أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - حول دور القوى اليسارية والتقدمية ومكانتها في ثورات الربيع العربي وما بعدها - بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحوار المتمدن 2011 - سعيد الوجاني - منتصف الطريق فالإجهاض















المزيد.....



منتصف الطريق فالإجهاض


سعيد الوجاني
الحوار المتمدن-العدد: 3567 - 2011 / 12 / 5 - 18:44
المحور: ملف - حول دور القوى اليسارية والتقدمية ومكانتها في ثورات الربيع العربي وما بعدها - بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحوار المتمدن 2011
    




الأساتذة الإجلاء في الموقع العربي: الحوار المتمدن: تحية طيبة. تجدون هنا أجوبة شخصية عن الأسئلة التي تفضلتم بطرحها بخصوص ما يختمر بالساحة العربية من تحولات وتقلبات متناقضة في خطاباتها وفي رؤيتها وممارستها لما يحضر له بعناية ودراسة ، استشرافا لمخططات قد لا تصب فيما يسمى اعوجاجا ( ربيعا عربيا ) ، بل في برامج كانت تطبخ تحت الأرض ، فحان الآن الوقت لقطفها ، وإنهم لها لجانون .
1 – هل كانت مشاركة القوى اليسارية والنقابات العمالية والاتحادات الجماهيرية مؤثرة في هذه الثورات ؟ والى اي مدى ؟ .
ج – أولا يجب التنبيه الى الخلط الذي يستعمل في وصف هذا الحراك والعراك ( ثورة ) . ان استعمال هذا المصطلح يعتبر تجاوزا لما يحصل بالمنطقة ، لأنه لا يصف الحالة كما هي ، او كما يخطط لها . فإذا كانت الثورات تنتهي بدك قلاع الدولة القائمة من مؤسسات مختلفة ، وإقامة دولة أخرى بمؤسسات جديدة تعكس فكر الثورة ، فهذا لم يحصل في الحالة العربية . لقد اقتصرت مطالب الانتفاضيين وليس الثوريين في اختصار الصراع مع راس النظام وبطانته ، وليس مع النظام ، مما جعل أنصار راس النظام يسيطرون على المشهد السياسي و على توجيه ( التغيير ) بما يتعارض مع التغيير . لقد تراجع نجم الداعين الى التغيير المحتشم ، لأنهم وقفوا وسط الطريق ولم يكملوا المشوار ، وعوض ان يتقدموا الحملة ، سرقت منهم لصالح جماعات كانت تنتظر . والسؤال من يحتل اليوم ساحة التحرير بمصر ؟ من يتولى القيادة في تونس ؟ من يسيطر على الحكم في ليبيا ؟ من هي الأكثرية العددية القائدة للتظاهرات في سورية ؟ إلى أين ينتسب أهل التغيير في اليمن ؟ هل تنتمي جميع النساء اليمنيات الذين يلبسون البرقع الى القوى العلمانية واليسارية ام ان انتماءهم مشهود ومعروف ؟ . وحتى لا أطيل في هذه النقطة ، فقد سيطر التنظيم الاخواني ( قطر ) والتنظيم السلفي ( المملكة العربية السعودية ) على ما يسمى مشاهد التغيير . فهل السعودية وقطر دول ثورية تقود الثورات ام أنهم كمبراس يتكلم باسم واشنطن وتل أبيب ومعظم العواصم الغربية ؟ . واذا كان الدافع من التهييج للمواطن العربي العادي الذي تسيطر عليه الأمية هو حقا الإصلاح والديمقراطية ، فالسؤال ماذا يجري بالمملكة العربية السعودية وبدول الخليج ؟ في السعودية ليس هناك دستور . ليس هناك برلمان ، ولا نقابات ، ولا أحزاب ، ولا جمعيات مجتمع مدني ، ولا جمعيات حقوق الإنسان . المرأة ممنوع عليها قيادة السيارة فأحرى ان تطالب بحقوقها . اما في قطر الذي تضم اكبر قاعدة أمريكية ، قاعدة السيلية التي استعملت في ضرب الشعب العراقي ، وفي تدمير حضارة العراق ، وتخصص للتجسس على البلاد العربية ، فهي كذلك لا تختلف عن جارتها السعودية . و يجمع الخبراء أنهم لا يعرفون حكومة في قطر ، وكل ما يعرفونه فقط الشيخ الأمير العاق ووزير الخارجية الشيخ حمد ، الذي لم يستحي يوما حين قال : ان قطر تجمعها اتفاقيات عسكرية وإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وهي لن تتردد في التنسيق والتعاون بما تمليه وتنصص عليه الاتفاقية لضرب اي بلد عربي بالمنطقة . في مصر العسكر أبناء ومرافقي مبارك لا يزالون في السلطة يقتلون . في ليبيا وعد المجلس الانتقالي الليبي بتطبيق الشريعة كمصدر للتشريع ، مع ما يتبع ذلك من تعدد الزوجات وقطع الأذرع والأيدي وجز الرؤوس والرجم حتى الموت . وفي تونس المستقبل أضحى واضحا ، ومن يقرا أدبيات حركة النهضة ، سيخرج بفكرة تدور حول التدرج ، والخطوة الخطوة ، وحتى لا نذهب بعيدا فان وزراء الحركة استولوا على كل وزارات السيادة في الحكومة التونسية ، وتونس الآن بصدد إنشاء مجلس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . أما شعارات الأغلبية الساحقة من المتظاهرين في سورية واليمن ، فتدور حول نظام الخلافة التي ستضرب في الصميم المجتمع المدني بكل تفاصيله وجزئياته . انه الانتقال من النظام الاستبدادي الدكتاتوري الى النظام الفاشي الاسلاموي .
وإذا كانت الحركات اليسارية بمختلف تجلياتها واختلافاتها قد استجابت لنداء التغييرين الفبراريين ، فإنها لم تستطع ان تؤثر في الحركة ، بل ظلت بسبب شعاراتها التمييزية والطائفية الكلاسيكية في واد والشباب في آخر ، بل ان اليسار الماركسي ظل خارج الحلبة بسبب السيطرة الاسلاموية على المظاهرات والمسيرات ، وهو ما يفيد تعطل الحركة التغييرية بسبب التناقض والاختلاف ، بين المكونات التي تريد تسييس الحركة من منطلقات قد لا تكون كذلك عند تنظيمات أخرى . ومما يجب الإشارة إليه ان الطبقة العاملة بالمفهوم الماركسي غائبة عن الاحتجاجات التي تسيطر عليها البرجوازية الصغيرة والمتوسطة وما فوق المتوسطة . والسؤال كما قال لينين ما العمل ؟ سيما وان الوقت يجري بخطى متسرعة لا ترحم الضعفاء ، ولا تستوجب الخطأ ، وتصب في مصالح لا علاقة لها بما يسمى بالربيع العربي ، وعلاقتها مرتبطة بالربيع الاسلاموي الذي سيأتي على الأخضر واليابس.
2 – هل كان للاستبداد والقمع في الدول العربية الموجه بشكل خاص ضد القوى الديمقراطية واليسارية دوره السلبي المؤثر في إضعاف حركة القوى الديمقراطية واليسارية ؟
ج – اعتقد ان السؤال يحمل في طياته اعترافا صريحا بضعف الحركة اليسارية و ( الديمقراطية ) في الوطن العربي وهذا طبعا ما يجعلها و بخلاف التيار الاسلاموي تلهت وراء الأحداث الجارية بالساحة من دون التأثير فيها . وإذا كان زجر الدولة قد حد من إمكانية الحركة الماركسية بسبب أخطاء إستراتيجية وتكتيكية ، وبسبب فقدان البوصلة والرؤية لتحليل الأوضاع ببلادها ، إلا انه ليس بالقدر الذي لعبت فيه أسباب أخرى دورا أكثر سلبية في تقليص نفوذ اليسار الماركسي بشقيه الراديكالي والمتطرف ، واليسار الشيوعي الذي ظهر منذ بداية أربعينات القرن الماضي . إن من أهم أسباب ضعف الحركة اليسارية هو تقوقعها في ذاتها بفعل الحلقية الضيقة التي ساهمت بشكل أساسي من خنق التنظيم من الداخل بسبب التعالي في اجترار الخطابات الفئوية التي لا تمثل بصلة الواقع المعاش لرجل الشارع العادي التي تبدو له المصطلحات الماركسية من غرائب الزمان التي يعجز عن حل طلاميسها . ان الحلقية الضيقة والاندفاع الأعمى غير المحسوب النتائج ، والترويج لخطابات فوقية معقدة ، كان من اهمم الأسباب في إضعاف الحركة اليسارية العربية الى جانب زجر الدولة مرة ، ومرة بسبب الحرب التي تخوضها القوى الفاشية الاسلاموي ضدها ، هذا دون ان ننسى التشرذم والانقسامات والانشقاقات التي تدب في صفوفها لعدة السباب أهمها التعلق بالزعامة وعبادة الشخصية ، والعضو او المناضل التاريخي الطاهر الذي يصل درجة التقديس ولا يأتيه العيب من حيث أتى .
3 – هل أعطت هذه الانتفاضات دروسا جديدة وثمينة للقوى اليسارية و ( الديمقراطية ) لتجديد نفسها وتعزيز نشاطها وابتكار وسائل أنجع لنضالها على مختلف الأصعدة ؟
ج -- لا اعتقد ان الحركة اليسارية العربية وبالأخص المغربية قد استفادت مما يجري حولها ، بل ان الاجترار والدغماتيكية ظلا متحكمين في خطاباتها ، وفي طريقة تعاملها مع جموع المنتفضين الذين ينتمون الى الحركات الأصولية ، والى بعض التنظيمات من أشباه الليبراليين و أشباه العلمانيين . ان المشكل بالنسبة للحركة اليسارية العربية هو حين تركز في خطاباتها وفي شعاراتها على الفئوية مثل دكتاتورية الطبقة العاملة ، رغم أنها لا تجهل كون الحراك او العراك العربي لا يضم العمال بالمفهوم الماركسي ل ( الطبقة العاملة ) بل يضم البرجوازية الصغيرة والمتوسطة و ما فوق المتوسطة والمهمشين المنبوذين الذين لا شغل لهم . اي الفئات الاجتماعية المسحوقة العريضة التي لا مصالح تجمعها بالتعريف الماركسي للعمال . إن التركيز على دكتاتورية الطبقة العاملة يخلق لليسار العربي والمغربي أعداء بالمجان هو في غنى عنهم . كما يخلق له صراعات بزنطية ان لم تعطل عجلة التغيير والتاريخ ، فأنها تمططها بما يجعل الصراع يبتعد عن جوهره ، وليصب في مواضيع لا علاقة لها ب ( الطبقة العاملة ) . ان هذا التصرف الأرعن وغير المحسوب النتائج ، يجعل جميع فئات المجتمع تتخوف من المشروع اليساري ، لأنه يعمل من اجل فرض دكتاتورية طبقة غير موجودة أصلا على بقية ( الطبقات ) الفئات التي يتكون منها المجتمع . انه من الأصل مشروع تصادمي عدائي رغم ان المنادين به في العالم العربي ليسوا من العمال، بل هم من المثقفين الذين يلوكون الخطاب كموضة يسارية ، ويعيشون حياة برجوازية سواء بالملبس الأنيق مع ربطة العنق او ركوب السيارات الفارهة او استهلاك سلع الغرب الغريبة عن ( الطبقة العاملة ) مثل سيجارة المارلبورو وسيجارة الوينسطون وشرب الجعة . اما العمال فهم في مشاكلهم غارقون ، وغير مبالون لأناس يروجون خطاب العمال للاستئناس والدعاية و لا شيء يجمعهم ب (الطبقة العاملة ) . والسؤال الذي نطرحه هنا : اذا كانت الطبقة العاملة الأوربية قد فقدت حسها الثوري في انتفاضة المثقفين في ماي 1968 ، وظلت غير مبالية بما يجري من حولها ، ومتخلفة عن الأحداث ، بل إنها ناصبت العداء للثوار المثقفين الذين خرجوا من أصوار جامعة السوربون ، بدعوى أنهم يعطلون الإنتاج ، والحقيقة أنهم ، أي العمال كانوا يخشون على المكتسبات التي أعطاها إياهم النظام الرأسمالي .. واذا كانت الطبقة العاملة الأوربية قد اندمجت في منظومة النظام الرأسمالي ، رغم انه بدأت الآن تذوق الأمرين من الأزمة البنيوية التي تضرب هذا النظام ، حيث أصبحت منطقة الاورو مهددة بالانهيار ، ورغم ذلك فان الذي خرج في تظاهرة ( احتلوا وول ستريت ) والذين خرجوا في ايطاليا وألمانيا ، هم الشعب الكادح والجائع ، وليس العمال الذين وعدهم ماركس بمستقبل زاهر ، ذلك المستقبل الذي لم يتحقق للعمال في الدول الأوربية الشرقية والاتحاد السوفيتي التي حكمت باسم العمال ، ولكن تحقق في المجتمعات الرأسمالية ،،، فكيف يمكن الحديث عن ( الطبقة العاملة ) العربية غير الموجودة طبقا للتعبير الماركسي للعمال ؟ . ان ما يسمى بالطبقة العاملة العربية تتكون من الأميين الذين لا يميزون بين العصا والألف ، والذين يتكلمون باسمهم ليسوا من العمال ، بل هم من البرجوازية المدينية التي تتناقض اجتماعيا ومصلحيا مع مصلحة العمال . فهل يصلح إطلاق تعبير الطبقة العاملة بالمفهوم الماركسي على من تنخره الأمية ، و يتمسك بالكتب الصفراء ، ويواظب على ارتياد المساجد ، وزيارة القبور والأضرحة ، ويثق في الخرافات ويتمسك بالعادات و التقاليد المتصادمة مع اي تحليل علمي ماركسي للظواهر ؟ . لذا فعوض التركيز على التمييز والفئوية مثل ( الطبقة العاملة ) غير الموجودة ، يجب التركيز على العدل والمساواة في الفرص بين المواطنين ، وعلى دولة الحق والقانون، كما يجب النفاد الى قلوب الجماهير الفقيرة بدغدغة عقولها وقلبها بالمشاكل اليومية التي تعيشها ، مع استعمال خطاب تبسيطي في المخاطبة ، ولغة سهلة في التواصل حتى يمكن النفاد الى مختلف فئات المجتمع وليس فقط الى العمال غير الموجودين . ان الشعب الجائع لا يعرف المصطلحات المستعملة في الكليات وفي المنتديات الثقافية حيث يبرع الماركسيون . ان كلمة صراع طبقي ، اوليغارشية ، كمبرادور ، برجوازية ، خطوة الى الأمام وخطوتان الى الوراء ، الحتمية التاريخية ، المادية التاريخية ، التحليل المادي للتاريخ ، الامبريالية الاشتراكية والامبريالية الرأسمالية ... هي كلمات يصعب على حملة الشواهد فهمها ، فما بالك برجل الشارع الجائع في بطنه ، لا يفكر إلا في قوت يومه وعيال أولاده . هنا فشلت الحركة اليسارية العربية ونجحت القوى الظلامية والفاشية التي برعت في كيفية انتقاء أسلوب الخطاب لتمرير الرسالة ، ومن ثم الانتشار في وسط المجتمع ، وليس في أوساط العمال الذين يرفضون دكتاتوريتهم أصلا . ولنطرح سؤالا : كم عدد الناس الذين تستقطبهم الجماعات الاسلاموية يوميا ، وكم عدد الناس الذين تستقطبهم الحركة اليسارية العربية يوميا ؟ لماذا تزداد فلول الاسلامويين ولماذا تتناقص فلول الماركسيين واليساريين ؟ لماذا الاسلاموين في تقدم ولماذا اليساريون في تقهقر ؟ لماذا ينصت الناس العاديون الى الخطاب الإسلامي ولماذا ينفرون من الخطاب اليساري ؟ . إنها أسئلة تعري الحقيقة ، والإجابة عنها لن تكون من داخل المكاتب المغلقة ، بل ستكون في الساحة . ان التنظير للمجتمع لا يكون فقط من الموقع العاجي وبين أربعة جدران ، بل يكون بالانغماس وسط المجتمع للتأثير فيه . وهذا لن يتأتى إلا بتغيير أسلوب الخطاب ، واعتماد التبسيط والسهولة في إيصال المراد . كذلك إن من أسباب الأخطاء التي قلصت نفوذ الحركات اليسارية ، موقفها السلبي من الدين ، وهذا يعطي للجماعات الاسلاموية ، ولأعداء الحركة حجة وتبريرا في تشويه صورة الحركة وسط الجمهور، خاصة توجيه الاتهام بالإلحاد والكفر ، بل إصدار دعاوى التكفير التي تتكفل بتطبيقها البروليتارية الرثة من ماسحي الأحذية ، الباعة المتجولون ، الاسكافيون ... والسؤال من قتل مهدي عامل و فرج فودة وقائمة الضحايا طويلة ؟ .
ان من الأخطاء التي لا يزال يجترها الماركسيون كذلك ، هو حين يتمسكون بالماضي وبالثرات الماركسي كقران غير قابل للتأويل او النقد ، مع العلم ان الماركسية تقوم على النقد لتقويم الاعوجاج قصد بلوغ الحقيقة المغيبة في الخطابات الماركسية بمختلف اتجاهاتها وفروعها . ان أصحاب العنعنة ( عن فلان وعن علان ) غير موجودين فقط في الاتجاهات الاسلاموية ، بل هم موجودون حتى بين الماركسيين . ماذا تنتظر من ماركسي يدعي تشبثه بالماركسية وبالتحليل العلمي ، حين يغيب العقل مصدر التحليل ومنتج الأفكار ، وتراه مثل الاسلاموي الذي يردد : قال ابن كليبة او ابن هريرة او ابن ثعلبة وروي عن فلان عن علان عن عمر ابن الخطاب عن ابو بكر عن عثمان عن عن عن عن رسول الله قال " ..؟. " يردد هو كذلك قال ماركس قال لينين قال ستالين قال ماو ... ؟ واذا كان الاسلاموين يعتقدون خاطئين ان الإسلام او القران والسنة لم يتركا كبيرة او صغيرة الا ونظماها بسبب الفكر الشمولي ، فان هذا الاعتقاد خاطئ من أصله ، لان سر الدين الإسلامي انه حدد العقائد والعبادات والتوجهات الرئيسية في المعاملات ، وأما فيما عدا ذلك فقط تركه للعقل البشري كي يتدبر أموره . ان كل ما جاء في الإسلام عبارة عن توجهات وقضايا كلية فمثلا : " واذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل " ان جوهر المسألة هنا ان نحكم بالعدل غير الموجود في البلاد العربية ، إنما كيف نحكم بالعدل ؟ ومن الذي يحكم بالعدل ؟ هل هي محكمة ابتدائية او محكمة استئناف ام محكمة أدارية ام تجارية ام المجلس الأعلى للقضاء .. ؟ هل قاض واحد او قاضيان او ثلاثة قضاة ؟ هل هؤلاء القضاة يعينون او ينتخبون ؟ فهذه مسائل متروكة للعقل البشري ، لأنها مرتبطة بظروف المجتمعات وتطور الزمان . فلا نستطيع في عصرنا الحالي إحضار الخليفة او الملك او رئيس الجمهورية كي يحكم بين الناس ، لان هناك آلاف القضايا المختلفة والمتعددة تطرح اليوم . إذن السؤال سيصبح كيف نشكل النظام القضائي في هذا الظرف المحدد ؟ فما كان يتم منذ ألف سنة غير صالح الآن ، أما الجوهر فلابد من نحافظ عليه . ان الإسلام دين جوهر ، أما الأنظمة فهي تشكل أسلوب المعالجة للوصول الى هذا الجوهر . وليس مطلوبا من اي رئيس او ملك ان يمشي بجلابة او سلهام وبرنس فيه مائة رقعة ، وينام تحت الشجرة ، ويتغذى بثمرة ، ويركب حمارا او بغلا وجملا . ولكن المطلوب هو الحفاظ على الجوهر، لان التركيبة النفسية للإنسان العربي ومعه ( الطبقة العاملة ) العربية مكونة في اغلبها من دين ، وعليه يجب معالجة القضايا دون اصطدام بالدين .
من جهة أخرى فان الاسلامويين المتزمتين والرجعيين عندما يقولون بحكم الله ، فإنهم يظنون ان القران والسنة يستخدمون الحكم للدلالة على النظام السياسي في الحكم بالمفهوم المعاصر . والحقيقة ان هذا المفهوم كانت له دلالة أخرى ، ولو رجعنا مثلا للاستخدامات القرنية نجد ان كلمة حكم قد وردت ضمن معنيين :
ا – المعنى الأول بمعنى القضاء والفصل في المنازعات ، أي الحكم والتحكيم وكما ورد في الآية الكريمة : " ثم إلي مرجعكم فاحكم بينكم فيما كنتم تختلفون " وفي العصر الحديث فان كلمة حكم تعني طبيعة النظام السياسي السائد في الدولة
ب – المعنى الثاني هو معنى الفقه والعلم . فمثلا يقول القران في وصف النبي يحيي " واتيناه الحكم صبيا " . وبالطبع لم يكن المقصود إعطاؤه الحكم ، بمعنى السلطة السياسية ليحكم البلد وهو صبي ، فهذا شيء لا يقبله عقل سليم ، وإنما أعطيناه الفقه والعلم والحكمة والمعرفة صبيا
كذلك يدعو النبي إبراهيم ربه فيقول " ربي هب لي حكما وألحقني بالصالحين " . وطبعا المعنى هنا ليس أعطيني السلطة السياسية لأحكم البلد . وإنما المعنى هو أعطيني العلم والفقه والمعرفة
وفي سورة المائدة نجد الآية الكريمة تقول : " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله " . ويعني بها الله بني إسرائيل وفلسطين . وهنا اذا نحن جارينا الفاشيين الاسلامويين الذين يعدمون العقل و يتمسكون بالحاكمية لله وحده دون الإنسان ، فهذا معناه تبرير للحركة الصهيونية ، وإعطائها شرعية الوجود في فلسطين . بينما لو رجعنا الى استعمال العقل في التعامل وفهم شرح القران ، فإننا سنجد ان الآية تسرد واقعة تاريخية قبل 2000 سنة عندما كانت تخاطب بني إسرائيل في ذاك الوقت . لذلك فان معرفة أسباب النزول ، والظروف التاريخية التي أدت إلى ذلك مهم جدا في تفسير الآية او الحديث
ومثل الإسلام ، فان الماركسية كذلك جاءت بمبادئ عامة كقاعدة ، ولم تأتي بحلول تفصيلية لمشكلات الإنسان ، وقضاياه الشخصية والوطنية ، لأنه في التفاصيل يحضر العقل الإنساني ، وتحضر التجربة والخصوصية التي تناسب كل بلد . ان ما كان يطبق في الاتحاد السوفيتي المنحل لم يكن هو نفسه يطبق في رومانيا ، بلغاريا ، ألبانيا ، الفيتنام ، الصين والكمبودج .. كما ان بنية الحزب الشيوعي الروسي ومعه العديد من الأحزاب الشيوعية التي كانت تدور في فلكه ، لم يكن هو الذي تناسب مع أحزاب الآروشيوعية ( الأحزاب الشيوعية في أوربة الغربية ) . ان الخصوصية جعلت الاختلاف حاصلا ليس فقط بين هاتين المجموعتين التابعة لموسكو اوالمستقلة عنها ، بل إن الاختلاف شمل حتى الأحزاب الشيوعية لأوربة الغربية بسبب الخصوصية . ان الحزب الشيوعي الايطالي لم يكن هو الحزب الشيوعي الفرنسي ، كما كان هناك اختلاف واضح بين حزب الشيوعي الاسباني واليوناني والألماني والانجليزي وهكذا .. وإذا كانت الماركسية تعني استعمال التحليل العلمي في فرز الواقع وحل الإشكاليات ، فكيف إذن تلتقي الحاكمية الاسلاموية مع الحاكمية الماركسية في إلغاء العقل ، وقانون التطور الذي بفضله يمشي التاريخ في خط حلزوني وليس مستقيم ؟ لقد تم إطلاق العديد من الأوصاف القد حية مثل التح ريفية ، واليمينية ، والارتدادية على دعاة الإصلاح ، واستعمال العقل في الماركسية كأداة للتحليل العلمي ، وليس كنصوص جامدة صالحة لكل زمان ومكان . وإذا كان الجمود قد اضر بالحركة اليسارية الماركسية بسبب التشبث بالنص كما هو ، لا كما ينبغي ان يكون ، فان ما يؤسف له هو استمرار العديد من الحركات في إلغاء العقل المنتج للأفكار بدعوى محاربة التحريفية واليمينية ، وهو ما يجعلهم خارج الزمان والمكان والتاريخ ، اي يدورون في حلقة مفرغة .
و من غرائب وعجائب الأقدار ان يلتقي وينسق الكاوتسكيون ( حزب النهج الديمقراطي ) مع الظلامية القروسطوية والفاشية الاسلاموية لجماعة العدل والإحسان . انه مكر التاريخ ليس إلا .
4 – كيف يمكن للأحزاب اليسارية المشاركة بشكل فعال في العملية السياسية التي تلي سقوط الأنظمة الاستبدادية ؟ وما هو شكل هذه المشاركة ؟
لقد ناضلت الحركة الماركسية اللينينة التونسية والحزب الشيوعي التونسي منذ بداية سبعينات القرن الماضي ، وقدمت التضحيات تلو أخرى من سجون ومنافي ، لكن وعند طرد بنعلي وليس النظام الذي انتقل الى حركة النهضة ، بقيت الحركة الماركسية خارج اللعبة الرسمية بفعل التشتت ، وبفعل التجاوز الزمني بسبب الخطاب الغريب عن المجتمع التونسي الذي تنخره التقاليد المرعية ، والأصول الثابتة . وإذا أرادت الحركة اليسارية العربية المشاركة بشكل فعال في مستقبل بلادها ، عليها التبسيط والسهولة في ترويج الخطاب ، وعليها عوض خلق الأعداء بالمجان من قبيل دكتاتورية الطبقة العاملة ، حيث يصبح المشروع الماركسي بهذه الدكتاتورية لا يختلف من حيث الأساليب القمعية مع أنظمة الاستبداد التي سقطت او في طرقها الى السقوط . وبدل الخطاب العاجي من فوق ، وعوض التنظير في الأقبية والبيوت ، على الحركة النفاد الى جميع فئات المجتمع ، وليس فقط التوجه الى ( الطبقة العاملة )غير الموجودة بالمفهوم الماركسي للعمال . ان الذين نزلوا الى الساحات وساروا في المسيرات لا ينتمون الى العمال الذين ظلوا خارج إسهامات الفبراريين ، بل ان الذين خرجوا هم البرجوازية الصغيرة والمتوسطة وما فوق المتوسطة والفئات المسحوقة التي ترفع شعارات ومطالب شعبية وليست طبقية . وهذا سر هيمنة الاتجاهات الاسلاموية التي تلتقي اجتماعيا مع المنتفضين في الحراك العربي ، وهو نفسه سر تراجع اليسار داخل هذا الحراك رغم ان تاريخ الصراع بالمنطقة يشهد له ببطولات قل نظيرها عند التيارات الرجعية الاسلاموية .
5 – القوى اليسارية في معظم الدول العربية تعاني بشكل عام من التشتت . هل تعتقدون ان تشكيل جبهة يسارية ديمقراطية واسعة تضم كل القوى اليسارية و ( الديمقراطية ) العلمانية ببرنامج مشترك في كل بلد عربي ، مع الإبقاء على تعددية المنابر ، يمكن ان يعزز من قوتها التنظيمية والسياسية وحركتها وتأثيرها الجماهيري ؟
ج – ان تاريخ اليسار العربي بما فيه تاريخ اليسار المغربي هو تاريخ تشتت وانقسامات حتى غدا للمحلل ان يجعل من الانقسام خاصية لصيقة بالأحزاب والحركات اليسارية ، اي القاعدة العامة ، وليس فقط مجرد استثناء. ان السبب في هذا المرض المزمن الذي تعيش فيه الظاهرة الحزبية ، يتمثل في الانفراد بالقوانين التنظيمية الفوقية التي تلجم الصراع واختلاف الأفكار داخل التنظيم ، الأمر الذي يجعل القاعدة الحزبية خاضعة للقيادة الهرمة الشائخة . كما يرجع السبب الى تهرب القيادة و امتناعها ، خاصة اذا كانت محاصرة من قبل المعارضة الداخلية ، من تنظيم المؤتمرات التنظيمية في وقتها ، فيدفعهم التمسك بالمنصب الى التمطيط وتأجيل المؤتمرات التي تحسم فيها الشؤون الإيديولوجية والتنظيمية . ثم هناك اللغة الخشبية المستعملة عند معالجة الظواهر، او عند مخاطبة القواعد والجمهور ، بحيث يؤدي التمسك بالقوالب الجاهزة المتهالكة الى السأم والملل في صفوف المناضلين وبين المخاطبين من الذين لا ينتمون الى التنظيم ، وهو الفعل الذي يجعل التنظيم يختنق داخليا بسبب الحلقية والحذر من العدو الوهمي ( الدولة ) التي لا تخفى عنها خافية .
وبالرجوع الى ما يسمى أحزاب اليسار المغربي ( لا أرى أي تناسب لتسمية اليسار مع ما يحصل في الواقع العربي . ان كلمة يسار هي صناعة انجليزية تم إطلاقها على المعارضين للحكومة الذين كانوا يجلسون في يسار البرلمان ، أما الأحزاب ( لا أقول الحكومية ) التي كانت تتولى الحكم فكانت تجلس في اليمين ، فاتبع عرف أصبح قاعدة يسمي الأحزاب التي تشترك في الحكومة باليمين ، ويسمي الأحزاب التي تعارض الحكومة باليسار . ونظرا لأنه درج العمل ان الأحزاب الشيوعية والعمالية والاشتراكية هي التي كانت تجلس في اليسار ، فانه تم تعميم هذه التسمية على هذه الأحزاب بسبب البرامج المختلفة مع برامج الأحزاب التي تسمى باليمين . هكذا درج القول الحكومة اليسارية و الحكومة اليمينية . لكن هناك ما يخالف هذا العرف الذي شاع . ففي المغرب في ثمانينات القرن الماضي كانت الأحزاب ( اليسارية ) التي كانت تعارض الحكومة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، وحزب التقدم والاشتراكية تجلس في مقاعد يمين البرلمان ، في حين كانت الأحزاب ( اليمينية ) التي كانت تشكل الحكومة تجلس في المقاعد الواقعة يسار قبة البرلمان ) ،وهو ما يجعل مثل هده التسميات تفقد وصفها الحقيقي الذي لا يعدو غير الهرولة التي يوفرها الريع البرلماني و يوفرها الريع الحكومي. وبالرجوع إلى الساحة المغربية نقول تجاوزا ، ان أحزاب ما يسمى باليسار تتكون ثلاثة أحزاب جد ضعيفة . حزب شعبوي يمارس المعارضة البرلمانية لأنه شارك في الانتخابات التشريعية لسنة 2007 ولم يحصل على اي صوت ، وهو حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي الذي قاطع التصويت على تعديل الدستور ويقاطع ألان التصويت في الانتخابات ، لأنه يعرف مقدما انه لن يظفر بأي صوت قد يسمح له بدخول البرلمان ومنه الحكومة ، ففضل الهروب الى الإمام بالمقاطعة ، عوض انكشاف عورته أمام الجمهور ، اي تعرية ضعفه البين . هناك الحزب الاشتراكي الموحد ، وهو حزب يميني يمارس بدوره المعارضة البرلمانية ، ولا يعارض الملكية إلا في شقها الاختصاصي ، اي معارضة الاختصاصات المخولة للملك ، حيث يطالب بالحد منها لصالح سلطات الوزير الأول او رئيس الوزراء ، وهو ما يعني إضعاف القصر لصالح الأحزاب ، وإضعاف الملك لصالح الوزير الأول المنتمي الى الأحزاب الضعيفة التي تعيش من فتاة القصر . واذا علمنا حجم الضعف الذي يعاني منه هذا الحزب ، فالسؤال لمصلحة من يجب على الملك التنازل عن سلطاته التي يعطيها له الدستور والأعراف ؟ الجواب يسكون سهلا . بما ان الحزب الاشتراكي الموحد يركز على صناديق الاقتراع في حسم مسالة الحكم ، فان هذه الطريقة ستعطي الأغلبية للجماعات الاسلاموية التي تسيطر على الساحة ، وهو ما يعني الانتحار ليس التدريجي ، لكنه يعني السكتة الدماغية لصالح مشاريع تبحث عن الخلافة وتطبيق الشريعة التي تتعارض بالمطلق مع الديمقراطية . اما الحزب الثالث فهو حزب النهج الديمقراطي الامتداد اليميني البرجوازي لمنظمة الى الأمام الماركسية وهم الذين يمثلون الكاوتسكية الحقيقة في أبشع صورها . ان هذا الحزب الذي يعمل ضمن المشروعية يسيطر على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مستعملا الأساليب الدكتاتورية في إقصاء ولجم الحلفاء المنتمين الى نفس الجمعية . لقد احتكم الحزب الى الانتخابات على أساس الأغلبية ، واستبعد النسبية التي كانت تمكن التيارات الأخرى من هامش للعمل ، فاستغل الإجراءات الديمقراطية لممارسة الدكتاتورية . وهي نفس الأساليب تخطط لها الجماعات الفاشية ، اي استغلال الهامش الديمقراطي المسموح به للانقضاض على الحكم وإقامة نظام يخضع للملالي ورجال الدين المتزمتين والمتعصبين . ان مشكلة النهج انه مرة مع الدولة المدنية الديمقراطية ، ومرة يرمز الى الجمهورية كأحد الخيارات المطروحة ، وهو ما يلاحظ من تصريحات قيادييه المشاركين في حركة 20 فبراير من ان سقف المطالب غير محدود ، اي لا يرتكز فقط على الملكية الشكلية ، بل يتعداه الى مطلب الجمهورية . ومن سخرية الأقدار ان يلتقي هذا الحزب في مطالبه مع مطالب جماعة العدل والإحسان ، ويذهب التنسيق بينهما حد الترابط والتقاطع بخصوص نوع النظام الذي يتوجب إقامته بالمغرب . اي الجمهورية . ان ما يفرق بين هذا الثلاثي الضعيف أكثر مما يجمع بينهم بسبب الرغبة في السيطرة ، والاستحواذ ، وفرض الرأي الواحد والتوجه الواحد ، إضافة الى التوصيف والتصنيف بإطلاق بعض النعوت كاليمينية والتحريفية والبرجوازية لتشويه الطرف المقابل والتقليل من شانه .
الى جانب هذه المعارضة اليسارية التي تعمل ضمن المشروعية والتي يستحيل ان تقيم بينها جبهة او كثلة لمواجهة الاستحقاقات المفروضة ، حيث تستفيد من هذا الضعف أحزاب الإسلام السياسي خاصة جماعة العدل والإحسان ، هناك معارضة أخرى جذرية تتكون من تنظيمات أقصى اليسار وهي تتكون من :
1 -- النهج الديمقراطي القاعدي ( البرنامج المرحلي ) وهو الامتداد الجدري لمنظمة الى الأمام في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب
2 – الأماميون الثوريون ، وهو تيار ماركسي لينيني ملتزم بالخط الثوري لمنظمة الى الأمام من 1970 – 1980
3 -- الشبيبة العاملة المغربية الثورية
4 – التوجه القاعدي
5 – القاعديون التقدميون
6 – الطلبة الثوريون اتجاه تروتسكي
7 – الممانعون
8 – الكراسيون وهو قلة وسط الطلبة
9 – تيار المناضلة الناشط بالجنوب المغربي وهو يعتبر فرعا لتيار إرنست ماندل بالأممية الرابعة التروتسكي
10 – رابطة العمل الشيوعي بالشمال وهو فرع للتيار الماركسي ألأممي للتروتسكي تيد غرانت
ان هذه المجموعة إضافة الى المجموعة الأولى قاطعت التصويت على الدستور، وقاطعت المشاركة في الانتخابات التشريعية دون ان تكون هناك وحدة تنظيمه تجمعها . وباستثناء الجبهة الماركسية اللينينية التي كونتها في بداية سبعينات القرن الماضي منظمة الى الأمام ومنظمة 23 مارس لإقامة دولة العمال والفلاحين ، والتي انفرط عقدها بمجرد بدا الاعتقالات ، والمراجعات اليمينية لمنظمة 23 مارس ، و الخلاف الذي دب في السجن بين الخط الكاوتسكي ، والخط الانتحاري الذي رفع الشعار الاستراتيجي ( لنبني الحزب تحت نيران العدو ) ، فان جميع المحاولات التي قامت بها بعض التنظيمات لم تكن مبنية على أسس متينة ، بل كانت مبنية على أسس انتهازية و مصلحية . وهذا ما عرفه التنسيق بين الحزب الشعبوي حزب الطليعة والحزب اليميني الاشتراكي الموحد اللذان قاطعا التصويت على الدستور ويقاطعان الآن العملية الانتخابية ، مع احزاب تدعي اليسارية رغم ان هذه براء منها وهي حزب المؤتمر الوطني الاتحادي ، و الحزب الاشتراكي . وللفائدة بالنسبة للقارئ المغربي ، فقد عرف المغرب في تاريخه السياسي العديد من الكتل والاتحادات بين الأحزاب وهي :
1 -- كتلة العمل الوطني : تأسست في 1934 ، وكونها حزبان احدهما تابع لعلال الفاسي والآخر لمحمد بن الحسن ألوزاني . وكان برنامجها يتمحور حول المطالبة بالإصلاحات السياسية ، وتطبيق بنود اتفاقية الحماية
2 – ميثاق كتلة الشمال : تأسست في سنة 1941 بين حزب الوحدة المغربية ، وحزب الإصلاح الوطني . وكان برنامجها يتمحور حول ، الاستقلال ، الملكية الإسلامية ، إقامة وحدة المغرب من خلال نظام المناطق ، والاعتراف بالسيادة الداخلية والخارجية للمغرب
3 – الجبهة الوطنية المغربية : تأسست في سنة 1951 بين حزب الشورى والاستقلال ، حزب الاستقلال ، حزب الوحدة المغربية وحزب الإصلاح الوطني . وكان برنامجها يتمحور حول الاستقلال ، الإصلاحات السياسية ورفض التعامل مع الشيوعيين
4 -- جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية : تأسست في سنة 1963 بين حزب الأحرار المستقلين ، الحركة الشعبية ، حزب الدستور الديمقراطي و عدد من الشخصيات المستقلة . وقد تمحور برنامجها حول الدفاع عن الملكية والمؤسسات الدستورية في مواجهة المعارضة التي كان يكونها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال
5 – الكتلة الوطنية : تأسست في سنة 1970 بين حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية . تمحور برنامجها حول مواجهة حالة الاستثناء، مقاطعة الاستفتاء على دستور 1970 ، مقاطعة الانتخابات التشريعية التي أعقبته ومقاطعة الاستفتاء على دستور 1972
6 – الجبهة الماركسية المغربية : تأسست في سنة 1970 بين منظمة إلى الأمام ومنظمة 23 مارس لإقامة جمهورية العمال والفلاحين
7 – الكتلة الديمقراطية : تأسست في سنة 1992 بين حزب الاستقلال ، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وحزب التقدم والاشتراكية . وقد تمحور برنامجها حول الانتخابات الحرة النزيهة ، الحكومة القوية المنسجمة ، تقوية سلطات البرلمان ، المحاسبة ورفض الجلوس في الحكومة مع إدريس البصري
وإذا كان المشارقة يخلطون بخصوص فهم حقيقة الحزب الشيوعي المغربي التحرر فالتقدم والاشتراكية ، فان هذا الحزب رغم ادعاءه تشبثه بالنظرية الماركسية اللينينية ( فيما مضى ) إيديولوجية ( الطبقة العاملة ) ، فهو في الحقيقة لا يفعل أكثر من تمثيله مصالح البرجوازية البيروقراطية وطموحها السيادي في المجتمع . انه بالإضافة الى قاعدته الاجتماعية الضيقة يستقطب فئة محدودة من البرجوازية الصغيرة التكنوقراطية ومن المثقفين البرجوازيين الصغار والمتوسطين وما فوق المتوسطين . أما ادعاءه والى اليوم و بدون خجل و لا حشمة تمثيله مصالح( البروليتارية ) فهو ليس إلا من باب الدعاية والتهكم والتضليل التي أثبتت عنها التجربة التاريخية لهذا الحزب . والسؤال الذي يتوجب طرحه هنا هل الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية اللذان يجلسان مع أحزاب وصفت ب ( اليمينية والإدارية ) في الحكومة هما أحزاب يسارية ؟ . ومنذ متى ، وفي أي بلد في العالم كان ( اليسار يجلس إلى جانب اليمين في الحكومة ويتحالف معه في البرلمان ؟ ) مادامت برامج (أحزاب اليسار يفترض أنها تختلف عن برامج أحزاب اليمين ) ؟ . ان هذه الظاهرة غير المفهومة لا توج إلا في البلاد العربية خاصة في لبنان في الحكومة الفائتة حيث كان يجلس الحريري وحلفائه الى جانب نواب من المعارضة من حزب الله والحزب الاشتراكي التقدمي وهكذا .. لذا فان حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال هم أحزاب حكومية تشترك في الحكومة وليست أحزابا يسارية التي تمثلها فقط تنظيمات اليسار المتطرف وحزب النهج الديمقراطي الكاوتسكي .
وإذا كانت الأحزاب التي قاطعت التعديل الذي ادخل على الدستور قد بررت سبب المقاطعة بضرورة أنشاء المجلس التأسيسي لوضع الدستور بدل الدستور الحالي الذي اعتبروه ممنوحا يركز السلطات في يد الملك ، وبدعوى أن لينين والبلاشفة تبنوا شعار المجلس التأسيسي سواء إبان اندلاع ثورة 1905 او بعد اندلاع ثورة البرجوازية في 1917 . فهل يعني هذا ان شعار المجلس التأسيسي صحيح في كل زمان ومكان ؟ . وهل يعني هذا ان لينين كان يطرح هذا الشعار بصفة مجردة عن مسالة السلطة وعن مهام هذا المجلس التأسيسي الذي شتت البلاشفة وأصبح احد معاقل البرجوازية المناهضة لسلطة السوفيتيات ، اي دكتاتورية الطبقة العاملة التي لعبت الدور الأساسي في الثورة ، لكنها همشت ولم تفرض أبدا دكتاتوريتها التي سرقها برجوازيو و بيروقراطيو الحزب الشيوعي خاصة أعضاء المكتب السياسي الذين استبدلوا أنفسهم مكان البلاشفة الذين تعرضوا للتنكيل وللقمع والإرهاب الإيديولوجي والتنظيمي ؟ .
انه نفس العطب سجل خلال حقبة حكم الأحزاب ( العمالية والشيوعية ) التي حكمت باسم العمال المغيبين والمستلبين في أوربة الشرقية ، وهو نفس العطف الذي حول الصين الشعبية إلى سجن داخلي للمواطن البسيط العادي ، وحولها خارجيا إلى اكبر دولة امبريالية تمارس الجشع الاقتصادي والغزو الامبريالي للأسواق العالمية في القارات الخمس .
وبالنسبة للذين يدعون الى وحدة ( الطبقة ) العاملة و( طبقة الفلاحين ) في البلاد العربية ، أي الماويون الجدد ،فان اخطر شيء بالنسبة لهذا الطرح ، انه يجهل بالتمام والكمال ان البلاد العربية التي تمتهن الفلاحة هي بلاد قروية وليست بلاد فلاحية ، وهو ما يعني انتفاء وجود ( طبقة فلاحية ) بالمفهوم الماوي للفلاحين ، ووجود فقط شغيلة قروية تسكن القرى وتشتغل عند الإقطاع وملاكي الأراضي الكبار . وبسبب الأمية والجهل والرتابة ، فان هذه الفئة تعيش متساكنة مع أوضاعها الاجتماعية ، وهي غير مبالية بحقيقة دورها الذي يراكم أرباح الملاك والإقطاع القروي . وما دامت البلاد العربية تستورد الحبوب من قمح ، شعير ، ذرة ، فواكه ، حوامض ، لحوم وخضر فهي ليست بلاد فلاحية ، بل قروية يسكنها قرويون وليس فلاحون .
6 – هل تستطيع الأحزاب اليسارية قبول قيادات شابة ونسائية تقود حملاتها الانتخابية وتتصدر واجهة هذه الأحزاب بما يتيح تحركا أوسع بين الجماهير وآفاقا أوسع لاتخاذ المواقف المطلوبة ؟
ج -- الجواب يتوقف على دور النساء والشباب في خوض معارك تنظيمية داخلية لإثبات الوجود ، والقوة ، والاختلاف مع القيادات الشائخة الهرمة التي ترفض ترك الفرص للشباب وللنساء لإثبات وجودهم ، وقدراتهم على اقتحام الصعاب . ان هذه الحالة تختلف من بلد عربي الى آخر . وبالنسبة للمغرب فان عبادة الشخصية المستشرية في الأحزاب اليسارية تجعل من المستحيل إزاحة الشيوخ الذين يتربعون على قيادة الحزب لأكثر من عقدين و أكثر . ان نفس الوجوه التي تعود المواطن المغربي رؤيتها منذ سبعينات القرن الماضي ملها هي التي لا تزال تقرر وتفصل في الإشكاليات والقضايا رغم انه أضحت بحكم الزمن والشيخوخة متجاوزة فكريا ونظريا وتنظيميا . وهو ما يجعل هذه القيادات خارج التاريخ .
انه صراع الأجيال بين الشباب التواق الى الجديد والتغيير، وبين الستالينيين الشيوخ الذين يتمسكون بالمنصب ، وهو ما يساهم ويسرع في عملية الانشقاقات والانقسامات التي تضعف الحزب وتجعله غير قادر على مواجهة الصعوبات التي تفرضها التطورات الحاصلة . فحتى القيادة الدائرية مرفوضة من قبل الشيوخ ، بدعوى الانضباط الذي تفرضه المركزية الديمقراطية . ان هذا يجعل من الكادر الحزبي مجرد عبد او خادم عند الشيوخ ، ولا يجعل منه كادرا عضوا حيويا في دفع عجلة الحزب الى الأمام ، بدل النكوص بها الى الوراء . إنها الستالينية العربية التي تطبل للزعيم وتهلل بحمده تطبق في أبشع صورها .
7 – قوى اليسار معروفة بأنها مدافعة عن حقوق المرأة ومساواتها ودورها الفعال . كيف يمكن تنشيط وتعزيز ذلك داخل أحزابها وعلى صعيد المجتمع .
ج -- هناك فرق بين ما يقال ويردد على المسامع ، وبين ما ينطق به واقع الحال . وهنا سأركز على الحالة المغربية بسبب المعايشة اليومية . ان السؤال الذي سأطرحه : كم عدد النساء يتبوأن مناصب قيادية متقدمة في ما يسمى تجاوزا بأحزاب اليسار ؟ وإذا كان للمرأة دور حساس عند أحزاب اليسار لماذا فرضوا عليها الكوطة ، أي نسبة معينة في الترشيح للانتخابات لولوج البرلمان 60 مقعدا ، اي ما يسمى باللائحة النسائية ، وخصص للشباب فقط 30 مقعدا ، أي ما يسمى بلائحة الشباب ؟ لماذا هذا الحيف الذي يتم عن بينة واختيار ؟ هل المرأة دون مستوى الرجل حتى تخصص لها حصة معينة فقط ، ولا تعطى حقها الطبيعي مثل الرجل في اقتحام جميع المنافذ المتاحة للرجل بدون شروط ؟ إنها قمة المفارقة بين الخطاب اليسراوي ، وبين ما ينطق به الواقع . وكيفما كان الحال فان سيطرة الشيوخ الستالينيين الملتصقين بالمنصب لا يقفون حجرة عثرة فقط امام النساء ، بل انهم يعتبرون حاجزا أمام تطلعات الشباب الذين يحلمون بغد يختلف عما كان يخطط له ويحلم به الشيوخ الذين يحتكرون الحزب كمقاولة لخدمة الشخص والعائلة والعشيرة .
8 – هل تتمكن الأحزاب اليسارية والقوى العلمانية في المجتمعات العربية من الحد من تأثير الإسلام السياسي السلبي على الحريات العامة وحقوق الإنسان وقضايا المرأة والتحرر ؟
ج – الأحزاب اليسارية في الوطن العربي وبالأخص في المغرب تعاني الضعف والارتباك وعدم القدرة في الحسم في الملفات العالقة . فهي من الناحية الإيديولوجية نجدها قد فقدت البوصلة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وجدار برلين ، لان الكثير منها تخلى عن الماركسية بطريقة غاية في الشماتة .أما تنظيميا فهي تعاني من كثرة الانقسامات والانشطار ، حتى لا يكاد التنظيم يخرج من أزمة ليدخل في أخرى اشد وأثقل . لقد عملت أحزاب الإسلام السياسي لمدة تفوق الأربعين سنة ، اي منذ سبعينات القرن الماضي لتصل الآن إلى ما وصلت إليه ، خاصة في مجال التحكم في الساحة وفي الشارع . وقد ساهم الزجر الذي تعرضت له الحركة اليسارية طيلة عقود في إفراغ الساحة التي استغلها الاسلامويون الذين احتلوا جميع مواقع ، وقلاع اليسار التقليدي والجديد ، خاصة في الاتحادات الطلابية مثل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب .
وإذا ظلت الأحزاب اليسارية حبيسة للخطاب الخشبي مثل التنظيمات التي تدعو لدكتاتورية ( الطبقة ) العاملة ، فان عزلتها ستزداد ، ودورها سيختفي في يوم من الأيام لصالح الاسلامويين الذين يحسنون فن الخطاب وبالطرق السهلة والمفهومة . ان القول بالدكتاتورية هو منافي للديمقراطية ، وترديد دكتاتورية ( الطبقة ) العاملة في مجتمع يسيطر الدين على نفسيته ، سيخلق لأصحاب هذه الأطروحة أعداء بالمجان هم في غنى عنهم . ان القول بدكتاتورية ( الطبقة ) العاملة ، يعني ان هذه الطبقة ستبسط سيطرتها على بقية ( الطبقات ) الفئات التي يتكون منها المجتمع ، ومن ثم ستفرض فقط اختياراتها بالإقناع او بالقمع . ان الناس لن تنسى الإرهاب الدموي الذي مارسه ستالين ضد معارضيه حيث الإعدامات والمنافي في صقيع سيبيريا ، كما لا تنسى قمع نيكولاي تشاوسيسكو في رومانيا ، و لا قمع محمد أنوار خوجا في ألبانيا ، و لا قمع جوزيف بروز تيتو في الاتحاد اليوغسلافي سابقا ، كما لن تنسى مجازر بولبوت في الكمبودج ، ولن تنسى الملايين الذين ذهبوا ضحية الثورة الثقافية في الصين . ان أمام اليسار العربي فرصة ذهبية لكي يصحح من نظرته الجامدة إزاء المجتمع ، وعوض أن يستمر في اجترار خطاب العقم وبأسلوب متعالي ومعقد ، عليه الاتجاه إلى ما يحرك الجماهير، وينفخ فيها روح الحركة والتحرك . إنها المطالب بالعدالة الاجتماعية وبالمساواة بين المواطنين وبتكافؤ الفرص بين أبناء الشعب الواحد ، وباعتماد الديمقراطية في الممارسة وفي الخطاب ، والتمسك بدولة الحق والقانون ، وتجنب كل أشكال التخويف والترهيب مثل دكتاتورية ( الطبقة ) العاملة غير الموجودة أصلا في أوربة بسبب فقدانها لحسها الثوري ، وتحولها إلى فئة مستهلكة ، ومندمجة كليا في النظام الرأسمالي . وإذا كان هذا واقع الحال في الغرب وفي أمريكا ، لماذا يستمر اليساريون في ترديد مصطلحات بسبب الموضة وليس بسبب القناعة والاقتناع ، وهو ما يعني انه أمام انعدام وجود طبقة عاملة بالمفهوم الماركسي في الدول العربية ، ونظرا لان الذين يروجون لدكتاتورية الطبقة العاملة لا ينتسبون اجتماعيا ومهنيا لهذه الطبقة التي يتكلمون باسمها ظلما ، لأنهم من المثقفين الثوريين الذين يشتغلون بالفكر ، وليس بالمعول او الفأس والمنجل كالعمال ، فان الدكتاتورية التي يطالبون بها باسم العمال المغيبين الرئيسيين في المعادلة ،هي دكتاتورية هؤلاء المثقفين المتعطشين للحكم وغير المتعطشين لحقوق العمال . فعلى اليسار العربي ان يغير من إستراتيجيته وان يبدأ في العمل المتواصل لثلاث عقود قادمة . الخطأ فيها ممنوع ارتكابه تحت أية طائلة كانت .
9 – ثورات العالم أثبتت دور وأهمية تقنية المعلومات والانترنيت وبشكل خاص الفيس بوك و التويتر .. الخ ألا يتطلب ذلك نوعا جديدا واليات جديدة لقيادة الأحزاب اليسارية وفق التطور العلمي والمعرفي الكبير ؟
ج – رغم فضل تقنية المعلومات في الوصول إلى المدارك ، وخبايا الدهاليز التي كانت محرمة في ما مضى ، وأصبحت الآن مكشوفة وفي متناول الجميع ، فانه بسبب نسبية الأمية المرتفعة والجهل المتشفي وسط الشعب العربي ، فان الاحتكاك والاتصال المباشر تستلزم وتوجب الحضور اليومي ، والالتصاق المباشر بهموم الحزب و هموم منخرطيه ومناضليه وقيادييه لتحديد المسؤولية بعد القيام بالواجب .
10 – بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحوار المتمدن ، كيف تقيمون مكانته الإعلامية والسياسية ، وتوجهه اليساري المتفتح ومتعدد المنابر ؟
ج -- أولا مبروك لكم الذكرى العاشرة من الانطلاقة الأولى التي لم تكن سهلة . وثانيا لقد ربحتم المليون لأنكم لستم طائفيين و اقصائيين ، بل إنكم متفتحين ومنفتحين براغماتيين ، موقعكم جامعة في العلوم الإنسانية بها كتاب وطلاب ينتمون لمختلف المدارس والاتجاهات ، يجمعهم قاسم مشترك هو الارتقاء بالنقاش والحوار الذي يجب ان يكون ويظل متمدنا ، بعيدا عن التشنج او الأحقاد الدفينة . ولو كانت جماعات الإسلام السياسي هي التي تتولى الإشراف على الموقع ، ما وجدت كتابات خارج ما يحبذه ويوافق عليه الاقصائيون الفاشيون . إنها الديمقراطية التي تؤسس لفلسفة الاختلاف الذي يبقى رحمة للعالمين .
ومن ناحية أخرى فان الموقع الحوار المتمدن لعب دورا أساسيا في ظهور كتابات وكتاب وسياسيين شغلوا الساحة في سبعينات القرن الماضي ، فكان ما ينشرون في الموقع بمثابة إحياء لذكرى طالما افتقدها جيل من الشباب صنع ملحمة السبعينات ، رغم زلاتها وأخطاءها ونواقصها ، فأنها كانت حلما راود جيلا واكب ظهور الحركة الماركسية اللينينة العربية بدا بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الى منظمة الى الأمام ، فمنظمة 23 مارس ، وحركة لندم الشعب . من ينسى كراسات الحزب الشيوعي العراقي والسوداني والحركة الماركسية اللينينية التونسية. من ينسى جرائد ومجلات اليساريين المغاربة والعرب ؟ . نحن امة اقرأ ، وهي أول آية نزلت في القران بصيغة الآمر ، لان الله كان يعلم ان امة اقرأ التي نزلت عليها تلك الآية بصيغة الآمر سوف لن تقرا . لكن نحن جيل السبعينات كنا نقرا بالليل والنهار . كنا نقرا الى ان يغلبنا النوم في مكاتبنا ، وحين نستفيق نواصل القراءة بدون ان نبالي بكون جوع القراءة كان يتدورنا آلما أكثر من جوع البطن . كنا نتسابق لاقتناء بعض الجرائد من التحرير والمحرر . كنا ننتظر بأحر من الجمر ان تأتينا جرائد وكراسات الاختيار الثوري الدورية ، وإصدارات الحركة الماركسية اللينينة المغربية من باريس او من داخل التراب الوطني ، لأننا كنا نقرا وكنا نحب ان نقرا . وبعد ان نشبع من جوع القراءة كم كانت الأيام الجميلة ، ونحن نناقش ما كنا نقرا في مدرجات الكليات حيث أطلقنا اسم تل الزعتر على مدرج بكلية الحقوق بالرباط تضامنا مع الفلسطينيين الذين دكتهم دبابات حافظ الأسد بلبنان في سنة 1975 . كما كنا ننتظر فرصة عقد المؤتمرات الحزبية لفتح النقاشات السياسية التي كانت ثقافية أكثر منها سياسية ، لان ذاك الجيل كان مثقفا يقرا ، وكم حظي المؤتمر الارتدادي الاستثنائي لحزب الاتحاد الاشتراكي ، حزب أيام زمان ، وليس اتحاد اليوم ، اتحاد الشركات بالنقاشات التي دامت لشهور . فكان الجناح الراديكالي يدافع عن ايجابية المؤتمر الذي قطع مع خط النضال الراديكالي الاتحادي ، وكانت الانتقادات للمؤتمر من طرف مناضلين من الحركة الماركسية اللينينية المغربية ، بدون استعمال الهراوات ، ولا العصي ، ولا السيوف والخناجر كما يفعل الأصوليون اليوم .
وإذا كان جيل السبعينات هو جيل اقرأ ، فانه الى جانب من سبقه من الأجيال كان يحرص على تواصل الأجيال ، فكان يكز على رموز ومحطات الجيل و الأجيال التي سبقته ، لأنها هي التي كانت تلهمه وتقويه وتعطيه القوة في الحركة والتحرك . اما جيل اليوم الذي قطع مع الأصول ، وتنكر للرموز وللمحطات التاريخية للأجيال التي سبقته ، فانه مشغول بستار أكاديمي وبكرة القدم . قد تسال جيل اليوم عن تاريخ بلاده فلا يجيب لأنه يجهله . وان سألته عن فريق البارصا أو فريق ريال مدريد ، فسوف يحدثك بما يجهله الأسبان أنفسهم عن فرقهم . بالأمس كانت الممنوعات وكنا نقرا . ألان زالت الممنوعات وأصبح كل شيء مباح ولا احد يقرا . انه حقا الزمن الرديء . وشكرا للواقفين على الموقع العربي الحوار المتمدن لأنهم وحدهم يرجع لهم الفضل في إحياء طقوس الكتابة والقراءة التي افتقدتها الساحة العربية منذ ثمانينات القرن الماضي ،حيث سيطرت الكتب الصفراء وفقه عذاب القبر و الجنابة والوضوء .
مرة أخرى مبروك ربحكم المليون ، وتهانينا بمناسبة ذكرى عشر سنوات من العمل المتواصل والدءوب ، وكل عام وانتم بخير .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,013,622,262
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 3 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 2 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 1 )
- مقاطعة الانتخابات في المغرب ( الخطر قد يقترب )
- ردا على مزاعم بعض المشارقة بخصوص الاستفتاء بالصحراء
- ملف حول قيام الدولة الفلسطينية والقضية الكردية وحقوق الأقليا ...
- استثناء الاستثناء المغربي
- مقاطعة الاستفتاء على الدستور
- هل تم تعبيد الطريق الى فلسطين ؟
- نقد مقولة الصراع الطبقي بالمغرب
- تيارات سياسية مؤتمرات أوطمية
- مراوحة السياسة التكنولوجية العربية بين النقل والتبعية
- نظام الاقتراع الأكثر ديمقراطية : هل هو نظام اللائحة أم الاقت ...
- المجلس الدستوري يعلن رسميا موافقة المغاربة على الدستور
- ثوار الإسلام السياسي
- الجماعات الاسلاموية ودولة الحقوق والواجبات
- القرار السياسي في المملكة المغربية
- منظمة إلى الأمام الماركسية اللينينية
- النظام السوري يتململ تحت الضغط
- بين الملكية البرلمانية والملكية الدستورية المطلوب راس النظام


المزيد.....




- وزير الخارجية السعودي: سنقبض على كل المسؤولين عن -وفاة- خاشق ...
- قبل خطاب أردوغان عن خاشقجي.. مديرة المخابرات الأمريكية تزور ...
- مصادر لـRT: انفجار سيارة مفخخة داخل سوق شعبي في الموصل بالعر ...
- الجبير عن خاشقجي: سيتم القبض على كل المسؤولين عن الحادث واتخ ...
- شاهد: جسر بيبانغيانغ الصيني هو الأعلى في العالم
- فيديو: إطلاق النار على شخص حاول الدخول إلى محطة تلفزيونية مح ...
- تونس وفرنسا تنشدان -الحقيقة- في مقتل خاشقجي
- الدانمارك تلغي زيارة برلمانية للسعودية
- شاهد.. يصفها بـالقبيحة السوداء ويرفض الجلوس بجانبها بالطائرة ...
- مراسلون بلا حدود: انتهاكات واسعة ضد الصحفيين بالسعودية


المزيد.....



الصفحة الرئيسية - ملف - حول دور القوى اليسارية والتقدمية ومكانتها في ثورات الربيع العربي وما بعدها - بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحوار المتمدن 2011 - سعيد الوجاني - منتصف الطريق فالإجهاض