أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف حول قيام الدولة الفلسطينية و القضية الكردية وحقوق الأقليات وحقها في تقرير المصير في العالم العربي - علي أوعسري - إشكالية تقرير المصير وبناء الدولة المدنية في ظل الحراك الجماهيري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط ومنطقة شمال إفريقيا















المزيد.....


إشكالية تقرير المصير وبناء الدولة المدنية في ظل الحراك الجماهيري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط ومنطقة شمال إفريقيا


علي أوعسري
الحوار المتمدن-العدد: 3518 - 2011 / 10 / 16 - 17:48
المحور: ملف حول قيام الدولة الفلسطينية و القضية الكردية وحقوق الأقليات وحقها في تقرير المصير في العالم العربي
    


تقديم
في البداية لا بد من الإقرار بان هناك دائما تفاوت زمني-جدلي بين الواقع، في لحظته التاريخية، باعتباره واقعا موضوعيا تتحكم في صيرورته عوامل فوق ذاتية وشروط تاريخية محددة، وبين الفكر، باعتباره وعيا متفاوتا زمنيا بمتطلبات وتداعيات تلك اللحظة التاريخية المميزة للواقع في تطوره، أو قل في تمرحله. أي أن الفكر باعتباره نتاج ذلك الوعي المتأخر بالواقع في لحظته التاريخية ليس سوى المجال الخاص للذاتي أو قل لمدى تمثل الذاتي للواقع الموضوعي. من هنا يظل الواقع التاريخي حقيقة موضوعية، لكن الفكر/الوعي باعتباره ذاتيا ليس سوى مسألة نسبية، ذلك أن كل حقيقة موضوعية تستبطن الكثير من التفسيرات المتضاربة والناتجة عن اختلاف الوعي أو قل عن اختلاف تمثل كل مفكر لهذه الحقيقة الموضوعية التاريخية.
من خلال هذا التقديم نود تحقيق هدف مركزي هو أن تمثلنا لهذه الأسئلة هو تمثل له ما يبرره ولكن ليس هو الحقيقة كلها. فمثلا يمكن أن نكون مع هذا الموقف ضد موقف أخر من حيث كيفية تمثلنا للواقع، لكن قد نكتشف في الأخير أن الواقع في تطوره نحى أو آل الى عكس ما كنا نعتقده. ليس امام كل مفكر يحاول جادا أن يبتعد عن الايديولوجيا، وهو يفكر الواقع، سوى إعادة النظر باستمرار فيما يفكره، وهذا في اعتقادي أقرب طريقة لربط الواقع والفكر جدليا، وليس إيديولوجيا.

1 – أيهما أهم برأيك، بناء دولة مدنية على أساس المواطنة بدون تمييز قومي أو ديني واحترام حقوق جميع القوميات والأديان، أم بناء دول على أساس قومي واثني، بغض النظر عن مضمون الحكم فيها؟

ج: بالنسبة لهذا السؤال، يمكن أن نقول أن إمكانية بناء دولة مدنية على أساس المواطنة بدون تمييز قومي أو ديني واحترام حقوق جميع القوميات والأديان، هو ما نتمثله بوعينا التاريخي التقدمي، أي أننا في حراكنا ونضالنا وكتاباتنا ندافع عن هذه المسألة بالذات؛ أما بناء دول على أساس قومي واثني، بغض النظر عن مضمون الحكم فيها، فهو ما نرفضه ونناضل ضده.
إن الدولة المدنية التي ينبغي النضال من أجل بناءها هي دولة ينبغي لها أن تحترم حقوق المواطنين الأساسية بغض النظر عن العرق واللون والجنس والدين واللغة. إذن هذا ما يمكن أن ندلو به على مستوى قناعاتنا الفكرية التي كما قلنا ليست في أخر المطاف سوى تمثلنا الذاتي أو قل وعينا لما ينبغي أن يكون عليه الواقع في هذه اللحظة التاريخية.
لكن لنرى في الواقع والتاريخ نظرة موضوعية وعلمية... الى أي حد أمكن في مختلف التجارب التاريخية بناء دول مدنية بكل ما تحمله كلمة المدنية من معنى. لا ندعي الاطلاع على كل التجارب الإنسانية عبر التاريخ. لكن اعتمادا على تحليلات ابن خلدون (العصبية)، ومن بعد ه ماركس نفسه في بعض تحليلاته الأقل شهرة (أنظر الايديولوجيا الألمانية) والتي فيها يؤكد على وجوب العثور في الأصل التاريخي للمجتمعات البشرية على بنى اجتماعية غير محددة بالإنتاج، بل تحدده هي، وتأخذ من جهة أخرى تحديدها الأصلي من عملية إقامة مؤسسات للعلاقة الجنسية لإعادة الإنتاج وبالتالي من روابط الدم والقرابة. من هنا فان الواقع فيه دول تتدعي المدنية لكن هي في العمق قائمة على نوع من الولاءات التي ترجع في العمق الى روابط الدم والقرابة أي الى نوع من القومية.
فما العمل إذن?.. ينبغي التأكيد على أنه ليس تحديد الموقف من يحدد الواقع، أي أن الواقع لا يستجيب في تطوره لرغباتنا ولوعينا... إن بعض الإيديولوجيين لا يهمهم سوى تكرار ما تحصلوه في مراحل صباهم.... فبالنسبة اليهم المهم هو التأكيد على المواقف الإيديولوجية لأنهم يتوهمون أن مثل هذه المواقف هي من تشكل الواقع طالما تم تبنيها والدفاع عنها ولو أدى ذلك الدفاع الأعمى أحيانا الى ممارسة نوع من السب والشتم في حق كل من يخالفونهم التفكير.
إذن حتى لا نطيل كثيرا نحن مع النضال في أفق بناء نوع من الدولة المدنية "النسبية" التي من شأنها تقويض تلك العلاقات العصبية القومية التي تستند إليها معظم الدول القائمة بما فيها الدول الديمقراطية الحديثة. ليست هناك إذن دولة مدنية مطلقة فمثلا كل تاريخ فرنسا لن تجد فيه رئيسا أسودا وحينما نقول فرنسا نقول نموذج الدولة المدنية بل اللائكية، هناك حالة استثنائية حصلت في أمريكا وهي حالة أوباما، لكن اليمين البرتستاني المحافظ "المحافظين الجدد" يعمل كل ما أوتي من قوة لعدم عودة أوباما الى الرئاسة.... أليست هذه عرقية من صميم المدنية?..

2- كيف ترى سبل حل القضية الفلسطينية وتحقيق سلام عادل يضمن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وفقا للمواثيق الدولية ومقررات الأمم المتحدة؟

ج: نعتقد أن هذا السؤال ما كان ليطرح بهذا الشكل، ذلك أن الشكل الذي من خلاله يطرح هذا السؤال يستبطن أمورا كثيرة لا تساعدنا على إعطاء عناصر إجابتنا بشكل واضح.... بكل بساطة ليست المواثيق الدولية ومقررات الأمم المتحدة سوى مقررات ومواثيق لتكريس الوضع الدولي القائم على الأقل منذ الحرب العالمية الثانية. فهي بهذا مواثيق تكرس هيمنة الدول الرأسمالية الامبريالية وخاصة أمريكا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكر أروبا الشرقية. لكن من الناحية التاريخية كل دول العالم الذي كان يسمى العالم الثالث لم تكتسب العضوية في هيأة الأمم المتحدة إلا بعد انتزاعها عن طريق الكفاح المسلح لنوع من الاستقلالات (الشكلية) في إطار حركات التحرر الوطني... مما يعني أن هيأة الأمم المتحدة لم ولا تمنح الاستقلال والعضوية في يوم من الأيام لأية دولة، وهذا هو ما يدلنا عليه التاريخ وبالضبط تاريخ حركات التحرر الوطني؛ لذا لا نعتقد أن الأمم المتحدة هي من سيمنح الشعب الفلسطيني الحق في إقامة دولته واسترجاع كامل حقوقه الأساسية.
القضية الفلسطينية خسرت رهانها التاريخي منذ مفاوضات مدريد 1992 لما رضيت في ظل ظروف إقليمية ودولية التفاوض مع إسرائيل في غياب الكفاح المسلح الذي لو تم استحضاره في كل سنوات التفاوض الطويلة لربما تحقق للقضية الفلسطينية الكثير مما لم تحققه اليوم. كذلك القضية الفلسطينية خسرت ما تبقى من رهاناتها الاستراتيجية لما تم تقسيم ما تبقى من أراضي 1967 حيث السلطة في الضفة الغربية وحماس في غزة. لا يمكن تحقيق مكاسب للشعب الفلسطيني وهو منقسم على نفسه وفي وحدة ترابه الوطني... هذا اظافة الى الوضع الدولي المهتز والمتذبذب والمتسم بعدم القدرة على اتخاذ القرار من طرف أمريكا خاصة. وبالتالي فان الرهان على الأمم المتحدة ليس سوى تكتيكا من السلطة للتمظهر بمظهر المدافع عن القضية الفلسطينية في وقت بدأت الشعوب تأخذ مصيرها بيدها. وهو ما تخشاه القيادة الفلسطينية بالضبط.
ينبغي للشعب الفلسطيني أن يكون هو صاحب المبادرة في هذه المرحلة التاريخية وعليه ألا يضيع هذه الفرصة من الحراك العالمي. أولى الأوليات هي أن يضغط في اتجاه محو ذلك التقسيم القصري بين السلطة وحماس لما تبقى من أراضي 1967... بدون ذلك لن يتحقق له أي شيء. بعد ذلك عليه أن يخوض نضالا جماهيريا مستميتا للحصول على حقوقه وذلك بعد أن يتمكن من فرز قيادة جديدة مؤهلة لمثل هذه التحديات؛ أما في ظل السلطة وحماس فلا نعتقد أن شيئا ما سيتحقق

3 - كيف تقيّم الموقف الأمريكي والدول الغربية المناهض لإعلان دولة فلسطينية مستقلة بعد خطوة الزعيم الفلسطيني وتوجهه إلى الأمم المتحدة لتحقيق ذلك؟

ج: كان الموقف الأمريكي والاروبي متوقعا وبديهيا ولا يحتاج الى كثير تحليل لاستشرافه... إن أمريكا هي من استلمت من بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية مسؤولية حماية إسرائيل في المنطقة في إطار استراتيجية عامة من الحفاظ على المصالح الرأسمالية في الشرق الأوسط. هذا هو الخط الاستراتيجي الذي يتحكم في السياسات الأمريكية من القضية الفلسطينية وهي السياسات التي توجه الأمم المتحدة أيضا.... الرهان على الموقف الأمريكي والاروبي هو وهم برجوازي تضليلي به تحاول البرجوازية الفلسطينية (ممثلة في السلطة) إقناع الشعب الفلسطيني بمدى "نضالها الوطني". أما الغاية في ذلك فهو استمرارية هذه البرجوازية في موقع السيطرة على حركة التحرر الفلسطيني وفي ذلك ديمومة لتحقيق مصالحها الطبقية على حساب مصالح الشعب الفلسطيني الكادح.
في هذا السياق وبشكل واقعي لا غبار عنه يمكن أن أقول إن كان من قدر الشعب الفلسطيني أن يبقى تحت وطأة السلطة الفلسطينية، باعتبارها تجسد سيطرة البرجوازية الفلسطينية المدعومة من طرف البرجوازية العربية الرجعية المتواطئة مع الرأسمالية الصهيونية، وتحت وطأة إمارة حماس المدعومة من طرف قوى اخوانية وخليجية أكثر رجعية، أقول إن كان من قدر هذا الشعب المناضل أن يظل في هذه الحالة التاريخية المأزومة فاني أفضل العودة الى ما كانت تتبناه منظمة التحرير الفلسطينية قبل مفاوضات مدريد وهي إقامة دولة واحدة مدنية ديمقراطية يعيش فيها الفلسطيني والإسرائيلي. وهذا في نظري قابل للتحقق على اعتبار أن فلسطينيي 1948 الذين هم "مواطنون إسرائيليون" يتمتعون في إسرائيل بحقوق ربما ليست لغيرهم في الضفة الغربية وقطاع غزة.

4- ما هي برأيك الأسباب الرئيسية للموقف السلبي من قبل الدول الكبرى تجاه إقامة دولة كردية مستقلة، تجمع أطرافها الأربع في دول الشرق الأوسط، وهو مطلب شعبي كردي وحق من حقوقهِ، ولماذا يتم تشبيه الحالة الكردية على أنها إسرائيل ثانية من قبل بعض الأوساط الفكرية والقومية في العالم العربي؟

ج: كما أكدنا في البداية هناك فرق بين الواقع وما نتمثله عن هذا الواقع. في هذه الحالة لا يكفي للشعب الكردي أن يكون له مثل هذا المطلب "الطهراني" حتى يتحقق بشكل ألي على أرض الواقع.... بغض النظر عن الموقف الداعم (أو الرافض) لهذا الحق الكردي في إقامة دولته، فان المهم هو النظر بكل واقعية الى تلك التوازنات الإقليمية والدولية التي لن تترك لهذا الحق الكردي أن يتحقق على أرض الواقع. هناك دول وكيانات قائمة في الشرق الأوسط، على الأقل منذ سايس بيكو، وليس من السهل تغيير تلك الخارطة الجغرافية لهذه الدول بين عشية وضحاها. أما إذا رجعنا الى موقفنا والذي استفضنا في شرحه في السؤال الأول فنحن حتى نكون متسقين مع موقفنا وما نؤمن به فلن نكون سوى ضد قيام هذه الدولة الكردية لأنها بكل بساطة ستكون دولة على أساس عرقي هوياتي، أي أنها ستكون قائمة على أسس ايديولوجية، لا مدنية، وكذلك محملة بهوية قومية كردية قد تؤول بسبب من طبيعتها هذه الى قمع كل أقلية غير كردية في هذه الدولة المحتملة... في هذه الحالة لن تكون هذه الدولة سوى نسخة طبق الأصل لتلك الدول العربية التي تقوم هي أيضا على قوميات من قبيل العروبة مثل العراق وسوريا والفارسية الشعوبية في إيران والعرقية التركية في تركيا
من هذا المنطلق ينبغي للأكراد أن يناضلوا ديمقراطيا في سبيل تحقيق كل الحقوق الأساسية في إطار نوع من الدولة المدنية، وهذا النضال بطبيعة الحال لا يمكن أن يؤتي أكله إلا بنقد تاريخي للقومية العروبية والفارسية والتركية التي عليها تقوم تلك دول الشرق الأوسط في أفق نزع هذا الطابع الهوياتي عن تلك الدول، مما يمكن الشعب الكردي، كل في دولته المدنية، من استرجاع حقوقه الأساسية التي لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار دولة مدنية منزوعة عنها كل مظاهر القومية من عروبية وفارسية وتركية وأيضا كردية.
فيما يخص تشبيه الحالة الكردية بإسرائيل من طرف أوساط قومية فهذا أضحى أمرا طبيعيا في خطابات القوميين العرب، فكل من خالفهم في إيديولوجيتهم فهو عميل للغرب وإسرائيل الى أن تثبت براءته، وهذا ما نعاني منه نحن أيضا في شمال إفريقيا والمغرب بشكل خاص. وهذا الخطاب القومي العروبي يخفي في حقيقته عجزا لدى النخبة العروبية في تناول الواقع تناولا موضوعيا. فهم لم يتمكنوا من قراءة التحولات الكبرى التي تلاحقهم إنما حلوا وارتحلوا وهم بالضبط من ساهم في الأزمة الهوياتية الحالية في الكثير من الدول... ذلك انه لو أتيح هامش التعبير للأكراد في العراق مثلا وأعطيت لهم حقوقهم من دون تمييزهم عن العرب لما كانوا يطالبون اليوم بإنشاء كيانهم الخاص بهم. إنهم بالضبط بتعاون مع الاسلامويين من أوصل السودان الى هذا الوضع المؤلم، فحتى تقسيم السودان لم يعد حلا لأن هناك تحديات كبرى ناجمة عن التقسيم ربما ستدخل كامل السودان في حروب أهلية ما كانت لتحصل لولا هذه الإيديولوجية القومية العنصرية التي سعت الى إذابة وتطويع كل المكونات الأخرى للشعب لسوداني في مشروع عنصري ثبت أنه غير ذي جدوى في إيجاد الحلول الواقعية للمشاكل المطروحة.

5- هل يمكن للتغيّرات الراهنة في المنطقة - الانتفاضات والمظاهرات الأخيرة – من أن تؤدي إلى خلق آفاق جديدة أرحب للقوميّات السائدة کي تستوعب الحقوق القومية للأقليات غير العربية مثل الأكراد، إلي حدّ الانفصال وإنشاء دولهم المستقلة؟

ج: في البداية التغيرات الراهنة في المنطقة ليست كلها تجري بنفس الشروط والخصوصيات، بحيث أن لكل دولة وضعها الخاص والمميز؛ لذا لا نرى المقام يسمح بتحليل ما يجري في كل دولة على حدة. لكن ما يمكن التأكيد عليه هو أن هذا الذي يجري في المنطقة - باستثناء تونس بدرجة أولى ومصر بدرجة ثانية حيث الدولة بمؤسساتها يمكن القول انها لا زالت قائمة في هذين البلدين- سيأتي على مقومات الدول وسيرجع شعوب المنطقة الى نوع من الفراغ المؤسساتي والى تدمير البنى التحتية، مما يعني الفوضى والحرب الأهلية (العراق من قبل واليوم ليبيا حيث المفعول التدميري للتدخل الامبريالي يبقى واضحا). في مثل هذه الحالات التي لا توجد فيها دولة (هنا نتذكر مقولة هيغل بخصوص وضع ألمانيا إبان الثورة الفرنسية حيث قال قولته المشهورة "ألمانيا لم تعد دولة"، وكان هيغل يتأسف لكون الألمان في ذلك الوقت لم يستوعبوا مقولة هيغل وكانوا يعتقدون أن لهم دولة. ولعلي هذا ما هو حاصل اليوم في العديد من الدول التي تعرف هذا الحراك) في مثل هذه الحالات التي لا توجد فيها دولة لم تعد هناك قوميات مسيطرة وسائدة وقوميات مضطهدة. ففي غياب الدولة هناك قانون واحد هو الفوضى وامتلاك السلاح للدفاع عن النفس وهذا يتم في إطار حاضنات إما قبلية أو عشائرية أو عائلية. إذن في ظل الوضع الراهن الذي فيه لم تعد مثلا العراق، ليبيا وربما اليمن وسوريا دولا ستخسر كل القوميات دفعة واحدة ولن تربح سوى الامبريالية التي هدفها المركزي نهب ثروات هذه الشعوب. استثنينا تونس ومصر لأنهما كدول حافظا على قدر معين من التمايز بين النظام والدولة من حيث أن الحراك الجماهيري فيهما أدى الى سقوط رأس النظام لا الدولة التي ظلت قائمة في بعض مؤسساتها التي كانت دائما متمايزة عن النظام. أما في العراق وليبيا فقد سقطت الدولة بسقوط النظام لان النظام فيهما كان هو هو الدولة، فطبيعي أن يؤدي سقوط النظام الى سقوط الدولة مع ما يستتبع ذلك من فوضى وفراغ.
في ظل هذا الفراغ وهذه الفوضى السؤال الأساس هو من يستوعب من? لا أحد يمكن أن يستوعب أحدا أخر... القبيلة والعشيرة والعائلة باعتبارها بنى اجتماعية ما قبل رأسمالية تنفلت في ظل هذه الفوضى العارمة من عقالها ويعود المجتمع بكاملة القهقرى. هذه هي المأساة التاريخية التي يتجنب الكثير من الإيديولوجيين الحديث عنها. في هكذا وضع حتى الانفصال له تكلفة غالية وهي الحرب الأهلية.
نحن مع تقرير مصير الشعوب في إطار ما تبقى من الدول القائمة، على اعتبار أن دولا كما قلنا لم تعد قائمة بالمعنى الهيغلي العميق، إما بمنحها حكما ذاتيا متفاوضا عليه (لأن غياب التفاوض يعني الحرب الأهلية) في إطار السيادة الوطنية وهذا يتطلب كشرط تعميق الديمقراطية حتى لا تبقى قوميات ذات إيديولوجيات عنصرية مسيطرة في الدولة، وإما بتحقيق تلك الدولة المدنية التي تتجاوز العرق والمعتقد واللغة والثقافة الى حيث تحفظ لكل مكونات الشعب هذه الحقوق المتعارف عليها كونيا.

6- هل تعتقدون بأنّ المرحلة القادمة، بعد الربيع العربي، ستصبح مرحلة التفاهم والتطبيع وحلّ النزاعات بين الشعوب السائدة والمضطهدة، أم سندخل مرحلة جديدة من الخلافات وإشعال فتيل النعرات القومية والتناحر الإثني؟

ج: لقد أكدنا آنفا في الجواب عن السؤال السابق على أن لكل دولة شروطها المميزة الخاصة بها وهي من تحدد صيرورة هذا الحراك. في تونس ومصر بدرجة أقل – في مصر هناك تنامي نفوذ قوى الإسلام السياسي وهو ما يشكل تهديدا حقيقيا- يمكن القول أن شروط بناء مرحلة من التفاهم والتطبيع ربما متواجدة. غير أن تجربة العراق أكدت أن ذلك التطبيع ليس أمرا محققا، كذلك يبدو الوضع في ليبيا حيث القتال لا يزال يجري وهو ما ينبئ بحرب أهلية بعيدة المدى. في اليمن وسوريا نلاحظ أن المؤسسة العسكرية التي كانت خاضعة للنظامين قبل هذه الأحداث أصبحت تعرف انقساما وانشقاقات مما يعني إضعافا لمؤسسة رئيسة وضرورية لاستمرار الدولة. في تونس ومصر لم يحدث انشقاق في المؤسسة العسكرية التي فضلت تكتيكيا الاصطفاف الى جانب الشعب. في ليبيا حدث انشقاق في الجيش الذي لم يكن مؤسسة عسكرية فتحولت ليبيا الى حرب أهلية.
نذر تلك الحرب الأهلية بدأت تلوح في الأفق في اليمن وسوريا منذ أن دب الانشقاق في المؤسسة العسكرية. برهان غليون يعي جيدا أهمية أن تحافظ المؤسسة العسكرية على وحدتها لأنها ستكون العمود الفقري الذي ستقوم عليه الدولة لاحقا. إن لم تقم الدولة لاحقا، أو على الأقل إن لم تحافظ على أسسها لما بعد هذه الأحداث فإننا نعتقد جازمين أن الكل (قوميات مسيطرة وقوميات مضطهدة) سيخسر والشعب بدون دولة هو لا محالة في حرب أهلية. انها المأساة التاريخية مرة أخرى..
كم هو عظيم هيغل الذي اعتبر الدولة هي غاية كل الغايات من كل هذا النشاط الاجتماعي والمدني والسياسي للبشرية عبر تاريخها.

7 - ما موقفك من إجراء عملية استفتاء بإشراف الأمم المتّحدة حول تقرير المصير للأقليات القومية في العالم العربي مثل الصحراء الغربية وجنوب السودان ويشمل أقليات أخرى في المستقبل، مع العلم أنّ حق تقرير المصير لکلّ شعب حقّ ديمقراطي وإنساني وشرعي ويضمنه بند من بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ عام ١٩٤٨؟
ج: هناك أمران أساسيان لا بد من التعقيب عليهما قبل الإدلاء بدلونا في ما تفضلتم به من سؤال... الأمر الأول متعلق بكون حق تقرير المصير لکلّ شعب حقّ ديمقراطي وإنساني وشرعي ويضمنه بند من بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ عام ١٩٤٨، هذا جيد لكن هل تقبل به الدول المتقدمة والديمقراطية أم أن هذه الدول هي ضد تقرير مصير بعض مكونات شعوبها (موقف اسبانيا من الحركة الانفصالية الباسكية، الصين لها أيضا نفس المشاكل الانفصالية، ألمانيا القوية ألم يوحدها بسمارك بالحديد والنار....)?... إن الدول الديمقراطية حاولت الإجابة عن هذه الإشكالية الانفصالية بالمزيد من الديمقراطية سواء في إطار جهوية موسعة أو حكم ذاتي.... والأكيد انها ضد الانفصال وتشكيل كيان جديد ضعيف هو بنفس القدر الذي يضعف معه الدولة الأم. الأمر الثاني متعلق بهذه المقولة "العالم العربي" التي هي مقولة ايديولوجية وليست تعبر عن الواقع في شيء.
عودة الى السؤال بالنسبة للسودان وقد أجري فيه استفتاء وأصبح التقسيم واقعا ليس أمامنا إلا نحترم إرادة الشعب في جنوب السودان. لكن هناك اثنيات وعرقيات أخرى في السودان إذا افترضنا إن كل إثنية تريد الاستقلال بدويلتها هذا سيكون عبثا وفهما خاطئا للحق في تقرير المصير ولن يكون سوى تجسيدا لما بعد الحداثة التفكيكية.
في المغرب – وهذا يهمني باعتباري مغربيا- عملية الاستفتاء التي كانت تشرف عليها الأمم المتحدة خلال تسعينيات القرن الماضي لم تتحقق نظرا لتعقيدات كثيرة لا يسمح المجال بتحليلها هنا. لكن من الناحية المبدئية إذا افترضنا جدلا أننا مع الاستفتاء في الصحراء المغربية، فليس أمامنا حتى نون متسقين مع أنفسنا إلا أن نكون مع استفتاء تقرير مصير أي مكون من مكونات الشعب المغربي، وهذا سيقودنا الى القبول بتمزيق الوحدة الوطنية والترابية للمغرب. إذن بكل صراحة نحن ضد أي استفتاء يفضي الى انفصال أي جزء من المغرب.
هذا من الناحية المبدئية. لكن من الناحية التاريخية يمكن القول أن من أسس جبهة البوليساريو هم مغاربة لم يجدوا في حينه دعما من المركز أي الرباط، سواء من أحزاب الحركة الوطنية أو القصر حيث كان القصر في صراع مع أحزاب الحركة الوطنية من أجل حسم معركة السلطة السياسية. كان هذا الصراع يجري بعيدا عن استراتيجية لاستكمال تحرير المغرب وخاصة الصحراء المغربية من الاستعمار الاسباني. في ظل هكذا وضع لجأ بعض المغاربة الصحراويين الى دعم بعض القوى الإقليمية (الجزائر وليبيا) ليس لاستكمال التحرير وفقط بل لاستكمال التحرير والانفصال. وهذا هو المنزلق الاستراتيجي بحيث عملت القوى الإقليمية على تشكيل جبهة البوليساريو ليس فقط من المغاربة بل من الموريتانيين والجزائريين وماليين ومرتزقة من جنسيات مختلفة.
إن القصر وأحزاب الحركة الوطنية يتحملان المسؤولية في ما آل إليه الوضع في الصحراء بعدم دعمهم لجيش التحرير الذي كان ينتمي إليه مؤسسو البوليساريو من المغاربة الصحراويين. ينبغي لحكماء البوليساريو من المغاربة، على اعتبار أن البوليساريو بها جنسيات أخرى، أن يحكموا العقل في انتمائهم للوطن والتمييز بين الانتماء للوطن باعتباره أمرا مقدسا وبين معارضة النظام. معارضة النظام أمر مقبول وهو ما ينبغي النضال من أجله ديمقراطيا، إما الانتماء الى الوطن فهو مسألة لا تحتمل الازدواجية إما مع الوطن أو ضده. للأسف فالسلطة العسكرية الجزائرية التي لا تعرف معنى الديمقراطية وتحقيق المصير تدعى زورا وبهتانا دعم نضال الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
في المغرب هناك مشروع حكم ذاتي ونحن معه في إطار السيادة الوطنية وهذا معمول به حتى في الدول المتقدمة. الأمر المهم أن جبهة البوليساريو التي تضم جنسيات أخرى ليست مغربية لا يمكن لها أن تكون الممثل الوحيد للشعب الصحراوي، وهو ما لا يمكنها من النهوض بأعباء تقرير المصير.

8- ما هي المعوقات التي تواجه قيام دولة كردية، وكيانات قومية خاصة بالأقليات الأخرى كالأمازيغ وأهالي الصحراء الغربية؟

ج: ربما قدمنا أجوبة على هذا السؤال قبل أن نقرأه... قلنا بالنسبة لنا كمغاربة لا يمكن القبول بإنشاء دويلة في الصحراء المغربية وهذا الأمر هو مسألة حياة أو موت بالنسبة للمغاربة، وأي نظام يمكنه القبول بهذا الأمر تحت ضغوطات اكراهات فهو سيفقد مشروعيته لا محالة. أما مسألة الأمازيغ – وأنا أمازيغي- فأظن أن المسألة الأمازيغية التي ناقشناها في الكثير من المناسبات وتعرضنا بسببها للكثير من الهجوم من طرف بعض الوجوه العدمية من اليسار العروبي العنصري، أظن أن المسألة الامازيغية لا يمكن لها إلا أن تكون مسألة وطنية بالدرجة الأولى. بكل وضوح نحن ضد من يطرح المسألة الأمازيغية في المغرب خارج الإطار الوطني، بمعنى أخر نحن ضد من يحاول طرح المسألة الأمازيغية في إطار إحياء تموزغا لأن ذلك لن يكون سوى استبدالا ل"العالم العربي" الذي ننتقده ب "عالم أمازيغي"، أي لن يكون ذلك سوى محاولة اللعب على نفس الإيديولوجية القومية المحنطة.
من هذا المنطلق كنا شديدي النقد للقومية العروبية حتى أن الكثير من العدميين اليسراويين كانوا يعتبروننا عنصريين منتصرين للعرق. هذا شأنهم في جاهليتهم. أما نحن واضحون كل الوضوح. فبالقدر الذي نناضل ضد سيطرة فئات عروبية (الفاسية بالدرجة الأولى) على مقاليد الحكم والاقتصاد والثقافة بالمغرب بالقدر الذي لا نريد أن نستبدل تلك السيطرة العروبية بسيطرة أمازيغية. المغرب لكل المغاربة لا فرق بينهم إلا بالجد والاجتهاد والكفاءة، وهذا لن يتحقق إلا بالمزيد من النضال لبناء دولة مدنية وديمقراطية.
في الأخير هناك إشكالات عميقة لن تسمح بتكوين دويلات مستقلة لكل مكون أراد ذلك، هذه الإشكالات هي ذات طبيعة وطنية وتاريخية وهي مرتبطة أشد الارتباط بموازين القوى دوليا وإقليميا.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- قراءة متأنية في تطورات الوضع الليبي وتداعياته الاستراتيجية
- تأملات في المسألة الدستورية في ظل المتغيرات الإقليمية والوطن ...
- في نقد البيان الديمقراطي
- أية آفاق بعد إقصاء دكاترة التعليم المدرسي من نتائج الحوار ال ...
- في اعتصام الدكاترة العاملين بقطاع التعليم المدرسي: يوم مأساو ...
- في مخاطر الأزمة الليبية على منطقة شمال إفريقيا
- في إضراب دكاترة قطاع التعليم المدرسي تتكثف أزمة السياسة التع ...
- ملف دكاترة التعليم المدرسي بعد أسبوعين من الإضراب المفتوح
- استثناء الدكاترة من تسوية ملفات الفئات التعليمية وضرورة محاس ...
- في نقد إسقاط ما يجري في تونس ومصر من أحداث على الواقع المغرب ...
- في جديد و تعقد ما يجرى في تونس من أحداث
- في السؤال الثقافي: بخصوص تنامي وتيرة الدعوات والبيانات الثقا ...
- قراءة مركبة في أحداث العيون: رهانات وتحديات ما بعد مخيم أكدي ...
- بين تقرير اللجنة الأممية حول التمييز العنصري ومزاعم اختراق إ ...
- سؤال السياسة اليوم
- في المسألة اللغوية: أو الايدولوجيا في المسألة اللغوية
- توضيحات أخرى بخصوص ملف دكاترة قطاع التعليم المدرسي
- مخاطر الشعبوية وهي في قلب البرلمان: استقالة الرميد نموذجا
- توضيحات بخصوص تطورات ومآل ملف دكاترة قطاع التعليم المدرسي
- -فعاليات- الشعب المغربي في خيمة القذافي


المزيد.....




- إقليم كردستان العراق يبحث عن دعم
- هل كارليس بوتشديمون محرض أم رجل سلام؟
- جولة مصورة في شوارع الرقة
- خبير: دولة مخاتير للفلسطينيين والقدس انتهى أمرها
- اختبار صاروخ جديد من منظومة -إسكندر- الروسية
- نوم الرجال يؤثر على قدرتهم الإنجابية!
- علماء سيبيريا ينتجون الوقود من الهواء والماء
- السلطة وحماس ترفضان شروط إسرائيل بخصوص المصالحة
- فوربس: انخفاض ثروة الرئيس الأميركي
- بوادر اتفاق بشأن -حل قصير المدى- لأزمة قانون الرعاية الصحية ...


المزيد.....

- حق تقرير المصير للإثنيات القومية، وللمجتمعات حق المساواة في ... / نايف حواتمة
- نشوء الوعي القومي وتطوره عند الكورد / زهدي الداوودي
- الدولة المدنية والقوميات بين الواقع والطموح / خالد أبو شرخ
- الدولة الوطنية من حلم إلى كابوس / سعيد مضيه
- الربيع العربي وقضايا الأقليات القومية / عبد المجيد حمدان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف حول قيام الدولة الفلسطينية و القضية الكردية وحقوق الأقليات وحقها في تقرير المصير في العالم العربي - علي أوعسري - إشكالية تقرير المصير وبناء الدولة المدنية في ظل الحراك الجماهيري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط ومنطقة شمال إفريقيا