أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء النادي - الإخوان المسلمون و-الدولة-..الرؤى والإشكاليات-دراسة















المزيد.....



الإخوان المسلمون و-الدولة-..الرؤى والإشكاليات-دراسة


علاء النادي

الحوار المتمدن-العدد: 3549 - 2011 / 11 / 17 - 16:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



اللحظة التاريخية التى شهدت ظهور جماعة الإخوان المسلمين 1928م تعكس فى حد ذاتها دلالات ذات مغزى فى معاينة المقاربات الخاصة بتصورات وإشكالية الدولة فى أدبيات الإخوان المسلمين، وخاصة لدى مؤسسها الشيخ حسن البنا. فقبل أربع سنوات من ميلاد الجماعة تم إقصاء الخلافة الإسلامية عن المشهد السياسى، ولئن كان عقد الخلافة قد انفرط عمليًا قبل هذا التاريخ، وتداعى دورها وانكمش حضورها في الواقع العملي ، إلا أن الإعلان الرسمى السافر عن سقوط الخلافة ولد حالة من السجال والاستقطاب، وعزز من حالة القطيعة بين أصحاب الرؤى والمطارحات، التى رأت فى الخلافة عائقًا عن الالتحاق بركب العصر، وأنها لا تعدو أن تكون صيغة تاريخية لشكل التنظيم السياسى تجاوزها العصر، وبين من كان يرى فى الخلافة قيمة إسلامية ووعاءً وحدويًا حفظ كيان الأمة من التشرذم والتفكك، وأن إقصاءها سيفتح الباب لتكريس النزعات الانغلاقية ودعوات التشرنق القطرى ما يعنى تبديد طاقات الأمة، وإثخانها بمزيد من الجراح.

تأسيس جماعة الإخوان المسلمين إذن كان لاحقًا بوقت يسير على احتدام السجال والخلاف فى بقاع العالم الإسلامى، حول موضوعه الدولة والخلافة، فقد شكل سقوط الخلافة صدمة كبيرة للإصلاحيين الإسلاميين الذين راهنوا على إصلاح الدولة الوطنية من داخل معطف الخلافة ذاته، أما وقد انهارت الخلافة وصارت الدولة القطرية بديلاً سياسيا عن هذه الكيانية التي اعتبرها البعض صيغة تاريخية لم تعد قادرة على الاستجابة لتحديات الواقع المعاصر، فقد توزعت ردود أفعال هؤلاء الإصلاحيين بين ثلاثة اتجاهات، فقد مضى البعض قدمًا فى تأييد مشروع الدولة العصرية، هذه المرة لا الدولة الحديثة، أو الإصلاحية، بينما اتجهت الكثرة الكاثرة من الإصلاحيين لاتخاذ مواقف ومواقع مستقلة، لا تصل إلى حد معالنة الدولة الوطنية بالعداء، لكنها تعني ولا شك فك التحالف مع مشروع الدولة الحديثة المتحولة إلى دولة وطنية عصرية. ظلت هناك قلة قليلة جدًا لم تجد حرجًا فى قيام الدولة الوطنية، وإن نحيت عن مركز الصدارة أو حتى التحالف"(1).

شكل البنا امتدادًا لرشيد رضا، إلا أن ثمة اقترافًا جوهريًا فيما يتعلق بموضوعة الخلافة وسم التمايز بين الرجلين، ففى حين بدا رشيد رضا منافحًا عن الخلافة بكثافة، داعيًا إلى استعادتها فى قلب المشهد السياسى، ودبج فى ذلك المقالات، وأصدر كتابًا كاملاً حول الخلافة، نجد البنا يصدر في صياغة موقفه من الخلافة عن وعى صقلته البراجماتية، والمنزع العملى، فالبنا يؤمن أشد الإيمان بالخلافة، وهو لا يهون من شأنها أو يزدريها، لكنه يدرك صعوبة استدماجها من جديد فى رحم الواقع السياسى، الذى بات مفارقًا لها، متعاكسًا معها، ومن ثم فهو يولى كثير عناية لشأن الدولة الوطنية، وأصول تنظيمها، فقد باتت هذه الدولة الوطنية المعادل الموضوعى للخلافة لدى البنا، فقد أسقط عليها جل صفات وقياسات الخلافة، ما يعنى أن رؤيته للدولة الوطنية القطرية لم تكن تعني بحال تصالحًا معها فى الجوهر، فهو يعارض أساسها القيمى أشد العداء، وإنما سعى إلى محاولة ترويضها، وإكسابها نكهة إسلامية تنزع عنها فلسفتها الغربية المعاصرة، وتدنيها من النموذج الإسلامى.

إن الحامل على رؤية البنا حيال محاولة التعايش مع الدولة الوطنية لم يكن شيئًا آخر أكثر من الواقع والحاجة:" واقع عصر جديد يفرض حقائقه القهرية على سائر المجتمعات والثقافة، والحاجة إلى التأقلم معه، دفعًا للمضرة، وجلبًا للمصلحة والمنفعة"(2).


البنا بين الدولة القطرية والدولة الإسلامية

لم يكن حسن البنا منتج أفكار بقدر ما كان رجلا حركيا وإن ظل قياسا لمن لحقه في التنظيم الذي وضع لبناته الأكثر تصديرا للطروحات والأفكار التي غلب عليها الجانب الحركي واعتورها في كثير من الأحيان عدم الدقة في الضبط المنهجي كمعمار فكري يتسم بالعمق والإحاطة ، وبخاصة فى الإطار السياسى ، ومن ثم جاءت جل طروحاته وكأنها صُنعت على عين الواقع الإجرائى، وما يفرضه من ضغوطات. لم يحفل البنا بإعادة فحص ومعاينة الدولة القطرية فى سياق قراءة التجربة العربية الإسلامية، ومن ثم بادر إلى إعلان القطيعة وتدشين الخصومة مع هذه الدولة، واعتبر أن اشتراط التصالح الوحيد والتعايش معها أن تكون حاملة لصفات وخصائص ووظائف دولة الخلافة.

يأخذ البنا على الدولة القطرية الإيغال فى اعتبار التخوم، والجنسية كركائز رئيسة تحوطها وتحدد معايير الانتماء والولاء ، ونيل الحقوق وأداء الواجبات، وهو يجاهر بخلافه مع من يتبنون تلك الدعوة على خلفية ما عده تناقضا جوهريًا مع مفهوم الوطنية المفتوح الأفق فى التصور الإسلامى، وبحسب قوله: «أما وجه الخلاف بيننا وبينهم، فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية، والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم يقول "لا إله إلا الله محمد رسول الله» وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه، والإخلاص له، والجهاد فى سبيل خيره، ودعاة الوطنية ليسوا كذلك فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض"(3).

يسقط البنا الفارق بين الدولة الوطنية الحديثة التى تعتمد مبدأ المواطنة والدولة الإسلامية ذات التكوين العقدى فى بعدها التاريخى، كما أنه لا يتطرق إلى ما شهدته الخبرة التاريخية الإسلامية ذاتها فيما يخص الدولة القطرية من مغازي ودلالات، فقد شهدت الخبرة الإسلامية تعددية دولة الخلافة؛ حيث جمع سياق زمنى واحد بين دولة الخلافة الأموية فى الأندلس، ودولة الخلافة العباسية فى بلدان العالم العربى والإسلامى، كما شهدت بعض الأقطار، وخاصة المركزية قدراً كبيرا من الاستقلال النسبى عن مركز الخلافة. من البديهى أيضًا أن يشار إلى أن هذا الموقف من الشيخ البنا إزاء الدولة القطرية، تشكل على قاعدة وعيه المستبطن بأن هذه الدولة نتاج الخبرة الغربية، وأحد منتوجات مخلفات الميراث الاستعمارى، وهذا الوعى المستبطن والموقف المجافى للدولة القطرية يذهب إلى عكسه الكثيرون ممن يرون أن ظاهرة الدولة الوطنية لم تكن نتاجًا خالصاً للتجزئة الاستعمارية،" وأنها فى جانب كبير ومهم منها نتاج الواقع التاريخى والجغرافى والمجتمعى العربى منذ القدم، وإلا كيف نفسر تعددية الكيانات السياسية منذ القرون الأولى للإسلام، وبعد قيام دولته الموحدة؟.فى البداية كان الصراع بين «العراق» و«الشام» ظاهرة تاريخية مزمنة منذ الخلافة الراشدة، وما بعدها «وقبل سايكس - بيكو بأكثر من ألف سنة، وتميز المغرب ومصر بكيانها السياسى المستقبل، أو المتميز منذ القرون الأولى، وطوال العصر العثمانى لم يدخل المغرب ولا عُمان ولا اليمن، ولا نجد فى إطار الدولة العثمانية"(4).


الدولة ونظام الحكم فى تصور البنا

يؤسس البنا تصوره للدولة ولنظام الحكم على قاعدة لم يسبقه إليها أحد من العلماء والفقهاء السابقين على مر العصور، فقد ظلت مباحث الحكم وشئونه تندرج فى السياسة الشرعية والمدونة الفقهية فى باب الفروع ، فيما ذهب الشيخ البنا وللمرة الأولى إلى القول بأن الحكم فى الإسلام يقع فى مدار العقائد، وقولته تلك لا تستقى من مفاهيم مضمرة أو أقوال مواربة، فهو يقول بشكل صريح: "والحكم معدود فى كتبنا الفقهيةح من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منهما عن الآخر"(5).

الدولة الحديثة التى اكتسبت من الخصائص والسمات ما يجعلها تفترق عن الدولة الإسلامية فى صورتها التاريخية، لا يبدو أنها حاضرة لدى البنا؛ لذا نراه لا يقيم فواصل بين الدولة كمركب مستقر، قائم وثابت يتداول المتنافسون السياسيون سدة قيادته وفقًا للتعديية السياسية وتحقيقاً لمبدأ سيادة الأمة، وما طرأ على المشهد الاجتماعى والسياسى من تغييرات فى العالم الإسلامى، بحيث أصبح من الممكن تصور قيام حكومات لا تتبنى ذات النموذج الإسلامى، الذى يراه البنا، ورغم ذلك تظل مشروعية الدولة ككيانية جمعية ثابتة وراسخة.

مشروعية الدولة لدى البنا مندغمه بشكل شبه كامل مع النظام السياسى، وشكل الحكم، ولا مناص لديه من أن تكون الحكومة إسلامية، وأن تؤدى ذات الوظائف التى أدتها الدولة الإسلامية فى الإطار التاريخى، وأى نكوص عن ذلك يخرج هذه الحكومة عند البنا عن فضاء الشرعية، ولا يجعلها تستأهل صفة «الإسلامية».

يتحدث البنا عن الأهداف العامة للإخوان المسلمين، فيضع فى الصدارة تحرير الوطن الإسلامى من براثن الاستعمار، ثم يردف: "أن تقوم فى هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام، وتطبق نظامه الاجتماعى، وتعلن مبادئه، وتبلغ دعوته الحكيمة الناس، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدى الله العلى الكبير عن تقصيرهم فى إقامتها"(6).

وظائف الحكومة لدى البنا هى وظائف دولة الخلافة، وهى تكتسب مشروعيتها وشرعيتها حصرًا من هذا التماهى، فيما يفقدها الخروج عن هذا التماهي كل مشروعية، ويعاود البنا التأكيد على هذا بشكل صريح فيقول: "ونريد الحكومة المسلمة التى تقود الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدى الإسلام من بعد، كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى بكر وعمر من قبل، نحن لهذا لا نعترف بأى نظام حكومى لا يرتكز على أساس الإسلام، ولا يستمد منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية، ولا بهذه الأشكال التقليدية التى أرغمنا أهل الفكر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها، وستعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامى بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام"(7).

لا يمكن القفز سريعًا حول شكل نظام الحكم وتركيبة الدولة ووظائفها لدى البنا دون الإشارة إلى أن هذه الدولة وفق هذا التكوين لا يمكن إلا أن تكون نموذجًا مصغرًا لدولة الخلافة فى صورتها التاريخية، حتى علاقتها بالفضاء الخارجى، لا تتحدد لدى البنا تقيدًا وخضوعًا بالتطور الذى طرأ على شكل العلاقة بين الدول، والتى صارت تنضوى تحت أوعية أممية، وترتبط بعلاقات تقوم على المعاهدات والمواثيق الدولية، فما قد يؤخر الدولة الإسلامية عن القيام بوظائفها ومنها استعادة الأراضى الإسلامية، التى استلبت فى الأندلس وغيرها لدى البنا، هو عدم القدرة فقط، ومن ثم فهى أهداف ووظائف مؤجلة لا أكثر.

يتحدث البنا عن حكم الله فى الدولة، والمقصود بهذا، ويبنى عليه ضرورة أن تكون: "دولة دعوة، وأن يستغرق هذا الشعور الحاكمين مهما علت درجاتهم، والمحكومين مهما تنوعت أعمالهم، وأن يكون هذا المظهر صبغة ثابتة للدولة توصف بها بين الناس، وتصدر منها فى كل التصرفات، وترتبط بمقتضاها فى القول والعمل، والوظيفتان الثالثة والرابعة للدولة الإسلامية هما: «نشر الدعوة والجهاد»، ولا تنفك إحداهما عن الأخرى"(8).

ما دامت الدولة التى يطرح ترسميتها البنا صورة نمطية من دولة الخلافة فى شكلها التاريخى، فمن البديهى أن تكون الدولة القطرية وفق هذا التصور نقطة انطلاق، ومجال استعاضة عن دولة الخلافة فى مجال الوظائف ، ورغم ذلك فإن مفهوم الوطن لدى البنا لا يعترف بالتخوم، ويتحدد أكثر ما يتحدد بالانتماء العقدى، مما حدا بالبعض أن يقول إن البنا: "قد أعاد صياغة مفهوم الوطن والوطنية صياغة حركية، تجعل قاعدة الدولة (إقليمها الأرضي) لا يستقر ولا يثبت إلا فى حالة واحدة فقط، وهى أن يشمل الدنيا كلها، أما قبل ذلك فستظل الدولة الإسلامية - حسب المنطق الذى يقود إليه تصور البنا - فى حالة عدم استقرار طالما أنها لم تستكمل تحقيق رسالتها كدولة عقيدية إسلامية"(9).

التحليل السالف لا يستشف من أقوال عامة وضمنية لدى البنا، فالبنا تحدث بشكل جلى عن ضرورة إعادة أمجاد الإمبراطورية الإسلامية، وعودة الأراضى الإسلامية التى ضاعت فى الأيام الغابرة، وفى هذا الصدد يعلن بوضوح: "نريد بعد ذلك أن تعود راية الله خافقة عالية على تلك البقاع التى سعدت بالإسلام حينًا من الدهر، ودوى فيها صوت المؤذن بالتكبير والتهليل، ثم أراد لها نكد الطالع أن ينحسر عنها ضياؤه، فتعود إلى الكفر بعد الإسلام، فالأندلس وصقلية والبلقان وجنوب إيطاليا وجزائر بحر الروم، كلها مستعمرات إسلامية، بجيث أن تعود إلى أحضان الإسلام، ويجب أن يعود البحر الأبيض والبحر الأحمر بحيرتين إسلاميتين، كما كانتا من قبل"(10).

ليس من التجنى إذن مالاحظه البعض حول إشكالية وخطورة تصور البنا لمفهوم الوطن، وعلاقة الدولة الإسلامية المتوخاه لديه بالفضاء الدولى، ويحق لهؤلاء أن يتساءلوا عن مدى ملاءمة هذا التصور للمستجدات والمعطيات المعاصرة، وقد استخلص البعض من مطالعة تلك الطروحات أن بنية الوطن والدولة لدى البنا تستند إلى اعتقاد ما قبلى لبناء مفهوم الوطن على أساس عقيدى، وأنه أهمل عن وعي وقصد أو غير قصد، عوامل فاعلة فى وضعية المجتمعات المعاصرة الحديثة من مصالح وأهداف وتطورات فى الإنتاج، والصناعة والتكنولوجية فى بيئة محكومة بقوانين طبيعية ووضعية تكاد تصل إلى حد الانتظام الحتمى فى تشكلها وتأثيرها (11).

مفهوم الوطن، كما يعرض له البنا، والذى يقوم على الأساس العقيدى ابتداءً، ويتسع وفق دائرة الانتماء العقدى متحركًا تحت ظلال وظائف الدولة الإسلامية القائمة على الدعوة والجهاد يتناقض جذريًا مع الدولة الوطنية، أو القطرية بشكلها الحديث، فالمواطنة أساس رئيسى للانتماء والولاء فى الدولة القطرية، كما أن مصدر الشرعية يكتسب فى هذه الدولة من حيازة القبول الشعبى عبر الإرادة الجماهيرية الحرة فيما مصدر الشرعية والمشروعية فى الدولة الإسلامية عند البنا يتأتى من التبنى الكامل للرؤية الإسلامية بمضمونها اللاتاريخى، وبالقيام بذات الوظائف التى كان تؤديها دولة الخلافة، ومن ثم تبقى الملاحظة التى طرحناها ابتداءً قائمة، فالبنا لم يتصالح مع الدولة الوطنية أو القطرية بقدر ما سعى إلى ترويضها وتدجينها لتصير نسخة مكرورةمن دولة الخلافة، وهو يستبطن فى ذلك بلا ريب أن هذه الدولة ما دامت إسلامية، فإنها ستتمكن من جهة من تحصيل عوائد وظائف دولة الخلافة، وتقوم بمهامها، كما أنها لن تكون عائقًا فى حساب التصورات ورصيد الرهانات أمام عملية التحضير والتمهيد لدولة الخلافة الكبرى من جهة أخرى، بعكس الدولة الوطنية العصرية في إطارها التجريدي وكيانيتها المؤسسية الحاكمة، التى لا يمكن المراهنة عليها، فهى بحكم كونها قائمة على التداول والمواطنة والاندراج فى شبكة الفضاء الدولى لا يمكن الوثوق بها، فقد تشكل بحسب صيرورتها تلك قطعًا مع دولة الخلافة وحاجبًا لها عن إمكانية النفاذ إلى أرض الواقع، والتنامى المستقبلي صوب الصورة النهائية لدولة الخلافة فى صورتها التاريخية.وغم عدم تطرق البنا كثيرًا إلى ذكر مفردة الخلافة بشكل صريح وكثيف إلأأنها لم تكن غائبة عن الحضور فى مساحات التصور والوعى لديه، فهى حاضرة ومدرجة فى هيكلية بنية الدولة لدىه ، وفى هذا يقول: "والأحاديث التى وردت فى وجوب نصب الإمام، وبيان أحكام الإمامة، وتفصيل ما يتعلق بها لا تدع مجالاً للشك فى أن من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير فى أمر خلافتهم منذ حورت عن منهاجها، ثم ألغيت بتاتًا إلى الأبد، والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها فى رأس منهاجهم، وهم مع ذلك يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التى لا بد منها، وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لا بد أن تسبقها خطوات.لا بد من تعاون ثقافى واجتماعى واقتصادى بين الشعوب الإسلامية كلها، يلى ذلك تكوين الأحلاف والمعاهدات، وعقد المجامع، والمؤتمرات بين هذه البلاد، ثم يلى ذلك تكوين عصبة الأمم الإسلامية، حتى إذا تم ذلك للمسلمين نتج عنه الاجتماع على «الإمام» الذى هو واسطة العقد ومهوى الأفئدة، وظل الله فى الأرض"(12).

يلاحظ فى القول السالف للشيخ البنا أنه أسقط الدولة من جردة الحساب الخاصة بالعملية التأهيلية لاستعادة الخلافة، وذلك التغافل المتعمد يعود إلى أحد أمرين: إما الإدراك المستبطن لدى البنا، بأن الدولة التى أسهب فى الحديث عنها دولة إسلامية بالضرورة والحتم، ومن ثم لن تكون عقبة أمام التوجه صوب نظام الخلافة، أو أنها دولة وطنية معاصرة لا تتلاءم والشكل التاريخى لدولة الخلافة، ومن ثم يسعى البنا لتجاوزها.

كما يلاحظ المثالية الشديدة فى وصف الخلافة والخليفة مما يوحي بأن الحديث يجري عن صورة ماضوية زاهرة، يراد استنباتها من جديد فى عالم متغير، وربما كان البنا يدرك أكثر من غيره صعوبة ذلك فى عالم اليوم، ومن ثم استطرد كثيرًا فى الحديث عن المقدمات التي تسبق دولة الخلافة إلى الحد الذى يمكن معه استنتاج مدى إدراك البنا لتعذر إن لم يكن استحالة تحقيق هذا المثال المتعالي في طوباويته كواقع متعين يمكن استيلاده من جديد في عالم بدا شديد التعقيد وحافل بالمستجدات.

وهذا ما يؤكد صوابية الملاحظة القائلة بأن البنا يستعيض عن دولة الخلافة بالدولة الإسلامية ذات المكون القطرى، ويتفق هذا مع ملاحظة البعض بأن دولة الخلافة ذاتها لم تشهدها التجربة الإسلامية، إلا فى عصور الخلفاء الراشدين، فيما عدا ذلك حدث التحول إلى الملك العضوض، ومع ذلك يطلق البعض على نظام الحكم فى كل تلك العصور «خلافة».

يذهب العروى إلى أن الخلافة: "مثل أعلى لا يتحقق إلا بتوفيق وإلهام من الله، إذا سمينا المثل الأعلى خلافة، فيجب أن لا نطلق الكلمة على الأنظمة التى جاءت بعد الخلفاء الراشدين، وإذا سمينا النظام القائم خلافة، مع أننا نعنى خلافة صورية، فيجب أن نطلق على المثل الأعلى اسمًا آخر، وإلا تاه بنا الحديث وتعذر التفاهم، إن عبارة دولة إسلامية مرفوضة، ما دامت الدولة الإسلامية فى الحقيقة هى الخلافة، عبارة دولة شرعية أصح"(13).

لم يتعاطى البنا مع «الدولة» كظاهرة سوسيو - سياسية، تستدعى الإحاطة بعوامل تكونها، وما طرأ عليها فى الخبرة التاريخية الإنسانية من تحولات، فمقاربة البنا الرئيسة للدولة تركزت حول طبيعة نظام الحكم فى «الدولة، وخاصة من زاوية التصنيف الأيديولوجى، فمصدر الشرعية فى الدولة وفق لوجهات نظر البنا، ليس كونها ظاهرة اجتماعية تحقق الثبات، والاستقرار، بل بما تحققه من تطبيق للفكرة الإسلامية، وهذا مصدر افتراق جوهرى بين الدولة الوطنية الحديثة، والدولة الإسلامية التى نظر لها البنا، فالدولة الوطنية الحديثة القائمة على ضرورة الفصل بين الدولة كمركب ثابت يدين له الجميع بالولاء، وبين شكل نظامها السياسى الذى قد يختلف لونه الأيديولوجى تبعًا لتغيرات المشهد السياسى القائم على التعددية والديموقراطية، وتحكيم الإرادة الجماهيرية فى الفرز والاختيار، تختلف عن الدولة الإسلامية التي يمثل اللون الأيديولوجى لنظام الحكم فيها مصدرًا رئيسيًا، وربما وحيدًا فى الحكم على مشروعية تركيبة الدولة برمتها.

لم يتضح لدى البنا مساحة التمايز "بين النظام السياسى أو نظام الحكم، وبين الدولة، وكذلك بين النظام السياسى للحكم، وبين السياسة، وما يرتبط بها من مفاهيم وقيم أخلاقية، فالدولة مفهوم أوسع من النظام السياسى يشير بالأساس إلى تبلور سلطة عمومية مركزية على رقعة محدودة من الأرض، وتأكيد سيادتها تجاه السلطة المركزية المجاورة، مما يفتح المجال لقيام كيان سياسى مستقل قائم بذاته"(14).

الملاحظة0 السالفة يكاد يشترك فيها مع البنا الكثرة الكاثرة من المدارس السياسية العربية على اختلاف مشاربها، وهى تكاد تمسك بخناق الفكر السياسى العربى بصفة عامة،" فالتماهى والتداخل البنيوى بين الحكومة والدولة فى العالم العربى - قديمًا وحديثًا - يفسر لنا الآن ذلك الاضطراب المفهومى فيما يتعلق بالدلالة الحقيقية لمصطلح «دولة» كنظام حاكم، و«الدولة» كمؤسسة شاملة للوطن والأمة والحكم، مع تضخم معنى «الدولة» فى مفهومها الفرعى الأول، وضمور فى مفهومها الأساسى الثانى إلى حد الاندماج فى المفهوم الفرعى"(15).


المواطنة والديموقراطية فى فكر البنا

نموذج الدولة الإسلامية الذى طرحه البنا، والذى يجعل من تلك الدولة صورة مستنسخة من دولة الخلافة ينسحب على المفاصل الرئيسة لتلك الدولة، ونظام الحكم، ونظم الحكم فيها، مما يجعلها والدولة الوطنية يقفان على طرفى نقيض. فالعلاقة السياسية التى تحدد الولاءات والحقوق والواجبات فى الدولة الوطنية الحديثة هى المواطنة، فهي التي تعطى الفرد كامل الحق السياسى بغض النظر عن انتماءه العقدى، ومذهبه السياسى، وحقوق الفرد والحزب، وكافة التشكيلات السياسية والاجتماعية فى دولة المواطنة، لا يمكن أن تكون مسقوفة بحدود، فلا يمكن على سبيل المثال فى المجال النظرى على الأقل منع شخص ما من الترشح لأى منصب سياسى فى هذه الدولة، حتى رئاسة الدولة ذاتها مهما كان انتماءه العقدى، ورؤيته السياسية، كما أن مصدر الشرعية فى الدولة الوطنية الحديثة هى الإرادة الجماهيرية، فمن خلال المتحصل من النظام الديموقراطى القائم على التعددية والتنافسية السياسية تتشكل وتتبدل الحكومات أيا ما كان لونها السياسى وأيديولوجيتها، فالشعب هو مصدر السلطات ومانح الشرعية للحكومات فى الدولة الوطنية الحديثة، فأى إلى حد تتوافق طروحات البنا فى الدولة الإسلامية مع تلك الأساسيات فى نظام الدولة الوطنية الحديثة؟.

البنا وقضية المواطنة

صحيح أن قضية المواطنة بلفظتها لم تكن متداولة فى زمن البنا، إلا أن مشمولات المصطلح وتضميناته يمكن استنباطها بسهولة من رؤى البنا للآخر، وهم فى مصر تحديدًا الأقباط المسيحيين ورؤية البنا لمفهوم الوطن ذاته، ذلك أنه من دون الإقرار بالدولة الوطنية الحديثة، ومفهوم الوطن والمواطنة المنبثق عنها لا يمكن الحديث عن مواطنة كاملة فى ظل دولة عصرية.

يتحدث الشيخ البنا بشكل وجدانى عن الوطن، وكيف أن حب الأوطان من الإسلام، ولا يفوته الاستشهاد بمقولات ومواقف فى صدر الإسلام ليؤكد على أن هذه الروحية تتوافق تمامًا مع القيم والتعاليم الإسلامية، بل لم يتوانى البنا عن الدعوة إلى الاعتزاز بالتاريخ المصرى القديم، الذى يوصم لدى البعض بكل النقائص على اعتبار أنه أحد تجليات الوثنية الإلحادية، وفى هذا يقول البنا "وليس يضيرنا فى هذا كله أن نعنى بتاريخ مصر القديم، وبما سبق إليه قدماء المصريين الناس من المعارف والعلوم، فنحن نرحب بمصر القديمة كتاريخ فيه مجد وفيه علم ومعرفة، ونحارب هذه النظرية بكل قوانا كمنهاج عملى يراد صبغ مصر به، ودعوتنا إليه بعد أن هداها الله بتعاليم الإسلام وشرح له صدرها، وأنار به بصريتها وزادها شرفاً ومجدًا فوق مجدها"(16).

لكن الرؤية الرحبة شديدة المرونة والتصالح للبنا إزاء مصر القديمة، وحيال حب الوطن لا تكفى حمولتها الوجدانية لتدشين مفهوم محدد للوطن ينهض به كرافعة لبناء عصرى يحدد شكل الدولة، وينظم العلاقةح السياسية بين أبناءها ويؤسس لشبكات العلاقات في مختلف الفضاءات المجتمعية، فمفهوم الوطن لدى البنا من الاتساع والحركية، بحيث يضيق أو تضيق به الدولة القطرية، وبما يجعل من الصعوبة بمكان تخيل تواجد حقيقي وفاعل للمواطنة فى ظل هكذا مفهوم للوطن، ولم يكن مصادفة أن يعيد التأكيد بكلمات حاسمة على المضمون الإسلامى لمفهوم الوطن، وذلك فى كلمته أمام النخبة السياسية لحزب الوفد سنة 1934م؛ إذ خاطبهم بقوله: "حين أقول الوطن، لا أقصد مصر وحدها، بل أعنى مصر وبلاد العرب الشقيقة، ودول الإسلام ومواطنه الحبيبة، فإن وطننا نحن المسلمين، كل شبر أرض فيه مسلم يقول: لا إله إلا الله"(17).

الوطن لدى البنا إذن ينبثق من العقيدة ورابطتها، وهو وفق هذا التصور يعلو على كل الولاءات والانتماءات، بحيث تبدو الوطنية الحديثة علاقة من الدرجة الثانية، ويبدو الوطن أكبر وأكثر اتساعًا من أن تحتويه الدولة الوطنية الحديثة ذات الرقعة الجغرافية المحدودة، والنسيج المجتمعى الذى يتداخل فى بنيته التركيب العقدى لسكانه، فالبنا يعتقد أن الأخوة الإسلامية" جعلت كل مسلم يعتقد أن كل شبر من الأرض فيه أخ يدين بدين القرآن الكريم، قطعة من الأرض الإسلامية العامة التى يفرض الإسلام على كل أبنائه أن يعملوا لحمايتها، فكان من ذلك أن اتسع أفق الوطن الإسلامى، وسما عن حدود الوطنية الجغرافية والوطنية الدموية إلى وطنية المبادئ السامية، والعقائد الخالصة الصحيحة"(18).

رغم كل الحديث الوجدانى للبنا عن حب الوطن، ورغم حديثه الإيجابى عن رؤية الإسلام للعلاقة مع المخالف العقدى الذى يتشارك مع المسلمين فى الوطن، ورغم السيرة العملية الحسنة للبنا فى مجال العلاقة مع الأقباط، إلا أن كل ذلك لا يمكنه أن يشكل أساساً منضبطاً لرؤية عصرية للوطن والمواطنة، بل إن هذه الطروحات الوجدانية تزيد الأمور التباسًا وإرباكًا عندما توضع متجاورة مع نصوص أخرى للبنا مثل حديثة عن رؤية الإخوان للناس، وأنهم - أى الناس - ينقسمون بالنسبة للإخوان قسمين «قسم اعتقد ما اعتقدوه من دين الله وكتاب وآمن ببعثة رسوله وما جاء به،وهؤلاء تربطنا بهم أقدم الروابط، رابطة العقيدة وهى عندنا أقدس من رابطة الدم ورابطة الأرض، فهؤلاء هم قومنا الأقربون الذين نحن إليهم، ونعمل فى سبيلهم ونزود عن حماهم، ونفتديهم بالنفس والمال، فى أى أرض كانوا، ومن أية سلالة انحدروا، وقوم ليسوا كذلك، ولم نرتبط معهم بهذا الرباط، فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا، ونحب لهم الخير ما كفوا عدوانهم عنا، ونعتقد أن بيننا وبينهم رابطة هى رابطة الدعوة"(19).

يتحدث البنا فى موضع آخر عن الوحدة الوطنية، وأن المشروع الإسلامى لا يحمل بذور الشقاق ، ولا يغذى عوامل الشحن والاستقطاب الطائفى باعتبار أن النصوص الإسلامية تبدو حاسمة فى صياغة أسس العلاقة مع المخالف العقدى، ويرى البنا أن الوحدة الوطنية تتعزز بصورة أوضح عندما تكتسب مصادر قوتها من القيم والتعاليم الدينية، لما لها من إلزامية وقوة توجيه فى الضمائر، وضبط للمسلكيات يقول البنا: "يظن الناس أن التمسك بالإسلام، وجعله أساسًا لنظام الحياة ينافى وجود أقليات غير مسلمة فى الأمة الإسلامية، وينافى الوحدة بين عناصر الأمة، وهى دعامة قوية من دعائم النهوض فى هذا العصر، ولكن الحق غير ذلك تمامًا، فإن الإسلام قد احتاط لتلك العقبة، فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم، إلا واشتمل على النص الصريح الواضح الذى لا يحتمل لبسًا ولا غموضًا فى حماية الأقليات"(20).

مرة أخرى وأخرى تأتى الإشكاليات من التصور الذى يضعه البنا للدولة، تلك الدولة ذات الصورة النمطية التى تحاكيه دولة الخلافة فى مثالها التاريخى، فمصطلح الأقليات والحديث من منظار عقدى لا يستقيم مع الروابط السياسية والاجتماعية فى الدولة الوطنية الحديثة التى لا تقوم على الفرز والاصطفاف العقدى، ولا تتحدد الروابط فيها على ضوء الانتماء الطائفى، ومصداق ذلك في الواقع الإجرائي ما يعاينه الجميع رأي العين فى النصاب السياسى والاجتماعي فتحت لافتة مشروع سياسى ما، واتجاه فكرى بعينه ينضوى المسلم والمسيحى، وقد يستحوذ مشروع إسلامى ذات صبغة حضارية على قناعات شخصيات وجهات لا تدين بالإسلام، فيما تستحوذ مشاريع ذات توجهات علمانية على قناعات كثير من المسلمين، فالمشاريع السياسية والروابط الاجتماعية، ودوائر الانتماء والولاءات لاتتحدد فى الدولة الوطنية الحديثة على أساس المكون العقدى وحسب.

لم يساير البنا المدونة الفقهية التقليدية فى موضوعه الجزية التى اعتبرها عقدًا يرتبط بشروط وظروف تاريخية، وإن ظل فى اجتهاده ما يعتوره من ناحية ربطه إسقاط الجزية بسلطات الدولة الإسلامية؛ حيث يوجز البنا رأيه فى هذه المسألة بالقول: "إن الجزية مقابل المنعه إن اشترطوها - أى أهل الذمة - وأن من سلطة الدولة الإسلامية إسقاطها عنهم إذا اقتضى الأمر تجنيدهم"(21).

يستبطن البنا فى رؤيته لموضوع الجزية وظائف الدولة الإسلامية، ومفردات مدونة فقه السياسة الشرعية، فهو وإن اعتبر الجزية عقدًا تاريخيًا يخرج إلزامية الديمومة والتأبيد، إلا أنه لم يربط هذا بالتحول الذى طرأ على شكل العقد الاجتماعى فى الدولة الحديثة وعلاقتها بالعالم الخارجى، فهو يتصور أن الالتحاق بالمؤسسة العسكرية يتحدد على ضوء الضرورات التى قد تلجأ إليها بالدولة الإسلامية، بالنسبة لتجنيد غير المسلمين.وسبب ذلك يعود إلى توهمه بأن العلاقات الخارجية للدولة، ومن بينها إدارة الحروب تقوم على أساس اللافتة العقدية ما يضيف شاهدًا جديدًا إلى شواهد كثيرة سابقة، وستأتى لاحقًا بأن تصور البنا لكل مفاصل الدولة الوطنية الحديثة مرتبط بشكل جذرى، بما يتراءى له من مثال دولة الخلافة الإسلامية التى يسعى جاهدًا إلى محاولة وضعها فى سياق النفاذ الإجرائى من خلال إكسابها بعض المحسنات العصرية، والتى تبقى مجرد رتوش ظاهرية تحيط بخلل هيكلي لتصور دولة ما عاد بالإمكان وفق التطورات والمستجدات العصرية إنزالها بكل تلك الحمولات على أرض واقع يعج بالتحولات والمتغيرات.

البنا وقضايا الديموقراطية

كل مقاربة لموضوعه الدولة الوطنية الحديثة صار لزامًا عليها أن تتعرض لمسألة الديموقراطية وتحدد موقفها منها بجلاء ووضوح، وعلاقة الدولة بالديموقراطية علاقة شديدة الوثوق والتلازم، فالدولة فى سياقها التاريخى قامت على التغلب والقوة، "ولكن ما كان لها أن تدوم بدون قبول من المجتمع، وهذا القبول كان أول الأمر ضمنيًا، ثم أخذ شكلاً معلنًا فى طور لاحق، وعلى الأقل منذ الثورات الإنجليزية والأمريكية والفرنسية، كان لا بد من أن يتجدد القبول، وإنما عندما أخذ هذا التجدد طابعًا دوريًا رأت النور الديموقراطية الحديثة.

الدولة إذن، من حيث هى سلطة مؤسسية قائمة على قبول المحكومين بها، هى الشرط المسبق للديموقراطية الحديثة"(22).

وإذا كانت الديموقراطية وحقوق الإنسان صارت مطالب مركزية للمواطن العربى والقوى السياسية والاجتماعية فإن تساؤل البعض واستغرابه يبدو مشروعًا حيال كل التنظيرات التى تقول بأن الدولة الوطنية الحديثة منتج غربى، وأن مشروعيتها والقبول بها عسيرة المنال لغربتها عن الخبرة الإسلامية والحضارية للمجتمعات العربية والإسلامية، ومن ثم "تصبح إشكالية بحوث النظام العربى الحديث الرئيسية: الديموقراطية أو المشاركة؛ متناقضة فى ذلك مع نفسها، إذ ما دامت السلطة عندنا غريبة وغربية، وضد المجتمع، فكيف يمكن استجداء الديموقراطية منها؟!"(23)، فهل يستجدى البنا الديموقراطية من الدولة الوطنية، وقبل ذلك هل يمكن استشراف نبت ديموقراطى داخل منظومة الدولة الإسلامية لدى البناء؟.

البنا والموقف من الدستور

الدستور عبارة عن مبادئ عامة ترسم ملامح النظام السياسى والمبادئ الأساسية التى تنظم دوائر وعلاقات السلطات المختلفة وحقوق وواجبات المواطن فى ظل علاقة العقد الاجتماعى التى هى أساس ناظم للدولة الوطنية الحديثة، وقد تحدث البنا بنفس إيجابى عن مبادئ الدستور المصرى فى حينه، وذهب إلى أنها وفى سياقها العام والكلى تتفق إلى حد التطابق مع مبادئ الإسلام، وحسب قوله فإن "الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستورى التى تتلخص فى المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسئولية الحاكم أمام الشعب، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده فى شكل الحكم.ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستورى هو أقرب نظم الحكم القائمة فى العالم كله إلى الرسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر"(24). يلفت البنا رغم هذه الروحية التصالحية مع الدستور إلى أن الدستور كمبادئ عامة قد ينسل منها قوانين ومواد ذات صيغ فضفاضة ومبهمة مما قد يفرغ هذه المواد من مضمونها أو يجعلها حمالة أوجه، ولذا كان البنا شديد الحرص على تأكيد وتكرار ملاحظته الخاصة بأن النظام النيابى والدستور المصرى، وإن كان لا يتنافيان فى قواعدهما العامة مع التصور الإسلامى لنظام الحكم، إلا أن "هناك قصورًا فى عبارات الدستور، وسوءًا فى التطبيق"(25).

بمثل ما عاب البنا على الدستور المصرى إبهام بعض عباراته وما ينجم عن ذلك من افتراق بين تضمينات القوانين ومبادئ الدستور فبإمكاننا أن نلاحظ أن مواقف ورؤى البنا العامة والشديد التصالح مع الدستور ومواده العامة القاضية باحترام الحريات الشخصية، ومسئولية الحاكم، وسلطة الأمة، هذه المبادئ ستؤول بالأخير إلى تفاصيل تتعارض والنهج الديموقراطى لتستقر كسابقاتها فى المدونة التقليدية التى صاغها البنا لمعمار الدولة الإسلامية، فالبنا الذى أبدى شديد تحمس للدفاع عن المبادئ الدستورية لا يتوانى عن مهاجمة التعددية الحزبية ووصمها بكل نقيصة، فهو يذهب إلى أن النظام النيابى لا يشترط الحزبية التى ينظر إليها باعتبارها جالبة للفتنة ومكرسة للتشرذم والفرقة ويحملها كل ما حاق - من وجهة نظره - بالحالة المصرية من علل وانتكاسات، إلى الحد الذى يبدو معه لمطالع رأى البنا فى التعددية الحزبية وكأن هذه التعددية هى العامل الرئيس وربما الحصرى لإعاقة المجتمع المصرى عن اللحاق بركب النهضة، والبنا لا يبدى أية إمكانية للتعاطى مع التعددية الحزبية بأى صيغ كانت، إلا إذا صيغه الحزب الواحد، وفى هذا يقول البنا: "يعتقد الإخوان أن هذه الحزبية قد أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم، وعطلت مصالحهم، وأتلتفت أخلاقهم، ومزقت روابطهم، وكان لها فى حياتهم العامة والخاصة أسوأ الأثر، ويعتقدون كذلك أن النظام النيابى، بل حتى البرلمانى فى غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة فى مصر، فالحجة القائلة بأن النظام البرلمانى لا يتصور إلا بوجود الأحزاب حجة واهية، وكثير من البلاد الدستورية تسير على نظام الحزب الواحد، وبهذه المناسبة أقول: إن الإخوان المسلمين يعتقدون عقم فكرة الائتلاف بين الأحزاب، والعلاج الحاسم الناجح أن تزول هذه الأحزاب مشكورة فقد أدت مهمتها وانتهت الظروف التى أوجدتها"26).

فى تفسير هذا الموقف من لدن البنا، والذى يبعث على الحيرة كونه يحمل قدرًا كبيرًا من الارتباك والتناقض، فهو من جهة يدافع عن الدستور والنظام التمثيلى النيابى، ومن جهة يشن حملة شعواء على التعددية الحزبية ويسعى إلى تجريدها من كل مشروعية من أجل تقويضها، فى تفسير هذا الموقف يذهب البعض إلى أن الباعث على هذا الموقف من قبل البنا يرتبط بالتطلع السياسى الذى غذته عوامل كثيرة فى طليعتها ازدياد الاستقطاب الجماهيرى وزيادة قاعدة التأييد الجماهيري لحركته، فالدفاع عن الدستور والنظام الدستورى لدى البنا قرين الدفاع عن النظام التمثيلى النيابى، وقد تغذى هذا الارتباط من "حاجة سياسية شديدة، لدى البنا والإخوان المسلمين، إلى إطار للمشاركة السياسية من موقع أعلى: من موقع القرار، وهى حاجة كان يدعو إليها إحجام الإخوان المسلمين فى الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، عن نهج سبيل الثورة والعنف، والتزام خط العمل السياسى السلمى، مثلما كانت تدعو إليها معاينة حجم الفوائد أو العوائد السياسية الناجمة عن السعى إلى السلطة من الطريق الانتخابى والنيابى"(27).

التفسير السابق لموقف البنا الملتبس من الدستور والنظام النيابى والتعددية الحزبية يحمل قدرًا من الوجاهة المنطقية بعكس ما يحاول البعض تبرير هذا الموقف بدعوى ارتباطه بسياقه الزمنى، وأن موقف البنا انصرف إلى أحزاب كانت قائمة في زمن البنا وتلبست تجربتها بعوار شديد جعلته شديد النفور منها.ما يعني أن موقفه المناوئ للتعددية الحزبية لم يكن قيميا إطلاقيا بقدر ما كان ظرفياً نسبيا . وهكذا تبرير لا يسنده منطق، فبرغم الحديث المكرور للبنا عن الأحزاب والتعددية الحزبية لم يتحدث ولو لمرة واحدة عن أن هذا الموقف ظرفى وعارض، والذى لم يلتفت إليه الكثيرون أن موقف البنا من التعددية الحزبية إنما يأتى فى سياق متوالية تصوراته المنبعثة من رؤيته للدولة الإسلامية، فالأحزاب السياسية تدخل حلبة التنافس السياسى من أجل الوصول إلى السلطة وهي تتعاقب على السلطة وتتداولها وتتشكل الحكومات وتنهض المعارضات التي تسعى لمغالبتها سياسيا عبر الإرادة الجماهيرية وفقًا لهذا النهج، وهذا ما لا يستقيم ومرتكزات النظام السياسى للدولة الإسلامية الذى يعتقده البنا، ويمكن التحقق من هذا الملحظ من خلاله فحص وسبر موقف البنا من عدة قضايا. فالبنا عندما يتحدث عن حضور الأمة فى صياغة القرار السياسى من خلال الشكل التمثيلى يستدعى الخبرة التاريخية للدولة الإسلامية ولا يفتأ يذكر مصطلحات من قبيل: "أهل الحل والعقد"، فالمجلس النيابى فى رأى البنا ينبغى أن تتحدد تركيبته فى ضوء الاشتراطات الخاصة بأهل الحل والعقد ويذهب البنا إلى أن أقوال الفقهاء حول أهل الحل والعقد تشير إلى أن مواصفاتهم تنطبق على "ثلاث فئات هم:
1 - الفقهاء المجتهدون الذين يُعتمد على أقوالهم فى الفتيا واستنباط الأحكام.

2 - وأهل الخبرة فى الشئون العامة.

3 - ومن لهم نوع قيادة أو رئاسة فى الناس كزعماء البيوت والأسر وشيوخ القبائل، ورؤساء المجموعات.

ولقد رتب النظام النيابى الحديث طريق الوصول إلى أهل الحل والعقد بما وضع الفقهاء الدستوريون من نظم الانتخابات، والإسلام لا يأبى هذا التنظيم ما دام يؤدى إلى اختيار أهل الحل والعقد، وعدم السماح لغيرهم بالتقدم لنيابة الأمة"(28).

القول الفائت لا يحتاج كثير عناء لاستبيان من أى شجرة مفهومية يتحدر، فالتعددية الحزبية لا مكان لها فى ظل نظام تمثيلى يقوم على اختيار أشخاص محددة صفاتهم سلفًا، وهنا يثور تساؤل كبير حول حقوق المواطنة، فمن الواضح أن حق الترشح وفقاً للصنوف التى تندرج تحت عنوان أهل الحل والعقد لن تتوافر إلا فى قلة من شرائح المجتمع، ناهيك عن حرج موقف الآخر العقدى فى ظل هذه التركيبة، الأمر يزيد من رجحان الفرضية القائلة بصعوبة استنبات تعددية في فضاء ديموقراطية حقيقية داخل بنية الدولة الإسلامية التى يطرحها البنا.

ومثلما عارض البنا التعددية الحزبية كقاعدة للتمثيل النيابى لاصطدامها مع سقف واشتراطات أهل الحل والعقد سيعارض البنا التعددية الحزبية؛ لأنها المجال الخصب لإفراز المعارضة السياسية وتوفير مناخ العمل لها وتكريس مبدأ تداول السلطة وكلها أمور لا تستقيم وروحية النظام السياسى للدولة الإسلامية فى صورتها النمطية لدى البنا. ويقترب البنا كثيرًا من مربع الإفصاح والتصريح، فيشير إلى أن المعارضة فى نظام الحكم الإسلامى ليست كنظيرتها فى التجربة الغربية، فثمة فارق جوهرى حسب ما يعتقد البنا بين المعارضتين فالمعارضة الإسلامية "واجب دينى فرضه الله، وهو واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"، وطبقًا لذلك رفض المفهوم الغربى رفضًا قاطعًا؛ لأنه يجعلها دائمة - بالحق والباطل - هذا من ناحية، ولكونها تجعل السلطة هدفًا تسعى للوصول إليه بحجة تمكينها من تطبيق برامجها الإصلاحية من ناحية أخرى، وبهذا اعتبرها البنا "بدعة أوروبية جاءتنا مع الديموقراطية المشوهة"(29).

لم يتطرق البنا إلى تحديد مدة رئاسة رئيس الدولة وهو فى هذا يسير فى نفس اتجاه المعمار البنائي الذي دشنه للدولة الإسلامية فى شكلها التاريخى ومدونه الفقه التقليدى، ولعل التعددية الحزبية لها نصيب أيضًا فى التوجس منها حيال هذه المسألة فالتنافس السياسى يفضى إلى تداول السلطة وتغيير الرؤساء وتحديد مدد محددة لرئاستهم وهو ما يتجافى مع وضعية الحاكم فى الدولة الإسلامية، والذى يعطيه البنا مساحة كبيرة من الصلاحيات تصل إلى حد البت فى الأمور الخلافية التى تجابه الجماعة الوطنية، فالبنا لا يتصور وقوع "الفرقة فى الشئون الجوهرية فى الأمة الإسلامية، والخلاف فى الفروع لا يضر، ولا يوجب بغضًا ولا خصومة ولا حزبية يدور معها الحكم كما تدور، ولكنه يستلزم البحث والتمحيص والتشاور وبذل النصيحة، فما كان من المنصوص عليه فلا اجتهاد فيه، وما لا نص فيه فقرار ولى الأمر يجمع الأمة عليه، ولا شيء بعد هذا"(30).

تداول السلطة وتعاقب الرؤساء لا يجد له مجال فى ظل الصلاحيات الواسعة للحاكم فى إطار الدولة الإسلامية التى يعرضها البنا، حتى أن سيادة الأمة وما لها من صلاحيات تكاد تتقلص إلى حد التلاشي وتصبح مجردة كلمات جوفاء فليس للأمة فى ظل هذه الدولة سوى أن تشير على الحاكم، وله مطلق الحرية فى أن يأخذ أو يدع مما يُشاربه عليه، فوفق ما يرى البنا؛ فإن للأمة الحق فى مراقبة الحاكم، و"أن تشير بما ترى فيه الخير، وعليه أن يشاورها، وأن يحترم إرادتها، وأن يأخذ الصالح من آرائها"(31).

لا يعد الوقوف مليًا أمام طروحات الشيخ حسن البنا حول طبيعة الدولة التى يراها الإخوان المسلمون استطرادًا زادًا عن الحاجة، فالبنا فوق ما له من مكانة لا يدانيه فيها أحد لدى الإخوان المسلمين تميز بوفرة إنتاجه وكثرة طروحاته وسنلحظ من بعده أن مجال صناعة الرؤى والأفكار داخل الجماعة قد أخذ فى الانحسار والضمور، فطروحات البنا حيال الدولة تشكل النموذج الذى سيتم القياس عليه لمعرفة مقدار التغيير والثبات والتقدم والتراجع الذى حدث فى رؤى الإخوان وتنظيراتهم إزاء موضوعةالدولة، وهل استطاع الإخوان الخروج من عباءة البنا وتقديم خطاب يتناسب وحجم التحولات والمستجدات التى يمور بها الواقع فى كافة مناحيه؟.


الإخوان بين الدولة الإسلامية والدولة الثيوقراطية

شهدت حقبة الستينيات تبلور أفكار سيد قطب، والتى شكلت فى حصيلتها قطعًا مع أفكار البنا، فلئن كان البنا قد قدم نموذجًا لدولة إسلامية تنسج على منوال دولة الخلافة، فإن قطب قد اشتط فى طروحاته حيال المجتمع وشكل النظام السياسى الإسلامى وفق ما يعتقده، وإذا كان حسن البنا قد قدم نموذجًا منقوصًا للمواطنة رغم حديثه المفعم بالوجدانية عن الوطنية وحب الأوطان؛ فإن قطب قد تناول الوطن والتعلق به وإقامة الروابط والولاءات على قاعدة الانتماء له بالزراية والتحقير إلى حد وصف كل العلائق التى تقوم على الروابط الوطنية بـ "الطينية"، وإذا كان البنا قد وسع من صلاحيات الحاكم وحد من مبدأ سيادة الأمة وعارض بشكل عنيف التعددية الحزبية، فإن قطب جرد الأمة من كل أنواع السيادة وطرح وبإلحاح مبدأ الحاكمية الذى وضع صورة للدولة الإسلامية تكاد تقترب بها إلى حد بعيد من الدولة الثيوقراطية. لم تستطع أفكار قطب إزاحة أدبيات البنا وإن تحقق لها نصيب كبير من الانتشار والذيوع في الإطار القاعدي الإخواني فقد عارضها الكثيرون وفى مقدمتهم مرشد الحركة فى هذا الوقت حسن الهضيبى الذى رد على قطب بشكل غير مباشر، فألف كتابه الشهير "دعاة لا قضاه"، والذى فند من خلاله طروحات قطب خاصة تلك التى تذهب إلى تجهيل المجتمع.

فى طروحات قطب لا معنى للحديث عن الدولة الوطنية المعاصرة، فقطب يحاول استنساخ الدولة الإسلامية التاريخية بشكل حرفى وحتى الحديث الوجداني عن الوطن يختفي لديه، ولا يرى أية إمكانية للتعايش في كنف هذه الدول التى خلعت من عنقها ربقة التعاليم الإسلامية . ركز قطب أفكاره التغييرية ورؤاه فى كتابه "معالم فى الطريق"، والذى يقول فيه قطب: "إن المجتمعات القائمة كلها جاهلية وغير إسلامية، وإنه لينبغى التصريح بلا وجل أن الإسلام لا علاقة له بما يجرى فى الأرض كلها اليوم؛ لأن الحاكمية ليست له، والبديل الوحيد لهذه الأوضاع الزائفة هو أولاً وقبل كل شيء قيام مجتمع إسلامى يتخذ الإسلام شريعة له، ولا تكون له شريعة سواه"(32).

ورغم حالة القطيعة البادية بجلاء بين فكريات قطب والبنا إلا أن هناك من يرى أن أفكار قطب، وخاصة تلك المتعلقة بالنصاب السياسى وجدت خمائرها واكتسبت ماء حياتها وتغذت على الأساسات الفكرية للجينات التى وضعها البنا، ففكرة الدولة الإسلامية التى شهدت تحولاً جوهرياً على يد سيد قطب، حيث تلامست إلى حد كبير مع الدولة الدينية، وجدت بعض "جراثيمها" والمقدمات التى هيأت لها شروط الكينونة فى أساسات فكرة الدولة الإسلامية عند البنا، ومن "أهم تلك الأساسات النظرية التى قامت عليها موضوعه "الدولة الإسلامية"، عند البنا، واستمر الصحويون المغالون يؤسسون عليها منظومتهم السياسية الثيوقراطية، فكرة: "الإسلام دين ودولة"، وهى فكرة خرجت من رحم موضوعة البنا الشهيرة: أن الحكم (أى الدولة)، معدودة فى عداد الأصول والعقائد لا فى عداد الفروع والفقهيات"33.

وإذا كان سيد قطب قد شكل نوعًا من الارتداد وحالة من القطيعة مع طروحات البنا فإن ذات السياق الزمنى الذى عاصر أفكار قطب شهد "قطبًا" إخوانيًا آخر فى سوريا، لكنه طروحات تميزت بالسير على ذات النهج الذى خطه البنا، فمصطفى السباعى، الذى شغل منصب المراقب العام للإخوان المسلمين فى سوريا أكد فى الإطار النظرى على نفس مقولات البنا الخاصة بالدولة الإسلامية، وفى تركيز شديد تحدث السباعى عن أن الدولة فى التصور الإسلامى تقوم على عدة ركائز هى:
«1 - رئيس يختاره أهل الحل والعقد بمحض إرادتهم.

2 - جهاز حكومى يُنتقى فيه الأكفاء.

3 - قوانين مدنية وضع الإسلام قواعدها ومبادئها العامة.

4 - قضاء مستقل عن أى سلطة فى الدولة"(34).

وإذا كان سيد قطب قد قطع مع أدبيات البنا وأفكاره وزاد فى ما شابها من انغلاق وقصور؛ فإن السباعى، وإن تميز بالحفاظ على الروحية العامة لميراث البنا فى مجال بناء المعمار السياسى للدولة الإسلامية إلا أنه حاول الخروج من أسر أفكار البنا، خاصة تلك المتعلقة بالتعددية الحزبية، فلم يمانع السباعى فى قيام الأحزاب، بل وشهدت فترة قيادته للجماعة تنسيقًا مع الأحزاب السورية فى حينه، وولوجًا إلى ساحة العمل السياسى وخوض الانتخابات.

مع توالى خروج الإخوان من السجون فى مرحلة السبعينيات وحدوث انفراجة فى وضعهم السياسى سنجد نزوعًا براجماتيًا إلى الالتصاق الكثيف بالمجال السياسى الذى صار مجالاً خصبًا يرى فيه الإخوان ميدانًا لتحقيق مكاسب سياسية ترسخ من أقدامهم فى ساحة التواجد المجتمعى وتقربهم رويدًا رويدًا من امتلاك العصا السحرية للتغيير ممثلة بالدولة كأداة صاروا يرونها ذات طاقة هائلة لما تتوفر عليه من قدرات نافذة تستطيع أن تدفع فى إحداث التغيير وتحقيق معالم مشروعهم السياسي في إقامة الدولة الإسلامية المبتغاة، وما يمكن ملاحظته أيضًا على هذه الفترة وهو شائع إلى الآن أن هناك حالة من الضعف الحاد لدى الإخوان فى مجال صناعة الأفكار، فطروحاتهم السياسية تكاد تشبه البيانات المقتضبة والعناوين العامة.

ويعزو البعض هذا الضعف فى مجال صناعة الأفكار وصياغة خطاب سياسى فاعل ومتماسك إلى "غلبة منزع التسييس"، وأن الذين تصدروا مشهد "الصحوة" و"الإسلام السياسى"، وانتدبوا أنفسهم لمهمة التأليف والكتابة: كتابة الأدبيات الحركية، لم يكونوا باحثين أو مفكرين أو مثقفين، فى الأغلب الأعم منهم، بل كانوا إما دعاة أو رجال سياسة وتنظيم"(35).

لم يقم الإخوان بأية مراجعات فكرية تسند مواقفهم وتوجهاتهم القاضية بالانخراط فى العمل السياسى والسعى الحثيث لمحاولة تشكيل حزب سياسى، وظلت طروحاتهم تتشكل تحت ضغط الواقع وتساؤلاته الملحة.

تحدث الإخوان والذين خاضوا تجارب سياسية عديدة بعضها بالائتلاف مع بعض الأحزاب المصرية عن إيمانهم بالتعددية الحزبية وحرية تشكيل الأحزاب وعن قناعتهم بالديموقراطية، وما ينسل منها ويرتبط بها كالمواطنة، وهذه الحزمة من الطروحات تمثل تأسيسًا لتصور مغاير لشكل الدولة الذى طرحه البنا، فهل فعلاً يقدم الإخوان تصورًا لدولة وطنية معاصرة تقوم على المواطنة والتعددية الديموقراطية؟.

الإخوان والتعددية الحزبية

من اللافت أن الإخوان المسلمين وهم يحاولون شرعنة قيام الأحزاب السياسية وإيمانهم بالتعددية الحزبية لم يحاولوا أن يثبتوا أن هذا الموقف يدخل فى نطاق المراجعات وإعادة تقييم طروحات المؤسس الشيخ حسن البنا بقدر ما حاولوا تبرير موقف البنا من التعددية بأنه إنما جاء فى سياق الظرفية التاريخية ومتوجهًا للأحزاب القائمة فى ذلك الوقت، وهذا الأمر ليس باليسير، إذ يكشف عن ضعف الوازع النقدى لدى الإخوان وعدم قدرتهم على الجهر باجتراح رؤى ومواقف تتعاكس وما دشنه البنا من قبل. موقف الإخوان من التعددية الحزبية ومشروعية تأسيس الأحزاب أخذ فى ترديده مرشدو الجماعة بداية من عمر التلمسانى وانتهاءً بالمرشد الحالى محمد مهدى عاكف، وقد تأسس هذا التوجه بشكل جمعى فى الورقة التى طرحتها الجماعة عام 1994م، والتى اعتبرها الكثيرون تحولاً جذريًا لدى الجماعة، حيث انتقلت المواقف من تصريحات ومواقف شخصية متناثرة هنا وهناك إلى توجه عام صادر عن الحركة فى صيغة مبادرة سياسية تتوجه بخطابها إلى الفضاء المجتمعى بقواه السياسية والمجتمعية، ورغم أن الإخوان المسلمين اعتبروا أن ما جاء فى هذه الورقة هو فصل الخطاب فى بيان موقفهم من التعددية الحزبية، وأنه لم يعد ثمة حاجة للتساؤل بعد ذلك عن رؤية الإخوان ومواقفهم من هذه القضية، إلا أن المدقق فيما جاء فى الورقة يدرك أنها لم تحل الإشكالية ولم تقدم تصورًا حاسمًا ذلك أن المسألة الرئيسية فى قضية التعددية الحزبية هى مجال القدرة على الإيمان بمستوى للتعددية الحزبية يسمح باندراج الجميع بما فيها الأحزاب ذات التوجه العلمانى في الإطار التعددي فذلك هو الوضع الذى يبحث عن مقاربات صريحة للتعاطى معه من قِبل الفكر الإسلامى المعاصر.

تتحدث الورقة عن إيمان الإخوان بالتعددية الحزبية "وأنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيودًا من جانبها على تكوين ونشاط الجماعات أو الأحزاب السياسية، وإنما يترك لكل فئة أن تعلن ما تدعو إليه وتوضح منهجها، وما دامت الشريعة الإسلامية هى الدستور الأسمى، فإن فى ذلك ما يكفى لضمان سلامة المجتمع، واتخاذ الإجراء الشرعى المناسب تجاه من يخرج على المبادئ الأساسية التى لا خلاف عليها بين علماء وفقهاء المسلمين"(36).

هنا تطل روحية ومنهجية المؤسس من جديد وأطروحة الدولة الإسلامية، وكأن المعنى أن تكون هناك تعددية تلتزم بقياسات الدولة الإسلامية وستكون بالضرورة أحزاب إسلامية وفق الاشتراطات التى تضعها الورقة، ويعلم الإخوان المسلمون أن الواقع العربى والإسلامى يكتظ بالأحزاب السياسية العلمانية التى تقدم تصورًا يخالف هذه الاشتراطات، فهناك من يعارض تطبيق الشريعة وخاصة الشق الجنائى المرتبط بالحدود وهى أمور تدخل فيما يعده الإخوان من القطعيات التى يلزم عدم المساس بها، فماذا سيكون مصير هذه الأحزاب؟ بلا مواربة النفى والإقصاء إذا ما بقى تصور الإخوان للتعددية الحزبية مسقوف باشتراط عدم تجاوز القطعيات والثوابت كما يطرحونها.

قضية الثوابت والتقيد بالقطعيات من المحددات الأساسية فى رؤية الإخوان للتعددية، وقد أكد على ذلك الملمح المرشد الأسبق مصطفى مشهور، حيث عاود التأكيد على أن الدولة الإسلامية لا بد أن تُحمى من المبادئ المخالفة للقطعيات فأى شخص يرغب فى إقامة حزب لا تتوافق مبادئه مع هذه القطعيات لن يسمح له، وللدولة أن تخول - وفق ما يرى مشهور - جهة قضائية الموافقة على إنشاء الأحزاب واستبعاد تلك التى تخالف برامجها الأمور القطعية"(37).

الموقف الملتبس من التعددية الحزبية أكدته مرة أخرى المبادرة التى طرحها المرشد العام السابق - محمد مهدى عاكف - للإصلاح والتغيير، و التى صدرت فى عام 2004م حيث يتحدث الإخوان "حرية تشكيل الأحزاب السياسية، وألا تكون لأية جهة إدارية حق التدخل والمنع، أو الحد من هذا الحق.وأن تكون السلطة القضائية المستقلة هى المرجع لتقرير ما هو مخالف للنظام العام والآداب العامة، والمقومات الأساسية للمجتمع"(38). لم تأت المبادرة بجديد يخالف ما طرح فى العام 1994م من قبل الجماعة حول التعددية الحزبية واكتفت بالاختباء فى مربع المراوغة، حيث عمومية الألفاظ والحديث عن دور القضاء فيما المطلوب هو موقف واضح وصريح يعبر عن موقف الجماعة من الأحزاب ذات التوجه العلمانى، وهل هى مشمولة بالإطار التعددى الذى يطرحه الإخوان أم لا؟ هذا الطرح الملتبس هو ما يدفع البعض إلى القول بأن الخيار الديموقراطى لم يُحسم داخل الجماعة حتى الآن، الأمر الذى يربك الناس حيث "لم يعد فى قدرة الناخب أن يعلم، فى مثل هذا الوضع، أهو يدعم عندما يقوم باقتراعه الجناح الديموقراطى فى الحركة، أو الجناح المعادى لها"(39).

المواقف المرتبكة للجماعة والناجمة عن عدم وجود مختبر صناعة فكرية قوى لدى الحركة يتضح فيما تختزله الحركة من هواجس وتوهمها بالدور الوصائى الحريص على الحفاظ على المجتمع والدولة، خوفًا من شرودهما خارج المنظومة الإسلامية بفعل المجال التنافسي المفتوح للتعددية وعندما قالت الجماعة بمشروعية تشكيل الأحزاب، وأن ذلك فى عداد حقوقها المستلبة كان عليها أن تقدم جوابًا حوله تساؤل البعض عن قناعات الجماعة بإمكانية كفالة ذات الحق للمسيحيين حتى لا يتم تكريس التمييز والمساس مبدأ المواطنة، وفى معرض الإجابة على هذا التساؤل تباينت ردود فعل قادتها، فالأستاذ مصطفى مشهور لم يبد ممانعة فى قيام حزب قبطى، وأكد أن هذا لا يتعارض مع الوحدة الوطنية، وهو ما كان ذهب إليه المرشد الأسبق محمد حامد أبو النصر من قبل، وعلى خلاف هذا الموقفين جاء موقف المرشد السابق مأمون الهضيبى، حيث أكد على أن حزب الإخوان المسلمين سيفتح أبوابه للأقباط، إلا أنه لم يبد تحمسًا لفكرة قيام حزب مسيحى؛ لأن ذلك من شأنه أن يؤدى إلى عزلة الأقباط عن المجتمع، فالحزب السياسى من أول أغراضه الوصول إلى الحكم، وليس معقولاً أن يؤلف المسيحيون حزبًا ليحكموا 95% من المسلمين(40).


الإخوان والمواطنة

من العسير تصور قيام دولة وطنية حديثة ذات صبغة ديموقراطية من دون ترسخ مبدأ المواطنة، بما يعنى تتمتع جميع أفراد الدولة دون تمييز بسبب العقيدة أو الجنس فى التمتع بممارسة كافة الحقوق السياسية وإمكانية حيازة كل المناصب بما فيها رئاسة الدولة، فالدولة الوطنية الحديثة بهيكليتها ومؤسساتها لم تعد تشبه الدولة فى صورتها التاريخية القديمة حتى يُخشى على هذه الدولة من نزعات شخص قد يفد إلى سدة السلطة وهو يخالف عقيدة أو جنس الأغلبية القاطنة فى تلك الدولة، كما أن وضع قيود أمام شخص ما للحؤول دون توليه بعض المناصب يمثل مساسًا مباشرًا بمبدأ سيادة الأمة وحق الشعب الأصيل فى أن يقرر البرامج والأشخاص التى يريدها، ما قدمه الشيخ حسن البنا وما يقدمه الإخوان حتى اللحظة الراهنة لا يرقى لصياغة موقف عصرى من مسألة المواطنة، وربما هو أقرب إلى ما يسميه عالم الاجتماع السياسى الفرنسي الشهير "ألان تورين" بالوطنية "فالمواطنية ليست الوطنية: فالوطنية تدل على انتماء المرء إلى دولة قومية، فى حين أن المواطنية تمنح الحق بالاشتراك فى تسيير المجتمع تسييرًا مباشرًا أو غير مباشر، الوطنية تخلق تضامنًا فى أداء الواجبات، بينما المواطنية تمنح حقوقًا"(41).

بحسب تصور الإخوان فإن مجال المواطنة مفتوح لنيل الحقوق السياسية وحيازة كل المناصب عدا رئاسة الدولة التى يشترطون لولايتها الإسلام والذكورة ما يعنى عدم قدرة المسيحى أو المرأة فى دولة إسلامية على اعتلاء هذا المنصب. لا مراء فى أن هذا الموقف مسكون من جديد بالصورة النمطية للدولة الإسلامية فى مثالها التاريخى وإغفال كل التطورات التى لحقت بمركب الدولة الحديثة، والتى تستأهل اجتهاداً سياسيًا جديدًا يتواءم مع تلك المستجدات.

موقف الإخوان من الأقباط والمرأة ومسألة رئاسة والقضاء تم طرحه فى الورقة التى صدرت عن الجماعة فى عام 1994م، ولم تكن فترة عشر سنوات كافية لتغيير موقف ورؤى الجماعة، حيث تم التأكيد على ذات الموقف فى المبادرة التى صدرت فى العام 2004م، والتى تحدثت عن "حق المرأة فى تولى الوظائف العامة، عدا الإمامة الكبرى، أو رئاسة الدولة فى أوضاعنا الحالية"(42)، وبالنسبة للأقباط فإن الأمر أكثر وضوحًا، فإذا كانت المرأة لا يتصور حيازتها الحق فى الترشح لمنصب الرئاسة فمن باب أولى أن يُمنع المسيحى، فرغم أن الإخوان قد تحدثوا عن الأقباط بشكل إيجابى فى الإطار العام، إلا أن مسألة الترشح وإمكانية ولوج مسيحى إلى رئاسة الدولة يتم التعاطى معها من خلال استدعاء مدونة الفقه التقليدى، حتى أن أحد قيادات الجماعة فى مصر فى حديثه عن الأقباط يستخدم مصطلحات من قبيل "أهل الذمة"، حيث يذهب إلى أنهم يختلفون عن المسلمين فى بعض الحقوق "شأنهم فى ذلك شأن سائر الأقليات التى تخالف الأغلبيات فى الأصل الذى تقوم عليه الدولة، فلما كانت الدولة الإسلامية دولة عقائدية تقوم على الإسلام ويؤلف بين أفرادها أخوه الإيمان وتحكمها شريعة الإسلام كان من الطبيعى ألا يسير أمورها العامة إلا أفراد يؤمنون بالإسلام"(43).

من الأمور التى ينبغى الالتفات لها أن ما يقدمه الإخوان من تصورات فى هذا الميدان ليست أمورًا ثابتة يتفق عليها كل المسلمون وكل الفقهاء والعلماء، بل إن بعض العلماء والفقهاء والقانونيين يذهبون إلى خلاف تلك المقولات فعلى سبيل المثال يرى القانونى والمفكر الإسلامى محمد سليم العوا أن مصطلح أهل الذمة قد انتهى حكمه وأن العلاقة التى تربط غير المسلمين بالمسلمين فى الدولة الوطنية الحديثة هى علاقة ورابطة المواطنة مما يستلزم عدم التفرقة بين "مسلم وغير مسلم فى التمتع بالخدمات والانتفاع بالمرافق وشغل الوظائف - غير الدينية - التى يقوم بها كيان الدولة وبنيانها"(44)، وإلى ذات الرأى ذهب المستشار طارق البشرى، حيث قلب المسألة على مختلف وجوهها وطرح عوامل التمايز والاقترافات بين ظروف الدولة الإسلامية فى حقبها التاريخية الماضية وما طرأ من مستجدات وخلص إلى تقرير أن مبدأ المواطنة الكاملة هو العنصر القاضي بضبط العلاقة بين كل مكونات المجتمع(45).

ولا يختلف الموقف حيال المرأة عن سابقه ، حيث ذهب إلى عدم مصادرتها حق السياسى فى رئاسة الدولة كثير من العلماء والمفكرين الذين ناقشوا حجج المنع وأبطلوها.

من جماع ما سبق يتضح أن شكل الدولة الإسلامية التى طرحها الشيخ حسن البنا ما زال فى كلياته ومنهجيته وجل تفاصيله هو المتحكم بتصورات الإخوان المسلمين، صحيح أن هناك قدر من التغيير فى بعض المواقف والرؤى لكنها تبقى محدودة ولم تشكل تكثيفًا وتراكمًا يتيح القدرة على صياغة تصور متكامل لدولة وطنية حديثة ذات صبغة ديموقراطية، فما زالت مسألة الفهم المغلوط للقطرية تشكل هاجسًا مزمنًا للإخوان، وما زالت التعددية السياسية لديهم مسكونة بمحددات القطعيات والقيود، وما زالت المواطنة منقوصة وكل تلك القضايا تستدعى اجتهادًا فكريًا سياسيًا حتى يمكن الوثوق بقدرة الإخوان المسلمين على قيادة دولة وطنية حديثة.

ستظل مفاهيم الإخوان وتصوراتهم حول بناء الدولة وبينيتها في حاجة إلى إعادة نظر هيكلية بالقدر الذي يمكن معه الوثوق بأن هذه الرؤى وتلك التصورات تقدما دعما وتشكل قاعدة صلبة لتجاوز كل الإشكاليات والمخاوف التي تنتاب كثير من القوى الوطنية من الصعود السياسي للإخوان واقترابهم من ملامسة فضاء الدولة ومنظومتها دولابها الإجرائي في ظل الفرص التي وفرتها حالة الحراك التي انتجها الربيع العربي.



الهوامش:
(1) د. رضوان السيد، سياسات الإسلام المعاصر (بيروت: دار الكتاب العربى، 1997) ط1، ص161، 163.

(2) د. عبد الإله بلقزيز، الدولة فى الفكر الإسلامى المعاصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002) ط1، ص 19،20.
(3)الإمام حسن البنا،مجموعة الرسائل(الاسكندرية:دار الدعوة،2002)ط1 ،ص21،22
(4)د.محمد جابر الأنصاري،التأزم السياسي لدى العرب وسوسيولوجيا الإسلام(القاهرة:دار الشروق،1999)ط2،ص194،195
(5)الإمام حسن البنا،مجموعة الرسائل،مرجع سابق،ص187
(6)المصدر السابق،ص154
(7)المصدرالسابق،ص95
(8)إبراهيم البيومي غانم،الفكر السياسي للإمام حسن البنا(القاهرة:دار التوزيع والنشر الإسلامية،1992)ط1،ص279
(9)المصدر السابق،ص290
(10)الإمام حسن البنا ،مجموعة الرسائل،مرجع سابق،ص96
(11)د.حسين سعد،الأصولية العربية المعاصرة بين الثابت والمتغير(بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية،2005)ط1،ص77
(12)الإمام حسن البنا ،مجموعة الرسائل،مرجع سابق،ص194،195
(13)عبدالله العروي،مفهوم الدولة(الرباط:المركز الثقافي العربي،1998)ط6،ص119
(14)د.برهان غليون، /د.برهان غليون- د.محمد سليم العوا،النظام السياسي في الإسلام (دمشق:دار الفكر العربي،2004)ط1،ص16
(15)د.محمد جابر الأنصاري،التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام،مرجع سابق،ص47
(16)الإمام حسن البنا،مجموعة الرسائل،مصدر سابق،ص123
(17)د.إبراهيم البيومي غانم،الفكر السياسي للإمام حسن البنا،مرجع سابق،ص285
(18)الإمام حسن البنا،مجموعة الراسائل،مرجع سابق،ص56
(19)المرجع السابق،ص25
(20)المرجع السابق،78
(21)إبراهيم البيومي غانم،الفكر السياسي للإمام حسن البنا،مرجع سابق،ص281
(22)جورج طرابيشي،في ثقافة الديمقراطية(بيروت:دار الطليعة،1998)ط1،ص90
(23)د.رضوان السيد،سياسيات الإسلام المعاصر،مرجع سابق،ص49
(24)الإمام حسن البنا،مجموعة الرسائل، مرجع سابق ،ص188
(25)المرجع السابق،ص232
(26)المرجع السابق،ص199
(27)د.عبد الإله بلقزيز،الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر ،مرجع سابق،ص137
(28)الإمام حسن البنا،مجموعة الرسائل،مرجع سابق،ص238
(29)إبراهيم البيومي غانم،الفكر السياسي للإمام حسن البنا،مرجع سابق،ص314
(30)الإمام حسن البنا،مجموعة الرسائل،مصدر سابق،ص229
(31)المرجع السابق،ص229
(32)د.رضوان السيد ،سياسيات الإسلام المعاصر،مرجع سابق،ص192
(33)د.عبدالإله بلقزيز،الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر،مرجع سابق،ص191،192
(34)د.مصطفى السباعي،الدين والدولة(الرياض:دار الوراق،1998)ط1،79
(35)د.عبدالإله بلقزيز،الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر،مرجع سابق،ص273
(36)المركز الإسلامي للدراسات والبحوث، المرأة المسلمة في المجتمع المسلم-الشورى وتعدد الأحزاب(القاهرة:دار التوزيع والنشر الإسلامية،2005)ط2،ص37،38
(37)علاء النادي،الإخوان المسلمون هل يعترفون حقاً بالتعددية السياسية، الديمقراطية،العدد الخامس-يناير 2002،ص241
(38)مبادرة الإخوان المسلمين حول مبادئ الإصلاح في مصر(القاهرة:دارالمنارة،2004)ط1،ص7، 12
(39)إيلياء حريق،الديمقراطية وتحديات الحداثة بين الشرق والغرب(بيروت:دار الساقي،2001)ط1،ص344
(40)علاء النادي ،الإخوان المسلمون هل يعترفون حقاً بالتعددية السياسية،مرجع سابق،239
(41)ألان تورين،ما هي الديمقراطية،ترجمة حسن قبيسي(بيروت:دار الساقي،2001)ط2،ص95
(42)مبادرة الإخوان المسلمين حول مبادئ الإصلاح في مصر،مرجع سابق،ص36
(43)د.محمود غزلان،حقوق الإنسان في الإسلام(القاهرة:دار التوزيع والنشر الإسلامية،2002)ط1،ص122
(44)د.محمد سليم العوا/د.برهان غليون- د. محمد سليم العوا، في النظام السياسي الإسلامي،مرجع سابق،ص274
(45)المستشار طارق البشري،بين الجامعة الدينية والجامعة الوطنية في الفكر السياسي(القاهرة:دار الشروق،1998)ط1،ص37،38




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,756,961,409
- الاسلاميون وحتمية المراجعة


المزيد.....




- لحظة انفجار صاروخ -سبيس إكس- الثالث أثناء اختباره
- وضعية نوم وحيدة يجب تجنبها للتخلص من ألم الظهر والرقبة
- عباس يتلقى اتصالا هاتفيا من الأمين العام لـ-الجهاد الإسلامي- ...
- قوات حكومة الوفاق الليبية تطالب بملاحقة الدول الداعمة لحفتر ...
- وباء كورونا: أكثر من مليون و140 ألف مصاب ووفاة أكثر من 61 أل ...
- مباشر
- مباشر
- مباشر
- الحرة الليلة
- وباء كورونا: أكثر من مليون و140 ألف مصاب ووفاة أكثر من 61 أل ...


المزيد.....

- محافظة اللاذقية تغيرات سكانية ومجالية خلال الزمة / منذر خدام
- داعشلوجيا / عبد الواحد حركات أبو بكر
- ديوان دار سعدى / قحطان محمد صالح الهيتي
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2019 - الجزء الثامن / غازي الصوراني
- فلسطين، خطة ترامب والاستعمار الصهيوني / زهير الصباغ
- تِلْكَ الدَّوْلَةُ المُسْتَقِيمَةُ: كِيَاسَةُ الإِفْشَاءِ أَ ... / غياث المرزوق
- دفاعا عن حزب العمال الشيوعى المصرى والمفكر الماركسي إبراهيم ... / سعيد العليمى
- القدرة التنافسية للدول العربية مع اشارة خاصة الى العراق دراس ... / د. عدنان فرحان الجوراني
- مستقبل الدولار وما يحدث حاليا / محمود يوسف بكير
- الصهيونية في دولة عربية . يهود العراق في أربعينات القرن العش ... / هشام الملاك


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء النادي - الإخوان المسلمون و-الدولة-..الرؤى والإشكاليات-دراسة