أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله حبه - مأساة مكسيم غوركي















المزيد.....



مأساة مكسيم غوركي


عبدالله حبه
الحوار المتمدن-العدد: 3559 - 2011 / 11 / 27 - 14:17
المحور: الادب والفن
    


مأساة مكسيم غوركي..." ايقونة" البروليتاريا
عبدالله حبه – موسكو


مكسيم غوركي مكسيم غوركي مع ابنه وحفيدتيه
تأثرت عدة اجيال من المثقفين العرب في الاربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين بأدب الكاتب الروسي الكبير مكسيم غوركي. وترجمت اعماله الى العربية، واعتبرها الكثيرون رمزا لنضال الطبقات الفقيرة و"المخلوقات التي كانت بشرا". واعتمدت قوى اليسار في العراق روايته " الأم" كنموذج لوقوف العامل ضد الظلم وسلبه حقوقه، ومضت في هذا مع الموقف الرسمي في الاتحاد السوفيتي من هذا الكاتب. لكن ما حدث بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991 هو ان اللبراليين الروس بقيادة الشيوعي السابق بوريس يلتسين، وهم من انصار التوجه نحو الغرب، وجّهوا جل نشاطهم نحو ازالة جميع رموز العهد السوفيتي. فتغير اسم لينينغراد الى سانكت- بطرسبورغ، ورُفعت نصب لينين ودژيرجينسكي وسفردلوف وغيرهم من زعماء البلاشفة من كافة المدن الروسية. وطالت هذه الحملة الكاتب الروسي الكبير مكسيم غوركي (1868- 1936 ). فتغير اسم مدينة غوركي الى نيجني –نوفغورود وكذلك تغيرت اسماء محطات مترو الانفاق في موسكو وسانكت-بطرسبورغ وقازان، وتغير اسم شارع غوركي الرئيسي بموسكو الى شارع تفيرسكايا ورفع نصبه المقابل لمحطة قطار بيلوروسكي (مؤقتا كما قيل). كما تغيرت تسميات الاستديو السينمائي والمسارح والمتنزهات والشوارع التي تحمل اسمه، ومعهد الادب بموسكو وعدة جامعات ومكتبات في مختلف المدن. ولكن من الصعب شطب اسم غوركي من تأريخ الثقافة الروسية والعالمية مهما حاول اللبراليون ذلك فهو عملاق في عالم الادب. ولهذا تواصل دور النشر اليوم اصدار كتبه كما يتواصل صدور الدراسات عنه بهدف اعادة تقييم دوره الحقيقي في الادب الروسي. بينما يستمر تقديم مسرحياته على خشبات المسارح في كافة المدن الروسية الى جانب مسرحيات بوشكين وغوغول وتولستوي وتشيخوف.
- 1 -
في الحقيقة ان البلاشفة قد صنعوا من مكسيم غوركي ( هذا هو اسمه المستعار ومعناه بالروسية مكسيم " المر"، اما اسمه الحقيقي فهو الكسي مكسيموفتش بيشكوف ) بمثابة "ايقونة" يتبرك بها الناس مثل جثمان لينين المحنط في الساحة الحمراء ، بعد ان اعلنوا الالحاد بوصفه الايديولوجية الرسمية للدولة. فهو " نذير الثورة" الذي بشر بهبوب العاصفة الثورية، وهو الكاتب البروليتاري العظيم ومؤسس " الواقعية الاشتراكية" المذهب الرسمي للدولة السوفيتية في الادب والفن. واسبغوا عليه هالات التعظيم لكونه صديق فلاديمير لينين ويوسف ستالين والمقرب من القادة الآخرين في الحزب والدولة، ولكونه وقف الى جانب حزب البلاشفة قبل الثورة وسخّر قلمه في دعم خطهم السياسي. وبلغ الامر حداً انه هاجم مسرح موسكو الفني بسبب تقديمه لرواية دوستويفسكي " الممسوسون " على خشبة المسرح لأنها تدين الارهاب في النضال السياسي .انها الرواية ذاتها التي وصفها لينين بأنها سخافات " لا وقت لدي لمطالعتها..ورميتها جانبا".
لقد حاول ستالين بكل السبل ربط غوركي بشخصه للأستفادة منه لأغراض دعائية . ولهذا استدرجه للعودة الى الاتحاد السوفيتي بعد ان غادره بإصرار من لينين في عام 1921 . وقد ضاق لينين ذرعا آنذاك بطلبات غوركي دفاعاً عن المثقفين " البرجوازيين" وبينهم الارستقراطي الشاعر الكسندر بلوك الذي اصيب بمرض شديد ووجب علاجه في الخارج لكن لم تسمح له السلطات بذلك خوفا من نشاطه ضدها بالرغم من تأييده لثورة اكتوبر ، فتوفي في نهاية الامر

مكسيم غوركي مع ستالين
بعد مماطلات طويلة. كما طلب غوركي اصدار العفو عن الشاعر نقولاي غوميليوف (زوج الشاعرة آنا اخماتوفا) الذي اعدم لاحقاً. وترك غوركي روسيا بعد ان قال له لينين :" ان صحتك ليست على مايرام ويجب ان تسافر للعلاج .. واذا رفضت فسنرحلك ...". فسافر الى المانيا بعد ان اصابته بخيبة أمل شديدة بالنظام الجديد بما إتسم به من "العنف الثوري" و" الارهاب الاحمر" وغير ذلك من الوقائع التي رافقت أحداث السنين الاولى من قيام الثورة وسنوات الحرب الاهلية، وكان من ضحاياها العديد من رجال الثقافة والادباء والفنانين الروس أيضا. ولهذا راود غوركي الشك في سلامة نهج الثورة الاشتراكية آنذاك بالرغم من انه كان من مؤيدي الحركة الاشتراكية – الديمقراطية في روسيا وشارك في ثورة عام 1905 وطاردته السلطات القيصرية ودخل السجن. وكانت الاشتراكية تعني بالنسبة الى غوركي ان اناس العمل سيعيشون في ظل النظام الجديد في بهجة ورفاه وعيد مستمر. لكن ما شاهده بعد الثورة من خداع للفلاحين الذين لم يحصلوا على الارض والعمال الذين لم يصبحوا اصحاب المصنع الفعليين كما وعدهم البلاشفة قبل الثورة، حيث ترأسها رجال الحزب الذين غالباً ما لم تكن لهم علاقة بالصناعة اصلا، علاوة على مطاردة كل من يدعو الى التعددية الفكرية والسياسية، وكذلك قيام تروتسكي بتأسيس معسكرات الاعتقال "الغولاغ". وقد أراد تروتسكي بذلك في الواقع – كما يعتقد العديد من المؤرخين - حل مشكلة خراب الاقتصاد السوفيتي بعد الحرب الاهلية باستغلال السجناء في تنفيذ مشاريع كهربة البلاد وبناء مؤسسات الصناعة الثقيلة. وبعد خيبة الامل هذه استقر بغوركي المقام في المانيا حيث اصدر جريدة ونشر المقالات في الصحف الالمانية وانتقد فيها السلطة السوفيتية بشدة. وكانت مقالاته الانتقادية مثل " الفلاحون الروس " و"القسوة الروسية " و"المثقفون والثورة" و" رسالة الكاتب والادب في زماننا " ، وكذلك دعوته الى اناتول فرانس للقيام بحملة عالمية للدفاع عن الادباء الروس السجناء قد أثارت انزعاج وغضب لينين الذي كان يعتبر غوركي صديقا حميما له وحتى عاش في بيته في كابري في عام 1910 في سنوات النفي والاختفاء. وكان غوركي غالبا ما يجادل لينين في موضوع الدين ودوره في المجتمع ورسالة الثقافة في تغيير المجتمع. وبرأـيه ان المجتمع لا يمكن ان يتطور بدون وجود مشروع ثقافي ضخم. فالثقافة أساس كل تطور في المجتمع.علما أن لينين مثلا كان يرفض بشكل قاطع قبول وجود الدين بأي شكل كان في المجتمع الاشتراكي ولو تطلب الأمر ممارسة القمع، واتخذ موقفا متشددا لحد الغلو من هذا الامر. ولهذا دمرت في روسيا الكنائس التأريخية (جرى نسف كاتدرائية المسيح المخلص بموسكو، علما انها من حيث القيمة المعمارية مثل كاتدرائية ويستمنستر في لندن او كاتدرائية نوتردام في باريس او كاتدرائية القديس بولس في روما.. فماذا لو جرى نسف هذه ايضا بالديناميت ؟، بينما كان لدى غوركي مفهومه عن الدين الواقع تحت تأثير الفيلسوف نيتشه و"الانسان الاعلى"، ورأى ان الآمر يخص الفرد نفسه في الانتماء الديني ،ولكنه لا يرى ضرورة لابعاد الناس البسطاء عن الدين قسرا بل يجب تنويرهم وتحويلهم تدريجيا الى النظرة العلمانية التي بشّر بها الاشتراكيون. وانتقد غوركي قبل هذا نهج لينين في القيام بالثورة قبل الاوان، وحذّر من عواقبها المدمرة في سلسلة مقالاته بعنوان " افكار في غير وقتها " (العنوان مقتبس من مقالة للفيلسوف نيتشه) . ومع ذلك كان غوركي يدرك في اعماقه ان المستقبل في روسيا ايام الثورة سيكون للينين بينما كان الاخير يدرك بأنه لا يمكن بلوغ هذا المستقبل بدون غوركي الذي طبقت شهرته الآفاق آنذاك ليس في روسيا فقط، بل وفي اوروبا وامريكا حيث عرفه القراء بأعمال كثيرة منها " طفولتي " و"بين الناس" و" الام " وقصصه ومسرحياته عن حياة الفقراء والمحرومين والمشردين "الحفاة". وعاش غوركي في فترة 1921- 1923 متنقلا بين براغ وهلسنغفورغ وبرلين. وفي عام 1924 اشترى بيتا في سورنتو بايطاليا. وفيما بعد كتب في كابري مجموعة من خيرة اعماله منها رواية " عمل اسرة ارتامونوف" و"جامعاتي" وبدأ كتابة روايته الكبيرة"حياة كليم سامغين".
عندما استقرت الاوضاع في الاتحاد السوفيتي، عمل يوسف ستالين بكل ما في وسعه من اجل عودة غوركي الى الوطن، وعرض عليه شتى المغريات منها اطلاق الحرية له في تنظيم الحركة الثقافية في البلاد، وأكد له ان البلاد تخلصت من آثار الحرب الاهلية وبدأت عملية البناء وتحسنت معيشة الناس وان كافة الانباء حول معسكرات الاعتقال تروجها جهات معادية للسوفيتات. ان الانظمة الشمولية تسعى دوما الى وضع الشخصيات الثقافية والعلمية الكبيرة تحت سيطرتها لغرض استغلالها في تحسين صورتها في الداخل والخارج. وهذا بالذات ما سعي اليه يوسف ستالين .
وقام غوركي في عام 1928 بدعوة من ستالين بجولة في البلاد شاهد في خلالها منجزات الدولة الفتية وكتب بعدها سلسلة مقالات تحت عنوان " في ارجاء الاتحاد السوفيتي". وفي عام 1931 زار غوركي معسكر الاعتقال في جزر سولوفيتسكي في شمال البلاد، واثنى على معاملة السجناء فيه وظروف المعتقل. وفيما بعد استنكر العديدون موقف غوركي هذا ومنهم الكسندر سولجينتسين الحائز على جائزة نوبل. فكتب في روايته" ارخبيل غولاغ" :" وصلت الاشاعات الى سولوفكي (حول قدوم غوركي ) قبل الزيارة – فخفقت قلوب السجناء، واضطرب السجانون...ويجب على المرء ان يعرف السجناء لكي يتصور مدى ترقبهم لهذه الزيارة. فسيخترق وكر الظلم والتعسف والصمت الكاتب "الصقر والمنذر بالثورة" و! الكاتب الروسي الاول ! وسيكتب بعد هذا لمن يعنيه الامر! وسيريهم جلية الاوضاع ويقطع الشك باليقين. وسيدافع عنهم !".."وتململت ادارة المعتقل فقامت بإخفاء القباحة في المعتقل وبتزويق المكان. وكان الكرملين يرسل السجناء الى هناك بغية ان يبقى على قيد الحياة أقل عدد منهم. وجرى اخراج كثير من المرضى من جناح العلاج وتم تنظيف المكان. كما استُحدث رواق مشجرا بتثبيت اشجار الشوح بدون جذور على الجانبين في الطريق المؤدي الى اصلاحية الاحداث الذين لا يوجد بينهم اطفال غرباء-اجتماعيا ، وربما سيبدي غوركي الاهتمام بكيفية تربية الصغار وانقاذهم من اجل اعدادهم للحياة القادمة في ظل الاشتراكية " وهلمجرا. طبعا ان سولجينتسين الذي امضى 10 اعوام في معتقلات "الغولاغ " انطلق في رواية وقائع الزيارة من مشاعر الاذى والمذلة الشخصية التي تركتها في نفسه تلك الفترة.
لقد نشرت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بعض وثائق كي.جي.بي – لجنة أمن الدولة-، المتعلقة بغوركي ومنها الرسائل المتبادلة مع لينين وستالين ودژيردجينسكي وبقية رجال الحزب والدولة بعد ان رفعت عنها السرية، الى جانب تقارير المخبرين ورجال الامن عن نشاط غوركي . وتظهر هذه الوثائق صورة اخرى للكاتب غير ما اعتاد القراء الاطلاع عليه في العهد السوفيتي. إن مشكلة الدولة التي أسسها لينين هي انها تحولت تدريجيا من ايدي رجال الثورة ،"المناضلين الحالمين في بناء مجتمع العدالة والمساواة " والذين ضحوا بالكثير من اجل ازالة ظلم وتعسف السلطة القيصرية وآمنوا بايديولجية الثورة "الاشتراكية العلمية "، الى ايدي الموظفين الحزبيين الذين انضم البعض منهم الى الحزب من اجل كسب المنافع المادية والشخصية. بينما كان البعض الآخر من هواة السلطة والتحكم بمصائر الناس بإسم الحزب. وهؤلاء بالذات أثاروا استياء غوركي الذي أعتبر ان الثورة انحرفت عن مسارها. وفي عام 1930 انضم غوركي الى الاتحاد الاممي للكتاب الديمقراطيين مع رومان رولان وايلتون وينكلر والبرت اينشتين وهنريخ مان ولويس اراغون وايلزا تريوليه وغيرهم من كبار المثقفين في اوروربا الذين احتجوا على اعدام 48 شخصا في الاتحاد السوفيتي في "قضية الجوع "في الاتحاد السوفيتي.
في عام 1932 عاد غوركي الى الاتحاد السوفيتي بصورة نهائية. وكان قد ضعف الاهتمام به في اوروبا مع ظهور اتجاهات ادبية جديدة. وقدمت له الحكومة السوفيتية احد قصور المليونير ريابوشينسكي بوسط موسكو وفيللا تيسيللي في القرم . والهدف من هذا الاخير هو منعه من السفر الى الخارج والعودة الى اوروبا وكابري بذريعة ان جو القرم يشبه الجو في جنوب ايطاليا فلا داعي للسفر الى هناك للآستشفاء . كما اعد له فريق افراد الحاشية من اطباء ورجال خدمة وسائقين. والاهم من ذلك احاط به رجال جهاز الامن وعلى رأسهم هنريخ يهوذا مدير الدائرة العامة لأمن الدولة ووزير الداخلية ( مفوض الشعب للشئون الداخلية). وكان هذا اليهودي والفوضوي السابق(اسمه الحقيقي ينون غيرشينوفيتش يهوذا) قد دعم ستالين في عام 1928 حين جرت مظاهرات معادية له، ولهذا اعتمد عليه لاحقا في ادارة المعتقلات والسجون وأمن الدولة ، لاسيما لكونه قريبا من الزعيم البلشفي ياكوف سفردلوف الذي تزوج من ابنة شقيقته (لكن ستالين اعدم يهوذا في عام 1938 بتهمة التآمر مع الزمرة التروتسكية). ولهذا كانت جميع حركات غوركي تحت رقابة يهوذا الذي كان يطلع ستالين اولا بأولا على جميع لقاءات غوركي واحاديثه مع ابنه مكسيم واصدقائه المقربين. وفي الواقع وضع غوركي في " قفص ذهبي" وجرى استغلاله في السيطرة الحزبية على قطاع الثقافة. وتم تحت اشرافه اصدار عدد من الصحف والمجلات الادبية وتأسيس اتحاد الكتاب واصدار موسوعة " الادب العالمي". وعقد أول مؤتمر لأتحاد الكتاب وألقى غوركي فيه خطابا وافيا حول مهام الكتاب السوفيت في المرحلة الراهنة وتحدث فيه عن " الواقعية الاشتراكية" بأعتبارها الراية التي يجب ان يمشي تحتها جميع الكتاب والفنانين في البلاد ، للمساعدة في اعادة بناء حياة المجتمع السوفيتي.
وبدا قبول غوركي مسايرة السلطة الشمولية بقيادة ستالين شيئا غريبا حقا من جانب رجل عرف منذ طفولته بالتمرد والثورة على الظلم. وقد تلقى لدى عودته الى الاتحاد السوفيتي الضربات الواحدة تلو الاخرى وفي طليعتها فقدان ولده مكسيم في عز الشباب. وترددت اشاعات بأنه لقى حتفه بتدبير من يهوذا. واعترف بذلك سكرتيره وحارسه و"حاضنته" بيوتر كريوتشكوف لدى محاكمته في قضية التآمر المزعومة على ستالين من قبل بوخارين وزينوفييف وكامينيف. واعترف كريوتشكوف الذي اعدم مع زوجته فيما بعد بأنه متورط في حادث وفاة مكسيم. وقيل ان يهوذا كان يريد التخلص من مكسيم لانه معجب بزوجته الحسناء. ولكن المؤرخين يشكون في تورط كريوتشكوف الشديد الاخلاص لغوركي في حادث وفاة ابنه بالذبحة الصدرية بصورة مفاجئة. وقد كتب غوركي عن كريوتشكوف في رسالة موجهة اليه من سورنتو في ايطاليا في عام 1927 يقول :" حين اصبح ثريا سٍاقيم لك تمثالا كبيرا من البرونز في اكبر ساحة في المدينة . وسأفعل ذلك لأنك انقذت كتبي . وانا اقول هذا بجد ولست هازلا ، وانا اشكرك بالغ الشكر". فكيف يمكن لمثل هذا الشخص ان يقتل ابنه بالرغم من اعترافه تحت التعذيب بأنه فعل ذلك. من جانب آخر كان ستالين يخشى غوركي الذي الذي لم يصبح ابدا من افراد حاشيته، ويحيط به اشخاص لم يكن ستالين يحبهم مثل ريكوف وبوخارين وكامينيف وزينوفييف رغم انهم من زعماء البلاشفة، لكنهم كانوا من خصوم ستالين في اللجنة المركزية.
في 18 حزيران/يونيو عام 1936 فارق مكسيم غوركي الحياة في عزبة غوركي (ومعناها بالروسية "التلال" وتكتب باللغة الروسية بشكل مغاير للإسم المستعار للكاتب ولكن التلفظ واحد) بضواحي موسكو، التي توفي فيها لينين من قبل، بعد ايام من المرض الشديد وغياب الوعي. وجاء لزيارته قبل الوفاة ستالين برفقة مولوتوف وفوروشيلوف بعد منتصف الليل، وقام الاطباء لهذا الغرض بحقنه بأبرة كافور لانعاشه. وأعلن فيما بعد لدى محاكمة العصابة التروتسكية و" الاطباء القتلة" الذين عالجوه انهم حقنوه بكمية كبيرة من الكافور عن قصد بهدف قتله. لكن لا يوجد ما يؤكد هذه التهمة. وجاء في التقرير الطبي الرسمي انه توفي بسبب التهاب حاد في الفص السفلي من الرئة المصابة بالتدرن منذ اعوام طويلة. ووقع التقرير فريق من كبار الاطباء بينهم وزير الصحة كامينسكي وطبيب الكرملين خودوركوفسكي والاطباء لانغ وبليتنيوف وكونتشالوفسكي وسبيرانسكي وليفين. وقام بتشريح الجثة البروفيسور دافيدوفسكي . علما ان غالبيتهم من اليهود الذين اعدموا لاحقا. ونفذت عملية التشريح بسرعة في غرفة نوم الفقيد وعلى طاولة مكتبه. ولم يعرف احد السر في هذه العجلة، وقيل ان تعليمات جاءت من الكرملين بهذا الشأن.
وكتب كريوتشكوف في مذكراته يقول :" بعد وفاة غوركي تغيرت معاملة الاطباء له. واصبح بالنسبة لهم مجرد جثة "..." وعندما دخلت الغرفة وجدت امامي جثة مخضبة بالدم والاطباء يستخرجون ما في جوفها من احشاء ثم غسلوها وسدوا الفتحة بالابرة بخيوط غليظة، وألقوا بالدماغ في دلو هناك ، وطلبوا مني نقله بالسيارة الى معهد الدماغ". وحسب قوله فان اي كاتب روسي آخر لم يلق مثل هذه المعاملة لدى الوفاة حيث تم تحويل القضية كلها الى دسائس سياسية. وقد احرقت جثة غوركي ووضعت القارورة الحاوية على رماده في جدار الكرملين، هذا خلافا لوصيته قبل الوفاة في ان يدفن الى جانب قبر ابنه في دير نوفوديفيتشه. لكن غوركي قد زج نفسه في هذه الدوامة من الدسائس وسمح للغرباء والقوى المعادية لطبيعته الابداعية والادبية بالتدخل ليس في حياته فقط بل وفي مماته ايضا. ومهما كان الحال فأن هؤلاء الاطباء عوقبوا لاحقا بالموت رميا بالرصاص. ويقال ان ستالين كان يكره جميع الاطباء ويفضل العلاج بالوسائل الشعبية مثل لف نفسه بعباءة قوقازية لدى الاصابة بالبرد من اجل ان يعرق وتزول عنه الحمى . هذا ينعكس على لينين أيضاً الذي لم يكن يأتمن الى الاطباء البلاشفة وكان يفضل عليهم جهابذة الطب السويسريين.
- 2 -
ان رحلة مكسيم غوركي الطويلة في "طريق الآلام" قد بدأت منذ ولادته في نيجني-نوفغورود وحتى وفاته في عزبة غوركي. وكانت حياته مترعة بالاحداث القاسية وبالاخفاقات حين حاول الانتحار في سن 19 عاما بعد فشله في الانضمام الى جامعة قازان. وبهذا لم تتح له الفرصة للحصول على التعليم العالي، ومن ثم صعد نجمه بعد نشره قصة "ماكار تشوردا" في عام 1892 . وبعد هذا نشرت اعماله التالية التي جلبت له الشهرة العالمية واصبح بعد رحيل تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف كاتب روسيا الاول.
لم يكن والداه النجار مكسيم بيشكوف وفارفارا كاشيرينا اللذان احتفلا بعقد قرانهما في الكنيسة بمدينة نيجني-نوفغورود يفكران بأن طفلهما البكر سيصبح من اعلام الادب الروسي. وسافر العروسان الى مدينة استراخان بعد ترقية الاب مكسيم في العمل، وكلفه صاحب شركة الملاحة حيث كان يعمل بمهمة الاشراف على بناء قوس النصر هناك ترحيبا بمقدم الامبراطور الكسندر الثاني الى المدينة. وولد الابن البكر في مكان الاقامة الجديد في 16 آذار/مارس 1868 . ولكن العائلة فجعت في عام 1871 حين مرض الطفل الكسي بالكوليرا وانتقلت العدوى الى الاب الذي كان يعتني به. فتوفي الاب وبقي الطفل على قيد الحياة. وكانت الام تنتظر المولود الثاني واطلق عليه بعد الولادة اسم مكسيم ايضا. ودفن الاب في استراخان بينما توفي مكسيم شقيق الكسي في الطريق الى نيجني نوفغورود. ويصف غوركي في كتابه " طفولتي" مشهد الطفل الصغير الراقد في تابوت في السفينة التي اقلتهم الى المدينة. وكيف ان أمه بقيت تنظر الى ابنها البكر الكسي بنفور وحملته الذنب في وفاة والده وترملها. هكذا بدأت مع هذه الاحداث المأساوية حياة احد عمالقة الادب الروسي.
وعندما تزوجت أمه للمرة الثانية، اضطر جده الى قبوله في بيته، علما انه لم يكن راضيا عن زواج ابنته. وتولت تربيته الجدة أكولينا ايفانوفنا التي لعبت دورا كبيرا في تنشئة الطفل الكسي الذي بلغ عامه السابع. لكن ساءت حال الجد المالية فارسل الصبي في البداية للعمل في محل بيع الاحذية، ومن ثم الى اسرة سيرغييف من اقرباء الجدة بصفة خادم لكنه هرب من هناك بعد فترة قصيرة. ومنذ ذلك الحين بدأ صراع الصبي من اجل العيش، وتغيرت المهن والاهتمامات لديه. وكانت من اصعب المهنة التي مارسها هي في العمل في مخبز حيث كان يحمل منذ الفجر اكياس الطحين الثقيلة ويعد العجين ويوقد الفرن وبعد ذلك يحمل الخبز والمعجنات الى السوق لبيعها. وكان جده في البداية يرغمه على حفظ المزامير والصلوات والذهاب الى الكنيسة. وكتب غوركي :" انني لم احب الذهاب الى الكنيسة مع جدي- فقد كان يرغمني على الانحناء ، ويدفعني دائما وبشكل مؤلم في عنقي". وفيما بعد عدل الجد عن ذلك وتركه وشأنه، لكن الكسي اعترف لاحقا بأنه كان يحب التطلع الى الايقونات وسماع التراتيل الحزينة فقط. ولهذا لم يرغب في الذهاب للمناولة. وعندما زار القس لهذا الغرض في أول مرة شعر بأنه خدع وبأن هذا كله يبعث على السأم . وحدث مرة ان اعطي عدة قطع نقود للتبرع بها الى الكنيسة، لكنه آثر الذهاب الى اقرانه من الصبيان وخسر النقود في اللعب معهم. وكذب على جده بقوله انه أدى المناولة لدى الكاهن. وهكذا شب الصبي دون ان يعرف الطقوس الكنسية، لاسيما ان جدته التي اعتنت به كثيرا كانت تفضل رواية الحكايات وانشاد الاغاني الشعبية على تلاوة الصلوات. وقد تكونت نظرة غوركي السلبية إزاء الكنيسة والدين في هذه الفترة، ثم ترسخت لاحقا لدى الاطلاع على الاعمال الفلسفية ولاسيما مؤلفات نيتشه والفلاسفة الالمان.
وتركت بالغ الاثر في نفس الكسي وفاة اخوته الواحد بعد الاخر، الذين رزقت بهم أمه فارفارا كاشيرينا من الزوج الاول ومن الزوج الثاني . وبقي الكسي الوحيد بين ابناء أمه كما لو ان الاقدار ارادت ذلك عن قصد. ولم تدم حياته مع امه لفترة طويلة بعد زواجها الثاني فقد حاول خلالها قتل الزوج بالسكين عندما ضربها الاخير بجزمته، لكن امه ابعدته في الوقت المناسب. وهدده الكسي بأنه سيقتله ويقتل نفسه اذا ما اعتدى على أمه مرة أخرى. وارسلته الام الى بيت الجد مرة أخرى. وبعد وفاتها بفترة قصيرة قال له الجد:" هيه .. الكسي .. انت لست ميدالية تعلق في العنق ، فأذهب للعيش بين الناس..". وهكذا طرد الجد الصبي بعد عدة ايام من وفاة والدته، لأن الجد اعتبر الأم من اسرة كاشيرين الغنية سابقا هي الصلة الوحيدة التي تربطه بالصبي ، وبعد وفاتها انقطعت هذه الصلة. وقد رعاه سابقا لخاطر ابنته التي فقدت زوجها الاول الخالي من الحسب والنسب بغية اتاحة الفرصة لها للزواج من رجل محترم. لكن بعد ان توفيت الابنة فارفارا وفقد الجد رب الاسرة ثروته في صفقة خاسرة، اصبح الحفيد الكسي عبئا ثقيلا على جده .
ويعتقد كاتبو سيرة حياة مكسيم غوركي ان الوقائع الواردة في كتابيه "طفولتي" و" بين الناس" ربما لا تعكس بدقة حقيقة حياته في كنف جده وبعد ذلك في تجواله من مدينة الى أخرى. وربما ان الكاتب ترك لخياله العنان في تصوير الامور من اجل جذب القارئ. حقا ان قسوة الجد الذي كان يسيء الى زوجته واولاده وحفيده قد تكون صحيحة. وقد ذكر غوركي اكثر من مرة حوادث تعكس قسوة جده. لكنه مدين الى جده بالذات في حفظه للمزامير والتراتيل الكنسية ومقاطع من الكتاب المقدس التي جعلته بين المبرزين في المدرسة الابتدائية الكنسية التي ارتادها لاحقا خلال فترة قصيرة .
ومن الجدير بالذكر ان غوركي اضفى على جدته هالة من القدسية في اعماله الادبية، فقد كانت بالنسبة له مثال الطيبة والحنان والكرم والتي تروي له الحكايات الجميلة ، بالرغم من ان الجد كان يصفها بـ" الساحرة الخبيثة". لكنها كانت بالنسبة الى الكسي كالعذراء المقدسة ومصدر الحب الذي حرم منه في طفولته. فقد رأى منذ طفولته الجثث والجثث فقط ، والبرودة والبرودة. ابوه في التابوت ثم شقيقه الرضيع في تابوت آخر. وحتى امه بدت له مثل الميتة بوجهها الصارم والقاتم السحنة وصمتها وتجاهلها لوجوده. وبقي في ذاكرته مشهد انزال التابوت لدى دفن والده في حفرة مملوءة بالماء حيث تقافزت حوله الضفادع وربضت اثنتان منها فوق غطاء التابوت. وبعد ذلك بدأ حفارو القبور بإهالة التراب عليه وحاولت الضفادع الخروج من الحفرة ، لكن عبثا. واثار هذا المنظر الشفقة في قلب الكسي.. وهكذا اخذ رب العائلة مكاناً له الى جواره الاب والاخ وحتى الضفادع. وعموما ان غوركي كان طوال حياته يبدي مشاعر الشفقة على البشر والحيوانات وحتى على الاشياء. ولم يكن رجال السلطة البلشفية يفهمون مواقفه احيانا عندما كان يدافع عن اشخاص يعتبرون من اعداء السلطة.
لقد حلت الجدة محل الام بالنسبة الى الكسي، واصبحت ركيزته الوحيدة في العالم حيث تخلى عنه " رب الجد" كما تخلى عن تلك الضفادع وجعلها تموت حية تحت التراب. علما ان الجدة كانت امرأة بسيطة ولا تحسن القراءة والكتابة...ولم تكن تمانع في احتساء كآس مع البحارة في السفينة التي اقلت العائلة من استراخان، وصارت تروي لهم النوادر. مما أثار غضب فارفارا الام التي قالت لها :"ماما ، انهم يسخرون منك.." فاجابتها :" دعهم يسخرون والله معهم ..".
اما الكسي الصغير فكان يحتمي بالرغم من كل شئ بجدته من الآخرين، فهي المنقذ الوحيد بالنسبة له. انها مثل كثير من النساء الجاهلات من الاسر الفقيرة في زمانها، فتزوجت وهي يتيمة وابنة امرأة تنتمي الى القومية التشوفاشية في سن 14 عاما من رجل اكبر منها سنا من اجل تأمين معيشتها لاحقا. وكانت لا تصلي مثل الاخرين حيث تسجد وترسم علامة الصليب مرارا وتدعو الرب لكي ينقذ جميع الارثوذكس وينقذها نفسها هي الحمقاء واللعينة.. وتقول : انت تعلم انني ارتكب الخطيئة ليس بسوء نية .. ثم تدعو العذراء ان تمنحها رحمتها .. وتقول : انت مصدر السرور والبهجة والحسناء النقية الروح والبيضاء مثل التفاحة. وكان الجد يغضب لدى سماع هذه الصلوات ويصرخ بها قائلا : كم من مرة قلت لك ايتها الغبية ، وكم مرة علمتك كيف يجب ان تصلي ، بينما تواصلين ثرثرتك ، ياهرطوقة! يا رب كيف تصبر على كل هذا ..ايتها التشوفاشية اللعينة .
لكن في ايام الاعياد حين كان الجد وابنه الاكبر يخرجان من البيت لزيارة الاصدقاء كانت الجدة تعد في المطبخ المائدة وتضع عليها كل ما لذ وطاب وطبعا مع سراحية الفودكا الخضراء وعليها نقوش زهور حمر .. بينما يحمل خاله ياكوف الجيتارا ويأتي افراد البيت الآخرين وقسيس الكنيسة المجاورة وحتى بعض الاشخاص .. فيقصفون ويولمون ويمرحون .. وينطلقون في الغناء والرقص والقهقهة وتبادل المزح. ووصف غوركي في قصته " الجدة اكولينا" امرأة عجوز تعيش في قبو رطب وتجمع حولها نفايات المجتمع البشري والمدمنين على السكر الذين بلغوا آخر درجات الحضيض بحيث انهم لا يخجلون من العيش على حساب عجوز فقيرة. وهكذا كانت جدة الكسي تقوم بجمع الصدقات من المحسنين من اجل اطعام العشرات ممن تدعوهم بـ " الاحفاد "المشردين وبينهم الحفاة واللصوص والمومسات الذين فقدوا مؤقتا" مصدر رزقهم. وكان جميع أهل الحي وخارجه يعرفون كرمها الذي كان يثير غضب وحنق الجد.
وعندما غادر الكسي البيت بأمر من الجد، قالت الجدة له مودعة: يجب عليك الا تغضب من الآخرين، انك تغضب لأتفه سبب واصبحت متعجرفا ! هذا ما اخذته عن جدك – وما هو الجد هذا ؟ لقد عاش ، وعاش ، واصبح عجوزا أحمق ومرا. وأفهم شيئا واحدا : ان الرب رحيم لا يدين البشر، بل ان ابليس يفعل هذا! وداعا!" . انها عرفت من العقيدة المسيحية فقط الرحمة والشفقة، وهكذا تعلم الكسي منها التوجه الى العذراء وليس الى الرب .. فهي ام الدنيا ، ومعنى ذلك أمه. ولهذا كان يقبل ايقونة العذراء من موضع الشفتين، مما أثار استهجان الآخرين في عائلة فاسيلييف التي بدأ العمل في محلها التجاري في قازان. وقد روى كل هذه الوقائع في كتابه " طفولتي".
قال غوركي انني ولدت جسديا في نيجني نوفغورود، بينما ولدت روحيا في قازان. وكانت فكرة الجد في ان يذهب الحفيد للعيش " بين الناس" مثله حينما بدأ حياته العملية كنوخذة يجر السفن على ضفاف الفولغا، ثم اصبح " انسانا" عندما تم ترقيته الى رئيس عمال هيئة الملاحة النهرية ورئيس الدوما المحلي. وفي الواقع ان غوركي كون عقيدته في الحياة في قازان بالذات حين عمل في مخبز صاحبه ديرينكوف الذي كان يوجه ريع المخبز لتطوير التعليم والحركة الشعبية في المدينة. اذ وجد في روسيا ايامذاك مثل هؤلاء الحالمين. وتحدث ديرينكوف اليه عن مستقبل روسيا حيث ستتظافر جهود مئات والاف الناس الطيبين وسيشغلون الاماكن البارزة في المجتمع وستتغير الحياة كلها فورا .. وكتب غوركي عن حياته في قازان يقول :" في سن 15 عاما تملكتني رغبة عامة في التعلم، ولهذا السبب سافرت الى قازان لاعتقادي بأن العلم يقدم الى الراغبين مجانا، ولكن تبين ان الامر ليس كذلك . ولهذا التحقت بمخبز لصنع المعجنات مقابل روبلين في الشهر. وكان العمل هناك من أشق الاعمال التي مارستها في حياتي ". علما ان فكرة الدراسة في الجامعة طرحها عليه احد التلامذة من معارفه بالرغم من ان غوركي لم يتم الدراسة حتى في المدرسة الابتدائية الكنسية وانهى صفين من التعليم في مدرسة بضواحي نيجني نوفغورود. وترك المدرسة بعد اصابته بالحصبة. وجاء زميله به الى بيته حيث كانت أمه تنفق على ولديها من معاشها التقاعدي الضئيل . وبعد ايام من الاقامة في هذا البيت ادرك ان الامر لا يمكن ان يستمر في العيش هناك، فترك البيت وفكرة الدراسة الجامعية . وعموما كانت الفترة التي قضاها غوركي في قازان من اصعب الفترات في حياته. وفي سن 19 عاما قام بمحاولة الانتحار بعد ان تفاقم العوز وتضور جوعا . فحصل على مسدس واخذ من احد الطلاب اطلس تشريح جسم الانسان ودرس المكان الذي يوجد فيه القلب حيث سيوجه فوهة المسدس نحوه. ثم توجه الى أكمة قريبة من دير واطلق النار على نفسه. وهرع الى المكان تتري من اهل المدينة وليس رهبان الدير والذي قدم له الاسعاف الاولي واستدعى رجال الشرطة والاسعاف. وبقي الكسي في المستشفى فترة من الزمن وأكد الاطباء ان الرصاصة اصابت أسفل الرئة وتم علاجه . لكن واجهته محنة أخرى حيث سلّمه شرطي المحلة امر الكنيسة بتحريمه لارتكابه خطيئة الانتحار. وقال غوركي فيما بعد ان تحريمه من دخول الكنيسة قد جرى قبل ان يصدر قرار السنودس بتحريم تولستوي بوقت طويل. وطلب الشرطي منه التوجه الى مقر الكنيسة من اجل اعلان التوبة وطلب المغفرة عن فعلته، لكنه رفض ذلك بشكل قاطع. وكانت فترة حياته في قازان فرصة نادرة للاطلاع على " مخلوقات كانت بشرا"، والتعرف على حياة الاقبية حيث يمضي فيها المشردون لياليهم ، وكذلك التحدث مع الطلاب الذين كان يبيع الكعك لهم.
وتعلم غوركي الكثير في لقاء شخصيات اخرى يشبهون ديرينكوف لدى انتقاله للعمل في روشة لرسم الايقونات وكمساعد طباخ يغسل الصحون في السفينة "دوبري". وكان طباخ السفينة سموري (الاسم مستعار) وهو ضابط صف مقاعد يحتفظ في السفينة بصندوق فيه اصناف الكتب والمجلات والصحف. وكتب غوركي عنه في عام 1897 يقول :" ان سموروف أثار لدي الاهتمام بقراءة الكتب". وصار غوركي ، الذي كان يكره المطالعة قبل هذا ، يشتري الكتب بنفسه لدى توقف السفينة في المدن. ويمكن القول ان غوركي بدأ هنا دوراته التعليمية الجادة عبر المطالعة واعطته الكتب اجوبة كثيرة عن الاسئلة المحيرة لديه. وكان سموري يدعوه الى مقصورته ويعطيه احد الكتب ويقول : اقرأ .. واذا لا تفهم فعاود القراءة اكثر من مرة .. وحتى سبع مرات ! واذا لم تفهمه في المرة السابعة فأقراه اثنتي عشر مرة !
وعندما انتقل غوركي لممارسة مهنة البستاني ومهنة صيد الاسماك وعمل حارسا في محطة القطار وغير ذلك من الحرف والمهن، واصل مطالعة الكتب. واصبح همه الاول الحصول على كتاب بأخذه من معارفه او بشرائه، وحتى بسرقته او اخذه من قوادة في بيت الدعارة. وقد احب في البداية الروايات المسلية وكتب المغامرات. وترك ذلك فيما بعد اثرا عميقا على اسلوبه الادبي الذي يعتمد على الاثارة العاطفية وهو ما عابه عليه النقاد فيما بعد.
بعد قازان سافر غوركي الى مدينة كراسنوفيدوف حيثة عمل في دكان روماس احد رجال الحركة الشعبوية (نارودنيكي) الذي ربطته به علاقة صداقة متينة، وعبره اطلع على الافكار الثورية. وعندما احرق الغوغاء دكانه بما فيه من كتب تقاتل غوركي معهم . ومن ثم عمل في الحقول وركب سفينة من سامارا الى بحر قزوين حيث عمل في صيد الاسماك . وبعد ذلك عمل في عدة محطات قطار في منطقة مدينة تساريتسين بصفة حارس. وواصل طوال تلك الفترة المشاركة في حلقات التعليم الذاتي واعتقل ووضع تحت رقابة الشرطة. وفي هذه الفترة غلبت عليه فكرة الانضمام الى " جماعات تولستوي" التي انتشرت في انحاء روسيا، حيث يقوم الشباب بتأسيس مزارع ويعملون في الحقول بعيدا عن المدن. وقد جذبت هذه الحركة في حينه العديد من الكتاب منهم تشيخوف وبونين وليونيد اندرييف وغيرهم. واتفق غوركي مع عدد من الشباب على التوجه الى تولستوي بطلب التبرع بقطعة ارض من اراضيه غير المستثمرة من اجل اقامة مزرعة. فسافر في القطارات متخفيا بدون تذاكر ومشيا على الاقدام حتى بلغ عزبة " ياسنايا بوليانا"، لكنه لم يجد تولستوي هناك وابلغته زوجته بانه سافر الى موسكو. فقرر غوركي التوجه الى موسكو لكنه لم يجد تولستوي في بيته هناك أيضا. وترك لتولستوي رسالة يشرح فيها افكاره ويطلب المساعدة منه. لكن تولستوي لم يرد على هذه الرسالة حيث كان يتلقى المئات منها ، كما انه لم يكن يحبذ فكرة اقامة مثل هذه المزارع. لكن غوركي كان يفكر بأقامة كومونة يستقر فيها للتأمل بهدوء في مسيرة حياته الماضية. بيد ان هذا المشروع لم يتحقق فقد تم استدعاؤه للخدمة العسكرية في مدينته الاصلية في نيجني نوفغورود. إلا ان اللجنة الطبية قررت انه يفتقد الى اللياقة البدنية واعفي من الخدمة.
اخذ الكسي يمارس مهنة بيع مشروب "الكفاس" ( مشروب يصنع من الخبز الاسود وهو خال من الكحول يقي حر الصيف بشكل خاص). ووجد لاحقا وظيفة كاتب لدى وكيل النيابة لانين الذي لم يثقله بالاعمال مقابل 20 روبلا في الشهر . وهو مرتب لا بأس به. لكن الكسي وجد نفسه غريبا وسط المثقفين، فبدأ رحلة التجوال في انحاء روسيا مرة اخرى. ومارس شتى المهن في المواني ومشاريع البناء وغيرها. بيد ان وجوده في مكتب لانين اتاح له الاطلاع على كتب غيرت مجمل تفكيره . فهناك قرأ كتاب نيتشه " هكذا قال زرداشت" الذي يرد فيه ان الانسان هو حلقة انتقال وهلاك. والانسان مثل "الجسر" الذي اقامته الطبيعة بين الحيوان والانسان الاعلى. وبقيت فكرة " الانسان الاعلى" راسخة لديه وانعكست في اعماله الادبية ومنها مسرحيته الفلسفية"الحضيض" حيث يقول على لسان ساتين:" الانسان هو الحقيقة .. ما اعجب الانسان ! ولشد ما في هذه الكلمة من فخار- الانسان ". ولام غوركي فيما بعد قسطنطين ستانيسلافسكي الذي اخرج المسرحية مع فلاديمير نيميروفتش- دانشينكو لكونهما لم يفهما مقصده من الحديث عن الانسان في المسرحية التي اجازتها الرقابة بصعوبة، وما كان يقصده هو الانسان "الافضل". وليس الانسان الجاهل والسكير والساقط في الحضيض. علما ان نيتشه كان لا يحظى في الاوساط الثقافية الاوروبية بالاهتمام آنذاك واعتبره البعض فيلسوفا فاشلا. بينما كتب غوركي عنه في عام 1879 يقول:" .. يعجبني نيتشه بقدر معرفتي له ولكوني ديمقراطيا في المولد والاحساس، فانني ارى جيدا ان الدمقرطة تقضي على الحياة وسوف لا تكون انتصارا للمسيح كما يعتقد البعض بل انتصارا للمعدة"...و"كتب ايضا " ان نيتشه كان يبشر ب "العافية". وفيما بعد بشّر غوركي بعد عودته الى الاتحاد السوفيتي في الثلاثينيات بالصحة و"العافية" بكونها المثل الاعلى للشباب السوفيتي. وعموما فان غوركي كان يثمن نيتشه لكونه قد تمرد على الثقافة البرجوازية واعلن احتجاجه ضدها. علما ان الباحثين اشاروا في اواخر القرن التاسع عشر الى تقارب فكر نيتشه والفكر الاشتراكي في بدايته. ولو ان غالبية الكتاب ومنهم تولستوي انتقدوا موقف غوركي هذا من نيتشه. لكن غوركي غيّر موقفه منه لاحقا وحتى وصفه بأنه منبع النازية في مقالاته في العهد السوفيتي -"حول البرجوازية الصغيرة"(1929) و" حول الانسان القديم والجديد"(1932) و" احاديث مع الشباب"(1934).
وقد اهدى غوركي فيما بعد اول كتبه الى ولي نعمته لانين الذي وضع مكتبته تحت تصرفه واتاح له الفر صة للاطلاع على الفلاسفة الاوروبيين. وكتب فيما بعد بتأثير مطالعاته هناك في مقالته " اضرار الفسلفة" . ولابد من القول ان روسيا شهدت في تلك الاعوام بروز شخصيات ثقافية موزعة في الاقاليم، وكان كل واحد منها يعتبر مدرسة فلسفية وفي مقدمتهم تولستوي. وكان النقاد يضعون غوركي في مرتبة عمالقة الادب الروسي في اواخر القرن التاسع عشر. اذ كانت اعماله تصدر بنسخ تزيد عن النسخ الصادرة لأعمال تشيخوف مثلا. واعتُبر غوركي في الاوساط الادبية الروسية بكونه يمثل الثقافة " البديلة" التي يبحث عنها المجتمع منذ نشر اول قصصه" ماكار تشودرا " في جريدة "القوقاز" الصادرة في تفليس(تبيليسي حاليا) ومجموعته القصصية "مقالات وقصص".
- 3 –
قال الكاتب ايفان بونين عن غوركي في فترة صعود نجمه ككاتب مبدع من طراز جديد: " كان غوركي في فترة اول لقاء معه قد ذاع صيته في جميع انحاء روسيا . وبعد ذلك ازدادت شهرته فحسب. واعجب به المثقفون الروس لحد الجنون ..واصبح كل عمل جديد لغوركي حدثا كبيرا في روسيا بأسرها. اما هو فكان يتغير ويتغير – ليس في نمط الحياة فقط بل وفي التعامل مع الناس ".
حقا ان شهرة غوركي اثارت انزعاج الكثير من معاصريه من الكتاب المعروفين. فصارت صوره تباع في كل مكان وحتى ظهر في الاقاليم شبان يقلدون هيئته في الملبس وتسريحة شعره ويقلدونه في حركاته واسلوب كلامه. (بالمناسبة ان احد الادباء العراقيين في الخمسينيات- الستينيات كان أيضا يقلد غوركي في المظهر ويعتبر من باب المديح ان يقال له انه يشبه غوركي). وكان تولستوي في طليعة منتقدي غوركي الذي اعتبره في البداية رجلا حقيقيا من الشعب لكونه جذب اهتمام القراء الى الانسان " من الحضيض" والبشر " الساقطين كليا"، وان الجميع يعرفون ان هؤلاء البشر هم اخوتنا – لكن هذه المعرفة نظرية فقط. وحسب قول تولستوي فان غوركي قد صورهم بشكل كامل وعن حب، وبث هذه المحبة في نفوس القراء. حقا ان كلامه يتسم بالغلو والتصنع لكن هذا يغفر له بسبب انه” وسّع نطاق محبتنا لهؤلاء البشر”. ولابد من الاعتراف بأن غوركي تأثر كثيرا بأفكار تولستوي بالاضافة الى تأثره به ككاتب وقد أشار الى هذا في كتابه عن تولستوي.
لقد غطت شهرة غوركي بعد خمسة اعوام فقط من نشر اولى مجموعة قصصية له على شهرة تشيخوف وكورولينكو وغيرهما من معاصريه. وادرك تولستوي ايامذاك ان جيلاً جديداً من الادباء الواقعيين يظهر في روسيا ومنهم غوركي وبونين واندرييف وشميليوف وغيرهم يمثلون مرحلة جديدة في الادب الروسي. ولو ان غوركي نفسه، كان مثل غيره من كتاب عصره، ينظر الى تولستوي وكأنه في "مصاف الرب"..وليس ككاتب فقط بل كشخصية روحانية بما طرحه من افكار اثارت غضب الكنيسة عليه وتحريمها له. علما ان غوركي في الواقع قد مضى تحت تأثير الاشتراكية بشكل ابعد من تولستوي في القطيعة مع الكنيسة، وذلك لتأثره بأفكار الفلاسفة الاشتراكيين. ويرى بعض النقاد ان تولستوي لم يكن راضيا عن نجاحات غوركي ربما بدافع الغيرة – ولو ان من السخف قول ذلك، ولاسيما بعد اخراج مسرحيته "في الحضيض" في برلين وعواصم اووربية اخرى ولاقت نجاحاً منقطع النظير، وجولة غوركي في امريكا مع الممثلة ماريا اندرييفا زوجته غير الشرعية التي رافقته هناك . وكانت جميع الصحف الامريكية والروسية على حد سواء تنقل اخبار الزيارة ولقاءات غوركي مع الاوساط الثقافية الامريكية. وسجل تولستوي في يومياته نقده لأعمال غوركي المنشورة انذاك ووصفها بأتها "رديئة"و"زائفة". وفي اغلب الظن ان تولستوي كان في طليعة الذين تحسسوا ان غوركي يحمل اخلاقيات جديدة تجذب الشباب على الاخص. إن فلسفة تولستوي القائمة على ان خلاص الفرد هو في عمل الخير من اجل تغيير المجتمع صارت تقابلها فلسفة غوركي في عمل"الخير الجماعي" الذي دعت اليه الاشتراكية. ولكن بقيت علاقات غوركي بتولستوي قوية حتى وفاته بالرغم من ان صوفيا تولستايا زوجته كانت تشعر بالنفور من غوركي لدى زيارته الى بيت تولستوي.
ويبدو ان فترة شهرة غوركي الواسعة قد انتهت بوفاته وصار هواة الادب يضعون في المقدمة كالسابق بوشكين وغوغول وتولستوي ودوستويفسكي. وكان مثل " الموضة" التي مضت مع الايام. واليوم لا يشغل غوركي المكانة الاولى بين الادباء المقروءين في روسيا وخارجها.
ان جميع الدراسات التي نشرت في العهد السوفيتي عن أدب غوركي كانت تصدر تقريبا تحت اشراف القسم الثقافي في لجنة الحزب المركزية وتخضع للأحكام السياسية في مجال الثقافة التي وضعت في هذا القسم. ولهذا يجد القارئ صعوبة في تقييم ادب غوركي انطلاقا من هذه الدراسات. ويمكن القول انه حتى خطبه واقواله المنشورة في تلك الفترة كانت تخضع للرقابة ايضا سواء الذاتية، خوفا من غضب القيادات، ام الرقابة الحزبية الصارمة (مثل خطابه في افتتاح اول مؤتمر لاتحاد الكتاب السوفيت). ولهذا تبقى هذه التقييمات مسيسة لحد كبير. اما في فترة ما قبل ثورة اكتوبر فقد نشرت اعمال نقدية جادة عن ابداع غوركي تذكر من بينها دراسات الكاتب كورنيه تشوكوفسكي ( مؤلف حكايات الاطفال الشهير الذي تخلى عن ممارسة النقد بعد الثورة وانضم الى فريق غوركي في مشروع اصدار سلسلة " الادب العالمي"). ففي دراسته حول روح غوركي الاوراسية (الشرقية) وروحه الغربية الصادرة في عام 1924 بعنوان " روحا مكسيم غوركي" يعطي الكاتب تقييما موضوعيا جدا لشخصية غوركي الادبية والتي غطت عليها خلال فترة طويلة شخصيته الاجتماعية بالدرجة الاولى في العهد السوفيتي واقواله مثل :" اذا لم يستسلم العدو فيجب تصفيته...". وتضمنت الدراسة مجموعة مقالات كتبها تشوكوفسكي منذ مطلع عام 1900 وحتى قيام ثورة اكتوبر 1917 . وقد عرف هذا الناقد بكونه لا يثق بما يطفو على السطح في العمل الادبي، ويضع مهمته في التوغل الى ما وراء هذا السطح. وعندما كتب تشوكوفسكي دراسته عن غوركي لم يكن النقاد بعد قد توصلوا الى رأي واحد حول الخلفية الايديولوجية لغوركي ونسبه البعض الى اتباع فكر نيتشه او دعاة الثورة او واصفي الحياة الاجتماعية اليومية كما هي. لكن بعد مرور الايام تغيرت النظرة اليه فوصف بأنه " موهبة نادرة" و"ذو نزعة فردية". ومعروف ان غوركي نشر اعماله الاساسية التي جلبت له الشهرة العالمية قبل الثورة. وفي الفترة السوفيتية استكمل بعض ما بدأ بكتابته في اعوام المهجر ومنه روايته الكبيرة "حياة كليم سامغين". ويعتقد تشاكوفسكي ان غوركي هو اول كاتب في روسيا آمن بأن ملايين الناس سيبنون كوكبهم ويحولون الجحيم الى جنة. وبالعمل سيبنون قصرا من البلور من اجل الجيل القادم لاتنطلق فيه الاهات ولا تنهمر فيه الدموع "ولا توجد قبور بدون صلبان ولا عبيد". ان كل موضوع ابداع غوركي هم " العناية بهذا المستقبل السعيد". فغوركي ليس من الباحثين عن الرب او عن الحقيقة بل انه باحث عن السعادة. تلك السعادة التي تقابل ما رآه من شقاء الناس حوله منذ الطفولة. إن الغاية من جميع اعماله الادبية من شعر ونثر هي " تغيير البشرية". وهذا الامر بالذات قاده الى دعم الحركة الاشتراكية الثورية. انه كره الرجل (الموجيك) من عامة الناس الرجل الجاهل الذي لا يعرف من الحياة سوى العمل الشاق وشرب الفودكا والعراك والقسوة وضرب المرأة بكعب جزمته.
26/11/2011





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,917,982,143
- يوسف العاني موليير العراق
- محمود صبري - فنان ومفكر
- بريماكوف يتحدث عن الماركسية - اللينينة و-الثورات العربية-


المزيد.....




- أروى تكشف لـ-سبوتنيك- أهمية مهرجان الجونة السينمائي دوليا
- هذه أبرز مضامين قانون الطب الشرعي الذي صادقت عليه الحكومة
- ساويرس يؤكد لـ-سبوتنيك- توقعاته بنجاح مهرجان الجونة السينمائ ...
- 400 فنان تشكيلي بافتتاح أيام قرطاج في تونس
- الفنانة بشرى تكشف لـ-سبوتنيك- أسباب تطور مهرجان الجونة السين ...
- بلاسيدو دومينغو الابن يحيي حفلا موسيقيا في موسكو
- بالفيديو... ماذا فعل زوج فنانة مصرية معها على الهواء خلال مق ...
- ريتسوس الوطن حين يُكتب بالشعر
- رونالدو يبكي، وفنان سوداني وراء حسابات نسائية وهمية
- أغاني سعد لمجرد تحت مطرقة المقاطعة بالمغرب


المزيد.....

- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله حبه - مأساة مكسيم غوركي