتناقضات اليومية في طبيعة تلك الشخصية بطريقة ابستمولوجية ونقدية، فعليه لابد أن يكون متأثرا بالنماذج الاستشراقية العنصرية حسب رأي الباحث الروائي، اما اذا تكلم الوردي عن الشخصية العراقية باعتبارها اقنوم ميتافيزيقي مطلق يشتمل على القيم الاصيلة والاخلاق الرصينة والثقافات العريقة، عندئذ سيكون كاتب وطني يمجد هويته العراقية ومتستر على عيوبها وعقدها وامراضها القيمية ومغلف للحقائق وممجد للسلطان الجائر وغاض للنظر عن حياة الناس المعدمين وبالتالي منحسر فقط على اختصاصه الاكاديمي وغير متجاوز على علوم غيره ومقدس للمؤسسة الأكاديمية المؤدلجة ...الخ. هنا فقط سيكون الوردي كاتب بعيد كل البعد عن الاستشراق العنصري والحداثة الغربية.
من هنا يتضح لنا كيف أن طبيعة القراءة التجزيئية والانفصالية للنص الوردي، حاولت تجزئته بطريقة فصامية، الأمر الذي يدعونا إلى أن نتساءل هنا عن السبب في عجز كتابنا وباحثينا الأكاديميين عن إنتاج آليات جديدة لإعادة قراءة النص الوردي؟ ولماذا لا يزالون مصرين على تبعيتهم للمركزية الغربية المتمثلة بسلطة مناهجها ومفاهيمها، لاسيما عندما يتعلق الامر بنقد طروحات الوردي ومناهجه الاجتماعية؟ لدرجة اننا اصبحنا لا نميز طبيعة الاختلافات بين نص وأخر، لانها جميعا تنطلق من رؤى ميكانيكية وبيداغوجية ليست ابستمولوجية أو ادبية أو تحليلية. بل والأكثر من ذلك اننا نجد اغلب الدراسات الاكاديمية التي تنتجها النخب المختصة في تدريس العلوم الاجتماعية من أساتذة وباحثين ومختصين في الشأن الاجتماعي، حافظت على ذلك الإيقاع التقليدي والرتيب في قراءة النص الوردي، فلم تخرج بذلك عن تلمود النقد الارثوذكسي الذي اصبح قدر كوني مكتوب ومقدر على النص الوردي، فجاءت اغلب الدراسات عن العلاّمة مقتصرة على نظرياته في ازدواجية الشخصية وصراع البداوة والحضارة وعلى مناهجه المعتمدة في البحث الاجتماعي وعلاقة النص الوردي بأبن خلدون، اضافة إلى الأسلوب البحثي واللغة الكتابية للعلاّمة، وأبتعاد لغته عن الصرامة والأستذة الاجتماعية، زد على ذلك خلو كتب الوردي من سرطنتها بالجداول الروتينية، إلى جانب أحقية الوردي في ريادة علم الاجتماع...الخ. والغريب في الأمر انه والى يومنا هذا لا زالت هنالك موجة من التهميش الثقافي من قبل الكثير من الكتاب والباحثين حول أهمية قراءة الوردي للنص السفسطائي وعلاقة تلك القراءة بمنظومة العلاّمة المفاهيمية والاجتماعية بل وبجميع طروحاته الثقافية، فهل لان كتابنا لا يزالون يعتقدون بأن السفسطائية هي فلسفة اللغو العقيم والفارغ من اي معنى؟ وما يدهش في ذلك أن أقسام الفلسفة عندنا لا تزال محافظة على البقاء بعيدة ومستقلة عن بيان وتوضيح ما للفلسفة السفسطائية من أهمية نقدية وابستمولوجية في تغيير مسار وتاريخ الفكر الفلسفي من جانب، ومسار الفكر الاجتماعي من جانب آخر كما وضح الوردي تلك الاهمية من قبل في جل مؤلفاته الاجتماعية، فلماذا هذا الصمت الأكاديمي والتهميش الثقافي للفكر السفسطائي؟

الوردي: طبيب أمراض الفلسفة العراقية المزمنة

سترتسم بعض علامات التعجب والدهشة على ملامح من سيقرأ العنوان المقترح أعلاه، وذلك لأننا اعتدنا على قراءة الوردي ضمن نسق معين ضيق وهو حقل العلوم الاجتماعية التي كان العلاّمة مختص به. لكن في الحقيقة، ان ما قدمه الوردي لم يكن مجرد ميراث اجتماعي أو سياسي أو حتى ديني، بل انه أنتج خطاب ثقافي ابستمولوجي يتحرك بمرونة معرفية وهرمونية ثقافية، قلما نجد لها نظير في كتاباتنا الأكاديمية الأخرى. بمعنى أخر، ان الوردي انطلق من اختصاصه الاجتماعي متجها نحو الحقول المعرفية المختلفة سواء أشار إلى ذلك أم لم يشر. واللافت أن العلاّمة كان منهمك في تأسيس خطاب القطائع الابستمولوجية مع كل حقل معرفي يتجه نحوه، سواء كان في العلوم الاجتماعية أو حتى في الفلسفة والعلوم اللغوية. ففي كل حقل معرفي نجده مؤسس لمنطق القطائع الابستمولوجية والتاريخية بين العلوم أولا؛ وبين الموروث الأيديولوجي الثقافي ثانيا؛ وبين السلطة الشمولية ثالثا. فكيف كانت طبيعة العلاقة بين الوردي والفلسفة؟ وهل كان الوردي فعلا طبيب لأمراض الفلسفة المزمنة في تاريخ الفلسفة العراقية؟ وما العلاج الذي سيشخصه لتلك الأمراض؟ ومن أين سيبدأ، هل سينطلق من الفلسفة في ذاتها أم من المنطق الذي يمثل سور الفلسفة الحصين لأولئك المتحزبين والمؤدلِجين لخطابها الأكاديمي؟

في العلاقة الأيديولوجية بين الابستمولوجيا والفلسفة في النص الوردي

دشن الوردي من خلال كتابه (منطق ابن خلدون)، خطاب الفصل بين الموروث الفلسفي والممارسة الأيديولوجية للفلسفة -على الرغم من انه قد تناول تلك القضايا في مؤلفاته السابقة- من خلال النقد الابستمولوجي الذي وجهه العلاّمة لصخرة المنطق الميتافيزيقي والسلطوي في خطاب الفلسفة والثقافة العربية الإسلامية، لاسيما نقده لأهم فلاسفتها ومفكريها في حقول السياسة والفقه والتاريخ والخطاب الإسلامي. وعند تتبعنا لتاريخ العلاقة بين الفلسفة والابستمولوجيا نجد انه تاريخ حافل بالصراع بين كل منهما، فلطالما حاولت الفلسفة ان تتكئ على الابستمولوجيا العلمية لتجعل من نفسها خطاب علمي. بمعنى انه كان هناك وعلى مدار التاريخ جدل محتدم بين المعرفة العلمية التي تحاول ان تتخلص من موروثها الأيديولوجي والاستغلالي والاستعلائي أحيانا، وبين المعرفة الفلسفية التي تتحرك على ضوء ذلك الموروث الأيديولوجي(6).
من هنا تتضح أعراض احد أهم الأمراض المزمنة في حقل العلوم الاجتماعية والفلسفية العراقية التي شخصها الوردي. فلا يمكن لأي من هذين الخطابين أن يشتغل في حقله المعرفي، بمعزل عن "التشكيلات الأيديولوجية" السابقة على الممارسة العلمية والرؤية النقدية أو المنهجية. الأمر الذي أدى إلى الاستمرار في إنتاج صور جديدة من أشكال الهيمنة في مجال الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وهذه الصور بدورها شكلت ما يمكننا ان نطلق عليه "بالعوائق المعرفية" التي تحول دون تطور العلوم وفلسفات العلوم، كما هو الحال في طبيعة الصراعات التي واجهها العلاّمة في مختلف الحقول العلمية، لأنه حاول ان يساءل تلك التشكيلات الأيديولوجية المعشعشة في أحضان معارفنا الأكاديمية، مما أثار ذلك حفيظة مهنّي التجرد والادلجة على حد تعبير مكسيم رودنسون، الذين وجدوا في ذلك النموذج الابستمولوجي الجديد ما يهدد نماذجهم القديمة ليس في مجال العلوم الاجتماعية فحسب بل في كافة الاختصاصات العلمية الأخرى سواء كان في اللغة العربية والتاريخ الإسلامي وعلوم الأديان والعلوم النفسية، تلك العلوم التي كانت إبان فترة الوردي أشبه بالهياكل الأيديولوجية التي كانت تعيد إنتاج التصورات الذهنية بطريقة مسستمة لخدمة الأنظمة الشمولية في كل عصر وزمان. وقد أشار التوسير بطريقة بارعة وذكية إلى طبيعة تلك الصراعات لاسيما في مجال الفلسفة في مقاله المعنون (تاريخ الفلسفة وتاريخ العلوم) :((ان ما يميز تاريخ الفلسفة ويجعله فريدا من نوعه هو ان كل فلسفة جديدة عندما "تطغى" على الفلسفة العتيقة لتحتل مركز"السيادة " خلال صراع طويل شديد، لا تقضي على هاته الفلسفة العتيقة التي تستمر في الوجود دون ان تبرز وتعيش الى ما لانهاية له.وهي غالبا ما تناط بدور ثانوي، ولكن الملابسات قد تدعوها لتتبوأ مركز الصدارة في بعض الأحيان. وإذا كان الأمر كذلك، فذلك لان تاريخ الفلسفة "ينهج" نهجا مخالفا لتاريخ العلوم، فنحن نلحظ دوما في تاريخ العلوم عملية مزدوجة: نبذا للأخطاء "التي تختفي كلية" وتقييدا للمعارف والعناصر النظرية السابقة في سياق المعارف الجديدة المكتسبة والنظريات المنشأة. ومجمل القول فإننا نلاحظ "جدلا" مزدوجا: تنحية كلية "للأخطاء" وإدماجها للنتائج السابقة التي تظل صالحة ولكنها تعرف تعديلا داخل النسق النظري للمكتسبات الجديدة.أما تاريخ الفلسفة فينهج نهجا مغايرا: انه يتم عن طريق الصراع من اجل سيادة أشكال فلسفية جديدة على الأشكال القديمة التي كانت سائدة فيما قبل. ان تاريخ الفلسفة هو صراع بين نزعات تتجسد في تشكيلات فلسفية، وان ذلك الصراع يكون دوما من اجل السيادة، والمفارقة القائمة هنا هو ان هذا الصراع لا يتمكن الا من إحلال سيادة مكان أخرى. ولا يستطيع القضاء النهائي على تشكيلة سابقة "كما لو كانت تشكيلة خاطئة. وذلك لأنه لا وجود لأخطاء في الفلسفة بالمعنى الذي نستخدم فيه هذا اللفظ فيما يتعلق بالعلوم" اي على الخصم، فالخصم هنا لايقهر قهرا نهائيا ولا يقضي عليه قضاء مبرما، ولا يمحى من الوجود التاريخي، انه يكون فحسب خاضعا للسيطرة، وهو يظل تحت سيادة التشكيلة الفلسفية الجديدة التي خلعته من منصبه بعد معركة طويلة. انه يستمر في الوجود كتشكيلة فلسفية مقهورة. ولكنها تشكيلة قادرة، بالطبع على ان تنهض من جديد بمجرد ما تتيح لها الظروف الفرصة وتعطيها إشارة النهوض))(7).
وصف النص أعلاه وبشكل دقيق ما يحصل ليس في حقل الفكر الفلسفي فحسب بل في كافة دوائر العلوم الإنسانية في المؤسسة الأكاديمية العراقية، لكنه اقترب في وصفه الى الفلسفة لانه تناول إشكالية خطيرة تمتد في جذورها إلى أقصى دهاليز الحقل الفلسفي الذي لا يزال يجري التحكم به عن بُعد وذلك بواسطة البردايمات الفلسفية المقهورة والمعزولة عن مناصبها ووظائفها. والانكى من كل ذلك اننا نجد أصحاب التشكيلات الفلسفية المؤدلجة هم الذين يرسمون سير العملية الفلسفية، بل هم من يدعمون براعمهم الأيديولوجية الصغيرة، تلك البراعم التي كبرت وآن لها ان تعيد سلطة الاباء الأولين الذين وضعوا خارطة الطريق للفلسفة الموصِلة دوما الى تشكيلاتهم الأيديولوجية وفلسفاتهم الشمولية.
من هنا نرى كيف ان استعمال فلسفات العلوم وتوظيف مفاهيم الابستمولوجيا يوصلنا إلى نتائج موضوعية في قراءة النص الفلسفي، وينسحب ذلك على نص العلاّمة الذي لطالما حاول ان يُخلص العلوم الاجتماعية من النزعة الاعتباطية والرؤية الأيديولوجية الضيقة التي هي تمثل مجموعة من العوائق المعرفية تَحول دون تطور العلوم الإنسانية لتغدو ممارسة علمية. ذلك يعني ان مشروع الوردي كان بمثابة خطوة نحو إعادة بناء منظومة العلوم الإنسانية آنذاك، وهنا تكمن الفرادة الابستمولوجية لظهور المشروع الثقافي الوردي وسط ركام الخطابات المعرفية المؤدلجة، حيث: ((تتناسب الأفعال الابستمولوجية مع هزات متقطعة من العبقرية العلمية تعطي دفعات غير متوقعة لمجرى التطور العلمي))(8).
ينطلق الوردي من نقد منظومة النماذج الفلسفية والمنطقية في الفلسفة اليونانية التي كانت مهيمنة على مدار تاريخ تطور الفكر الفلسفي الإسلامي، وتركت ظلالها على تطور العلوم الاجتماعية بالضرورة. فسعى جاهدا الى تقويض جميع الفلسفات الأفلاطونية والأرسطية التي يعتبرها جزء لا ينفصل عن التشكيلات الأيديولوجية السابقة على ولادة تشكيل الخطاب الابستمولوجي للعلوم الإنسانية. لذا كان العلاّمة يُعلي من شأن الفلسفات النسبية التي تقف على طرفي نقيض من المنطق الأرسطي العقلاني والفلسفة الأفلاطونية المثالية، وربما اهم تلك الفلسفات هي الفلسفات الشكية والسوفسطائية النسبية والفلسفات الايدونية التي تدعو جميعها إلى النسبية الأخلاقية كبديل عن الأخلاق الميتافيزيقية المنفصلة عن النسبية التاريخية. فعمليات تهميش وتسييس تلك الفلسفات التاريخية مثلت جينالوجيا ظهور أمراض الفلسفة العراقية: ((ان المجتمع عبارة عن منظومة متفاعلة من العلاقات والمصالح، وهو في صيرورة دائمة وتغير مستمر. وهو اذن لا ينطبق عليه ما يؤمن به المنطق القديم من حقيقة مطلقة لا تتغير. يقول الأستاذ شيلر في وصف ذلك المنطق: ان الحقيقة في ضوء هذا المنطق واحدة، والآراء إذن يجب ان تكون فيها متفقة. فأنت أما ان تكون مع تلك الحقيقة او ضدها. فإذا كنت ضدها فأنت هالك. اما اذا كنت مع الحقيقة فليس لأحد ان يجرأ على مناقضتك او الاعتراض عليك. انك محق اذا غضبت على اولئك الذين يجادلونك في الحقيقة. الحقيقة حقيقتك، او هي بالأحرى انت اذا جرّدت نفسك من مشاعرك البشرية. ان هذا هو الذي جعل اصحاب المنطق القديم لا يرضون عن راي غير رأيهم، ويغضبون من الاعتراض عليهم، فالحقيقة قد تمثلت في أذهانهم كاملة، وهي اذن ملكهم لا يجوز ان ينازعهم فيها احد. انهم لا يعترفون بأن لغيرهم الحق في امتلاك الحقيقة مثلهم. انهم يتصورون ان الحقيقة ما دامت مطلقة فلابد ان تكون في جانب واحد، هو جانبهم طبعا، اما غيرهم فلابد ان يكون مبطلا كل البطلان. يذهب بعض علماء الاجتماع الى القول بأن المنطق القديم انما كان على هذا النمط من التفكير لانه نشأ في بادئ امره على يد فلاسفة الاغريق وطبع بطابعهم، فهولاء الفلاسفة كانوا في الغالب من طبقة الاسياد اصحاب العبيد. ويصدق هذا بوجه خاص على افلاطون وتلميذه ارسطو الذي تم على يده وضع المنطق. فكانو اذن أناسا لا يفهمون وقائع الدنيا كما يفهمها العبيد والعمال واصحاب المهن المختلفة. انهم لم يعانوا من مشاكل الحياة ما يجعلهم يفكرون فيها تفكيرا واقعيا. فهم اذا احتاجوا الى شئ امروا عبيدهم بصنعه او احضاره، فلا يعرفون ماذا عانى العبيد في ذلك وكيف عملوا. انهم يجدون الشئ في النهاية كاملا بين ايديهم، وربما غضبوا اذا رأوه على غير الصورة الكاملة التي تصوّروها. وهذا مما جعل تفكيرهم محصورا في الامور كما هي في نهايتها الثابتة. ومن هنا رأينا الحقيقة عندهم لها كيانها القائم بذاته، فهي منفصلة عن شبكة الحياة ومن الممكن حصر النظر فيها دون اهتمام بما حولها من علاقات وعوامل مترابطة. لقد كان فلاسفة الاغريق يعيشون في معزل عن الحياة، يحيط بهم تلاميذهم يحاورونهم في الحقائق المطلقة، اما حقائق الحياة الواقعية فكانوا يستنكفون عن النظر فيها اذ هي في رأيهم تحط من منزلتهم العالية. انها من شأن العبيد والعمال الكادحين. اما الفلاسفة فيجب ان يرتفعوا بتفكيرهم عن مستوى تلك "الطبقة المحتقرة"))(9).
ان النص الوردي السابق يطرح العديد من الاشكاليات، ربما أهمها صعود المركزية الذهنية الشمولية التي هي وريثة المركزية المنطقية الارسطوافلاطونية، حيث نلحظ ان الخطاب الفلسفي العراقي ومنذ إرهاصاته الأولى بقي منشغلا بالطروحات المنطقية والرياضية الى جانب الطروحات الميتافيزيقية، تلك التي أفرزت مرحلة أستذة بيروقراطية لم تأخذ على عاتقها مَهمة اعادة النظر في الموروث الفلسفي المنحدر إلينا عن الفكر الأوروبي، اي انها عزلت الفلسفة بطريقة ما او بأخرى داخل قضبان المؤسسة الأكاديمية المنصاعة الى أوامر المؤسسة السياسية آنذاك وحتى يومنا هذا. أدى ذلك إلى خلق فجوات ومسافات ضوئية بين النص الفلسفي والواقع الخارجي والثقافة التاريخية التي تحكم العملية الفلسفية، لذا بقي النص الفلسفي في الثقافة العراقية مهموم بإشكاليات فلسفية ونظريات ميتافيزيقية هي في النهاية سليلة ثقافة غربية وإشكاليات أجنبية، لا تمثل جوهر اشكالياته التاريخية.
من هنا جاء افتقارنا الى خطابات فلسفية إشكالية تتعامل مع جميع الفلسفات الغربية بعين الواقع الراهن الممتلئ بالمآسي اليومية كالخطاب الثقافي الذي عمل الوردي على التأسيس له في اغلب مؤلفاته الفكرية والاجتماعية، والذي لامس عن طريقه الجرح الفلسفي الذي لا زال ينزف بأمراضه المزمنة، لاسيما تشخّيصه لأهم مشكلة واجهتها الفلسفة العراقية والتي لا تزال قائمة الى يومنا هذا، عندما أشار إلى ان الإشكالية تتجاوز الإيمان بالمنطق الأرسطي بكثير، لان الامر في الحقيقة يتعلق في تشكيل طبقات ثقافية نخبوية ليست لها علاقة بالخارج الثقافي بكافة ترسباته الأيديولوجية وممارساته اللغوية وحياته اليومية. بمعنى ان اللوغوس الأرسطي تحول الى لوغوس شمولي وسلطوي، يخدم الطبقات المسيطرة المهيمنة على المؤسسة الأكاديمية والمؤسسة الثقافية على حد سواء، فترى تلك الطبقات اشد عداوة واحتقارا لكل ما هو جديد ونقدي قد يقوض سلطتهم الذهنية التي هي في النهاية سلطة منطقية او سلطة فلسفية مؤدلجة لا تخدم الا مصالحها الخاصة ومصالح من ينتسب إلى طبقتها المباركة. فعندما وصف الوردي تلك المرحلة الفلسفية المتسمة بسيطرة النموذج الارسطوطاليسي كبردايم فلسفي مطلق، لم يكن يعني بذلك الإشارة الى إشكالية فلسفية فحسب، بل أراد أن يعري تلك الأنظمة والسساتيم التي تعمل مع السلطة على طرح نموذج ثقافي مطلق تخضع له كل أشكال الممارسات المعرفية الأخرى، وكأن العلاّمة هنا يشير الى خطاب مؤسساتنا الأكاديمية عامة والفلسفية خاصة التي لطالما عملت على سيطرة نموذج معرفي واحدي ومطلق من اجل إقصاء ومصادرة كل رأي نقدي او ثقافة ابستمولوجية راديكالية تهدف إلى إحداث قطيعة ابستمولوجية مع الموروث الأكاديمي المؤدلَج.

في القطيعة الابستمولوجية للخطاب السوفسطائي مع التشكيلة الفلسفية الارسطوافلاطونية

بحث العلاّمة في المرحلة الفلسفية للمدرسة السوفسطائية بوصفها واحدة من المدارس الفلسفية التي عملت على تدشين خطاب فلسفي مغاير للخطاب الفلسفي الشمولي المتمثل بالسلطة الميتافيزيقية الارسطوافلاطونية. فمع تلك المدارس، تَشكل خطاب فلسفي جديد مجرد عن الممارسات الذهنية المتعالية او القبلية، وخال من المفردات الميتافيزيقية كالجوهر؛الهيولى؛ العقل الفعال؛ مشكلة النفس والجسد ومشكلة وجود الله ...الخ. وذلك يعود الى انشغال تلك المدارس بكل ما أهملته وغلّفته ونسته الفلسفة الارسطوافلاطونية، خاصة مسألة النسبية التاريخية في السياقات الثقافية والأخلاقية. لذا فمع تلك المدارس دُشِن خطاب قيمي نسبي يبدأ من الإنسان وينتهي به.
مثلت تلك الطروحات ثورة معرفية في تاريخ الفلسفة عامة والفلسفة العراقية، سيما وأنها تتعارض مع خطاب السلطة الشمولية والمؤسسة الأكاديمية الذي لا يعترف بكل ما هو نسبي تاريخي؛ متغير متحول، لان ذلك يخالف بالضرورة أيديولوجيتها الميتافيزيقية في التدريس والتدليس للسلطة. ومن اللافت انه من الصعوبة بمكان ان تجد رسائل جامعية في أقسام الفلسفة قد تناولت المدارس السوفسطائية والابيقورية والشكية والايدونية، فهذا تقليد استمر في الفلسفة منذ تأسيسها والى يومنا هذا، أصدفة حصل تهميش تلك المدارس الفلسفية؟ ام ان ذلك جزء من لعبة سياسية وأكاديمية؟ خاصة وان السياسة تخشى التغيير بل تعمل دوما على محاربة كل فكر يبشر بذلك، وإلا فبماذا نفسر محاربة ومطاردة فكر الوردي إبان سيطرة النظام الشمولي؟ ومن المفارقات الفلسفية عندنا ان تلك المدارس النسبية وحتى الفلسفات الوضعية والمادية والماركسية لم تلقى العناية والاهتمام الكافي من قبل بعض أساتذة الفلسفة، فعندما كانوا يدرسونا تاريخ الفلسفة اليونانية تجدهم يصبون جُلّ اهتمامهم وتركيزهم على الفلسفات الشمولية كالأفلاطونية والأرسطية والسقراطية، فتحول ذلك الاسلوب البيداغوجي في تدريس الفلسفة إلى مناهج في البحث والكتابة لاغلب الرسائل الجامعية التي لازالت تتحرك بنموذج المنطق الارسطي باختلاف المواضيع الفلسفية والمدارس الفلسفية التي تتناولها، فنلحظ حرص طلاب االفلسفة اليوم على التخصص في فلسفات مابعد الحداثة ومابعد التفكيكية، ونراهم اقرب الى الشخصيات الغربية التي تحولت إلى موضة في أقسام الفلسفة عندنا مثل "هوليودية" ميشيل فوكو؛ و"نجومية" دولوز؛ و"استعراضية" الانظمة المعلوماتية وفلسفات موت الإنسان، ناهيك عن "اهازيج" المجتمع المدني والفلسفة...الخ، وابعد عن اشكالياتهم الثقافية ومصائبهم المنهجية وخرائبهم الذهنية، حيث تبدأ اغلب الرسائل الجامعية بما هو مؤكد سلفا وليس إشكالي راهن، وبالتالي تنتفي الرؤية التاريخية والنقدية لممارسة الفلسفة.
بعد كل ذلك، علينا ان لا نصاب بالدهشة والسكتة الثقافية عندما نرى ان الذي شخّص لنا تاريخ أمراض الفلسفة المزمنة هو عالم اجتماع وليس جزء من المؤسسة الفلسفية او من تشكيلاتها الأيديولوجية. فأي درس فلسفي كبير ذلك الذي نستخلصه من كتب ورؤية الوردي للفكر والفلسفة والثقافة، حينما جعل من السوفسطائية المرحلة الثانية التي تلي الارسطية لأنه يرى فيها الفلسفة المقبلة التي هي مقدمة لكل فلسفة ممكنة في نقد الأنظمة القبلية السابقة على كل الفلسفات التاريخية، وهي الفلسفة الأقرب الى عَصَب انطولوجيا الوجود اليومي وإشكاليات الحياة اليومية، يقول الوردي واصفا تلك الفلسفات: ((لقد ظهر تجاه هؤلاء الفلاسفة مفكرون آخرون كانوا اقرب الى منطق الحياة الواقعية منهم، وهم الذين اشتهروا في تاريخ الفلسفة باسم السفسطائيين، فكان من رأيهم ان ليس في الدنيا حقائق مطلقة، انما هي حقائق نسبية، فما يراه بعض الناس حقا قد يراه البعض الاخر باطلا، والإنسان اذن هو مقياس الحقيقة في نظرهم. لقد كان المتوقع ان يتطور الفكر الاجتماعي على يد هؤلاء الى غير ما تطور إليه على يد الفلاسفة، ولكنهم مع الاسف اخفقوا في معركتهم، وانتصر الفلاسفة عليهم انتصارا ساحقا حتى اصبح اسم السفسطة في النهاية لقبا يراد به الذم ويقصد به المغالطة والتفكير الملتوي. يبدوان الفلاسفة تمكنوا من هذا الانتصار الساحق على السفسطة لانهم كانوا سادة من اصحاب النفوذ والمنزلة العالية في المجتمع، بينما كان السفسطائيون معلمين غرباء يحصلون على قوتهم عن طريق التعليم. وظل النصر في يد الفلسفة على توالي القرون التالية، اذ هي بقيت من اختصاص الاسياد من الناس في الامم المختلفة، وكأنها اصبحت ترفا فكريا لا يليق بغير الاسياد ان يشتغلوا به، فاذا اتيح لانسان من سواد الناس ان يدرس الفلسفة فهو لابد ان ينظر فيها بمنظار الاسياد، لاسيما وهو مضطر ان يعيش في كنفهم ويأكل من فضلات موائدهم. ان هذا كان من الاسباب التي جعلت التفكير الاجتماعي الواقعي نادرا في تراث الفلسفة القديمة. فقد كانت الفلسفة القديمة مشغولة عنه بما وراء المجتمع والحياة من افكار مطلقة. واذا تنازل احد الفلاسفة فنظر في امور المجتمع، اخذ ينحو في ذلك منحى طوبائيا وعظيا، اي انه ينظر في "ما يجب ان يكون" لا في "ما هو كائن فعلا"، كما فعل افلاطون في جمهوريته، اوالفارابي في مدينته الفاضلة))(10).
يتضح من قراءة النص أعلاه، كم كان العلاّمة مهموم في إشكاليات الحياة العامة للناس البسطاء الذين يصفهم بما هو كائن وليس بما ينبغي ان يكون على طريقة الفلاسفة المترفعة عن ملامسة المعاناة اليومية التي لا تعنيهم بشيء. واللافت في نص الوردي استعماله لمفردة "فلاسفة" مع أفلاطون وأرسطو ومفردة "مفكرون" مع المدرسة السوفسطائية، على الرغم من ان كتب تاريخ الفلسفة تصفهم كمدرسة فلسفية في تاريخ الفلسفة اليونانية، فلماذا لجأ إلى ذلك الاستعمال دون غيره؟ هل كان ينوي تبديل الفكر الميتافيزيقي بالفكر البراكسيسي على طريقة الفيلسوف غرامشي؟
كانت للوردي مواقف لم تخل من الدهشة المعرفية وصفت لنا طبيعة تفكير أبناء عصره آنذاك، وكيف كانوا يقدسون المنطق الصوري والسكوني والشمولي الذي يرفع من شان الردود المنطقية والخصومات الكلامية المجردة...الخ. فهؤلاء الذين كانوا يمثلون ثقافة العراق، لم يعيروا ادنى اهتمام بإشكاليات الناس وحياتهم المريرة ووجودهم المسحوق تحت أقدام الأنظمة الشمولية، بقدر انشغالهم في الرد على كتب العلاّمة. في احد تلك المواقف، يكتب الوردي في رده على احد نقاده الذي وصمه بالانتماء إلى المدرسة السوفسطائية، على اعتبار ان السوفسطائية شيء معيب بالنسبة للكاتب والمثقف والأكاديمي المتزن: ((كتب الأستاذ مرتضى العسكري كتابا اسماه "مع الدكتور علي الوردي" حاول فيه ان يفند ما جاء في كتاب "وعاظ السلاطين" وكتاب "خوارق اللاشعور" الذي صدر قبله. وقد امتاز هذا الكاتب عن غيره من الناقدين باهتمامه بالناحية المنطقية، حيث اخذ يدافع بحرارة عن منطق ارسطوطاليس ويهاجم منطق السفسطة بلا هوادة. واتهمني الاستاذ العسكري بأني اميل الى السفسطة وادعوا لها وأدافع عنها. ولعله ظن اني سأمتعض من هذه التهمة او احاول ان ابرئ نفسي منها. وما دري اني افتخر ان اكون "سوفسطائيا" وعندي ان هذه السفسطة خير من هذه الخزعبلات المنطقية التي يتمشدق بها اصحاب المنطق القديم. من محاسن السفسطة انها غير متأفقة. فهي تؤمن بالحقيقة النسبية قولا وفعلا. اما اصحاب المنطق القديم فهم يؤمنون بالحقيقة المطلقة نظريا ويخالفوها عمليا، ...،فكل فريق منهم يدافع عن الحقيقة التي يشتهيها ثم يدعي بعد ذلك انه من طلاب الحقيقة الخالدة التي تصلح في كل زمان ومكان))(11).
ويتابع الوردي شرح الانجازات الثقافية التي حققتها السوفسطائية قائلا: ((ومن المبادئ السوفسطائية المعروفة قولهم: "الانسان مقياس كل شئ". واستطاع السوفسطائيون بهذا المبدأ ان يخدموا الفكر البشري خدمة كبرى. يقول البروفسور زيلر: ان الخدمة الدائمة التي قدمها السوفسطائيون للفلسفة هي انهم وجهوا الانظار نحو دراسة الانسان ووضعوا الاساس للتربية النظامية. وذهب السوفسطائيون الى ان الحقيقة هي تناقض ونزاع. فكل انسان يرى الحقيقة حسبما تقتضيه مصالحه وشهواته، وبتنازع هذه الحقائق الفردية تنبعث الحقيقة الوسطى التي تنفع النوع الانساني بوجه عام. ولو ان القدماء فهموا هذه النظرية السوفسطائية حق فهمها واعطوها ما تستحق من عناية لاختفى جزء كبير من الظلم الذي كان يعج به التاريخ القديم. والملاحظ ان طغاة الزمان القديم كانوا أُولي عقلية افلاطونية من حيث لا يشعرون او يشعرون. فقد كانوا يقيسون العدل بمقياس ما يشتهون ثم يظنون ان مقياسهم هذا خالد مطلق لا يتجادل فيه اثنان. وبهذا وجدناهم يظلمون الناس من حيث يظنون انهم عادلون، فاذا اعترض عليهم احد صاحوا "يا جلاد خذ عنق هذا الزنديق" وعند هذا يذهب الزنديق الى جهنم لعنة الله عليه))(12).
من هنا يتضح ان الوردي حاول وضع أسس أولية لفلسفة عراقية مقترحة تكون بديلا لجميع التشكيلات الفلسفية ذات الإرث الشمولي والأيديولوجي، حيث يبدو جليا انه عمل على إبراز تلك العلاقة الخطيرة بين الفلسفة الأفلاطونية وصناعة الطغاة في التاريخ. فهل كانت مصادفة تاريخية إذن تلك التي جعلت شيخ الأساتذة في قسم الفلسفة وهو من الرعيل الأول الذي عمل على تأسيس الأكاديمية الفلسفية العراقية، ان يختار موضوع أطروحته الجامعية "الفلسفة الأفلاطونية عند مفكري الإسلام" لنيل درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة كامبردج، لاسيما وان ذلك الأستاذ، وهو سليل احد التشكيلات الشمولية والعشائرية الممتدة إلى نفس أصول النظام الشمولي الحاكم آنذاك، كان يمثل مؤسسة من الرعب القائمة بذاتها، فما ان يحضر الى قسم الفلسفة حتى تنقطع أنفاسنا ونتلو الشهادتين على أرواحنا وعقولنا. ترى أي دافع شعوري او لاشعوري ذلك الذي دفع ذلك الأستاذ الممتلئ بالفكر الشمولي والأصول الاستبدادية نحو اختيار الفلسفة الأفلاطونية؟ ولماذا لم يختص في الفلسفات النسبية كالسوفسطائية والابيقورية وما شابه؟ ولماذا لا نجد له أبحاث ودراسات تتناول تلك المدارس الفلسفية؟ والغريب ان ذلك الأستاذ كان لا يتعب من ترديد تلك المقولة على اسماعنا مع بداية كل درس من دروس "جدول الصَلب الفلسفي" ومفادها: "تذكروا ان الفلسفة هي أفلاطون وان أفلاطون هو الفلسفة وان جميع الفلسفات الأخرى ما هي إلا شذرات صغيرة خرجت من جبة أفلاطون". على شاكلة تلك الطريقة الاستبدادية كنا نتعلم حب الحكمة، فأي حكمة تلك التي نتعلمها من أمثال أولئك الشموليين، الذين كانوا يسحقوننا بتاريخ الفلسفة ويقصوننا في كل لحظة بتاريخهم السياسي القابض على انفاسنا؟
كانت جميع مؤلفات الوردي لا تخلو من ذكر جميع الفلسفات النسبية وعلى رأسها الفلسفة السوفسطائية التي تقف على طرفي نقيض من الفلسفة الأفلاطونية التي أسست جميع المركزيات الذهنية. لقد كان الوردي بذلك السبّاق في تشخيص ألامراض العضال المزمنة للفلسفة العراقية، التي ابتليت بها كما ابتلي الوردي من قبل بأولئك الذين يقدسون المنطق السلطوي الارسطوافلاطوني. لذلك نراه كان لا يكل ولا يمل عن تكرار أهمية دور السوفسطائية في الفلسفة والفكر الاجتماعي، بوصفها علاج لتاريخ الثبات الدوغمائي ألقيمي والاجتماعي والمنطقي والفلسفي، فبهذا العلاج يتحرر الناس من أغلال العبودية الشمولية التي يبدأ من نقد الأنساق الميتافيزيقية لينتهي بنقد الأنساق السلطوية.
لقد كان الوردي واعيا بمخاطر تلك التشكيلات الأيديولوجية المتشكلة في الخطاب الفلسفي وخطاب العلوم الإنسانية، محذرا ومذكرا بأهمية جعل النسبية التاريخية المتمثلة في المنهج السوفسطائي السبيل الأمثل لبث أفكاره ومخاوفه من سيطرة النظم الشمولية في المؤسسات الأكاديمية والحياة الثقافية. لذا نراه كان حريص كل الحرص على ملاحظة ونقد ظواهر الأستذة النخبوية التي تبشر بالمرحلة الشمولية، وقد شخص صفات ذلك التحول حينما قال: ((حول أفلاطون البحث النظري من الشارع الى "الأكاديمية" وبهذا عزله عن الحياة الاجتماعية وجعله مغرورا يتعالى على الناس. واصبح طلاب العلم شامخين بأنوفهم يظنون ان العلم يجب ان يسموا عن دراسة الهموم التي تشغل بال الجمهور. وإذا نزل المفكر نحو مستوى العامة احتقروه وعدوه مشعوذا. واخذ طلاب العلم "الأكاديميون" يبتكرون المصطلحات الرنانة التي لا صلة لها بالحياة العملية كالهيولى والكلي والميتافيزيقيا وما اشبه. ففغر العامة افواههم اعجابا بها وظنوا انهم رموز كبرى تكمن فيها اسرار الكون. وجاء المترفون وشجعوا مثل هذه الحذلقة الفارغة، حيث وجدوا فيها وسيلة لإلهاء عقول الناس عن البحث فيما هم من بلايا وارزاء. وكلما ازداد المفكر حذلقة ازداد المترفون له تقديرا وإكبارا. ولا يزال العامة عندنا متأثرين بهذا الاتجاه الافلاطوني. فإذا سمعوا كلاما غامضا مملوءاً بالمصطلحات التي لا يفهمونها اعتبروه من آيات البلاغة والفلسفة العالمية. رأيت ذات يوم رجلا من العامة يستمع الى خطيب وهو معجب به اشد الاعجاب. فسألته: "ماذا فهمت"؟ أجابني وهو حانق: "وهل استطيع ان افهم ما يقوله هذا العالم العظيم!". يظن هذا المسكين ان من شروط العظمة في المفكر ان يكون غامضا غير مفهوم، فإذا اتضح كلامه وادرك المستمعون معناه بسهولة، انحط من مكانته العالية التي كان فيها. كان السوفسطائيون فقراء يحترفون التعليم لكل من يدفع لهم اجرا. وكانوا اذن يختلفون عن افلاطون المترف الغني الذي كان العبيد يكدحون ليل نهار ليكسبوا له المعاش الوفير. جعل السوفسطائيون العلم حرفة كالنجارة والحدادة. فغضب من ذلك افلاطون والمترفون امثاله اذ هم يريدون ان يتميزوا علي العامة بمصطلحاتهم الرنانة كما امتازوا عليهم بلباسهم الزاهي ومسكنهم الباذخ... يقول السر لفنجستون: ان السوفسطائيين كانوا يبسطون العلم وينشروه بين الناس على طريقة "العلم للملايين" المعروفة في عصرنا هذا. وهم اذن يشبهون ويلز وهكسلي وهيردز وغيرهم من الكتاب العلميين الذين يؤلفون الكتب الشائعة في هذا القرن. ولهذا كرههم المحافظون والمتزمتون، وعَّد افلاطون طريقتهم براقة فارغة))(13).

ابستمولوجيا الوردي وإشكالية العلوم الإنسانية

مما سبق ذكره، يتبين ان العلاّمة كان منشغلا في إعادة تشكيل خطابات العلوم الإنسانية، انطلاقا من المعرفة الاجتماعية والسيكولوجية واللغوية، مرورا بالمعارف الدينية والتاريخية والسياسية، حيث شكلت مجمل تلك العلوم علاقة الوردي النقدية بموروث العلوم الإنسانية الذي سبقه، فكيف كانت طبيعة ذلك الموروث؟ هل كان موروث قريب الى الواقع والى حياة الناس ولغة العامة؟ واذا كان ذلك الموروث متفاعل مع الوجود التاريخي لحركة المجتمع الثقافية، فهل هناك ثمة حاجة للثورات العلمية كتلك التي عمل على تشكيلها خطاب الوردي؟ فلماذا لا نجد أثريات لخطابات العلوم الإنسانية الماقبل وردية؟ ولماذا نجد ان العلاّمة كان لا يكتب الا بهدف مساءلة الأصول ونقد الجذور؟
نتيجة لتلك المساءلات، انشغل الوردي ليس في تشكيل خطاب اجتماعي فحسب، بل انهمك ايضا في إعادة تشكيل العلوم الإنسانية بطريقة جديدة وبمناهج معاصرة، لاسيما وهو كان يحاول تأسيس خطاب ثقافي جديد على أنقاض الثقافة العراقية التي سبقته. اي انه سعى الى تحقيق هدف مزدوج يتمثل في تأسيس خطابات العلوم الإنسانية وإعادة تشكيل الخطاب الأكاديمي، الذي أصبح خطاب لا يحاور ولا يفكر الا بذاته المتضخِمة، حتى تحول الى خطاب لا تاريخي؛ ويتمثل الهدف الأخر في جعل انطولوجيا الوجود اليومي بمثابة البنية التحتية التي تتشكل عليها طبيعة المناهج الثقافية والعلوم الاجتماعية وليس العكس، كل ذلك من اجل إن تولد حركة نقدية وثقافية في المجتمع. فكيف كان يرى الوردي طبيعة العلوم، وهل يعتبرها منفصلة ام متصلة؟
في كتابه (منطق ابن خلدون) الذي من الممكن عده بمثابة "الاورجانون الجديد" في العلوم الاجتماعية والفلسفية، يوضح الوردي كيف يمكن ان تظهر الطفرة الخلدونية بوصفها طفرة ابستمولوجية في إعادة كتابة التاريخ الإسلامي والاجتماعي. وقد نجحت تلك الطفرة في إحداث قطيعة ابستمولوجية عن المنظومة الأرسطية، ثم كيف تتشكل "ابستيمات معرفية" جديدة بعد إحداث تلك القطيعة. يقول العلاّمة:((اتضح لدى علماء الاجتماع ان ما نعده من البديهيات العقلية هو من الامور النسبية، اذ هي خاضعة للمألوفات الاجتماعية والتطورات العلمية. فرب امر نعده اليوم بديهيها ثم يتبين لنا اخيرا انه مما يجوز الشك في صحته او ضروريته العقلية. خذ مثلا ما كان الناس يعتقدون قديما من كون الارض مسطحة وانها ثابتة تدور الشمس حولها. وهي في الواقع كذلك في نظر من لا يعرف من امور الكون غير ما يلاحظه بعينه المجردة. ولاغرو ان تكون عنده تلك الاراء حول الارض من الامور البديهية التي لا يجوز الشك فيها. وبعدما تقدمت البحوث العلمية تبين ان تلك الاراء ليست بديهية، فقد حلت محلها "بديهيات" اخرى . وصارت البديهيات تتهاوى الواحدة بعد الاخرى تبعا لتقدم العلم وتطور الحضارة. لقد اصبح العلم الحديث يقوم على مبدأ الاحتمال، بينما كان المنطق القديم يقوم على مبدأ اليقين. وشتان بين المبدأين. ان المنطق الارسطي يعتمد على مسّلمات يفترض فيها الصدق المطلق، وهو لذلك يعد النتائج المستنبطة منها بالقياس الصحيح لابد ان تكون يقينية لاشك فيها. اما العلم الحديث فمن شأنه ان يشكك في كل شئ، وهو لذلك يستخرج نظرياته وقوانينه من استقراء الوقائع الجزئية، وهو يعود ليعلن ان صدق النظريات والقوانين التي استخرجها محدود بحدود الوقائع التي استخرجت منها. وربما ظهرت وقائع جديدة تجعل تلك النظريات والقوانين في حاجة الى تبديل أو تحوير، وقد حدث هذا كثيرا في الفترة الاخيرة من عصرنا))(14).
هكذا يفهم الوردي فلسفة العلوم لكن هذه المرة بدون فلسفة تدّعي لنفسها حق امتلاك الحقيقة المطلقة، لأنه اعتمد مفهوم القطيعة الابستمولوجية. فكيف يشتغل ذلك المفهوم في خطاب العلوم الإنسانية حسب رؤية الوردي؟ وما هي الفائدة من إدخاله في المنظومة المفاهيمية للعلاّمة؟
ان عملية تشكيل المعرفة العلمية، هو في واقع الامر، جاء نتيجة لتاريخ طويل من الصراعات التاريخية بين اشكال معرفية ميتافيزيقية متعالية عن الواقع التاريخي، كما هو الحال مع الفلسفة وأشكال من المعارف العلمية مرتبطة بالشروط التاريخية التي تنتجها وتنتج الواقع معه، حيث((..ترى الابستمولوجيا في التعميمات الفلسفية لنظرية المعرفة، عائقا امام تطور المعرفة العلمية ذلك ان التصورات الزائفة عن المعرفة تؤثر سلبا في مجال المعرفة العلمية وخاصة حين تضع حدود للعلم. ان الابستمولوجيا ليست استمرار لنظرية المعرفة في الفلسفة، بل هي تغيير كيفي في النظر الى علاقة الفلسفة بالعلم وتجاوز التناقض بين نظرية المعرفة والعلم، ليس هذا فحسب بل ان الابستمولوجيا اتت على انقاض ما كان يعرف بفلسفة العلم، التي تولدت من علاقة الفلسفة بالعلم، وتناولت جملة من الموضوعات اهمها؛علاقة العلم بالمجتمع وتأثيره في تكوين النظرة الفلسفية الى الطبيعة والكون...وعموما فانه اذا ما اعتمدنا على قراءات ابرز تلاميذ باشلار وهو جورج كانغيلام سنجد ان ابستمولوجيته تبدو من خلال المبادئ الاساسية الثلاث: 1-الأولوية النظرية للخطأ بحيث نجد باشلار في هذا المبدأ قريبا الى نظرة فريدريك نيتشة للعلم اذ يقول "ان المعرفة العلمية هي اخطاء تبث نفعها في معركة الصراع من اجل البقاء"...اذ انه بالفحص الدقيق للواقع يبدو ان الحقيقة لا توجد بشكل منفصل عن الخطأ انها متداخلة بنسيج من الاخطاء وتبقى مهارة العالم تكمن في كيفية انتزاع الحقيقة من هذه البراثين. يقول باشلار..."لا يمكن تشكيل معرفة علمية صحيحة الا على انقاض المعرفة الخاطئة" وهذا اكبر دليل على شراسة الصراع ضد الخطأ من اجل التوصل الى الحقيقة، وبالتالي إحداث القطائع الابستمولوجية الجديدة. 2- اعتبار المعرفة العلمية معرفة غير حدسية، لانها لا تنتج عن طريق الحواس والحدوس. بل ان المعرفة العلمية تنبني على التجربة والممارسة واستخدام آليات القياس العلمي، اذن قد يشكل مرحلة اولى في المعرفة العلمية والتي ينبغي التخلص والتخلي عنها بعد ذلك.3- رفض كل الأيديولوجيات والأنماط المعرفية التي تأتي من الفوق، من خارج الواقع، لان فهم الواقع لن يتم عند باشلار، الا من خلال الواقع ذاته، هذا الاخير الذي يتحرك طبقا لمنطقه الخاص وقوانينه الداخلية، كما ينبغي ان يتم التعامل مع هذا المنطق الخاص، وتلك القوانين، داخل الواقع الحاضر وليس الماضي))(15).
اذن كيف يمكننا بعد ذلك ان نفهم خطاب الوردي الثقافي بمعزل عن الابستمولوجية والقطائع الابستمولوجية التي تبدأ مع الفلاسفة وتاريخ الفلسفة التقليدي؟ وهل يمكن لخطابات العلوم الإنسانية ان تبقى مستقلة عن التحولات الابستمولوجية التي تجعلها تتجاوز أخطائها الماضوية وتتصالح مع الوقائع التاريخية؟
من اللافت للنظر، ان الوردي كان قريب في نقده للفلاسفة والفلسفة في الخطاب العربي الاسلامي الى الفيلسوف باشلار الذي يعد من المفكرين الأوائل في خطاب الابستمولوجيا والقطائع الابستمولوجية في تاريخ العلم، فهو من ((يعتبر الفلاسفة غير مهتمين بالتطورات العلمية الصعبة. بل انهم يظلون متمسكين بحلول فلسفية قديمة وبمشاكل علمية بالية، ناسين ان هذه الحلول المنبجسة من اشكالات سابقة ومذاهب ثابتة قد تجاوزتها الثورات العلمية المعاصرة الى غير رجعة))(16). لكن رأي باشلار هذا، لا يعني رفض الفلسفة أو الفكر الفلسفي، وذلك لان الكثير من تأملاته الفلسفية والجمالية والتحلينفسية نهلت من روح الفلسفة وتاريخها، لكن ما كان يسعى اليه هو تشكيل خطاب فلسفي جديد ينطلق من فلسفة الرفض لكل موروث أيديولوجي سابق على الممارسة العلمية والفلسفية، تماما كما فعل الوردي عندما رفض جميع الافكار الفلسفية المبنية على اسس ارسطوافلاطونية غير تاريخية وبالتالي بعيدة عن هموم الناس البسطاء. اضف الى ذلك ان منطق القطع الابستمولوجي او الاسترداد الابستمولوجي عند باشلار يكاد يتطابق ايضا مع رؤية العلاّمة النقدية لتاريخ الفلسفة. حيث يرى باشلار أن مفهوم منطق الاسترداد الابستمولوجي هو مفهوم ((يمكّن من تطوير تاريخ نظري ومعرفة نظرية لتاريخ العلوم. كما يمكن تصوير الصيرورة الضرورية لعلم ما، بربط معرفة ماضيه بتحليل حالته الحاضرة ويجعل هذه الحالة رهينة كل العناصر التي تجعلها ممكنة. وهكذا فان تاريخ علم ما تعقبه دائما معرفة يقظة بنسقه الحالي، وهو يلغي وقتيا كل ما يتعلق بتاريخه البالي))(17).
من هنا تأتي ضرورة قراءة الخطاب الثقافي للوردي من خلال الاكتشافات الابستمولوجية وفلسفات العلوم، هذا إذا أردنا ان نصل إلى معرفة المفاهيم الوردية المتحولة بين جدل نصوص العلوم الاجتماعية إلى جدل نصوص العلوم اللغوية وحتى جدل نصوص العلوم السيكولوجية...ألخ، حيث تعكس مسيرة تلك المفاهيم مجمل التمثلات الثقافية للشخصية العراقية المتفاعلة مع الواقع الأيديولوجي العراقي آنذاك، الذي عمل الوردي على رصده وتشخيصه وتحليله من خلال جدل النصوص الثقافية والوقائع التاريخية.

إشكاليات اللغة: من بلاط النخب إلى صِرايف العوام

نلحظ عند تصفح مؤلفات الوردي، حضورا لثقافة العوام بشكل متواز مع نقد النظام الارسطوافلاطوني الفلسفي والمنطقي، حتى كاد أن يتحول ذلك التلازم إلى شيفرات ميتافورية وسمت مجمل النتاج الثقافي للعلاّمة. فهل كان هناك ثمة علاقة منطقية وجدلية بين نقد أشكال المنطق القديم وبين الوجود الاجتماعي لطبقة العوام؟
من ابرز وأجمل ما يميز لغة الوردي، إنها لغة تصرخ بآلامنا وتستنطق صراخنا، لأنها لغة متألمة تثور دوما على أبجديات اللغة المتأفقة والمتأنقة والمتكلفة التي تعكس التوجهات الثقافية والأكاديمية للطبقات الشمولية المسيطرة آنذاك، تلك الطبقات التي تملك زمام الأمور في تسيير مجالات الثقافة والفكر والتعليم، لكنها في الوقت نفسه، حبيسة برجها العاجي ومتعالية عن ملامسة صيرورة الناس البسطاء وحياتهم اليومية التي لطالما أقصوها من دائرة منطقهم الميتافيزيقي، يقول الوردي:((...ان منطق أرسطو كان عاملا هاما في عزل المفكرين عن سواد الناس. فهو قد جعل الناس على طبقتين منفصلتين من ناحية التفكير: طبقة قد صعدت في برجها العاجي تتلذذ بالتأمل في الحقيقة المجردة، وطبقة أخرى بقيت منجرفة بتيار الحياة تريد ان تتكيف للحقائق المتغيرة يوما بعد يوم. أصبح رجل الفكر بتأثير من هذا المنطق يحتقر رجل العمل ويستهجن طريقة حياته ونمط تفكيره. فهو قد ارتفع في السحاب واخذ يبني لنفسه هنالك القصور والعلالي. فهو لا يفهم مشاكل الحياة ولا يريد ان يفكر فيها إذ هو يعتبر هذه المشاكل سفاسف مؤقتة لا تتصل بالحقيقة المطلقة ولا تلائم طبيعة التفكير الصحيح))(18).
كانت تلك هي أهم البردايمات والنماذج الثقافية التي كانت تمثل "ميتافيزيقا الحضور" على حد تعبير دريدا، لان نماذجها الكلية والمطلقة تهيمن على إنتاج معنى واحدي يمتلك الحق المطلق والأبدي في تفسير الأشياء، مما أدى إلى تخلف جميع العلوم الإنسانية ومن ضمنها العلوم الاجتماعية. يقول الوردي:((ان المستقرئ لتاريخ العلوم المختلفة قد يندهش حين يرى العلوم الاجتماعية نشأت متأخرة بالنسبة للعلوم الطبيعية. والواقع أن من أهم العوامل في تأخر العلوم الاجتماعية هو انتشار هذا المنطق الذي اهتم بالحقائق المطلقة وأهمل الحقائق النسبية. ان العلوم الاجتماعية تحاول دائما ان تنزل الى الواقع المتغير لتكتشف قوانينه. اما المناطقة فيرون في هذا النزول ضعة وتسفلا لا يليقان برجل الفكر. ان المفكر في زعمهم اجل وأسمى من ان يشغل أوقاته الثمينة بما يفعل عامة الناس وما يفكرون به من أمور طارئة لا تكاد تظهر حتى تختفي))(19).
علينا أن نتساءل إذن عن طبيعة وبنية اللغة التي تشكلت في مرحلة سيادة ذلك المنطق، فهل هي لغة تشتغل ببنية ونظام المنطق القديم، وما علاقة كل ذلك بالإشكالية اللغوية؟ وكيف نظر العلاّمة الى اللغة، هل أعاد قراءة اللغة بمعزل عن التشكيلات الأيديولوجية السابقة عليها والمتكونة من نماذج النص الشعري؛ والنص المقدس؛ ونص البلاغة الميتافيزيقية ؟
كان الوردي، وكما ذكرنا سابقا، مهموم في إعادة تأهيل وتشكيل العلوم الإنسانية وفي مقدمتها العلوم الاجتماعية، من اجل إن تكون مرآة ثقافية تعكس الحياة الواقعية للناس البسطاء الذين استبعدتهم الدوائر الرسمية والأكاديمية جراء بيروقراطيتها الشمولية التي تصنف البشر كيفما تشاء، والذين أهملتهم أيضا المؤسسة الأكاديمية اللغوية باختصاصاتها الأدبية وكافة فنون الشعر والنثر، على الرغم من ان هؤلاء المستبعدون يتحدثون بلغتهم العربية الأم، لكنهم لا يجيدون فنون الحذلقة اللفظية والبهرجة النحوية، لأنهم اناس منزوون ومنسيون في "صرايف" هي أشبه بالخرائب السكنية المهملة والمتروكة في ارض الله الواسعة، هؤلاء المنسيون عندما ذكرهم العلاّمة وطالب بان يكونوا جزء لا ينفصل من البحث الأكاديمي والاجتماعي وجزء لا يتجزأ من العملية الأدبية للنص الأدبي، اثار بذلك حفيظة حراس التشكيلات الأيديولوجية التي يحتمون بظلها ويسبحون بحمدها، فما ان بادر الوردي بتشكيل خطاب لغوي جديد خال من الترادفات اللغوية الزائدة، كي يكون خطاب مفهوم وواضح لأولئك الناس المنسيين في صراخهم والراقدين في أصواتهم، حتى انبرى الجميع لمواجهة ذلك الخطاب بكل شراسة، وتحولوا الى أقلام ناقدة وناقمة على كل ما جاء به الوردي من أراء، بدت لهم خارجة عن أطرهم الشمولية والسلطوية التي لا تهتم الا بمصالحها ومصالح طبقاتهم التقليدية ذات الثقافات المركزية والنزعات اللانسانية المتطاولة دوما على طبيعة الثقافات المحلية والشعبية.
هكذا كان الوردي يخوض الصراع تلو الاخر ليبشر "ببردايم ثقافي جديد" لم تألفه الثقافة العراقية من قبل، فيدخل في جدل مع حماة الأدب واللغة المقدسة، كي يتجاوز نظريتهم الأيديولوجية "الأدب للأدب"، ليجعل كل من اللغة والأدب مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية وتطورها، وذلك عبر محاولته في جعل الأدب نص ثقافي متصل ببقية العلوم الاجتماعية والسيكولوجية والتاريخية، ففي فقرة تحت عنوان "الأدب وعلم الاجتماع" يكتب العلاّمة: ((اود ان انتهز هذه الفرصة لأبين وجهة نظر علم الاجتماع في هذا الموضوع. فالمعروف عن علم الاجتماع انه يدرس الأدب والتاريخ والاقتصاد والسياسة والدين والفن وما اشبه. وقد ثار من جراء ذلك جدال طويل بين الباحثين: أيجوز لعلم الاجتماع ان يتدخل في مواضيع هي من اختصاص غيره؟ ومن التهم التي وجهت الى علم الاجتماع انه أصبح كدائرة المعارف، اذ هو يتدخل في كل فرع من فروع المعرفة ويبدي رأيه فيها. ومعنى هذا انه يشبه الحمص الذي يدخل في كل طبيخ عندنا. وكان جواب علماء الاجتماع على هذه التهمة ان علمهم لا يدرس فروع المعرفة المختلفة الا من الناحية الاجتماعية. فهو حين يدرس حادثة تاريخية مثلا، لا يهمه كيف توصل المؤرخون الي تحقيق تلك الحادثة او الى استقصاء القرائن والدلائل فيها. انه يتركهم وشأنهم في إتباع منهجهم الخاص بهم. ولكنه يأتي أخيرا فيأخذ النتيجة التي توصلوا إليها ويستعين بها في دراسة المجتمع البشري بوجه عام))(20).
يصف لنا الوردي من خلال نصه أعلاه، طبيعة انفصام العلاقة الابستمولوجية بين العلوم الإنسانية آنذاك، حيث كانت النظرة السائدة التي يتحكم في نظامها المعرفي هو بردايم المنطق القديم الذي جعل العلوم تعيش حالة من العزلة فيما بينها، وهذا ما جعل المختصون في اللغة وغيرها من العلوم الإنسانية يستهجنون محاولة العلاّمة في قراءة النص الأدبي واللغة من زاوية سوسيولوجية واجتماعية، لأنهم يعتقدون إن ليس من حق عالم الاجتماع دراسة النص الأدبي واللغوي لأنه من اختصاص أهل اللغة وبالعكس.
شكل ذلك النظام المعرفي طبيعة التصورات والتمثلات الثقافية لذوي الاختصاصات العلمية والإنسانية، التي تركت ظلالها على الناس البسطاء ومجتمع العوام آنذاك، وهذا هو بالضبط ما واجهه "بردايم" الوردي الجديد. قد يتضح ذلك من خلال رد العلاّمة على احد أساتذة الأدب واللغة العربية، ضمن فقرة بأسم "هل انا متطفل" حيث يقول:((قد يظن الدكتور ان ناقد الشعر يجب ان يكون قبل كل شيء شاعرا، او على الأقل قادرا على إنشاد الشعر في دار الإذاعة العراقية الجليلة. وهذا رأي لا أوافقه عليه. ولست اعتقد ان هناك كثيرين من الناس يؤيدونه فيه. أكاد اشعر بأن تحدي الدكتور لي لم يكن في محله. ولست ادري ما الذي دفع الدكتور الى هذا التحدي الغريب. للدكتور الحق في ان يتحدى رجلا يريد ان ينصب نفسه حكما بين الشعراء فيفضل بعضهم على بعض من الناحية الفنية. وهنا أؤكد للدكتور اني لن افعل هذا ولن افعله، ولست منه في العير او النفير!. اني لم اقل بان شعر الجواهري اروع من شعر محي الدين، ولم اقل ان اسلوب دعبل اكثر جزالة من اسلوب البحتري. ولو كنت قد قلت هذا او شبهه لحق للدكتور ان يدعوني الى الامتحان وان يرسبني فيه ايضا. ارجو من الدكتوران لا ينسى بأن الشعر له ناحيتان: فنية واجتماعية. وهو في ذلك لا يختلف عن اي شيء من شؤون الحياة. فالقصيدة الشعرية هي قبل كل شيء قطعة فنية. انما هي بالإضافة الى ذلك ظاهرة اجتماعية لها مساس مباشر بما ينشأ بين الناس من صلات التعاون والتنازع. للباحث الاجتماعي ان يحلل القصيدة من حيث علاقتها بالمجتمع الذي ظهرت فيه، دون ان يتطرق الى ما فيها من صفة فنية، اذ هو يترك ذلك للمختصين من الادباء. وهم في بلادنا كثيرون يكاد لا يخلو منهم مكان والحمد لله..))(21).
لا نظن اننا نحتاج هنا الى كبير عناء لفهم رؤية العلاّمة للنص الأدبي وعلاقته بالثقافة والسياقات الاجتماعية والأيديولوجية، بمعنى ان ما كان يعمل على تأسيسه تجاوز حدود نمطية القصيدة الشعرية بكثير. لأنه في الحقيقة كان مهموم في إشكالية النص الأدبي وعلاقته مع جميع أشكال التلقي، لاسيما المتصل منها بأولئك المستبعدين من مفاهيم التلقي في منظومة البلاغة التقليدية التي يمثلها الدكتور محي الدين، الذي كان يجادل طروحات الوردي في اللغة والأدب من خلال "منظومته وتشكيلاته الأيديولوجية" لتاريخ البلاغة العربية، وبالتالي جاء نقده بعيد عن مقاصد ورؤية العلاّمة الإشكالية لعلاقة الأدب مع الواقع الثقافي؛ وعلاقة اللغة بالوجود اليومي او انطولوجيا الحياة اليومية؛ وعلاقة اللغة بالذهن او العقل الإنساني؛ وعلاقة اللغة باللسان اليومي او التداولي؛ وعلاقة البلاغة في صنع وإعادة إنتاج المؤسسات الاجتماعية على حد تعبير الآن تورين، وسوف نأتي على شرح مجمل تلك العلاقات لاحقا.
اراد الوردي، من خلال تأكيده على أهمية نقل النص الأدبي من دائرة المنطق القديم وتشكيلاته الأيديولوجية السابقة ووضعه وجها لوجه مع الممارسات الذهنية واللغوية ضمن السياق الثقافي الذي يحتوي ذلك النص، إن يلفت أنظار كتاب عصره ومثقفي زمانه المتطابقين مع سياق التشكيلات الأيديولوجية والأكاديمية التي كانت تمثل لهم المعين الذي لا ينضب من المعارف الأرثوذكسية، الى وجوب إعادة قراءة علوم اللغة ضمن سياقاتها واشكالياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية أيضا.

اللغة: من مأزق البلاغة الميتافيزيقية الى بلاغة الخطاب اليومي

تبدو العلاقة الأيديولوجية بين البلاغة بوصفها نسق ميتافوري أو ميتافيزيقي وبين الأشكال الأولية لممارسة النص السياسي، ذات طبيعة متداخلة وشائكة عبر التاريخ، لاسيما في تاريخنا المعاصر الحافل بالمهاترات السياسية والكليشيهات الخطابية والمواعظ الدينية. وذلك لان بنية الفكر البلاغي في خطابنا الثقافي لم تتخلص بعد من هيمنة النموذج اللاهوتي على وظيفة اللغة، كي يسخرها في خدمة التشكيلات الأيديولوجية السابقة، من اجل إن تعيد إنتاج النماذج الثقافية التي تشكل مجموع التصورات والتمثلات الذهنية للوجود الإنساني. هكذا اتصفت بنية الفكر البلاغي بكونها بنية تقليدية محافظة على أصولها وميثولوجياتها السياسية؛ وفي كونها بنية منفصلة عن الوجود التاريخي والحياة اليومية لصيرورة الناس البسطاء. من هنا لابد من التساؤل كيف يمكن إحداث ثورة ابستمولوجية وثقافية في العلوم الإنسانية بمعزل عن أنظمة اللغة وتاريخها التقليدي وبنيتها المنطقية؟ وإذا كان المشروع الثقافي للوردي يرتكز على إعادة بناء تصورات الحياة الذهنية والثقافية للعوام والتواصل والاتصال بكافة مكوناتهم الثقافية والنفسية والتاريخية، فهل يمكن تحقيق ذلك دون أدنى مساس بالجسد الثقافي المقدس لجميع تلك التصورات وفي مقدمته اللغة والبلاغة والنص الأدبي؟ وكيف للباحث في خطاب العلوم الاجتماعية ان يعيد تشكيل الواقع اليومي المعجون باللغة الميتافورية السياسية، دون إعادة النظر في القالب الأيديولوجي الذي يشكل منطق الكلمات وينتج أشكال التعابير الكلامية اليومية ؟
لذا عمل الوردي جاهدا على تحويل البلاغة التقليدية إلى نظرية في التواصل والاتصال الاجتماعي والثقافي اليومي، بدلا من ان يبقى مجال اشتغالها محصورا في الشعر والخطب الدينية. وهذا يعني انه كان يسعى إلى تشكيل ما يُعرف "بالقطيعة الابستمولوجية" مع جميع مخلفات العلوم الإنسانية بحمولاتها الأيديولوجية. علما ان مفهوم البلاغة شهد الكثير من التحولات والثورات الابستمولوجية في حقول الدراسات الأدبية والثقافية واللغوية، فلم تعد البلاغة ذلك العلم الذي يشتغل بطريقة متعالية تعيد إنتاج السياقات السلطوية، بل اخذ يعني مفاهيم متقدمة وراديكالية لاسيما في مجال نظريات التواصل والفلسفة واللغة. وعلى أساس من مجمل تلك المتغيرات، حدثت العديد من التحولات الثقافية والسوسيوثقافية والفلسفية والاجتماعية أيضا في بنية الفكر الغربي برمته. وعند تأمل المشهد الفلسفي الغربي الراهن، نلحظ كيف نتج عن انقلاب المفاهيم والتصورات الكلاسيكية للغة والبلاغة والنص الأدبي، انقلابا مماثلا في الخطاب الثقافي الغربي. فبعدما كان خطاب متمركز حول اللوغوس الميتافيزيقي منذ أفلاطون حتى نيتشه، بات اليوم متحرر من هيمنة الأنساق المتعالية والأطر القبلية المتعلقة في إنتاج الكلام والعلامة والصوت وتشكيل المعاني الإنسانية، فأصبح بذلك خطاب مرتبط بالسياقات الثقافية والسياسية والقوانين التاريخية على حد تعبير جوليا كرستيفيا**. منذ ذلك الحين، صار يشهد الفكر الغربي ثورة تلو الأخرى، فمن الثورات النيتشوية الى الفرويدية والتوسيرية وحتى الثورة اللاكانية التي تنطلق في مجموعها من تفكيك بنية اللغة ومنطقها الداخلي ووظيفتها مرورا بنقد علاقتها بمجمل الأبنية الثقافية السائدة، الأمر الذي حدا بالفيلسوف الفرنسي بول ريكور إلى وصف كل من نيتشه وفرويد وماركس بفلاسفة الشك والارتياب لأنهم وضعوا جميع أصولهم الثقافية في موضع التساؤل والشك، فقال مقولته الشهيرة: بعد فرويد يجب علينا ان نضع الوعي تحت التشريح. فلماذا لم نضع الوعي العراقي تحت التشريح بعد رحيل الوردي؟ ولماذا قوبلت أرائه الفكرية واللغوية بالإهمال والنسيان؟ ولماذا يتم الترويج والتذكير بالفلاسفة الغربيين أكثر من ذكرنا لأفكار العلاّمة، وهي على بساطة مفرداتها اللغوية، حملت في عمق أعماقها أفكار ورؤى وتصورات نهضوية وتقدمية في مجالات العلوم الإنسانية والفلسفية، فلماذا غابت دروس الوردي في جامعاتنا؟
من كل ما سبق ذكره، هل يمكننا أن نُعلمِن لساننا الثقافي العراقي دون إن يسبق ذلك علمنة نقدية لجميع مكونات ثقافتنا؟ ربما هذا ما جعل الوردي يعيد النظر في اللغة والبلاغة وعلوم البيان وما شابه، إضافة إلى نظريات النص الأدبي، ليحول وظائفها إلى سياقات ثقافية مرتبطة بالأبنية اللغوية وعمليات إنتاج الكلام اليومي، فكان ذلك جزء من همومه الثقافية التي اشتغل عليها. لذا لم تكن نظرته للغة والبلاغة نظرة دوغمائية، بل كانت نظرة نقدية وثقافية في آن واحد، وقل نفس الشيء فيما يتعلق بنقده للشعر العربي وصلته بالطبقة الحاكمة، حيث يقول: ((قلت أشياء كثيرة عن الأدب العربي بوجه خاص. وقد حاولت جهدي إن لا اخرج في ذلك عن نطاق اختصاصي. ومما قلته في هذا الصدد إن الشعر العربي القديم اختص بأمور ثلاثة قلما نجدها مجتمعة في أشعار الأمم الآخرين وهي:1-مدح الظالمين 2-وصف الخمرة 3-التغزل بالغلمان. والذي دعاني إلى هذا القول ما رأيت لدى بعض أدبائنا المعاصرين من هيام مصطنع بالحق والحقيقة، فهم يصفون أنفسهم بأنهم "شموع تحترق" بينما هم يمجدون عبقرية البحتري وأبي نؤاس والاخطل وغيرهم من الشعراء القدامى الذين كانوا من ابعد الناس عن طبيعة الشموع المحترقة. نجدهم يحترمون الأديب الذي يتزلف إلى السلاطين والمترفين ويعيش على فضلات موائدهم. ولكنهم في الوقت ذاته يحتقرون من يحاول إن يتزلف بأدبه إلى أبناء الشعب وينزل بأسلوبه إلى مستواهم. أنهم يتهمون من يكتب للشعب بأنه تاجر يرتزق بأدبه. أما من يكتب للمترفين أو يمدحهم بقصائده سعيا وراء الجائزة فهو في نظرهم أديب عبقري، وله في قلوبهم مكانة عليا))(22).
ولاحظ هنا كيف يشخّص العلاّمة طبيعة الاختلاف بين الأزمنة الذي ينتج عنه اختلاف بالضرورة في طبيعة المعرفة والثقافة التي تخضع للتغير والتبدل من خلال صيرورة التاريخ، وذلك حين يقول:((ان الذي رجوناه منهم ان يدركوا طبيعة الزمان الذي يعيشون فيه، فلقد مضى عهد السلاطين وحل محله عهد الشعوب))(23).

اللغة: من تعقيد الخطابة إلى تيسير الكتابة
تمثل الكتابة في المفهوم الوردي، علم الحياة اليومية في جميع اشكالياتها المعرفية والثقافية، وهذا ما سيقودنا الى تحليل إشكالية تبسيط الكتابة الذي سيؤدي بنا بالضرورة الى إعادة النظر في ممارسات استعمالات اللغة بعدما تكون قد تخلصت من جميع تركاتها الفائضة ومرادفاتها الزائدة. وكما ذكرنا سابقا، ان العلاّمة كان يحاول ان يعيد تشكيل العلاقة الابستمولوجية بين اللغة والكتابة، لان كل منهما مسؤول عن تشكيل قواعدنا الذهنية وأطرنا المنطقية ومقولاتنا الثقافية وطرق تواصلنا ومعرفتنا بالعالم والأشياء. فإذا كانت مصادر طبيعة لغتنا مضطربة ومشوشة سوف يؤدي ذلك الى اضطراب كلامنا وبالتالي إلى اضطراب أذهاننا، وهذا يعني اننا سنبقى نتحرك في حلقة مفرغة من التداول الكلامي المنمّط والمتكرر بطريقة بيداغوجية وتقليدية. من هنا جاءت دعوة الوردي الى تيسير الكتابة من اجل جعلها شكل من اشكال التواصل الثقافي في الوجود اليومي، وليست متحف للأفكار القديمة المخزونة في موروثنا الثقافي فحسب، لان اي تغيير حاصل في اشكال الكتابة يوازيه بالضرورة تغيير في اشكال الكلام وبالتالي تحول في طرق ممارسات التفكير، فالكتابة مرتبطة الى حد كبير مع أنماط التفكير، فلا يمكن إن تحدث ثورة في التفكير، ما لم يسبقها ثورة في تاريخ الكتابة وأشكالها التقليدية، يقول الوردي: ((كنت قد دعوت في مقالاتي السابقة الى تيسير لغة الكتابة والى تجريدها من الزخرفة والحذلقة اللتين اتصف بها الادب العربي القديم. فنحن الان نكتب للجمهور، لا للطبقة الخاصة. والحياة الجديدة تقضي علينا ان نغير من اسلوب لغتنا كما غيرنا من اسلوب مساكننا وملابسنا وغيرها. وهنا يأتي الدكتور محي الدين فيقول بان هذه الدعوة ليست جديدة، فقد جاء البلاغيون قبل الف سنة. وهو يعتبر ذلك من ابجديات علم البلاغة. ولكنني في زعمه جاهل بهذا الفن حتى صرت اخبط فيه خبط عشواء والقي الكلام فيه جزافا. لست اريد ان أتباهى بنفسي فادعي المعرفة التامة بجميع ما جاء في علم البلاغة، وفي العلوم اللغوية الاخرى، من قواعد عظيمة. ولكن الذي اعرفه ان كثيرا من اخواننا الادباء يستهجنون اللغة الواضحة المبسطة ويعدونها من طراز اللغة العامية المبتذلة. وهؤلاء منتشرون بيننا يصدعون رؤوسنا كل يوم بشتائمهم. كتب احد هؤلاء في جريدة الحرية قبل ايام كلمة يعرض فيها بكاتب هذه السطور ويشتمه لانه يدعو الي تيسير اللغة وتبسيطها. قال: "ان الدكتور علي الوردي بإصراره على الدعوة الى الاساليب المبسطة انما يدافع عن نفسه ويحمي بذلك اسلوبه العاطل عن الجمال والفن... نتيجة عجز وضحولة في التفكير". وكتب مرة اخرى متسائلا: فهل يبقى الدكتور الوردي مصرا على رأيه الذي اصبح مضحكا يثير التندر والفكاهة في كل مكان ...حتى اصبح يستحق الرأفة كما جاء في مقال الدكتورعبد الرزاق محي الدين...اما اذا كان محصول الدكتور علي الوردي في فهم اللغة العربية لا يرقى الى أكثر من مستوى ما يدعو اليه فله عذره الواضح على ان لا يذيعه وينشره بين المثقفين الذين يقدرون جمال التعبير في ادبنا الحديث....وهو الفارق بين طبقة ألاميين والمثقفين. والغريب ان الكاتب هذا يقول عني اني لا اتحرج من المناداة علنا باتخاذ العامية لغة الكتابة. ولما سألته كيف جاز له ان ينسب لي رأيا لم اقل به، اجاب: بأني مادمت ادعو الى تبسيط اللغة فمعنى ذلك اني ادعو الى اللغة العامية. لم اجد في جواب هذا الرجل غير السكوت. وقد كتب الله علينا ان نعيش بين أناس لا يختلفون عن هذا الرجل كثيرا، ولابد لنا من السكوت عندما ينطقون أو لا ينطقون))(24).
هكذا كان الوردي يواجه طغيان النماذج والبردايمات الثقافية التقليدية، تلك النماذج التي لم تمد جسور التواصل الثقافي والنقدي مع طبيعة الاشكالية التي تناولها بالتحليل، وكأنها اشكالية منفصلة عن وجودهم اليومي، فلا يوجهون ادنى اهتمام لدراسة وتحليل مجمل طروحاته النقدية والثقافية التي بشّر بها العلاّمة آنذاك، لأنهم بكل بساطة غير معنيين بحياة الناس وصيرورة بؤسهم الاجتماعي وطغيان أنظمتهم الاستبدادية، وكأن الوردي تناول اشكاليات تخص زمن اخر غير زمننا. في الواقع، ان العلاّمة، من خلال ذلك النص وغيره، رسم لنا المشهد الثقافي والأكاديمي الذي عاصره، وهذا في حد ذاته يقدم وثيقة تاريخية تعكس لنا تاريخ الخواء الثقافي في ثقافتنا المتمركزة حول لوغوسها السلطوي ومتنها الأيديولوجي المنشغل في صناعة المحسنات اللفظية والمترادفات اللغوية المنفصلة عن الثقافات المحلية والشعبية. فأي خطيئة تلك التي اقترفها الوردي عندما دعا الى تغيير مسار اللغة من هيمنة الموروث المؤدلج الى السياقات الثقافية؟ وهل كان أولئك الذين تصدوا الى دعوته على استعداد لتقبل ولفهم آراءه ؟ ولو كانوا كذلك، لماذا نجدهم دوما يواجهون طروحاته الثقافية بتلك الطريقة البيداغوجية والمتكلفة والمتعالية؟ ثم عن أي جمالية لغوية يتحدثون، والناس من حولهم متكدسون أكوام، كأكوام النفايات والمزابل، في بيوت ما انزل الله بها من سلطان؟

اللغة: من المعاني الخالدة الي الثقافة الراكدة

يتبين مما سبق، ان اللغة في ثقافتنا بقي مهيمن عليها ما يعرف "بازدواجية اللغة"، حيث إن اللغة هنا مسبوقة بالمعاني الميتافيزيقية التي لها وجود سابق على الإنسان ووجوده اليومي، اي أنها أشبه بنظرية المعاني الصورية أو المثالية عند أفلاطون التي شكلت رؤية كلاسيكية للثقافة وللإنسان، وذلك لأنها بقيت بعيدة عن منطق استعمالات اللغة في الحياة اليومية وعلاقة الذهن بالنحو والكلام، وبالتالي علاقة اللغة بعمليات التواصل والاتصال الثقافي. والسؤال الذي نود طرحه هنا، هل أمكن للفلسفة الغربية ولفلسفات اللغة المعاصرة ان تنقل اللغة من الحقل الميتافيزيقي إلى حقول الخطاب والممارسة الخطابية واستعمالات اللغة...الخ، دون ان تعيد النظر في المفاهيم الأفلاطونية واليونانية في فلسفة اللغة ونظريات النقد الأدبي؟
عند تتبعنا لحركة تفكيك مركزية اللغة حول لوغوسها الفلسفي، بدأ من أفلاطون، نلحظ ظهور مدارس فلسفية عديدة، اتسمت بتحررها من هيمنة النماذج المثالية المتعالية، ربما أهم تلك الفلسفات هي السوفسطائية والابيقورية والايديونية والشكية، تلك المدارس الفلسفية التي رفضت الإيمان بنماذج أو مثل متعالية "للمعاني اللغوية" الراسخة أو الأبدية، وأكدت في الوقت ذاته على نسبية اللغة وتاريخية الخطاب في الممارسة اليومية وفي الحياة الأخلاقية والذهنية. وهناك من الفلاسفة من سار على نفس هذا الاتجاه، ومنهم الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الذي لا يؤمن ((بوجود قواعد نحو كلية أو بأشكال متعالية، لكن فقط بوجود لغات محلية متموضعة في مناخاتها وأطرها الاجتماعية المختلفة))(25). ويقاربه في هذه الرؤية الفيلسوف الانكليزي جون لوك، وينطبق الشيء نفسه على بقية الفلاسفة الانكليز الذين حاولوا تأسيس فلسفة لغة بلا زوائد لغوية وإحالات افتراضية وعلاقات ميتافيزيقية، وقد توج هذا الاتجاه في ابستمولوجيا الفلسفات الوضعية والمنطقية، حيث شددت جميع تلك المدارس الفلسفية على أهمية العلاقات المنطقية بين الكلمات والسياق والمنطق والاستعمال اللغوي لها، لان استعمال الكلمات هو الذي يحدد نوع المعرفة الثقافية للمتلقي، وبالتالي يترتب على استعمال الكلمات الواضح والخالي من الشوائب معرفة مريحة ليست قلقة أو مربكة. لانه كثيرا ما ينتج الإرباك الذهني بسبب استعمال كلمة واحدة تعني اشياء مختلفة(26).
ومن المؤكد ان الثورات اللغوية لم تنحسر في مجالات الفلسفة فحسب بل ان الأمر تجاوز ذلك بكثير ليمتد إلى حقول العلوم الاجتماعية والنفسية بل حتى الإعلامية. والملاحظ ان اغلب تلك الحقول المعرفية اشتغلت على طبيعة اللغة المحكية اي اللغة التي تؤسس لعلاقات اتصالية وتواصلية من خلال أنظمة العلامات والشيفرات الثقافية في المؤسسة الاجتماعية، وهذا يعني ان صور العلاقة بين الكلمات والأشياء؛ والعلاقة بين الأشياء والقواعد النحوية والذهنية تتغير تبعا للسياقات والأطر الاجتماعية السائدة. لان كل نظام نحوي هو نظرية لغوية تشير إلى ما هو واقعي ومؤكد(27)، اي بلغة الوردي لغة ما هو كائن وليس ما ينبغي ان يكون.
ولنتأمل كيف يترجم العلاّمة، كل ما سبق ذكره، بأسلوبه النقدي وبلاغته اليومية ومنهجه الابستمولوجي التشخيصي لعلاقة الكلمات والأشياء والإنسان وعالم الخطابات الثقافية السابقة واللاحقة، وهو الذي كان يعمل ضد أكثر من نموذج معرفي يحاول ان يعرقل مسيرته الثقافية، فمن نموذج علماء الاجتماع مرورا بنموذج الأدباء والكتاب والى نموذج السياسة ووعاظها ...الخ. يقول الوردي: ((ينتقد الدكتور محي الدين دعوتي الى تبسيط اللغة بحجة انها دعوة قديمة مضى عليها الف سنة. ولست ادري ماذا يقول عن هؤلاء الذين لا يزالون يدعون الى اللغة المعقدة والاسلوب الرنان بالرغم من وجود تلك الدعوة الالفية؟ اما كان الاجدر به ان ينتقدهم بدلا من ان ينتقدني، وان يرشدهم الى كنوز البلاغة القديمة بدلا من ارشادي؟ لعله يقول انهم قليلون بالنسبة الى غيرهم من الادباء. وهذه مسألة فيها نظر. والذي الاحظه فيهم انهم قليلون وكثيرون في آن واحد. فنحن نستطيع ان نعدهم قليلين اذا اخذنا بنظر الاعتبار ما يخرج الى الاسواق من نتاج اقلامهم. والواقع انهم من اقل الناس انتاجا. والسبب في ذلك راجع الى نفرة القارئ منهم ومن تحذلقهم اللفظي الذي لا يحوى من المعنى الا قليلا. انما هم في عين الوقت كثيرون، اذ هم منتشرون في كل مكان، ولهم الصوت المعلى في كل مجلس يرتادونه. ويصح القول انهم يتكلمون كثيرا وينتجون قليلا وها هم اولاء قد ملأوا الدنيا شغبا؛ وصخبا؛ وجعلوا من انفسهم نقادا يصولون بشتائمهم في كل ميدان، ويهاجمون بها كل من يكرهونه أو يحسدونه))(28).
اما في باب المواعظ البلاغية، فيواصل العلاّمة نقده للأشكال التقليدية في اللغة والبلاغة التي عملت على تنميط الفكر واللسان، فيقول: ((لست انكر ما جاء في كتاب البلاغة القديمة من دعوة الى تبسيط الاسلوب وتوضيح المعنى. ولكني اعتبر هذه الكتب مثل كتب المواعظ الدينية، اذ هي مملوءة بالتعاليم والارشادات الفخمة، والناس يقرأونها أو يستمعون اليها صباح مساء دون ان يتاثروا بها في حياتهم العملية. الناس في حقيقة امرهم لا يتأثرون بما هو مسطور في الكتب القديمة. انما هم يتاثرون بالقدوة التي يرونها في محيطهم الاجتماعي. فاذا وجدوا اديبا ينبغ من بينهم فيحصل على المنزلة العالية، حاولوا ان يقلّدوه بالرغم من جميع التعاليم التي سطرّها القدماء. وهذه حقيقة اجتماعية لا اظن الدكتور ينكر صحتها. وهي تعلل ذلك الانهماك العجيب في الصناعة اللفظية التي طغت على الادب العربي خلال القرون البائدة. الم يكن من الادباء من قرأ علم البلاغة حينذاك؟ الظاهر انهم قرأوه ثم أولوه كما يشاون. ومثلهم في ذلك كمثل ارباب العمائم الذين يؤولون القرأن كما يشتهون ويفسرونه كما توحى به تقاليدهم وعقائدهم الموروثة. ان كتب البلاغة القديمة لم تنفع الناس بالامس، وهي كذلك لا تنفعهم اليوم، والادب العربي الحديث لم يتطور من جراء التعاليم المحفوظة في تلك الكتب. انما هو يجري في الطريق الذي يمهده اولئك الاعلام من المجددين، اذ هم يخرقون بضرباتهم المبدعة حجب التقاليد، حتى اذا نجحوا سار الناس ورائهم من حيث يريدون أو لا يريدون))(29).
مما ذكر أعلاه، يتضح إن الوردي كان يسعى إلى تأسيس "مشروع لغوي" يهدف إلى إعادة بناء وتشكيل اللسان الثقافي العراقي الذي قضى الشطر الكبير من حياته يتعامل مع لغته بطريقة مربكة ومضطربة نتيجة لمجمل التراكمات الأيديولوجية والازدواجية السياسية التي تعمل على تشكيل وإدارة الخرائط اللغوية والذهنية في كل حقبة تاريخية. الأمر الذي أدى إلى حدوث فجوات ثقافية كبيرة بين كل من المتكلم ولغته والأشياء الخارجية، حيث تبدو اللغة بالنسبة للسامع وللمتلقي مجموعة من الأصوات والفونيمات المضطربة التي تخيف الإنسان أكثر مما تشعره بالأمان، لان جميع تلك التشكيلات اللغوية والتعابير الكلامية واللهجات اليومية تحولت الى انساق ثقافية مطلقة وقيم أخلاقية وتعاليم روحية بل حتى إلى أهازيج سياسية.
فليس من المستغرب بعد كل ذلك ان يواجه الوردي الأنساق اللغوية الأيديولوجية بالنقد والتحليل من اجل إحداث تغيير جذري في البنية الثقافية السائدة، فهو لم يعلن ثورته المعرفية على قداسة اللغة العربية المتربعة في أحضان السلطة، الا لأنه كان يعمل على إعادة توجيه الأنظار لذلك الواقع الآسن ولتلك الألسنة التي طوقتها سلطة اللغة ولغة السلطة من كل صوب وحدب، ولأنه يؤمن ان اللغة لا تولد في بطون الكتب ولا في قصائد الشعراء ولا في تقنيات البلاغة والبيان. لذا كان يدعو الى ما يعرف بتغيير سياسات تدريس اللغة وكتابتها ونشرها، لان ذلك يجسر الفجوة بين طبقة المثقفين المتعاليين وطبقة المحرومين المعدمين الذين يحتاجون الى التحاور والتواصل معهم بواسطة كلمات واضحة ولغة معبرة عن آلامهم ومشاكلهم، بعدما ابتلعتهم لغة السياسة الغامضة والمربكة. من هنا جاءت دعوة الوردي الى تبسيط اللغة، فيقول: ((يتهمني الدكتور محي الدين باني ادعو الى استعمال اللغة العامية في الكتابة. ولكنه يقدم اتهامه بكلمة "لعل" لكي لا يقال عنه انه يلقي الكلام جزافا. فهو يقول عني: "لعل الدكتور يريد بالتيسير والتسهيل: التسهل والترخص، والبلوغ بالكلام حد العامية حتى يعود في متناول من لم يحسن الفصحى في قليل أو كثير". اني ارضى ان يسوق مثل هذه التهمة رجل من طراز ذلك الكاتب الشاتم الذي اشرت الى بعض شتائمه انفا. ولكني لا ارضى بأن يأتي بها اديب كبير من طراز الدكتور محي الدين. ارجو من الدكتوران يخبرني متى سمع مني أو قرأ لي قولا ادعو به الى اللغة العامية أو الى لغة قريبة منها. ان الذي ادعو اليه في الحقيقة هوان نجرد لغتنا من الكلمات الغامضة والمترادفات التي لا فائدة منها. وهذا هو ما اسير عليه في جميع كتاباتي ومحاضراتي قدر الامكان. اني لا احب ان يحمل القارى مع كل كتاب يقرأه قاموسا أو معجما يرجع اليه في كل جملة لكي يفهم ما خرج من بطن الكاتب فيها. فوقت القارئ اليوم اضيق من ان يبذره في ذلك. وان نحن اصررنا على التعالي عليه بأسلوبنا اضطر الى تركنا والى البصاق علينا. ويجب ان لا ننسى ان هناك فرقا كبيرا بين اللغة المبسطة واللغة العامية من الناحية الاجتماعية. فاللغة العامية لا يفهمها جميع الناطقون بها. اما اللغة الفصيحة المبسطة فهي التي يفهمها جميع العرب في كل اقطارهم....الذي نرجوه من ادبائنا ان يدركوا ما عليهم من واجب تجاه هذا الوضع الغريب. إن عليهم ان يبسطوا لغتهم المعقدة لكي يجعلوها في متناول ابناء العروبة في كل مكان))(30).
ويواصل الوردي التأسيس لرؤيته البراكسيسية في اللغة التي تتحول معه الى ممارسة ثقافية وممارسة لغوية، لاسيما عندما ينتقد الدكتور محي الدين في موضوعة البيان: ((يؤكد الدكتور محي الدين ان كتاباتي حافلة بأنواع البيان المختلفة من حيث لا ادري. ففي رأيه ان جهلي بعلم البيان جعلني اقع في مصيدته من حيث اظن اني متحرر منها. وهو يزعم ان كل الفرق بيني وبين عارفي فن البيان هو انهم يتبعونه في التعبير عن بينة ومعرفة، اما انا فاسير فيه "عليك يا الله!" اذا صح ما قاله الدكتور عني فأني افتخر به. فخير لي ان اكتب عن سليقة من ان اكتب عن تصنع وتكلف. واذا جاز للدكتور ان يذمني بهذا فالأولى به ان يذم عرب الجاهلية اذ هم لم يتعلموا قواعد النحو، وكانوا مع ذلك من اصح الناس اعرابا. الادب انبثاق من اعماق النفس. ولو انه قام على اساس القواعد المحفوظة لصار علماء البيان والبلاغة من اعظم الادباء. ومن الممكن القول بان التزام القيود في الأدب مضر، اذ هو يربك القريحة ويعرقل تيارها الفياض))(31).
ويصف الوردي علم المعاني في هذا النص: ((ويقول الدكتور محي الدين: "ان الدكتور الوردي اذ ينكر اثر علم المعاني كمن ينكر اثر الهندسة في البناء، فيدعو الى الاستغناء عن فن الهندسة بدعوى ان الانسان حفر كهوفه قبل ان يعرف هذا العلم، وان النحل يبني خلاياه بمحض الفطرة." اود إن اسأل الدكتور هنا فأقول: أكان ادباء العالم الكبار مطلّعين على علم المعاني حين انتجوا تلك الروائع الادبية الكبرى.؟ اذا كان اثر علم المعاني في الادب كأثر الهندسة في البناء، كما يقول الدكتور، فلننبذ كل ما انتجه الادباء العظام الذين لم يدرسوا علم المعاني. ذلك ان ادبهم لم يقم على اساس صحيح من الهندسة الفنية، بل كانوا يجرون فيه على سليقتهم اسفي عليهم! لا اعتقد ان هناك في اللغات الحية علما يسمى علم المعاني. انما هم يدرسون بدلا عنه معاني الحياة المحدقة بهم فيستخرجون منها روائع الأدب، كل على قدر فهمه وعبقريته... يقول الدكتور محي الدين: "فليس الاستهانة بأمر علم المعاني الا استهانة بالضوابط الذهنية لدى الانسان. فهل يرضى الدكتور لنفسه ان يدعو الى نبذ دراسة الضوابط الذهنية لدى ناقدي الاثار التعبيرية؟". ان رأي الدكتور هذا يشبه رأي اصحاب المنطق القديم الذين كانوا يعتقدون بأن قواعد المنطق هي التي تعصم الذهن من الخطا. ثم ظلوا يتجادلون ويتخاصمون الاف السنين، دون ان يسلم بعضهم بصحة ما يراه البعض الاخر. فأين ذهبت الضوابط الذهنية اذن؟! ليس هناك ضوابط ذهنية عامة يتفق عليها الناس جميعا. ولو كان في علم المعاني مثل هذه الضوابط لاستراح العرب منذ زمان بعيد ولما ظلوا يخبطون في تقدير الادب خبط عشواء. ولو كان شعراءنا القدامى يلتزمون هذه الضوابط لما قلبوا معاني الحياة ذلك القلب العجيب فجعلوا الظالم عادلا والدنيء كريما والفتاة غلاما!))(32).
ويختتم العلاّمة نقده بقطيعة ابستمولوجية مع صور الأدب والادباء التي تنتجها علوم اللغة والبيان والبلاغة القديمة، قائلا: ((يعتقد الدكتور محي الدين أن علوم البيان والمعاني والبلاغة ضرورية لطلاب الأدب. وانا اعتقد بأن العلوم الاجتماعية والنفسية اجدى لهم من هاتيك العلوم العتيقة التي تقيد العقول وتسد عليها منافذ الابداع. أن الاديب يكتب للناس لا لنفسه، ومن الضروري له اذن أن يفهم طبيعة هؤلاء الناس الذين يكتب لهم. اما اذا بقى في برجه العاجي يدرس القواعد التي جاء بها الاسلاف قبل الف سنة، فسوف لا يجد له بين الناس سوقا، وسيبقى يشتم الناس على نفرتهم من "الأدب الرفيع". يمكن تشبيه الاديب القواعدي بذلك العابد الذي يوسوس في صلاته. فهو ينهمك بكلمات الصلاة وكيف يخرج الحروف من مخارجها، فينسى ربه الذي يصلي له. ولو انه اطلق نفسه على سجيتها لكان اقرب إلى الله وأزكى صلاة))(33).


اللغة: من أحلام الأنبياء إلى مزارات الأولياء

بعدما استعرضنا مسيرة اللغة والخطاب في الممارسة الاجتماعية كما رآها الوردي، نتوقف ألان في قراءة اللغة بوصفها خطاب مقدس؛ سحري وديني تتحكم في صيرورته طاقة المتخيل والعنف الميثولوجي بشكل كبير، لدرجة انه لا يمكن ان نفهم الذهنية التقليدية السائدة ومعرفة نظامها المعرفي والقيمي دون إجراء عملية تحليل انتروبولوجي للغة اليومية وتاريخ ارتباطاتها وتداخلاتها السياسية والأيديولوجية الى جانب الميثولوجية. وهذا بطبيعة الحال سيقودنا الى وصف طبيعة "الكلام اليومي" في حضرة "النص المقدس" وسيطرة اللغة المتخيلة واللسان القدسي، الذي ترتبط به جميع الممارسات الدينية والشعائر اللاهوتية المتداخلة ضمن نسق التقليد اليومي. جميع تلك الثيمات الثقافية اشتغل على تحليلها العلاّمة في كتابيه (الأحلام بين العلم والعقيدة) و (وعاظ السلاطين)، حيث نلحظ انهماكا في تحليل الأماكن المقدسة وجينالوجيا اللغة وانتروبولوجيا الممارسة اللسانية لسرديات الأنبياء والأولياء التي في مجمل بنيتها تغلف الكلام اليومي بحكاياتها واستشرافها لمستقبل وكينونة العامة التي يرتبط وجودها بسلسلة كبيرة من الطقوس والميثولوجيات وبسياسيات الأمكنة الملهوتة والتوزيع الجغرافي لأضرحة الأولياء والأنبياء. تعكس جميع تلك الصور طبيعة العلاقات البنيوية والتاريخية بين كل من النص المقدس والتقليد وممارسات اللغة، فلا يمكن أن نفهم صيرورة التقليد بمعزل عن معرفة وظيفة اللغة التي تعكس طبيعة عمل الخطاب الميثولوجي والديني، وكأن اللغة هنا تتحول الى نوع من أنواع السحر الذي يرتبط بسلسلة لامتناهية من الرجال المقدسين الذين يمثلون النموذج والبردايم الثقافي المهيمن على أنظمة التقليد وأشكال الحكي اليومي، فتغدو اللغة نظام ايقوني تتمحور عليه الشيفرات الثقافية المقدسة التي تعيد تشكيل المقولات الذهنية في يوميات الثقافة الشعبية.
شغلت الظاهرة الدينية حيز كبير لدى الوردي، بوصفها ظاهرة اجتماعية ولغوية تتحرك ضمن "منطقة الشعور المهيمِن على مناطق اللاشعور العامي"، كما هو الحال عليه في حكايات الأحلام ذات الصلة المباشرة بمتخيل الأنبياء والأولياء الراقدين تحت وسادة طبقة الفقراء. بمعنى آخر ان العلاّمة يقف موقف المؤسس لخطاب العلوم الإنسانية التي لطالما عمل على الارتقاء بها من دائرة التشكيلات الأيديولوجية الى ابستمولوجيا العلوم الاجتماعية وخطاب العلوم الإنسانية، ومؤلفاته خير شاهد على ذلك، حيث توفرت صفحاتها على لغة رمزية تدعونا الى إعادة قراءتها من خلال تحليل وظائفها وأنظمتها العلائقية وممارساتها الميثيثة. خذ مثلا كتابه (الأحلام بين العلم والعقيدة)، فعلى الرغم من انه كتاب اشتغل في حقل الأحلام من اجل الارتقاء بها نحو العلوم الوضعية والطبيعية والتحليلية، الا انه كان مرتبط بشكل أو بأخر بأنظمة الخطاب السياسي والثقافي، اللذان ينتجان الأطر الاجتماعية للمعرفة اليومية، بمعنى انه عمل يستوجب منا تحليل سياسات اللسان واستعمالات اللغة المنحدرة من الماضي السحيق ذي العبق الأيديولوجي، هنا ((حيث لابد من أن تكون الكلمات اكبر بكثير من مجرد أدوات عقلانية. يتضح ذلك اذا علمنا أن المعتقدات الراسخة تنتج بالضرورة من استعمالات اللغة التقليدية أو السائدة، التي عادة ما تكون ذات صلة متينة مع الأيديولوجية، فتعمل على تنميط عملية تفكير الناس ومشاعرهم وطرق حكمهم على وظائف الأشياء. على هذا النحو، تميل اللغة السحرية الشفاهية إلى أن تبرهن على مصداقيتها بصورة تلقائية: فطبيعة أحكامنا على الأشياء تتشكل وفق ما نكون عليه وما نعتقد به، والى اي حد نكون فيه تابعين إلى تلك اللغة))(34).
تتمثل بنية كل من "اللغة الوعظية" كما تبدو في كتاب الوردي (وعاظ السلاطين)، و"لغة الاحلام المقدسة" المشار اليها في كتابه (الاحلام بين العلم والعقيدة)، بوصفها نظام وخطاب ثقافي ولغوي يتصل بسلسة طويلة من الشعائر الدينية والاعتقادات الميثية بما هو مفارق للذاكرة ومستبطَن في اللسان. فمن المعروف أن ((لغة الشعائر والطقوس الدينية تتسم بكونها لغة التداول اليومي، لذلك فهي تحتوي في كثير من الاحيان على كلمات وممارسات هي من الصعوبة في مكان أن يفهمها كل من المتكلم والسامع. زد على ذلك، أن لهجة الشعائر والطقوس الدينية هي تدول آلي للحقيقة بسبب بنيتها الشكلية أو الرسمية، من ناحية ومن ناحية اخرى، هي كلام يصادر المعنى من افعال الاعتراض والتناقض، فهو بذلك يشتمل على معان دوغمائية مقدسة تحجب كل إمكانيات الاختلاف. وهنا تكمن بكل تأكيد صفتها الارغامية))(35).
من هنا نتساءل، هل كان الوردي يحاول ان يقوض من سلطة التقليد من خلال نقد وتحليل شيفرات الأحلام اليومية؟ ام انه كان يحلل الأحلام كونها أصبحت غير علمية أو خارج منطقة الخطاب الابستمولوجي؟ وهل كان العلاّمة في هذين الكتابين السابقين، متواصل مع الاشكاليات الثقافية التي طرحها في مؤلفاته الأخرى لاسيما تلك المتعلقة باللغة وارتباطاتها التاريخية والسياسية والأيديولوجية؟ وهل كان يهتم فقط بحكايات وسرديات الأحلام، ام في علاقتها بالعمليات الذهنية والقيم والعادات والتقاليد اليومية؟
في الحقيقة ان مؤلفاته (الاحلام بين العلم والعقيدة) و (وعاظ السلاطين) و (خوارق اللاشعور) وضعت سلطة التقليد وهيمنة اللغة على المحك الثقافي والنقدي، لأن الوردي منذ البدء يعلن تصديه لكثير من الظواهر الاجتماعية التي عُدت مقدسة لمجرد أنها سليلة لغة مقدسة، حتى أصبح ((من الممكن القول أن التقليد هو نظام يتموضع في قلب الذاكرة الجماعية))(36).
هكذا يصف الوردي العلاقات البنيوية والتاريخية بين كل من تاريخ الأحلام المقدس وعلاقته بالثقافة السائدة؛ بين وظيفة الاحلام ووظيفة اللغة؛ بين اللغة وبين الكلام واللسان الثقافي؛ بين الذاكرة الجماعية والهيمنة السياسية. كل تلك العلاقات تعكس بطبيعة الحال أكثر من اشكالية، لانها لم تخضع بعد للتحليل وإعادة القراءة وبالتالي لم يتشكل عليها تراكم من التحليلات المنهجية والابستمولوجية، لاسيما وان الموضوع يتعلق بإشكالية هامة في الثقافة العراقية، الا وهي اشكالية المقدس وعلاقته بالدنيوي، هذه العلاقة التي بقيت محكومة بانساق من الرموز المتعالية عن الاحالة الى ما هو واقعي أو فيزيقي، وهذه هي كبرى الاشكاليات في لغة ومنطق صيرورة المقدس، التي اهم ما يميزها انها تشتغل في فضاءات الرموز الشكلية التي تنمط طبيعة الكلام الديني. حيث ((أن الاعتياد على طقس شعائري، يعني في وجه ما، الممارسة والاعتقادات ضمن نظام رمزي خال من الاحالة نحو الالتزام بذلك الطقس او عدمه بين الفاعلين الاجتماعيين. فهم لديهم من الأسباب العملية الكافية ما تدفع بهم نحو تلك الممارسة.... ان تداول الكلمة ضمن نسقها الشعائري يعني بالضرورة تداول رموز فارغة غير متناسقة، وهذا ما سيجردنا من اي كلمة قد تمثل ما هو حقيقي غير زائف... فمشكلة الرموز غير الواقعية أو المجردة هي مشكلة ترتبط بعلاقة تلك الرموز مع الحياة الاجتماعية))(37).
نجح الوردي في تشكيل ورشة عمل تحليلية ضمن منهجه واختصاصه الاجتماعي، تهدف إلى تحليل ذلك النسق اللاهوتي والديني المقدس ذو اللغة الشكلية المجردة المتعالية، والبحث في علاقتها مع الاشكال اليومية لاستعمالات اللغة. ومن الملاحظ ان العلاّمة لم يتجاوز الإشكالية السياسية في كلا المؤلفين ألسابقي الذكر، حيث تبرز تلك الإشكالية في كتاب الأحلام، الذي يناقش إشكالية اللغة الشكلية للمقدس المرتبطة بالأضرحة الوهمية والأحلام الرمزية التي لا تشير الى ما هو واقعي أو حقيقي، يتأتى من ذلك رأي الوردي من ان استمرار هيمنة تلك اللغة في المجتمع له اثر بالغ في استمرار مسلسل التخلف الثقافي وغياب النقد الابستمولوجي للمؤسسات الاجتماعية، وهذا ما اشار اليه حينما قال: ((قد يسألني سائل: ما هي الصلة التي تربط كتابي هذا، وهو يبحث في الاحلام، بموضوع الشرف والشرفاء من اهل البيت؟ الحقيقة التي يجدر بالقارئ ان يعرفها قبل ان يبدأ بقراءة كتابي هذا هي اني لم اكتب فيه عن الاحلام على منوال ما كتب عنها علماء النفس. واعترف باني لست من المختصين في موضوع الاحلام من الناحية النفسية. ان اختصاصي، كما يعرف القارئ، هو علم الاجتماع. ولكني وجدت ان الاحلام تمس موضوع اختصاصي من طريق غير مباشر. وهذا امر قد لا يهتم له علماء الاجتماع في البلاد المتمدنة، اذ هم لا يرون للاحلام صلة وثيقة بالمواضيع الاجتماعية في بلادهم. اما في بلادنا، فالأمر يجري على النقيض من ذلك. استطيع ان اقول بأننا من أكثر الامم تأثرا بالاحلام من الناحية الاجتماعية. فكثير من عقائدنا وعاداتنا نشأت فينا ونمت من جراء ما نسبغ على احلامنا من صبغة قدسية. وبعض رجال الدين عندنا يعتقدون بأن الاحلام تنطق احيانا بالوحي الذي لا يجوز الشك فيه. وقد جرى العوام وراء رجال الدين في هذا الشأن الى درجة كان لها اثر اجتماعي بالغ في السوء. وتتركز هذه العقيدة فيهم حين يرون في احلامهم النبي أو احد الائمة يقول لهم شيئا أو يأمرهم بشئ. وهم عند ذلك يؤمنون بان رؤياهم كانت صادقة ولهذا نراهم يندفعون في تحقيق ما قال النبي أو الامام لهم في النوم كأنه قال لهم ذلك اثناء اليقظة. من الاحاديث التي تروى في هذا الشأن ما نقله اهل السنة في صحاحهم عن النبي انه قال: "من رأني فقد رأى، فان الشيطان لا يتكونني".. وكذلك روي الشيعة عن ائمتهم انهم قالوا: "من رآنا فقد رآنا حقا فأن الشيطان لا يتمثل بنا"))(38).
اما الجانب السياسي فهو لم ينفصل عن الجانب المقدس في الاحلام، وهذا ما سعى الوردي إلى إبرازه وتعريته من خلال سرديات التاريخ الإسلامي: ((ويأتي ابن حجر في كتاب "الصواعق المحرقة" بأحلام "مقدسة" تدل على ان السلطان مهما كان عاتيا سفاكا فان الله قد يغفر له ظلمه بشفاعة النبي أو اهل بيته. فتيمورلنك مثلا، الذي اعترف ابن حجر بأنه كان اظلم خلق الله، رؤى في النوم وهو مغفور له لأنه كان يحب ذرية النبي. ويحدثنا ابن حجر كذلك ان احد اليمانيين ذهب الى مكة للحج مع عياله، فقسى عليه في الطريق جلاوزة "الشريف" الذي كان يحكم الحجاز آنذاك. واخذ اليماني يدعو الله على الشريف، ولكن النبي ظهر له في النوم وقال له: "اما رأيت في الظلمة من هو اظلم من ولدي هذا؟!" فاستيقظ اليمامي مرعوبا وتاب الى الله من ان يتعرض لأحد من ذرية النبي الذين اوجب الله احترامهم على العباد))(39).
اما عن الأضرحة الوهمية ذات الإحالات الميتافيزيقية المقدسة، كقداسة اللغة المنحدرة منها، فيقول الوردي: ((اود ان لا تفوتني الفرصة هنا لأشير الى ظاهرة اجتماعية معروفة لدى المسلمين منذ زمان قديم، ولها صلة كبيرة في الاحلام. هي ظاهرة القبور الوهمية التي يزورها الناس يتبركون بها وينذرون لها النذور بينما هي في حقيقة امرها لاسند لها من التاريخ. فقد يرى احد الناس في منامه ما يدل على وجود قبر لبعض الاولياء أو ابناء الائمة في موضع معين. فيستيقظ الرجل من النوم فرحا ويعلن امر القبر الى الناس فيصدقونه وينهالون على القبر يتبركون به. ويجني الرجل من ذلك نذورا كثيرة ومنزلة اجتماعية سامية.. يحدثنا الاستاذ جعفر الخليلي في احد كتبه عن قصة رجل اسمه "مزعل الفحام" وكان هذا الرجل فقيرا كل الفقر يكدح طيلة العام في عمله دون ان يجد فيه نفعا. وتفتق ذهنه اخيرا عن حيلة يدرأ بها العوز عن نفسه وعن عائلته البائسة، فأعلن ذات يوم بأن "الخضر" ظهر له في النوم واخبره بوجود قبر لبعض الاولياء في بيته اي في بيت مزعل الفحام! وشاع خبر الحلم بين الناس، وفرح به سكان القرية التي يقع فيها بيت مزعل الفحام حيث ادركوا بأن قريتهم ستصبح مزارا مقدسا. وقد اصبحت القرية بالفعل مزارا كبيرا يحج اليه الناس من كل صوب واضحى مزعل الفحام شيخا محترما تجبى له الاموال. ان هذه القصة قد تكون خيالية ولكن لها شبها كبيرا بما يحدث بين الناس أحيانا من حوادث واقعية في هذا الشأن))(40).
بهذه الطريقة تتشكل اللغة وتتشكل معها مفاهيمنا ومقولاتنا الذهنية، فما بالك بكلامنا الذي اصبح مؤسطرا من بدايته حتى نهايته. ان الوردي كان يشتغل في منطقة الاحلام والمقدس باعتبارهما مظاهر لتجليات اللغة الشكلية التي تجرد الحقائق والأشياء عن صفتها الواقعية، لتغدو بذلك خيالات مجردة ولغة ميتافيزيقية تسيطر على الاشياء وجميع الممارسات الاجتماعية الثقافية. ومثلما رأيناه سابقا، ناقدا ومقوضا لتلك اللغة المكتوبة بطريقة شكلية ومعقدة تنأى بنفسها بعيدا عن حياة العوام ووجودهم اليومي المنغمس بالهموم والمآسي الأزلية، نجده هنا مرة اخرى يحاول ان يخرجنا من كهف أفلاطون الشكلي الذي سيطر على آليات الذهن وعمليات الكتابة التي أنتجت لغة ملغومة بالمترادفات البلاغية والمحن اللفظية. حيث يعود العلاّمة الى معالجة أمراض اللغة والكلام في سياقات النص المقدس وسيطرة الميث اللاهوتي والديني ليخطوا بذلك اشواطا كبيرة في منطق القطائع الابستمولوجية فمن المهزلة إلى الأسطورة، التي لاحظنا فيها كيف تمت القطيعة الابستمولوجية مع اللوغوس المتمركز حول الكتابة الميتافيزيقية وبلاغتها السلطوية ضمن التشكيلات الأيديولوجية، يتنتقل الوردي بين "زقاق الكلام" و"مَحلة الحكي" و"مقاهي اللسان اليومي" التي تسيطر عليها المركزية "الثيوشكلية" اي تلك اللغة المنحدرة من جينالوجيا الأشكال المقدسة للأحلام والرؤى والأضرحة الوهمية...الخ، والتي تحولت الى مؤسسات رمزية تعمل على إعادة إنتاج الكلام والجسد الإنساني بطريقة ملهوتة.

لغة الجسد وجسد اللغة: من الأفواه القديمة الى الآذان الجديدة

ضمن سعيه الدائم لتخليص الذهن الإنساني من تابوهات الفكر الثيولوجي والعقائد الدوغمائية التي تسيطر على الجسد واللسان، حاول الوردي استنطاق الطبيعة الإنسانية وعلاقتها بالجسد وغرائزه، هذه العلاقة التي لطالما كانت محكومة بقضبان الساسة ومن لف حولهم من وعاظ السلاطين وما شابه، فبقيت مغلفة بهالات مقدسة من ممارسات لغوية وعظية ولغة تبخيسية تحط من قيمة الجسد وطبيعته المنفتحة نحو الآخر ونحو الأنوثة المحتجبة والمحجبة. وذلك لان الجسد في الخطاب الوعظي يحيل إلى مجموعة من المواعظ والحكم الشكلية التي لا تختلف بشيء عن اللغة الشكلية والرمزية بمعنى ان اللغة الشكلية أو القدسية تتحول من سياق الى اخر فمن سياقات الكُتاب والكتابة الأيديولوجية الملتوية والمقعرة الى كتابات الخطاب الفلسفي الذي لا يختلف هو الآخر بشيء من حيث اللغة المعقدة والتشكيلات الأيديولوجية المسيطرة التي تسبق كل نص فلسفي وحتى خطاب الأحلام الذي حوّل الكلام الى سلسلة من الارتباطات الميتافورية والرمزية التي لا تنطق الا في حضرة المقدس وأضرحة الأولياء الوهمية.

الجسد وتكنولوجيا السيطرة الوعظية

يمثل الجسد من الناحية الثقافية، ذلك الرمز المخيف الذي يقلق ويهدد مضاجع الخطاب الديني بكافة أشكاله وصوره المختلفة، لذا كرس الموروث الديني الكلاسيكي الشطر الأكبر من أدبياته التاريخية لمراقبة حركات وآليات متع الجسد، وذلك من خلال تحول تلك الادبيات إلى سياق ثقافي يمثل سلطة من القيم والعادات الاجتماعية والأنظمة الوعظية التي تحولت بدورها الى قنوات من التواصل والاتصال بين الجسد الاجتماعي وسياسات التسلط الأيديولوجي. بمعنى اننا نتعامل هنا مع ابنية ثقافية وسساتيم اجتماعية تحاول ان تعيد انتاج الجسد لجعله مطواعا لإرادة الحاكم، فتغدو الثقافة السائدة ثقافة متسلطة من خلال مخيالها ورموزها الشكلية، لانه ((لا يمكن تحليل تقنيات الجسد بمعزل عن تحليل مواز للأنظمة الرمزية التي تشكلها))(41).
يقول الوردي:((ان القدماء كانوا يتصورون بأن الانسان حر عاقل مختار. فهو في رأيهم يسير في الطريق الذي يختاره في ضوء المنطق والتفكير المجرد. ولهذا اكثروا من الوعظ اعتقادا منهم بأنهم يستطيعون بذلك على تغيير سلوك الانسان وتحسين اخلاقه. دأبوا على هذا مئات السنين. والناس اثناء ذلك منهمكون في اعمالهم التي اعتادوا عليها لا يتأثرون بالموعظة الا حين تلقى عليهم. فنراهم يتباكون في مجلس الوعظ -ثم يخرجون منه كما دخلوا فيه لئاما. لقد جرى مفكرونا اليوم على اسلوب اسلافهم القدماء، لا فرق في ذلك بين من تثقف منهم ثقافة حديثة أو قديمة. كلهم تقريبا يحاولون ان يغيروا بالكلام طبيعة الانسان. وكثيرا ما نراهم يطالبون الناس بمواعظهم ان يغيروا من نفوسهم اشياء لا يمكن تغييرها. فهم بذلك يطلبون المستحيل. وقد ادى هذا بالناس الى ان يعتادوا سماع المواعظ من غير ان يعيروا لها اذنا صاغية. وانتشرت في الآونة الاخيرة عادة سيئة بين ابناء الجيل اذ نراهم يضحكون على ذقن كل واعظ. فأصبح الواعظون في واد وابناء الجيل الجديد في واد آخر))(42).
ويقول في موضع اخر:((يكون الوعظ ذا ضرر بليغ في تكوين الشخصية البشرية اذا كان ينشد اهدافا معاكسة لقيم العرف الاجتماعي. فإذا ذهب الانسان الى المسجد، أو الى المدرسة، واخذ يسمع وعظا افلاطونيا يحضه على ترك الدنيا، مثلا، ادى ذلك الى تكوين ازمة نفسية فيه. فهو يحب الدنيا من اعماق قلبه ويود الاغتراف من مناهلها بكلتا يديه. وهذا دأب كل انسان في الغالب. فالدنيا، وما فيها من ملذات ومغريات ومطامع، تفسد على الانسان صلاته وتخرب بصره. ولا يستثنى من ذلك الا الشاذ النادر. والشاذ لا يقاس عليه كما يقول المناطقة. والانسان حين يسمع الواعظ يعظه بترك هذه الدنيا الخلابة، يمسي حائرا. فضميره يأمره بإطاعة الواعظ من ناحية ونفسه تجذبه من الناحية الثانية نحو الدنيا جذبا لا خلاص منه. فهو اذن واقع بين حجري الرحى، لا يستطيع ان يترك الدنيا ولا يستطيع ان يترك الجنة التي وعد بها المتقون))(43).
اما عن طبيعة التناقضات التي تحكم العقلية الوعظية فيقول الوردي: ((ان المفكرين العرب قد حلقوا في سماء الوعظ كثيرا، فلم يقربوا اسلوب وعظهم من اسلوب الواقع الذي يعيش الناس فيه. وبهذا اصبحت هناك فجوة واسعة بين واقعية الحياة ومثالية الفكر عندهم. وكثيرا ما نجد واعظا يعظ في مجتمع عشائري اذ يحض الناس على التقوى والعدل والانسانية، ثم نجده بعد ساعة يحرض احد الناس على قتل اخته لسوء سمعتها، أو يذم اخر لأنه في زعمه "مخنث" لا يرد الصفعة بعشرة امثالها. اعرف شخصا من اولي التدين والتهجد حيث يقضي أكثر اوقاته بالتسبيح وقراءة كتب الحديث وسماع المواعظ. ولكنه كان في نفس الوقت عشائريا في قيمه الاجتماعية. وقد رأيته ذات يوم يذكر لي اعماله في الدفاع عن ابناء عشيرته على سبيل الفخار والمباهاة. واخذ يحدثني كيف اخرجهم ذات يوم من موقف الشرطة بتوسطاته وكيف اخفى سرقاتهم عنده وجعل المسروقين يفدون اليه متوسلين خانعين يرجونه ان يرد المسروقات اليهم، وهو يتغطرس عليهم ويتعجرف ويذكرهم بفخار الاباء والاجداد. وقد شاهدت في مجلس من المجالس احد ابناء العشائر وهو يردد احاديث النبي في شان العدالة والرحمة في الناس ويرفع صوته بها. ثم علمت اخيرا انه من اولي الغضب الشديد اذ هو لا يبالي اثناء غضبه ان يقتل الناس الذين منع النبي من قتلهم. رأيت في هذا الرجل مثلا رائعا لازدواج الشخصية. فكان عقله الظاهر عند الوعظ مفعما بحب النبي وبترديد احاديثه، اما عقله الباطن فكان بدويا لا يفهم من الاسلام الا شهادة "لااله الاالله".. والركوع والسجود. لا ريب انه استطاع بهذا الازدواج ان ينقذ نفسه من وبال الصراع النفسي))(44).
من اللافت ان الخطاب الثقافي للوردي كان حافل بالشواهد الإسلامية والأدبيات الكلاسيكية الدينية من أحاديث نبوية وروايات إسلامية، الى جانب شواهد المجالس العشائرية وأحاديث العامة في الشوارع والطرقات...الخ. فنراه يعود بين الحين والاخر الى التذكير بتلك المنابع الرئيسية التي شكلت المقولات الذهنية للإنسان العراقي. فهل كان ذلك للتكرار فحسب، ام للإمتاع في تذكر تلك القصص والسرديات الماضوية؟ هل كان الوردي يبحث في شكل تلك القصص بذاتها، ام انه كان يحفر عن شئ ما يقبع خلفها؟ ولماذا نلحظ ذلك الترابط والتلازم المنطقي بين تلك القصص والمرويات الاسلامية وبين وجود الجماعات البسيطة والمعدمة، ولماذا لم ترتبط مع الجماعات المترفة؟ هل كانت بحوث العلاّمة لا تخدم الطبقات المترفة، ام انه لم يجد في حياة تلك الطبقات ما يؤسس عليه أبحاثه الثقافية والاجتماعية؟
حرص الوردي على تتبع تاريخ انبثاق الخطاب الثقافي واستعمالاته، اضافة إلى رصد قنواته الاتصالية والتواصلية في شبكات المجتمع ذات الابنية اللغوية والشكلية التي تؤطر كينونة الأفراد، وتعيد انتاجهم بواسطة الكلام وانظمة الحكي القديمة. كل تلك الممارسات تبدو بوضوح –حسب العلاّمة- في لغة الشعائر الدينية الشكلية؛ ولهجة الشارع المحلية؛ ولغة البيوت والعشائر العراقية وتقنيات العراك اليومي، فمن خلال وصف تلك المواقع الثقافية، يمكن فقط تتبع صيرورة اللغة وتحولاتها وانحرافاتها في الخطاب الذي يعتبر مركز الممارسات الاجتماعية. وذلك لان كون كل من(( الدين والممارسات السحرية واللهجات المحلية التي تعمل في وجه ما على عزل المجتمعات والأفراد، هي محرمات شفاهية، جعلها تمثل مصادر طبيعية لحفظ ديمومة الجوانب المقدسة في اللغة))(45). لذا اهتم الوردي في تحليل مواقع الجسد المسكوت عنها، حيث يمثل الجسد هنا مظهر من مظاهر الكلمة الخالقة والمعيدة في الخطاب الوعظي الذي هو بالضرورة مظهر من مظاهر استعمالات اللغة المقدسة والتعبيرات الروحية التي تحاول ان تسيطر بطريقة شكلية على اندفاعات الجسد الحيوية وغرائزه الطبيعية. فما يسعى اليه الواعظ الديني بالتحديد هو خلق أجساد بلا ذوات وذوات بلا طبيعة.
هكذا تبدو سرديات التاريخ الإسلامي عند الوردي هي المدخل الرئيسي لدراسة مجمل اشكال وصور الحياة الاجتماعية السوية والغير سوية؛ الصحية والمرضية، لان تلك السرديات هي التي من شكل اطرنا الذهنية ومقولاتنا التقليدية حول الواقع والعالم والأشياء، حيث يقول:((ولا ريب ان عدد الواعظين اخذ يزداد في ظل الدولة العباسية وينمو نموا فظيعا. وكان كل وزير أو امير يخصص جزءاً كبيرا من الاموال التي ينهبها لبناء المساجد والتكايا وللترفيه عن المرتزقة الذين يأوون اليها من طلاب الفقه والعبادة..وكان الواعظ يعطى على مقدار ما يتحذلق به من جيد اللفظ وبلاغة الاسلوب. واذا اشتهر احد الواعظين ببلاغة وعظه، جاء الخليفة هو واهل بيته ووزرائه وحاشيته يستمعون اليه، ويبدون بين يديه من مظاهر التوقير والاحترام ما يشجّع غيره على اتباع طريقه. يحدثنا الرحالة الاندلسي ابن جبير الذي زار بغداد في القرن السادس الهجري عن مجالس الوعظ هذه فيأتي في وصفها بالعجب العجاب. يأتي ابن جبير اولا على وصف اخلاق البغداديين فيصفها بالسوء، ويعتبرهم من العن خلق الله، ثم يأتي بعد ذلك على وصف وعاظهم فيمجد طريقتهم ويبدي اعجابه بها. وهو يقول في ذلك ما نصه :"ولا جرم ان لهم في طريقة الوعظ والتذكير، ومداومة التنبيه والتبصير، والمثابرة على الانذار المخوّف والتحذير، مقامات تستنزل لهم من رحمة الله تعالى ما يحط كثيرا من اوزارهم ويسحب ذيل العفو على سوء آثارهم ويمنع القارعة الصماء أن تحل بديارهم. لكنهم معهم يضربون في حديد بارد، ويرومون تفجير الجلامد...". ثم يصف ابن جبير خطبة من خطب الواعظ المشهور جمال الدين بن علي الجوزي وقد حضرها بنفسه وينعتها بمنظومة الدرر ويقول:" انه اتى... برقائق عن الوعظ وآيات بيّنات من الذكر طارت، لها القلوب اشتياقا، وذابت بها الانفس احتراقا، الى ان علا الضجيج وتردد بشهقاته النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح. كل يأتي ناصيته بيده فيجزها، ويسمع على رأسه داعيا له. ومنهم من يغشى عليه فيرفع بالأذرع اليه. فشاهدنا هولا يملأ النفوس إنابة وندامة، ويذكّرها هول يوم القيامة. فلو لم نركب ثبج البحر، ونعتسف مفازات القفر الا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل لكانت الصفقة رابحة والوجهة المفلحة الناجحة...". يبدو من كلام ابن جبير هذا ان البكاء عند سماع الوعظ اصبح في نظر البغداديين غاية لذاته. فهم لا يبالون ان يفعلوا ما يشاؤون في السوق فينقصون الكيل ويستغلون الغريب كما قال ابن جبير. ولكنهم في مجلس الوعظ يبكون ويشهقون ثم يغمى عليهم ويذوبون شوقا الى الله وخشية منه.ثم وصف ابن جبير مجلسا اخر من مجالس الواعظ ابن الجوزي اذ حضره الخليفة ووالدته ومن حضر من الحرم. ويقول في تأثير الموعظة على الناس ما يلي: "...فأرسلت وابلها العيون، وابدت النفوس سر شوقها المكنون. وتطارح الناس عليه، بذنوبهم معترفين، وبالتوبة معلنين، وطاشت الالباب والعقول، وكثر الوله والذهول، وصارت النفوس لا تملك تحصيلا ولا تميز معقولا، ولا تجد للصبر سبيلا". ولست اشك في ان الخليفة بكى مع الناس بكاءاً مرا، وربما اغمى عليه من خشية الله كما اغمي من قبل على جده هارون الرشيد. ولعل الناس كانوا في ذلك الحين لا يبالون ان ينهب الخليفة من اموالهم ما يشاء ما دام يغمى عليه من خشية الله ويبني المساجد ويغدق النعم على الواعظين. لقد استراح الناس حقا حين اتخذو هذه العادة. انهم كانوا يعانون من قبل داء الصراع النفسي، كما ذكرنا، وكانت الثورات تتوالى فيهم جيلا بعد جيل. اما بعد اتخاذهم طريق الازدواج فقد هان الأمر عليهم، اذ صار لهم قلبان: يسمعون الموعظة باحدهما، ويسمعون رنين النهود والنقود بالاخر. فليس هناك اذن صراع نفسي ولا قلق اجتماعي ...ولا هم يحزنون))(46).
ويواصل الوردي نقد العقلية الوعظية قائلا: ((يحكى ان نظام الملك وزير السلجوقيين في العراق كان ينفق اموالا طائلة على المساجد والمدارس والتكايا. فعاتبه سيده ملك شاه على ذلك. فأجابه نظام الملك بالجواب التالي:"...انت مشتغل بلذاتك ومنهمك في شهواتك واكثر ما يصعد الى الله تعالى معاصيك دون طاعاتك وجيوشك الذين تعدهم للنوائب...مستغرقون في المعاصي والخمور والملاهي والمزمار والطنبور. وانا اقمت لك جيشا يسمى "جيش الليل"...اذا نامت جيوشك ليلا قامت جيوش الليل على اقدامهم صفوفا بين يدي ربهم فأرسلوا دموعهم واطلقوا السنتهم ومدوا الى الله اكفهم للدعاء لك ولجيوشك. فأنت وجيوشك، في خفارتهم تعيشون، وبدعائهم تبيتون. وببركاتهم تمطرون وترزقون". فقبل الملك شاه من وزيره هذا الجواب المفحم وسكت. يتضح من هذا الجواب ان مشكلة الدين عند الناس اصبحت هينة للغاية. فالفرد يجوز له ان يعمل ما يشاء وينهب من يشاء. ولكي يرضى عنه الله تعالى يجب ان يعطي جزءاً مما ينهب الى العّباد والزهاد والوعاظ لينوبوا عنه امام الله يستغفرون له. ومن الممكن القول بأنه كلما كان الظلم الاجتماعي اشد كان بناء المساجد وتشجيع الوعظ اكثر. فإذا بنى الظالم الغاصب مسجدا بنى الله له في الجنة قصرا فخما، واذا هو اغدق النعم على الوعاظ اعطاه الله من الحور العين والولدان المخلدين، ما يعوّض له عما فقده في هذه الدنيا الفانية من الجواري والغلمان -ومن يقرض الله قرضا حسنا يضاعفه له وهوعلى كل شئ قدير. سار الناس في هذا السبيل المزدوج، وهم لا يزالون يسيرون فيه حتى يومنا هذا. وربما جاز ان نقول ان هذا الازدواج يشتد في المراكز الدينية أكثر من غيرها ففي المجتمع الذي يكثر فيه الواعظون والفقهاء يكون الناس فيه اولى وجهين. فهم في اعمالهم يشبهون سائر الناس. ولكنهم يمتازون في انهم يتواعظون ويتفيقهون ويتصافعون بالويل والثبور أكثر من غيرهم...لقد صار الوعظ مهنة تدر على صاحبها الاموال، وتمنحه مركزا اجتماعيا لا بأس به. واخذ يحترف مهنة الوعظ كل من فشل في الحصول على مهنة اخرى. انها مهنة سهلة على اي حال. فهي لا تحتاج الا الى حفظ بعض الآيات والاحاديث ثم ارتداء الالبسة الفضفاضة التي تملأ النظر وتخلبه. ويستحسن في الواعظ ان يكون ذا لحية كبيرة كثة وعمامة قوراء. ثم يأخذ بعد ذلك بإعلان الويل والثبور على الناس، فيبكي ويستبكي -ويخرج الناس من عنده وهم واثقون بان الله قد رضى عنهم وبنى لهم القصور الباذخة في جنة الفردوس. ويأتي المترفون والاغنياء، والحكام فيغدقون على هذا الواعظ المؤمن ما يجعله مثلهم مترفا سعيدا. انه يصلي بالأجرة ويصوم بالأجرة ويحج بالأجرة، وهو يريد من الناس جميعا ان يصوموا ويصلوا ويحجوا مثله- ناسيا ان الفقر والكفاح في سبيل الرزق قد اعمى الناس عن كل شئ سوى لقمة الزقوم! قلت لاحد العمال ذات يوم، وكان الفصل صيفا شديد الحرارة: لماذا لا تصوم أيها الزنديق ..فأجابني بحرقة: ان الصوم يا مولانا قد فرض على اهل السراديب وحدهم!...عند هذا شعرت بأني ظلمت الرجل...الواقع ان الوعاظ والطغاة من نوع واحد. هؤلاء يظلمون الناس بأعمالهم، وأولئك يظلمون بأقوالهم. فلو ان الواعظين كرسوا خطبهم الرنانة على توالي العصور في مكافحة الطغاة واظهار عيوبهم لصار البشر على غير ما هم عليه الان))(47).
بهذه الطريقة تتم حماية اللغة والحفاظ على استمرارية الخطاب من خلال هيمنة المقدس على السنة العوام، وسيطرة ثقافة الوعظ الديني، الذي هو في النهاية الأداة التي تخدم المؤسسة السلطوية الحاكمة، من خلال نصوصهم المقدسة وخطبهم الروحية التي تمثل وظائف اللغة الشكلية المقدسة التي شطرت العالم الى نصفين: نصف مفارق ومتعال يمثل عالم الملفوظ المقدس المسيطَر عليه من قبل الطبقات الدوغمائية؛ وعالم الوجود الجسدي الإنساني المراقَب والمعاقَب، فكلا العالمين متناقضين من حيث البنية المنطقية والمفاهيمية، ويبدو هذا التناقض على أشده لدى الطبقات المحرومة التي دفعت ثمن ذلك الانشطار الأزلي بسيطرة لغة المحرمات والتابوهات الميثية على أذهانهم وأجسادهم.
في جدل ازدواج الخطابات الثقافية وازدواج الشخصية

تعد اشكالية ازوداجية الشخصية العراقية وعلاقتها الثقافية والتاريخية مع الانماط الثقافية لجدل البداوة والحضارة، واحدة من اهم الاشكاليات الثقافية التي طرحها الوردي، والتي تضعنا امام تركة ومخلفات الخطابات الثقافية المضطربة والمتصارعة بل والمتناقضة فيما بينها من حيث استعمالات اللغة وانتاج المفاهيم والكلمات والكلام معا، لانه من الصعوبة بمكان ان نبدأ في تحليل الشخصية العراقية دون ان نفكك لاوعيها الثقافي السابق عليها. يصف الوردي تاريخ ازدواجية تشكيل الخطابات الثقافية التي شكلت بدورها ازدواجية اللسان الثقافي العراقي المنشطر بين عوالم مثالية ميتافيزيقية وعوالم دنيوية، فيقول: (( ان هذه الظاهرة موجودة في كل نفس بشرية، ولكنها في النفس العراقية أقوى وأوضح لان قيم البداوة والزراعة قد ازدوجتا في العراق مند أقدم العصور ولا تزال تصطرع في انفسنا حتى اليوم. هذا ولقد ازداد هذا الازدواج وتأسس تأسيسا اجتماعيا في العهد العباسي عندما اصبحت بغداد عاصمة الامبراطورية الاسلامية. فلقد نشأت في العراق آنذاك اغلب العلوم الاسلامية وترجم المنطق اليوناني. ولو رجعنا نحو أولئك المفكرين الذين ساهموا في هذه الحركة العلمية الجبارة لوجدنا جلهم من ابناء الطبقة المغلوبة، اذ كانو حضرا في الغالب ولم يكن فيهم من ابناء البداوة الا قليلا. ومعنى ذلك ان تفكيرنا قد اصطبغ منذ ذلك الحين بصبغة المثالية الزاهدة الخاضعة. اما اعمالنا فبقيت تحت تأثير القيم البدوية لانها كانت القيم السائدة فعلا في الطبقات العليا. وبهذا اصبحنا نعيش في عالمين متناقضين عالم الفكر المثالي من ناحية وعالم الفعل الواقعي من ناحية اخرى. فأصبح احدنا يجادل على اساس المنطق الارسطوطاليسي والمثالية الدينية بينما هو في الواقع من ابناء هذه الدنيا غضوبا حقودا... ومن غرائب الصدف ان المجتمع العراقي كان في صدر الاسلام موطنا لعدد كبير من اقطاب التفكير الديني واعلام المنطق والفلسفة ففيه عاش كثير من صحابة الرسول، وفيه نشأت فرقة المعتزلة وفيه ظهر كثير من اقطاب التصوف وائمة الاسلام. فهؤلاء الاعلام الاخيار طبعوا التفكير العراقي بالنمط المثالي وجعلوا الشعائر السائدة في العراق تنشد احترام الواجب وتمجد الاخلاق الفاضلة. ولذا اصبح الفرد العراقي متعودا ان يخطب ويكتب في حدود ما يستوجبه الدين أو يقتضيه المنطق من افكار سامية وبراهين دامغة؛ ولكنه مع ذلك لم يستطع ان يغير من طراز حياته اليومية شيئا، ولذلك صار متقمصا شخصيتين أو ذاتين مختلفتين: ذاتا يفكر بها وذاتا أخرى يعمل بها. وما ابعد مابين هاتين الذاتين))(48).
أن ابرز ما يمكن ملاحظته في النص اعلاه، هو وجود حالة فصامية بين عالمين: العالم المثالي أو الميتافيزيقي والعالم الفيزيقي الواقعي، وما بين تلك المنطقتين تتكون ازدواجية الشخصية وتتشكل مفاهيمها التي تصطبغ بطابع ذلك التناقض الثقافي وهذا بدوره يضعنا في بداية التحليل اللغوي لإشكالية الازدواج المحكومة بحتمية اللاشعور اللغوي والزمن الثقافي. على اثر ذلك، هل أصبحت لغتنا وذاكرتنا جزء من ذلك الانشطار الثقافي والمعرفي، طالما اصطبغت شخصيتنا بهما؟ وهل تعرضت كلماتنا ومفاهيمنا لذلك الانشطار ايضا فيما بينهما؟ وكيف كان يتكلم المجتمع في ظل تلك الأنظمة المعرفية المنشطرة؟ كيف كان يعيد وضع كلماته في جمل وعبارات دالة، وكيف هي العلاقة الابستمولوجية بين الكلمات والمعاني؛ وبين الكلمات والاشياء؛ وبين صيرورة الكلام وصيرورة الذهن والنظام الرمزي؟ وهل هناك نظام يمنح المتكلم حق الاختيار للكلمات في ظل ازمنة الازدواج الثقافي؟
ان الغاية الابستمولوجية من طرح تلك الاسئلة هي البحث في جينالوجيا ما يعرف "بنظام السيمانتيك" (semantic)، اي ذلك النظام الذي يبحث في العلاقات المنطقية والثقافية بين الكلمات والمعاني وعلاقتهما مع المتكلم، وجينالوجيا نظام السينتاكس (syntax)، اي النظام المسؤول عن تنظيم الكلمات مع بعض من اجل تكوين جمل وتعابير المتكلم. فهل كانت جميع الكلمات والتعابير اللغوية في زمن الانشطار والازدواج الثقافي تخضع لكل من النظامين السابقي الذكر؟ وهل كانا يعملان بطريقة صحيحة ام بطريقة مضطربة ومشوشة؟
يمثل وصف الوردي لحالة الاضطراب الثقافي والفكري التي جاءت كنتيجة طبيعية لنشأة علوم الكلام والفلسفة والمنطق والمذاهب الاسلامية والصوفية في العراق في مرحلة صدر الاسلام، عنصرا اساسيا في بحث مسألة ازدواجية الشخصية العراقية، وكأنه يشير هنا الى قضية تبدو على جانب كبير من الخطورة، الا وهي الارهاصات الثقافية لمراحل ازدواج اللسان والمفردات اللغوية، الواقعة جميعها تحت هيمنة نماذج ثقافية متباينة فيما بينها من حيث البنية والتشكيل المنطقي، وهذا ما بدا واضحا من خلال سمة الجدل المترسخة في صلب الشخصية العراقية لاسيما وهي في اطوار التحول الثقافي والحضاري. جميع تلك الانقسامات، شكلت الكلام العراقي ولسانه واستعمالاته للغته، بمعنى ان ازدواجية الشخصية التي ذكرها الوردي ليست منفصلة عن السياقات الفلسفية والمنطقية والدينية التي تحولت الى أيديولوجيات سياسية تعمل على إنتاج الكلام واللسان الثقافي.
نصل من كل ذلك إلى ان عملية الكلام تعرضت الى حالة من الانزياح والاضطراب الذهني، الأمر الذي جعل منها عملية تسودها حالة من الفوضى واضطراب المعاني والشواش المعرفي، وذلك لان ((اضطراب الكلام الشفاهي يؤثر بالضرورة على مقدرة النطق او الفهم للكلمات بوصفها كل حامل لمعنى ما))(49)، وهذا ما سيؤثر بدوره على عملية تنظيم الكلمات في عبارات واضحة، اي على النظام السينتاكسي الذي إن اصابه عطب، اثرّ على كل من ((قدرة الذات على الربط بين الكلمات في عبارات؛ وقدرتها على فهم العلاقات المتداخلة بين تلك الجمل))(50). وهذه الاضطرابات الابستمولوجية لابد من أن تترك اثارها على طبيعة تشكيل المعاني لاسيما وان الاضطراب في النظام السيمانتيكي قد((ينتج اضطرابا مماثلا على كل من عمليات الذهن في التنسيق بين المعاني المفردة ؛وفي استنباط العلاقات فيما بينها من اجل تأسيس كل مترابط؛ وايضا على الاستعداد الذهني في استقبال المدركات الخارجية وذلك من خلال اضعاف القدرة على تحليل الكلام الى معان محددة))(51).
كل ذلك دعا الوردي الى وصف وتحليل النماذج والبردايمات الثقافية التي تعمل بدورها على سن شرائع الكلام وتدوين الكتب في الاذهان، فالصراع ما بين غلبة نموذج ثقافي على نموذج اخر، حيث يحاول كل نموذج فرض انماطه وعاداته وتقاليده وقوانينه الكلامية الخاص، التي تستوجب بالضرورة استعدادات ذهنية مختلفة متكيفة مع كل مرحلة جديدة من الابنية اللغوية في مكوناتها الثقافية والأيديولوجية، وهذا هو بالضبط ما اشار اليه، حيث يقول:((ولو درسنا المجتمع العراقي في العهد العثماني الذي نأى بعبئه اهل العراق عدة قرون لوجدنا من صور التصادم الحضاري ونزاع القيم شيئا عجبا. فقد كانت الحكومة المركزية آنذاك ضعيفة كل الضعف سيما في العهد الاخير منه، فهي كانت لا تستطيع ان تحمي مظلوما أو تردع ظالما وكان دأبها جباية الضرائب وانمائها على حساب الضعيف والمسكين. وقد ادت هذه الحالة الى انتشار الاساليب العشائرية في سبيل حماية الارواح وضبط الامن. ومما يؤثر عن ذلك العهد المتأخر ان كثيرا من المدن العراقية حاولت ان تنظم نفسها على اساس عشائري فتنتخب شيوخا لها وتطالب بالثائر...وما الى ذلك من اساليب عشائرية. وقد دعى هذا الوضع الى انتشار القيم البدوية في المجتمع العراقي بشكل فظيع، فأصبح الفرد العراقي شديد التمجيد للقوة كثير التباهي بها متعصبا لمدينته أو محلته كما يتعصب البدوي لقبيلته في الصحراء. ويقال ان كثيرا من رؤساء المدن كانوا يحاولون ان يكونوا لصوصا يسطون على الدور ليلا أو قتلة سفاكين ذلك لكي يقال عنهم "انهم رجال ليل" فيجلبوا لأنفسهم بذلك المكانة اللائقة في المجتمع واني اعرف شخصيا رئيسا من رؤساء العهد القديم كان غنيا وافر الغنى ومع ذلك كان يتنكر ليلا فيذهب الى السطو واعمال البطولة الليلية، وبدا كأن الناس يحترمونه ويخافونه))(52).
يبرز من النص السابق عملية تحول خطاب الازدواجية من فترة تاريخية الى فترة اخرى، حيث يتضح كيف شكل النموذج الثقافي العثماني مرحلة ثقافية جديدة سياسيا وإداريا وبيروقراطيا، افرز ممارسات لغوية جديدة تتمثل في ولادة الخطاب العشائري الذي تتحول فيه البلاغة من النسق الميتافيزيقي الى الوعظ الديني والخطب العشائرية التي تمهد لتغلغل وانتشار البداوة وقيمها وتقاليدها الثقافية. ومن جانب اخر، انتج ذلك النموذج ما يعرف بخطاب القوة وتمجيد التمركزات الاثنية العشائرية والمناطقية والمحلية، وهي في مجملها اثريات من القيم البدوية بحسب رؤية العلاّمة.
من هنا جاءت اركيولوجيا الوردي التحليلية لتحولات الخطابات الثقافية والسياسية غير منفصلة عن جدلية صراع البداوة والحضارة وازدواجية الشخصية العراقية، بمعنى ان ازدواجية الشخصية هنا هي ليست مفهوم نظري أو ميتافيزيقي وإنما هي نتيجة لمجمل السياقات اللغوية والثقافية وتحولاتها السياسية، وهذا واضح من خلال نقده للمراحل الثقافية والمنطقية والفلسفية المتمثلة في سيطرة اللوغوس الارسطوافلاطوني. وقد برع الوردي في تشخيصه لمنطق التحولات الثقافية المتداخل مع تصنيفات اللغة المكتوبة والمحكية والنخبوية والشعبية، فهي تمثل تاريخ الممارسات الاجتماعية للخطاب المرتبط بأنظمة السلطة والمعرفة وأنظمة التجريد الذهني المتمركزة حول سلطة اللغة المقدسة، حيث يقول: ((فلقد ابتلينا، في العراق وفي كثير من البلاد العربية الاخرى، بهذا الفرق الكبير بين اللغة الدارجة واللغة الفصحى: بين لغة الاعمال اليومية ولغة الكتابة والخطابة. وهذا عامل لا يمكن اغفاله في بحث الشخصية العراقية وكيف نشأت ظاهرة الازدواج فيها. فلقد اجمع كثير من العلماء بان اللغة لها اثر كبير في التفكير. ولقد ذهب بعضهم بأن التكلم والتفكير شيء واحد، حيث ان التفكير حسب قولهم، ما هو الا لغة صامتة. ولقد اجريت بعض التجارب على حنجرة الانسان عند تفكيره فوجد انها تهتز كأنها تنطق مما يدل على وجود علاقة وثقى بين التفكير واللغة ونحن قد تعودنا ان نتكلم بلغتين: وكأننا بذلك نفكر على اسلوبين مختلفين. فنحن في حياتنا الاعتيادية نتكلم باللغة العامية الدارجة، ولكننا لا نكاد ان نواجه حفلا أو ان نكتب مقالا حتى نبدأ بالتحذلق باللغة الفصحى. وبهذا فنحن نتقمص شخصيتين ونفكر على نمطين. لقد اصبحت هذه عادة مألوفة لدينا بحيث لا نشعر بما نأتي به من التناقض فيها. اللغة الفصحى لغة البرج االعاجي- لغة رفع الفاعل ونصب المفعول به وجر المضاف اليه. وهذه امور لا تمس الحياة العملية مساسا كبيرا. ان حياة الواقع، التي يحياها عامة الناس ويعانون فيها ما يعانون من مشاكل وادواء، لا تنتفع من كون الفاعل مرفوعا او المفعول به منصوبا. انها تتطلب لغة علمية بسيطة، تؤدي المعنى من غير التباس او غموض. ان اللغة الفصحى نشأت في محيط البداوة الذي تسود فيه قيم الحرب والحماسة، ثم ترعرعت من بعد ذلك في قصور الامراء والمترفين. فهي لغة حماسة اولا، ولغة بطر وقلة اشغال ثانيا. لقد رعى اللغة الفصحى واكتشف قواعدها العويصة اناس كانوا يريدون ان يتقربوا الى الامراء والملوك بمثل ما كان يتقرب به المغنون وبائعو الجواري. فلم يكن الامير يهتم باللغة الفصحى في ادارة اعماله؛ انما كان يتفرغ لها، بعد ان ينتهي من ظلم الناس او العدل بينهم، كما كان يتفرغ لقصيدة رنانة في المديح او اغنية مثيرة في الغزل. ولهذا السبب كان الادب والشعر وغيرهما من افانين اللغة الفصحى لا يهتم بها عادة عامة الناس. فهي كانت محصورة بين جدران بعض القصور الباذخة المملوءة بالجواري. هذا كانت اللغة تنمو اذا شجعها الامراء وتنافسوا في تحبيذها، وتخمد اذا التهى الامراء عنها بملاه اخرى))(53).
احتوى النص الوردي أعلاه، على خطورة ابستمولوجية كبيرة، تحمل بين طياتها نداء عاجل إلى جميع كتابنا ومثقفينا ومختصي العلوم الاجتماعية والإنسانية، لتوجيه أنظارهم إلى تلك الإشكاليات، كي لا تتأسس من جديد أيديولوجيا التشكيلات الشمولية بين أحضان اللغة المقدسة.

في جدلية حفريات اللغة المهملة لازدواجية الشخصية العراقية

رأينا مما ذكر سابقا، كيف جمع الوردي بين نظرياته في ازدواجية الشخصية العراقية وصراع البداوة والحضارة وبين اشكال الخطابات الثقافية المزدوجة والمتمثلة في الأنظمة الثقافية والعلاماتية؛ والحقب السياسية والايديولوجية؛ والاصول المنطقية والفلسفية وسرديات الثقافة العربية الاسلامية...الخ. يعني ذلك أن طبيعة وبنية تلك النظريات الوردية تكاد أن تكون ميتافورية، اي مرتبطة بأنظمة لغوية شاملة، تتحول بين الخطابات الثقافية، المتشكلة: لغويا وبلاغيا -كما مر بنا سابقا- في مؤلفيه (أسطورة الأدب الرفيع) و(وعاظ السلاطين)، وسيكولوجيا وابستمولوجيا في مؤلفيه (الأحلام بين العلم والعقيدة) و(خوارق اللاشعور)، وفلسفيا ومنطقيا واجتماعيا في مؤلفيه (منطق ابن خلدون) و(مهزلة العقل البشري).
كان الوردي مبتكر خطاب العلوم الاجتماعية بطريقة جديدة، وذلك حينما فصله فصلا ابستمولوجيا عن جميع تشكيلاته الأيديولوجية السابقة، ليتجه بذلك الخطاب نحو وجهة ثقافية لطالما أقصيت عن مجالات العلوم الاجتماعية. ومن هنا يمكننا أن نؤرخ لولادة حقيقية لعلم الاجتماع، ذلك العلم الذي سيولد من رحم وقاع السفلة والمهمشين، بعدما كان طفل مدلل ترعاه امومة التشكيلات الأيديولوجية السابقة. يصف الوردي وظيفة علم الاجتماع الجديدة: ((الواقع ان علم الاجتماع هو بطبيعته "متواضع" يستمد أكثر معلوماته من السوقة ومن السفلة والمجرمين والغوغاء. فهؤلاء بمنابزاتهم ومفاخراتهم، وبتعاونهم وتنازعهم، يمثلون القيم الاجتماعية السائدة اصدق تمثيل. وهم بهذا المعنى افضل من المتعلمين. فالمتعلم يميل عادة الى التحذلق والى التظاهر بخلاف ما يضمر. اما العامي فهو في الغالب غير قادر على اخفاء ما في اعماق نفسه من عقد وقيم. فهي تظهر عليه حين يتنازع أو يتشاتم وحين يتعاون أو يتفاخر))(54).
وقل نفس الشيء فيما يتعلق بولادة اللغة، فهي عند الوردي تولد من جديد في الازقة والاماكن السفلية والمنسية في قاع المجتمع، لتشكل بدورها السنتنا وانظمة الحكي اليومي التي تعلمنا التحدث بأبجديات اللغة، يقول العلاّمة:((..ان الازقة تربي الطفل وتعده لكي يكون "شقيا" مغوارا يعتدي على غيره ولا يستطيع احد ان يعتدي عليه. وامه تحرضه ان يكون مثل ابيه "اذا مشى هز الارض بأقدامه"))(55). هنا يتضح كيف ان الخطاب يمتزج بالسلطة ليحرض على انتاج القوة من خلال سياسيات التلاسن اللغوي التي يكتسبها الطفل عن العائلة والشارع، وجميع ذلك في النهاية، يمثل ابسط الممارسات الأيديولوجية التي تخدم الخطاب الشمولي السائد، وفي هذا المختبر القيمي تتشكل أخلاقيات وقيم الأزقة التي اهم ما يميزها بحسب رؤية الوردي:((الشجاعة في المعارك...القدرة على النهب والاغتصاب...المصارعة البدنية...القدرة على خداع الغير والكيد به...الضحك على الغير والاستهزاء به ...اللواط))(56). هكذا يشخص العلاّمة حركة الخطاب وتمفصلاته بين قنوات المجتمع خاصة في المناطق التي عزلت بالإهمال والنسيان كالزقاق والمحلة...الخ، والتي تمثل تفرعات الخطاب وبدايات اللسان اللغوي. فلنتأمل كيف هي بداياتنا! فجميعها يحض على الانحراف ليس في استعمال اللغة فحسب بل في ممارسة القيم والرموز الأخلاقية، التي هي في النهاية هي مؤسسة من الألعاب اللغوية.
ويأتي الوردي بعد ذلك، على ذكر جانب خطير ومهم في تشكيل ازدواجية الشخصية وازدواجية لغتها، وهو المتعلق بتكنولوجيات السيطرة على الجسد والتحكم في سياسات انتاج الألم والأمراض لدى الطبقات المحرومة، حيث حرصت جميع الأنظمة السياسية المتعاقبة في العراق على الاستمرار في إنتاج وجوه شاحبة واجساد مريضة معتلّة، فالجسد العراقي لم يُكتشف بعد، وذلك لانه ابتلعته وصنفّته وادلجته تكنولوجيات الصحة الحيوية التي هي مؤدلجة بالضرورة، فأبستمولوجيا المؤسسات الصحية في خدمة السلطة الشمولية، يقول الوردي:((كانت الاوبئة في العهد العثماني تجتاح العراق حينا بعد حين. وكثيرا ما كانت تتوالى عليه بمعدل مرة واحدة كل عشر سنوات. ولكنها كانت اشد وطأة في المدن منها في الريف، وفي الريف اشد وطاة منها في البادية. وكلما كانت المدن اكبر واشد ازدحاما بالسكان كان تأثير الوباء فيها افظع....ذكر غروفز ان عدد الموتى اخذ يتزايد يوما بعد يوم حتى بلغ تسعة الاف في اليوم الواحد. ويقول: "ان الموت قد اصبح الان مألوفا بحيث ان الناس صاروا يدفنون اقرب الناس اليهم من دون اكتراث يعتد به، كما لو كانوا يقومون بعمل اعتيادي"، وعندما كان غروفز يتجول في الطرقات لم يصادف في طريقه اي انسان، عدا الذين كانوا يحملون الجثث والاشخاص المصابين بالطاعون الوبيل. وكانت صرر الملابس من مخلفات الموتي، ملاقاة بالقرب من كثير من الابواب. وبدلا من ان تدفن الجثث حسب مراسيم الدفن المعتادة صارت تلقي على ظهور الحمير والبغال ثم تؤخذ لتدفن في حفرة من الحفر...وكان اشد المناظر ايلاما وازعاجا وجود المئات من الاطفال الصغار في الطرقات، والكثيرون منهم لا يزيد عمرهم على عشرة ايام وهم يتصارخون، فيختلط صراخهم بزمجرة الكلاب التي كانت تنهش جثث الموتى))(57). يا لها من تراجيديا تدمي القلوب، فلنتخيل طبيعة اللغة التي تتوسدها اجساد الموتى وجثث الاطفال، اية اصوات لغوية اختزنتها وورثتها حناجرنا والسنتنا، وماذا يبقى من عملياتنا الذهنية؟ نحمد الله اذا خرجنا من تلك الكوارث بأزدواجية الشخصية فحسب!
ويستمر مسلسل الرعب والموت في تاريخ العراق، فالكوارث الطبيعية لها حصة من التدمير:((وجاء بعد ذلك الفيضان، واندفع الماء بكل قوته في داخل المدينة. وما حلّت الليلة الثانية من الفيضان حتى كان القسم الاسفل من المدينة كله تحت الماء، فسقطت على ما يقال سبعة الاف دار مرة واحدة، حيث دفنت المرضى والاموات والاصحاء في رمس مشترك.وقد بلغت صعوبة الحصول على المؤون اشدها في هذه المرحلة. فصار الاشخاص المحترمون جدا، من الذين بقوا على قيد الحياة، يدورون على الابواب ليستدجوا شيئا من ابسط الضروريات اللازمة للعيش...الواقع ان هذا الوباء الذي اجتاح بغداد قد اجتاح أكثر المدن العراقية. ويمكن القول انه كان اشد فتكا وضراوة من جميع الاوبئة التي حلت بالعراق من قبل ومن بعد. وهو على اي حال قد يعطينا نموذجا نستطيع ان نتبين به كيف كانت الاوبئة تساعد على نمو بعض مظاهر الازدواج في شخصية اهل المدن. ففي الوقت الذي كان فيه اهل المدن يعتادون منذ طفولتهم على حب الغلبة والفخار بالعصبية والثأر والاعتداء، كما رأينا، كانت الاوبئة تجتاحهم بين كل حين واخر فتبعث فيهم نزعة مناقضة لما اعتادوا عليه، وهي نزعة الحزن والخنوع والشكوى من الزمان. ومن هنا جاز لنا القول بأن الشخصية في المدن صارت ذات طابعين مختلفين: احدهما يميل نحو التألم والخنوع والشكوى، والاخر يميل نحو التحدى والمغالبة))(58).
أن تراجيديا الامراض والاوبئة التي فتكت بالجسد العراقي وبلسانه الثقافي لم تتوقف عند هذا الحد فحسب، لان هنالك عوامل ابدية في جغرافية وسياسات العراق ساهمت بشكل كبير على استيطان تاريخ الأمراض في معدة وثقافة الذاكرة العراقية، وهي بحسب الوردي: ((اولا: كثرة الاهوار والمستتقعات في العراق. وقد ادى ذلك الى انتشار مرضي الملاريا والبلهارزيا بين السكان بنطاق واسع، مما اضعف صحتهم وقلل من مناعتهم تجاه الاوبئة. ثانيا: توالي المجاعات. فقد ذكر التاريخ عن وقوع مجاعات عديدة في العراق من جراء التخريب الذي حدث على انظمة الري فيه وتتابع الحروب والفتن. وقد دلت بعض القرائن على ان الاوبئة كثيرا ما كانت تأتي عقب المجاعات.ثالثا: العادات السيئة التي اعتاد عليها اهل العراق في طريقة تناول طعامهم وفي قلة التنويع فيه...وهذا من شأنه اضعاف المناعة فيهم تجاه الاوبئة.رابعا: قلة العناية بالنظافة والغسل، وانتشار عادة التمخط والبصاق والتغوط في الطرقات. وقد اعتاد الناس في المقاهي وغيرها ان يشربوا من وعاء مشترك، واحدا بعد الاخر، من غير اعتناء بغسله أو تعقيمه. فيؤدي ذلك الى سهولة انتقال العدوى بينهم. خامسا: حوض الكر، وهو حوض صغير من الماء اعتاد الكثيرون من اهل المدن ان يبنوه في بيوتهم ليغسلوا فيه اوانيهم وينظفوا ابدانهم. وهو قد يكون في الغالب حائل اللون متعفنا ومملوءا بالجراثيم المرضية. وكان من اهم العوامل في نقل الامراض والاوبئة. سادسا: تلوث مياه الشرب، فقد كان السقائون يأتون بالماء من الشواطئ أو السواقي القريبة. وقد يصادف ان يكون هناك بعض النسوة يغسلن الملابس وخرق الاطفال، فتختلط اقذارها بالماء الذي يملأ السقائون به قربهم...سابعا: طول الصيف وارتفاع حرارته في العراق. والحر كما لا يخفى يساعد على سرعة التعفن ونمو الجراثيم المرضية. وهو كذلك يدفع الناس الى السباحة في شواطئ الانهار، وهذه الشواطئ كثيرا ما تكون ملوثة بالغائظ وشتى الاقذار. ثامنا:تسميد مزارع الخضر بالغائظ واقذار المدينة. وقد اعتاد الناس ان يأكلوا الخضر دون ان يغسلوها غسلا جيدا، فيأكلون معها كثيرا من جراثيم الامراض وبيوض الديدان))(59).
ولم يفت العلاّمة الاشارة الى طبيعة الخطاب السياسي وعلاقته بالمجتمع إبان الحقبة العثمانية، حيث يقول:((علاقة الحاكم بالمحكوم:كانت الحكومة العثمانية تحرص كل الحرص على ان تحافظ على "هيبتها" في اعين الناس. فهي لا تبالي ما يفعل الناس بأنفسهم ما داموا يحترمونها ويبدون مظاهر التزلف امامها. وقد صار ذلك من التقاليد الاجتماعية في المدن العراقية. وكان الموظفون، وهم الذين اطلق عليهم في القرن التاسع عشر اسم "الافندية" يتمسكون بمظاهر "الهيبة" في مختلف حركاتهم وسكناتهم. فكانوا لا يخالطون العامة، واذا تحدثوا اليهم اتخذوا تجاههم موقف الكبرياء والاستعلاء. وكانت لهم نواديهم ومجالسهم الخاصة بهم، ولهم ادابهم ولهجتهم وملابسهم التي يتميزون بها عن سواد الناس))(60).
اما عن طبيعة الواقع الجنسي في الثقافة العراقية واثره في تكوين السلوك الازدواجي اللغوي والاجتماعي، فقد وصف الوردي، بشئ من الاسهاب والتفصيل، تلك العلاقة التي بقيت تابو لعهود طويلة من تاريخ الكبت السياسي واللاهوتي، الأمر الذي جعلها تتحول من شكل الى اخر ومن ممارسة الى ممارسة لتفصح عن طبيعتها، فيقول :((الواقع ان عادة اللواط كانت منتشرة في المدن العراقية في العهد العثماني انتشارا واسعا ويمكن ان نعزو ذلك الى عوامل عديدة اهمها ما يلي:اولا- التربية الزقاقية: فقد رأينا كيف كان الاطفال في الازقة يعدون اللواط من مظاهر الغلبة، وكانوا يفاخرون به، ويطلقون عليه اسم كسر "العين". فالفاعل يشعر كأنه قد غلب المفعول به، وكسر عينه. فهو يعيره بذلك دائما...ثانيا- شدة الحجاب: فقد ثبت علميا انه كلما اشتد الحجاب في المجتمع ازدادت نسبة انتشار اللواط بين افراده. وهذا امر طبيعي. فالإنسان ميال بطبعه الى معاشرة الجنس الاخر والى التمتع بصحبته، فإذا وجد الجنس الاخر قد فصل عنه لسبب من الاسباب، اخذ يحاول التعويض عنه بمعاشرة من يشبهه من ابناء جنسه. وهذا هو الذي جعل بعض الرجال في المجتمعات التي يشيع فيها الحجاب الشديد يميلون الى معاشرة الغلام الامرد، اذ هو يشبه الانثى))(61).
ان الغاية الرئيسية التي دعتنا الى ذلك الاستعراض المفاهيمي والتاريخي، هي لبيان ولوصف قنوات الرعب الخطابية والتواصلية التي تشكلّت في ظل هيمنتها وسلطتها ممارساتنا اللغوية وعاداتنا اللسانية وأمراضنا الاجتماعية، وكان أهم تلك الأمراض والتي ابدع في تشريحها ووصفها الوردي هي ازدواجية الشخصية العراقية؛ وجدل البداوة والحضارة. وكما قلنا سابقا، ان المشروع الثقافي الوردي يبدأ من نقد اللغة المكتوبة؛ واللغة المسموعة؛ واللغة المقموعة، حيث تمثلت الاولى من خلال الثورة الابستمولوجية للعلاّمة ضد الطرق البيداغوجية في كتابة النص الثقافي، وذلك في مؤلفاته (اسطورة الادب الرفيع)، (شخصية الفرد العراقي)، اما اللغة المسموعة، فهي وكما مر بنا سابقا، بدت بشكل جلي في أكثر من مؤلف للوردي، اهمها (وعاظ السلاطين)،(الاحلام بين العلم والعقيدة)، (خوارق اللاشعور) و شيء من كتاب (مهزلة العقل البشري)، اما اللغة المقموعة والموجوعة، فهي تكاد تشغل مؤلفه الرائع (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي). ان ذلك التصنيف بالطبع، ليس دوغمائي وقطعي لكنه مبدئي واولي، لان العلاّمة تعامل مع الاشكاليات حسب طبيعة تداخلها الابستمولوجي والثقافي مع موضوعات كتبه المختلفة، فتبدو الاشكالية الرئيسية هنا متمثلة في طبيعة "النص الثقافي" مع "الواقع الايديولوجي" والسلطوي الذي بدوره يعيد انتاج آليات الكلام وانماط التخاطب واللسان، وهذا هو ما تختص به النظرية الاجتماعية المعاصرة التي ((تعنى بالمجتمع بوصفه نص أو مجموعة من العلاقات والأشكال الدالة والممارسات؛ وتحلل الذوات المنتجة للمعنى الخاص بتجاربهم الماضية وصيرورتهم في الحاضر. وتبحث أيضا في النصوص الراهنة –سواء كانت مكتوبة؛ منطوقة أو كانت بردايمات ونماذج متكثرة– التي تتشكل دلاليا بواسطة الشروط الاجتماعية والتاريخية الخاصة بعملية استقبالها وانتاجها))(62).
ان النظرية الاجتماعية عند الوردي تكاد ان تكون متقاربة مع النظرية الأدبية للنص، وبالتالي تشكل اللغة، في كلا العمليتين، عنصر مهم في تحليلهما وتأويلهما معا، لانها مرتبطة بالنسق الأيديولوجي، لان ((التبعية للتشكيلات الأيديولوجية والقيمية في المجتمع بوصفه نص، تمثل كل معقد من الافكار التي تخص اللغة المكتوبة والتي يمكن ان نطلق عليها بالسياقية))(63). فأذا اردنا إعادة اكتشاف النص الوردي، يتطلب منا ذلك، أن نغامر في إخراج ذلك النص من أطره التقليدية ليكون بذلك، معاصر لواقعنا واشكالاياتنا، خاصة وان نصوص الوردي مكتوبة بطريقة ادبية وجمالية تمتزج بها لغة الحياة اليومية التي تعج بصخب المقاهي وزحمة الاسواق وصراخ الازقة. فكيف تم اقصاء عنصر مهم من نصوص العلاّمة، الا وهو اللغة واشكاليات تداخلاتها التاريخية بين النص والزمن والواقع الثقافي، ولماذا بقيت اغلب القراءات تقليدية في الاختيار والمنهج والطرح والتحليل؟ لقد نبهّنا العلاّمة وبطريقة بارعة في التحليل عبر مؤلفاته، الى ذلك التساؤل الإشكالي عن طبيعة العلاقات التي تربط بين ممارسة النص محليا وبين التشكيلات الأيديولوجية والقيمية الخاصة بسلطة اللغة؟ وعلّمنا أيضا، كيف يمكن ان ننظر إلى السرديات بوصفها إيقونات كلامية للوقائع أو لأبنية الأفعال، وان ننظر للحكي اليومي بوصفه حكي ايقوني(64).
لقد حاولنا تقديم قراءة للنص الوردي، إيمانا وعرفانا بكل ما قدمه العلاّمة الراحل للعلوم الإنسانية وللثقافة العراقية، من خرق ثقافي ونقد جينالوجي لتابوهات الشخصية العراقية وادعاءاتها الميتافيزيقية والشعاراتية بعصمتها من الخلل والزلل الخلقي والاجتماعي. ان محاولتنا هي ابسط ما يمكن ان نقدمه لذلك الشموخ الثقافي والإنساني الذي لا تزال صورته حاضرة في أذهاننا وأوجاعنا وتقلباتنا التاريخية والسياسية.


http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=1663501-
* ينظر، سليم مطر: النزعة الاستشراقية العنصرية في فكر الحداثة: علي الوردي وبداوة المجتمع العراقي، مقال نشر على موقع منار الالكتروني
http://albaath.online.fr/volume%20iii-chapters/fi%20sabil%20al%20baath-vol%203-ch08.htm2-
3- د.سليم بركات: الفكر القومي وأسسه الفلسفية عند زكي الارسوزي، دمشق-شارع بورسعيد، ط2،1984،ص71
4-المصدر نفسه،ص73
5-المصدر نفسه،ص394
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=1373656- انظر،
7- د.محمد سبيلا، د.عبد السلام بنعبد العالي: الفلسفة الحديثة؛ نصوص مختارة،افريقيا الشرق-المغرب، ط1،2001 ، ص40-41
8- جورج كانغيلام: دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها، ترجمة، د.محمد بن ساسي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان،ط1،2007،ص313
9- د.علي الوردي: منطق ابن خلدون،دار كوفان-لندن،ط2،1994،ص17
10- المصدر نفسه،ص18
11- د.علي الوردي: مهزلة العقل البشري،دار كوفان-لندن،ط2،1994،ص153
12- المصدر نفسه،ص155
13- المصدر نفسه،ص166-168
14- د.الوردي: منطق ابن خلدون،ص32
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=13736515-
16- باليبار وبيار ماشري: الابستمولوجيا،ترجمة، محمد محجوب،مجلة عيون المقالات،المغرب،العدد12،1989،ص33
17- المصدر نفسه،ص39
18- د.علي الوردي: خوارق اللاشعور،دار الوراق للنشر-لندن،ط2،1994،ص78-79
19- المصدر نفسه،ص77
20- د.علي الوردي:اسطورة الأدب الرفيع،منشورات سعيد بن جبير،قم المقدسة،ط1،2000،ص50
21- المصدر نفسه،ص51-52
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=274239** ينظر للباحث،
22- د.الوردي: اسطورة الأدب الرفيع،ص43-44
23- المصدر نفسه،ص44
24- المصدر نفسه،ص57
25-andrea nye: philosophy of language, the big questions, blackwell, oxford-london, 1998, p.3.
26-see, e.r. emmet: learning to philosophize, penguin books, london, 1968, p.22.
27-see, peter berger, thomas luckmann: the social construction of reality, penguin books, london, 1967, p.55.
28- د.الوردي: أسطورة الأدب الرفيع، ص58
29- المصدر نفسه،ص58-59
30- المصدر نفسه،ص59-60
31- المصدر نفسه،ص64
32- المصدر نفسه،ص65
33- المصدر نفسه،ص67
34-paul goodman: speaking and language: defence of poetry, vintage books, new york, 1971, p.26.
35- anthony giddens: in defence of sociology, polity press, london, 1996, p.17.
36- ibid, p.16.
37- mary douglas: natural symbols, penguin books, london, 1973, p.21.
38-د.علي الوردي: الاحلام بين العلم والعقيدة،دار كوفان-لندن،ط2،1994،ص7-8
39- المصدر نفسه،ص11
40- المصدر نفسه،ص13
41- mary douglas: the same source,p.93.
42-د.علي الوردي:وعاظ السلاطين،دار كوفان-لندن،ط2،1995،ص6-7
43- المصدر نفسه،ص15
44- المصدر نفسه،ص20-21
45- george steiner: after babel;aspects of language & translation, oxford university press,london,1992,p.183.
46-د.الوردي: وعاظ السلاطين،ص43-45
47- المصدر نفسه،ص45-48
48-د.علي الوردي:شخصية الفرد العراقي،دار ليلى-لندن،ط2،2001،ص52-53
49- gustaf stern: meaning and change of meaning, indiana university press,usa,1931,p.100.
50- ibid, p.100.
51- ibid,p.100.
52-د.الوردي:شخصية الفرد العراقي،ص55-56
53-المصدر نفسه،ص70-72
54-د.علي الوردي: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي،مطبعة العاني-بغداد،ط1،1965،ص6
55- المصدر نفسه،ص296
56- المصدر نفسه،ص298-299
57- المصدر نفسه،ص302-303
58- المصدر نفسه،ص303-304
59- المصدر نفسه،ص305-306
60- المصدر نفسه،ص311-312
61- المصدر نفسه،ص322-323
62- michael silverstein,greg urban: natural histories of discourse, the university of chicago press,usa,1996,p.203.
63- ibid, p.204.
64- see, ibid, p.203, p.111.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,852,981
- -خمسة الآف عام من أنوثة النهرين- قراءة في موسوعة الأنوثة الع ...
- خمسة الاف عام من كلام النهرين قراءة في موسوعة اللغات العراقي ...
- فلسفة الأنوثة بين الحرام السياسي والحرام الجامعي
- الثقافة العراقية، ثقافة مفاهيم أم ثقافة علاقات ؟
- محاولة لغوية لتحليل ظاهرية الخطاب الثقافي العراقي، نحو دراسا ...
- غرامشي من نقد نخبوية المثقف الى نقد نخبوية النص الديني


المزيد.....




- الجبير: إيران تهدد أمن دول المنطقة.. ولا وساطة معها
- -مصير شرق سوريا- على أجندة اجتماع بوتين وأردوغان في سوتشي
- ملك تايلند يجرّد قرينته من ألقابها ورتبها العسكرية.. والسبب؟ ...
- العد التنازلي لـ-إكسبو 2020- بدأ..كيف ستتغير دبي بعد عام؟
- قمصان قديمة وأصلية يجمعها عاشق كرة بدبي.. فهل لديه قميص فريق ...
- ما الذي يفعله انقطاع الطمث بجسدك؟
- بحضور رؤساء وشخصيات بارزة.. تنصيب إمبراطور جديد لليابان
- رئيس فرنسا السابق: في سوريا انتصر كل من لم نردهم أن ينتصروا ...
- إلغاء قمة السبع في منتجعه أغضبه.. ترامب يتحدث عن خسائره برئا ...
- روسيا تطور أول صاروخ فضائي قابل لإعادة الاستخدام


المزيد.....

- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حيدر علي سلامة - -في نقد وعاظ الثقافة والمثقفين- نحو تحليل فلسفي ولغوي للمشروع الثقافي للعلاّمة علي الوردي