أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - لحسن ايت الفقيه - حقوق الإنسان والتقطيع الإداري الجهوي بالمغرب: خريطة الأضرار الماضية بجهة مكناس تافيلالت نموذجا















المزيد.....



حقوق الإنسان والتقطيع الإداري الجهوي بالمغرب: خريطة الأضرار الماضية بجهة مكناس تافيلالت نموذجا


لحسن ايت الفقيه
الحوار المتمدن-العدد: 3515 - 2011 / 10 / 13 - 20:53
المحور: حقوق الانسان
    


حمل التقطيع الإداري الجهوي المضمن على سبيل الاقتراح في التقرير الظاهر على الأنترنيت ليلة 10 مارس 2011، نبأ قرب أجل اندثار واحدة من الجهات المغربية العتيقة، جهة مكناس تافيلالت، الممتدة من تلال مقدمة جبال الريف إلى الحدود غير المسطرة بين المغرب والجزائر. وإنه من المؤسف والمبكي، إن كان البكاء يجدي، أن الجهة لم تستعد بعد، ولم تعدد العدة لهذا الموت القريب المنتظر قبل ظهور التقرير المذكور، إذا استثنينا صوت واحد، أظن أنه صوت انتخابي فقط، دعا إلى بقاء الجهة وتمنى لها الثبات والاستقرار، وأسمع – ذلك الصوت- مذاعا عبر الإذاعة، لكنه محدود الانتشار، وكأن الجهة جسم مريض ولا خلاص له سوى الموت المرتقب والاندثار.
صحيح أن تركة الجسم المريض ستوزع، بلا شك، على ثلاث جهات، قد تفعم بالحياة، جهة فاس مكناس، وجهة خنيفرة بني ملال، وجهة تافيلالت درعة، وأن في توزيع (تركة الجسم المريض)، انبعاث الجهة بصيغة أخرى، لذكر مواضع منها في عناوين الجهات المقترح إحداثها والمرتقب ميلادها في المستقبل المنظور، خنيفرة، مكناس، تافيلالت (الرشيدية). ولو أن هذه المواضع لن تكون قائدية، إذا استثنينا ما يراود سكان تافيلالت أن تكون الرشيدية ذات شأن في التقطيع الجهوي المنتظر، فإن ذكرها ضمن العناوين يعد إنصافا لها ما دامت الجهة، لما تموت، في حاجة إلى التذكر.
هنالك وجب الوقوف من أجل ذلك التذكر، لا من أجل البكاء على الجهة، التي لم تجد من يبكيها بعض الوقت، كما سلف إليه الإشارة. قد نتذكر فقط العوامل التي تقضي بموتها ونسيانها، ما دام النسيان، هو، بالمقابل عمل في الذاكرة. ويبدو أن النسيان لن يطول العوامل التي ضمنت تجانسها بعض الوقت كالمعاناة المتنوعة وبعض عناصر الجمال الطبيعي السياحي كالواحات والبحيرات والجبال الوعرة.
وفي نهاية القول، وجب الإشارة إلى الاقتباس من الجيوبوليتيكا بما هي تنظير للمجال المفعم بالدينامية والحياة، المجال الذي ينمو ويتوسع ويتقلص- وقد يموت- في أسوأ الأحوال.
01- الغايات من نسيان الأحداث التي انجرت عنها الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بجهة مكناس تافيلالت
نصنف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان صنفين، صنف يرتبط بأحداث 1973 خصوصا بالمحور الممتد من والماس إلى كلميمة، مرورا بمنطقة خنيفرة وإملشيل وأسول، وأملاكو، والممتد تأثيرها إلى بعض الجوانب ، أوفوس، الجرف، تونفيت، أنركي، الحاجب، وصنف يخص المعتقلات السرية ونخص بالذكر معتقل تزممارت.
أ‌- الانتهاكات المرتبطة بأحداث 1973
شهد المغرب أحداثا سياسية، نتجت عنها احتجاجات اجتماعية وانتفاضات شعبية، دل بعضها على أن المغاربة سئموا من انتظار التغيير الإيجابي لأوضاعهم الاجتماعية والسياسية في عهد الاستقلال، وبالضبط في المرحلة ما بين سنة 1956 ونهاية التسعينات من القرن الماضي. ذلك أن النخبة التي عملت بتزكية المستعمر هي التي استمرت تدير شأن مغرب الاستقلال وهي المسؤولة عن إجهاض مشروع الإصلاح. ويعنينا أن الأحداث التي شهدها المغرب، وقتها، انجرت عنها خروقات قانونية تتجلى في أصناف من التعذيب الجسدي والمعنوي ارتكبت في حق الكثير من الأبرياء، تربطهم بالمعتقلين علاقات قرابة أو صداقة أو وظيفة. وكان المحاولتان الانقلابيتان خلال سنتي 1971 و1972، وأحداث 3 مارس 1973 المسلحة في منطقة كلميمة وإملشيل وخنيفرة أخطر هذه الأحداث. ولجهة مكناس تافيلالت علاقة مباشرة، بما كان يسمى حركة 3 مارس 1973 ذلك التنظيم السري الذي انخرط فيه أفراد من قبائل أيت حديدو، زيان، أيت مرغاد، وبعض أيت يحيى، والذي مس قرحه ثلة من الأبرياء من أفراد تلك القبائل، فوق أن المشاركين في التنظيم، لا يليق بهم أن يعذبوا خارج الضوابط القانونية. لذلك اصطلح على ما أصاب المعتقلين من أفراد القبائل والأبرياء منهم من تعذيب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ويمكن التمييز، من مجموعات التنظيم المذكور بجهة مكناس تافيلالت، مجموعة محمد بنونة بكلميمة ومجموعة التزنيتي بخنيفرة، ومجموعة محمد أومدة بأجدير غير بعيد عن خنيفرة.
ومن أعمال التنظيم المذكور، تعبئة أفراد القبائل للقيام بانتفاضة شعبية ابتداء من مارس 1973 بدعم من عناصر، تلقت التدريب بمعسكرات القدافي بليبيا، وبأسلحة تسربت من الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية للمغرب، ونقلت خفية إلى مناطق الحدث. وفي التاريخ المذكور طفق المشاركون في التنظيم المشار إليه يهاجمون الثكنات العسكرية طلبا لمزيد من الأسلحة. وهنا يجب أن نذكر بالهجوم على ملحقة مولاي بوعزة، بمنطقة خنيفرة، ليلة 2 و3 مارس 1973 من لدن مجموعة محمد أومدة المذكورة، نتج عنه قتل أحد الحراس. ومن ليلتها أصبح الناس يتذكرون ما وقع بمنطقة خنيفرة كلها تحت عنوان أحداث مولاي بوعزة، المكان الذي دفن فيه المتصوف أبي يعزة يلنور، المشهور في الذاكرة الطرقية بالمغرب. إن ما وقع بمولاي بوعزة وقع ثانية بأملاكو في نفس التاريخ، حيث طوق منزل المرحوم عدي العرج (عديشان)، وتبادل الطرفان إطلاق النار. وكانت الحصيلة، فضلا عن التعذيب الذي شهده المعتقلون بمواضع، مولاي بوعزة، خنيفرة، إملشيل، السونتات، مقهى المدعو (بارو) ببوزمو، كلميمة، مخفر الدرك بالريش، الاختفاء القسري بسجن تاكونيت وأكدز بالنسبة للبعض، والكوربيس بالنسبة للبعض الآخر، وقليل منهم فرجت كربته بعد محنة دامت بعض الوقت، نترك المجال للتعبير عنها للمنقطعين لآداب السجون.
وبفضل جهود الفعاليات الحقوقية والجمعيات المهتمة بحقوق الإنسان أو المساهمة إلى جانب هيئة الإنصاف والمصالحة والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ولدت العدالة الانتقالية المغربية ودشن عملها بجلسات للاستماع بمناطق الجهة خنيفرة، إملشيل، الرشيدية، وتوج عمل هيئة الإنصاف والمصالحة بالتعويض المادي للضحايا وتمتيع بعضهم بالتغطية الصحية والإدماج الاجتماع واستفادت المناطق المتضررة من برنامج جبر الضرر الجماعي، وأحدث بجهة مكناس تافيلالت المكتب الإداري الجهوي للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في آخر شهر ماي 2009.
ب- نسيان المعتقلات السرية (تزممارت نموذجا)
اختار المستعمر الفرنسي جبال الأطلس الكبير الشرقي ميدانا لإنشاء معتقلات التعذيب، فاشتهرت المراكز العسكرية القروية إملشيل وأسول وأغبالون كردوس والريش وتالسينت في تعذيب المعتقلين والمنفيين. ونذكر أن معتقلي إملشيل وتالسينت، كانا استقبلا الشهيد المهدي بنبركة، كما استقبل معتقل أغبالو ن كردوس بعض أقطاب الحركة الوطنية المغربية. وفي مطلع السبعينات أحدث معسكر تازممارت قرب مركز كراندو، مقر القيادة التقليدية الإقطاعية العشائرية التي أحدثت في التقطيع الإداري لسنة 1930، وظل يرأسها القائد عدي وبيهي نايت رهو، إلى غاية استقلال المغرب. وباختصار، فالمثلث إملشيل أغبالو ن كردوس، تالسينت شريط جغرافي منسي، لا لشيء، سوى أن المستعمر الفرنسي اتخذه مجالا للاعتقال السياسي، وبات مستمرا في وظيفته طيلة سنوات الجمر والرصاص، مدعما بمعتقلين سريين تزممارت وكرامة.
وعن معتقل تزممارت نسجل أن هناك ثلاث عوامل ساهمت في اختفائه من التداول:
- أولها، أن المنطقة جبلية. والجبال المطلة من جهة الشمال على سهل تافيلالت، الذي يشكل أكبر وحدة سوسيومجالية متجانسة في المغرب، لم تكن ذات شأن أمام شهرة السهل التاريخية- منذ تأسيس حاضرة سجلماسة- ورحابته التي تشتمل على إمكانيات زراعية وديموغرافية. وبعبارة أخرى، فسهل تافيلالت مؤهل لالتهام محيطه الجبلي المجاور له من ناحية الشمال. وعلى سبيل المثال، نَدُر ذكر جبال الأطلس الكبير الشرقي، ولو في المناسبات الثقافية كموسم إملشيل، أو موسم مولاي علي بن عمرو بمنطقة تالسينت. وأما ذكر واد زيز فيخص الكلام عن واحتي الرتب ومدغرة، أي كل الأراضي الواقعة بجنوب شرق سد الحسن الداخل.
- ثانيها، أن المستعمر الفرنسي اختار هذه الأراضي في بساط ما يسميه المغرب غير النافع لتخدم وظيفة أمنية، فظلت محافظة على ذلك الوضع طيلة سنوات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
- ثالثها، أن قرية تزممارت من أصغر قرى إقليم الرشيدية، لذلك تعذر تمثيلها كارتوغرافيا في خرائط الأطاليس.
فالمنطقة طالها الجهل والنسيان بفعل عدة عوامل. ولو تطوعت إحدى الصحف لإجراء استقراء للرأي واستطلاعه، كأن تبتغي من ورائه رصد نسبة العارفين بمواقع الجماعات المحلية جنوب إقليم ميدلت، في صفوف المغاربة، لوقفت عند نسبة مرتفعة من الجاهلين بها. ولا جناح على كل جاهل لمنطقة اسودت بفعل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وباتت تعيش أهوال القرون الوسطى. ولا أحد يعتقد أن هذا الجهل نسيان قياسا على قول أفلاطون. وبالمقابل لا يعتبر أحد هذا الجهل عارا، لأنه مقصود. وتتضح صورة جهل الجاهلين للمنطقة في متن الكتابات الأولى حول معتقل تازممارت، والتي لم تفلح كلها في التحديد الدقيق لموقع المعتقل. ولم تنج هذه الكتابات من صعوبة تحديد بعض الجماعات القروية المجاورة للمعتقل، والمراكز الحضرية. فالطرق المعبدة تسلك، في الغالب الأعم، مسارات بعيدة عن النقط العمرانية - كلما سمحت الطوبوغرافيا بذلك- لأن الهدف منها العبور إلى سهل تافيلالت، في أحسن الأحوال، أو نقل الجنود إلى قلب الأطلس الكبير لقمع كل مقاومة للسكان، كما هو الحال في عهد الحماية الفرنسية. ولا غرو، فشق الطرق و المسالك بالجبال كان تحت وقع الحاجة الأمنية، تلك الحاجة التي أضحت ملحة أكثر، بعد تعذر احتلال جبال الأطلس الكبير الشرقي.
وباختصار شديد، ظهرت بمنطقة تزممارت وحدات سوسيومجالية متجانسة تأثرت بالقرار السياسي فتحولت إلى وحدات جيوبوليتيكية لسنوات الجمر والرصاص. وحينما يتأثر المجال بالاختيار السياسي، فإنه من الجائز استعمال مصطلح جيوبوليتيكا. ويبدو أن برنامج جبر الضرر الجماعي، الذي انقطع لتنفيذه المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان والمؤسسات الأخرى، مؤهل لإحداث التحول بالمجال، أو على الأقل، معلمته والتعريف به. ونعتقد أن التعريف بمنطقة تزممارت مدخل لحفظ الذاكرة به وبداية لائقة لجبر الضرر الجماعي بمحيطها، كما سنبين.
ج – خريطة جبر الضرر الجماعي
لم تفلح هيئة الإنصاف والمصالحة في تحديد كل النطاقات المتضررة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتلوينها وتمثيلها كارتوغرافيا. صحيح أنها لن تتمكن من قياس وقع المعاناة في نفوس الأفراد أو على النطاقات السوسيو مجالية ولو ابتغت ذلك. صحيح أنها عالجت الملفات الفردية معالجة قضائية تظهر في متن نسخها فصول من العدل وصدرت أحكاما محددة لقيمة التعويض الفردي، وما إذا كان المتضرر مستحقا الإدماج الاجتماعي، أو التغطية الصحية. إنها باختصار أحكام منصفة قلما تعرضت للانتقاد. لكن الهيئة لم تفكر في التعامل مع المناطق الجغرافية المتضررة بنفس القياس الذي تعاملت به مع قضايا الأفراد. ولا جناح على الهيئة إن أخطأت نسبيا في إصابة الهدف بجنوب إقليم ميدلت لأنها اعتمدت على مجتمع مدني هش، إن لم نقل اعتمدت على تصريحات ثلاثة أشخاص فقط ، ظهر أنهم يمثلون أنفسهم، ولا يمثلون جمعياتهم. وكان أولى بالهيئة أن تختار الجمعيات المحلية وتعتمد عليها، لأنها ستقص عليها أحسن قصص العزلة والتهميش، وتريها الأماكن المهضومة حقوقها الجماعية، وفوق ذلك، كادت الهيئة أن تغفل في بداية مسيرتها، ربط تخلف التنمية في المواطن المحتاج ضررها للجبر بانتهاكات الماضي، لولا مساعدة أولئك الأشخاص الذين يظهرون أنفسهم بلباس جمعوي.
وبعد احتكاكها بالمجتمع المدني في كثير من المناطق، اهتدت الهيئة في شهر شتنبر 2005 إلى تنظيم المنتدى الوطني حول جبر الضرر الجماعي حضرته حوالي 200 جمعية. وتبين من خلال التوصيات المستخلصة من أعمال الورشات ضرورة إعطاء البعد الجغرافي التنموي لجبر الضرر الجماعي، مع الحرص ألا يفقد جوانبه الرمزية، وأوصت الهيئة كذلك العمل على الحفظ الإيجابي للذاكرة وإدماج النوع الاجتماعي ضمن مشاريع جبر الضرر المذكور.
لنسجل للهيئة أنها تعاملت مع ضحايا سنوات الرصاص والجمر بلباسهم الجغرافي فخلصت إلى فرز مواطن يشهد الكل بأن القرح قد مسها بالأمس القريب وغشيها من النسيان ما غشيها، وانتظر المواطنون بها ما شاء لهم أن ينتظروا. ولنقل بدون تحفظ إن الهيئة سليم قصدها وعادلة القضايا التي عالجتها . ولنستشهد بأنها أبت أن تدرج ضمن خريطة الضرر الجماعي مواطن ينحدر منها ضحية واحدة كشفت بالدليل والحجة عن معاناتها في سنوات الانتهاكات الجسيمة. وبمعنى آخر، فمواطن جبر الضرر الجماعي التي اختارتها الهيئة كانت ذات بعد جماعي من حيث ذاكراتها ومن حيث معاناة النساء بها (النوع الاجتماعي)، ومن حيث – وهذا هو الأهم هنا- عدد الضحايا المنحدرين منها، وبموازاة ذلك لم تفعل الهيئة ما فعله عيسى بن مريم لما يطرق أبواب الناس بحثا عن المعاناة. فالهيئة لا تقر بأن منطقة ما متضررة حتى يعبر سكانها، أو الجمعيات التنموية بها، عن معاناتهم في السنوات الماضية، وبعد ذلك تقوم الهيئة بالتحري الدقيق. فهي لا تصدر الحكم إلا بناء على الطلب المذيل بحجج دامغة. صحيح أن التعبير عن الضرر الفردي مدخل إلى الضرر الجماعي، ومن هذا المنطلق لم تدرج منطقة بوذنيب في الخريطة رغم ضررها، ولم تذكر منطقة الرتب، ولا حديث عن منطقة الجرف، لأن هذه المناطق تفتقر إلى مؤازرة المجتمع المدني لها بما هي متضررة من قبل ليصح وضعها ضمن خريطة جبر الضرر الجماعي، ولم تبين كل إقليم خنيفرة المتضرر من أحداث 1973. فالخريطة المذكورة من صنع المجتمع المدني الذي تمكن من إقناع هيئة الإنصاف والمصالحة المشهود لها بالصرامة والاستقلالية والحياد. وبعبارة أدق، ففي الوقت الذي انقطع فيه المتضررون الأفراد لإعداد ملفاتهم والبحث عن الحجج الكافية لإثبات ضررهم طمعا في التعويض والإدماج الاجتماعي والتغطية الصحية، طفقت الجمعيات تعد مقترحات مشاريع أملا في تحقيق ما يلي:
- تجسيد البعد المادي لبرنامج جبر الضرر الجماعي باقتراح مشاريع تنموية اقتصادية واجتماعية.
- تحقيق البعد الرمزي في اعتراف الدولة بالأضرار المترتبة عن الانتهاكات من خلال تنظيم أنشطة للحفظ الإيجابي للذاكرة وإعادة الاعتبار لمراكز الاعتقال السرية.
ولا يجوز الاعتقاد بأن برنامج جبر الضرر الجماعي نسخة طبق الأصل للبرامج التنموية إنه «دعوة إلى تحرير الطاقات والمبادرات، ولا يجب بأي حال من الأحوال أن ينظر إليه كخدمات مكتملة ونهائية تمنح للساكنة» كما قال السيد أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سابقا.
فالبرنامج ليس كل شيء، لكن شأنه يقل وينقص إن غشي جزءا قليلا من منطقة متجانسة سوسيو اقتصاديا وسوسيو ثقافيا. ولنحتج بحجج تجعل الأمل يراودنا ألا نبتعد عن مقاربة الإشكالية. فمنطقة تزممارت، التي نأخذها على سبيل المثال، تشكو من التحديد الجغرافي الدقيق لتباين رأي المتضررين من وقع السجن العسكري السري الكائن بالأمس. فسكان قرية تزممارت ينظرون إلى المعتقل السري أنه ضار بمصالحهم هم أنفسهم دون غيرهم، لذلك يطالبون بجبر ضرر المجال المنحصر بين جبل أيت فركان شمالا وجبل بو القنديل جنوبا، وبين جبل تزكزاوت شرقا إلى الطريق الجهوية الرابطة بين الريش وكرامة غربا. ولا يصح تجاوز هذه الرقعة التي كانت تحوي المعسكر (المعتقل) والقرية تزممارت. ويرى المعتقلون أن الجبر يجب أن ينطلق من المعسكر بالتركيز على الذاكرة وعلى كل ما يعيد لهذا المكان اعتباره، من صيانة المقبرة وتحويل البنايات إلى مؤسسة للتربية والتكوين المستمر، وإعداد نصب تذكارية مؤاتية. ويدعي سكان مركز الريش أنهم أيضا متضررون من المعتقل لأنهم مهمشون ومنسيون، لا يتوفرون على مستشفى ولا على مدارس كافية، ولا أحد يجادل في كون أبنائهم يترددون على إعدادية تستقبل حوالي 3000 تلميذ. وأما سكان جماعة كرس تيعلالين فيرون أن الجماعة كلها متضررة من المعتقل وليس القرية تزممارت وحدها. ومن جانب آخر لم تكن جماعة أملاكو وحدها باعالي غريس هي التي تعاني من وقع الانتهاك، فهناك أيت هاني و أسول.
وأما جبر الضرر بقصر (دوار) إكلميمن فلن يأخذ صدقه ما لم يمتد جنوبا إلى المجموعة القروية تيلوين ويمتد شمالا إلى المجموعة القروية تديغوست. إن تكييف مواطن جبر الضرر الجماعي لتكون مؤاتية والتقطيع الإداري أحيانا، وإغفال البعد الإداري في أحايين أخرى واحد من الأخطاء التي ارتكبها واضعو خريطة جبر الضرر الجماعي بإقليم الرشيدية. ومحصل القول، إن كان مفيدا تسطير نواقص الخريطة المذكورة فيمكن الإشارة إلى ما يلي:
- لم تحو الخريطة المذكورة مواضع أخرى بجماعة بوزمو تبدو للعيان أنها معينة بالبرنامج. وعلى سبيل المثال تشكـو قريـة أكـدال المشهـورة بنضال أسرة "أميدو" و"أبوري" من التغافل عن ذكرها في متن الحديث عن المناطق المشمولة ببرنامج جبر الضرر الجماعي بإقليم الرشيدية. ولا نظن أن عدم إدراج مركز بوزمو في الخريطة المذكورة سينسي وقع معاناة الضحايا في إحدى مقاهي البلدة، مقهى المدعو (بارو). وبموازاة ذلك لم تحدد مواضع جبر الضرر الجماعي بدقة بجماعة إملشيل الإدارية، إلا في وقت متأخر. وكلنا يعلم أن مركز إملشيل ذاته شهد حدث تعذيب الضحايا عقب أحداث 1973. وقبل ذلك كان المركز استقبل الشهيد المهدي بن بركة منفيا رغم أن الحدث وقع قبل فترة الانتهاك التي تختص بها هيئة الإنصاف والمصالحة. ولقرية إيبوخنان جنوب غرب مركز إملشيل نصيبها من البرنامج لذكرها في الفترة المذكورة، لأنها مسقط أسرة "أعبود" و"أو الهاوس".
- عدم وضوح معايير اختيار بعض المواضع دون غيرها، أو في أحسن الأحوال، تفضيل بعض المواضع عن بعضها. وهنا نذكر تفضيل جماعة أملاكو على جماعة أسول لأسباب مبهمة. فجماعة أسول غير ممثلة في تنسيقية جبر الضرر الجماعي بالرشيدية، سنة 2007. ولا شك أن ذلك يدل بوضوح عن القصور في التمثيل الكارتوغرافي لمواطن جبر الضرر الجماعي بإقليم الرشيدية.
- عدم التحديد الدقيق لوقع الضرر على المجال الجغرافي لإعطاء البرنامج المذكور، بعدا سوسيومجاليا صحيحا، فإذا كان البرنامج بأملاكو يغطي كل تراب الجماعة القروية، ولم يقتصر فقط على قصر "دوار" أملاكو، فإن المساحة التي يغشاها البرنامج في المناطق الأخرى، لا تتناسب والمساحة المتأثرة بالحدث أو بوقع المعتقل السري. وحسبنا أن وقع معتقل تزممارت بات في خريطة برنامج جبر الضرر الجماعي يغطي قصر "دوار" تزممارت وحده، في حين امتد التأثير في الواقع إلى أعالي كير وأعالي ملوية وأعالي غريس وأعالي زيز. ولم يسع البرنامج المذكور بعد كل تراب بلدية كلميمة، وكل تراب واد كير لعلاقته بالمعتقل السري الكائن بمركز كرامة.
- عدم التفكير في الربط السوسيومجالي بين مواطن جبر الضرر الجماعي إن على مستوى وقع الحدث أو على وقع المعتقل. فالربط واضح للغاية بين المواضع التالية: إملشيل، بوزمو، أيت هاني، أسول، أملاكو، كلميمة، تيلوين، الرتب، الجرف.
ويمكن تمديد الخط الرابط ليمر بمواطن الانتهاك بإقليم أزيلال وخنيفرة. وبموازاة ذلك لو دققنا النظر في موضعي تزممارت وكرامة لما ألفينا بينهما اختلافا كبيرا.
محصل القول، تبدو خريطة جبر الضرر الجماعي بإقليم الرشيدية، وجنوب إقليم ميدلت، كأنها ملونة بهلالين: الهلال الواضع قرينة على إملشيل وكلميمة والهلال المغطي لتزممارت وكرامة. فالهلال الأول أساسه التاريخي أحداث مارس 1973 والهلال الثاني مصدره المعتقلان السريان. وبين الهلالين يمتد جزء كبير من سلسلة جبال الأطلس الكبير الشرقي وهضبة مسكي ثم واحات تافيلالت، وفي الشمال أعالي ملوية، وهي متضررة لكنها لم تذكر. إنه نطاق يصح تسميته بالنطاق الجيوبوليتكي لتزممارت أو النطاق الجيوبوليتيكي لإملشيل. ومن منظور مقاربة النوع الاجتماعي فهو نطاق فاضم أوحرفو. إنه نطاق خصب لإنشاء الذاكرة. فهل إعمال الذاكرة مؤات ومعالم خريطة جبر الضرر الجماعي المذكورة؟ وإذا أخذنا منطقة إملشيل على سبيل المثال، هل يصح إنشاء ذاكرة تغطي بالتحديد منطقة أعالي أسيف ملول؟ أم إنه من الصواب إنشاء ذاكرة قبيلة أيت حديدو بالمجال الوظيفي للقبيلة؟
قد يكون من الصواب ربط الذاكرة بالنطاق السوسيو ثقافي للقبيلة لا بالنطاق الجيوبوليتيكي لسنوات الجمر والرصاص بالمنطقة، ولا شك أن العمل من هذا النوع بداية لمسلسل إعادة الاعتبار لقبيلة أيت حديدو.
02 - عصيان تافيلالت جعل جهة مكناس تافيلالت ميدانا للانتهاكات
ظهر القائد عدي وبيهي في أواسط الخمسينات من القرن الماضي أكثر من زعيم قبلي، بعد انتهاء مرحلة نفيه إلى برشيد، وبعد أن زعمت سلطات الحماية الفرنسية بالباطل أنه مجنون، في يونيو 1947. ومما ساعد القائد عدي وبيهي على الشهرة، أكثر من أي وقت مضى، كونه مخلصا للعرش، أو على الأقل، لم يشارك في مؤامرة غشت 1953 التي ساهم فيها معظم القواد والباشوات مثل القائد الحمزاوي بمنطقة الريش.
أصبح القائد عدي وبيهي عاملا على إقليم تافيلالت في أواخر سنة 1955. وتجدر الإشارة إلى أن الأستاذ عبد اللطيف جبرو رصد أداء العامل عدي وبيهي، ابتداء من استقلال المغرب، وأطوار محاكمته في كتابه القيم «عدي وبيهي» حكاية عصيان تافيلالت، وفصل القول في ذلك وفق ما نشرته الصحافة وقت ذاك. ونريد أن نظهر هنا الوجه القبلي للقائد عدي وبيهي في علاقته بأيت يزدك، وبحزب الاستقلال أيضا، وإن شئت، في محاولته توحيد الصف القبلي وتوسيع آفاق الكونفدرالية القبلية أيت ياف المان. وتجدر الإشارة، إلى أننا لسنا بصدد إعادة الاعتبار للقائد أو الدفاع عنه أو إدانته بقدر ما نبتغي استخلاص نظرة القبيلة إلى الأمور، تلك النظرة التي تضررت منها جهة مكناس تافيلالت كثيرا.
فالخلاف بين القائد عدي وبيهي وحزب الاستقلال بنيوي قائم على تناقض بين المؤسسة الحزبية والمؤسسة القبلية. ولا غرو، فالمفهوم الجديد للوطنية، كما قال الأستاذ عبد الكريم غلاب في كتابه «الحركة الوطنية بالمغرب»، «لم يعرف القبيلة، بل إنه كان ضدا على القبيلة التي تبلورت في السياسة البربرية[الأمازيغية]». لن نبين هنا جوانب من القبلية كثقافة تتجلى في النظم التقليدية والمجالية والعلاقة بين الإنسان والأرض، وهناك أيضا التحالف القائم على الدم. لذلك قل ما يفلح حزب سياسي في الأوساط القبلية بدون ارتداء اللباس القبلي أو العمل على شاكة الزوايا. وباختصار فالنظر إلى القائد عدي وبيهي خارج القبيلة والعرف زيغ ولغو لا طائل من ورائه. فالقائد عدي تحالف مع سلطات الحماية الفرنسية على مستوى التاكتيك ولم يحدث أن خان قبيلته. ونستدرك لنقول، إن أيت يزدك فضلت الاستعانة بسلطات الحماية الفرنسية كقوة خارجية لخدمة القبيلة، ولم تكن غايتها خيانة الوطن.
ينحدر القائد عدي وبيهي نايت رهو من أيت يحيى وخليفة إحدى فروع أيت الثلث اليزدكية. كان أبوه شيخا على أيت يزدك تيعلالين والتجمع القروي تيليشت وقرى بوخلوف ابتداء من سنة 1919. والشيخ وقتذاك بمثابة القائد لأن المستعمر الفرنسي، وإن كان حريصا، على الدفاع عن النظام العرفي، فقد عمل على التعديل التدريجي للبنيات التقليدية. وفي يوم 30 رمضان 1338 هجرية الموافق ل17 يونيو 1920 عين القائد عدي وبيهي «خليفة كبير تيعلالين»، حاكم فزعة «chef de fezzaa»، [كلمة أمازيغية إفزع وتعني الانتشار من أجل صد هجوم العدو]، حسب ما هو مضمن في الظهير الذي يحمل نفس التاريخ. وفي يوم11 شوال 1340 الموافق ل 7 يونيو 1922 تجدد تعيينه رئيسا على فزعة تيعلالين. وفي يوم 30 أبريل 1933 عين عدي وبيهي قائدا على أيت يزدك تيعلالين وملحقاتها من القرى السالف ذكرها. وتجدد تعيينه بظهير 07 ربيع الأول 1361 الموافق ل5 مارس 1942مشيرا إلى مقر القيادة بكراندو، القرية التي تحمل اسم المعسكر رقم 42 الحديث، وتقع بالمدخل الشمالي لواحة تيعلالين، وتؤوى عشائر من أيت يحيى وخليفة اليزدكية، وأسرا يهودية أمازيغية، هاجرت المكان المذكور نهائيا.
يعد القائد عدي وبيهي نايت رهو قائدا عسكريا محنكا بشهادة الفرنسيين أنفسهم. ولقد سهل مهمة جيوش الاحتلال الفرنسي بالأطلس الكبير الشرقي حيث صاحبها أينما حلت وارتحلت، مساهما بالرأي، منظما صفوفها واضعا الخطط الحربية عند الاقتضاء، مقاتلا إلى جانب الفرسان والمشاة من فيالق الكوم. ولقد بزغ نجم القائد عدي وبيهي في موضعين اثنين، أو بالأحرى في مناسبتين اثنتين. فمن جهة ساهم في ردع سكان أكديم إغف أمان بأعلى غريس الذين أظهروا صمودهم أمام جيوش الاحتلال الفرنسي على واد غريس ومن جهة أخرى ظهر في معركة أيت يعقوب سنة 1929 كبطل لا يخشى الموت ولا يرهبه الرصاص. ويرى الفرنسيون في أحد تقاريرهم أن القائد عدي وبيهي يقلد الباشا الكلاوي ويوظف أوراقه، وهو تقدير مجانب للصواب.
ويعد أيضا أحرص شيوخ الأمازيغ دفاعا عن العرق الأمازيغي والعادات والتقاليد. يحكى عنه أنه يحب الشعر الأمازيغي والرقص والفكاهة وندر ما يعاقب الشعراء الذين يهجونه كما يفعل زميله لكلاوي. ويصاحب القائد عدي وبيهي في رحلاته وسكناته المغني والمسرحي الأمازيغي المدعو أوهدة. وكان يأمره بالغناء في المعارك، كلما تبين أن الانتصار حليف صفه . وللمدعو أوهدة عروضا مسرحية استرعت انتباه الفرنسيين.
ويؤخذ عنه أنه مزاجي طالما يرتكب أخطاء كان بوده تجنبها. ولقد تم تنحية القائد عدي وبيهي سنة 1947. وقد عبرت الأقليات العرقية عن فرحتها بتنحية القائد عدي وبيهي. وللإشارة فقد حفروا له قبرا رمزيا بموضع يدعى أكرد إسلي «عنق العريس» قرب فج زيدات بالأطلس الكبير الشرقي. ولما عاد القائد عدي وبيهي أمر من حفر قبره أن يشق طريقا تؤدي إليه طولها خمسة عشر كيلومترا. وبالفعل تم شق الطريق فسافر القائد عدي وبيهي لزيارة قبره الرمزي. وللإشارة فقد عاد عدي وبيهي عاملا على إقليم تافيلالت بواسطة ظهير شريف بتاريخ 17 دجنبر1955.
تلك إذن بعض المواصفات القبلية بسطناها فقط لنبين أن القائد عدي وبيهي وفي لنسق ثقافي قبلي، وإن شئت، يفكر داخل المنظومة القبلية. وبالتالي فتمرده في 21 يناير 1957 بعيد عن الحسابات السياسية أو طموح تأسيس دويلة كما بدا للبعض. فالقائد عدي وبيهي كما وصفه الأستاذ عبد الهادي بوطالب:«كان ينتمي إلى النزعة القبلية والعالم القروي... ولم تكن له ثقافة [بمفهومها العلمي لا الأنثربولوجي]. والتمرد الذي قام به على الحكومة أثار غضب حزب الاستقلال عليه. زيادة على كونه لم يكن يسمح لأعضاء هذا الحزب بالقيام بأنشطة حزبية في محافظته (عمالته) فعزل من منصبه وحكم عليه بالسجن ثم الإعدام. لكنه طور حركة معارضة للحكومة وقفز منها إلى التورط في حركة تمرد غير شرعية لم يحسب لعواقبها حسابها مما لم يسع القصر معه سوى عزلته عن منصبه واعتقاله وتقديمه للمحاكمة أمام القضاء». ويعنينا ان عصيان القائد عدي وبيهي واحد من سياقات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب عامة وبجهة مكناس تافيلات على الخصوص.
03- تقدم النسيان على التذكر في سياسة الميز الجغرافي
إن للمستعمر الفرنسي دور غير منكور في التقطيع الإداري الجهوي. ورغم بعض التعديلات التي حملتها التقطيعات الإدارية في عهد الاستقلال لا تزال أسس التقطيع الإداري الفرنسي قائمة يصعب تجاوزها. صحيح أن التقطيع الإداري الذي وضعته سلطات الحماية بالمغرب قائم على المنفعة بالدرجة الأولى لكنه تحكمه المقاربة الأمنية. وإن كان للتقطيع الإداري عيوب تستدعي الدراسة والتمحيص فإن من حسناته أنه يستحضر التقارب الإثنوغرافي الثقافي، والتجانس الطوبوغرافي والجغرافي في إعداد خريطة القيادات المخزنية والمقاطعات العسكرية. ولما كان للمجال سلطته فإن بعض المواقع تأهلت بفضل استراتيجيتها لتكون قائدية لذلك لم يصمد التجانس الإثنوغرافي الثقافي أمام طغيان سلطة المجال. لذل ك ظهر الميز في بعض الجهات وكانت مكناس تافيلالت خير نموذج للميز الجغرافي، لتأهيلها حاضرة مكناس لتكون صورة من صور الطغيان المجالي، الذي عمقه المسؤولون في الإدارة المغربية. ويستمد الطغيان المجالي عناصر قوته باعتماد سياسية الانتقاء القائمة لا على أساس المنفعة، لكن على أساس اعتبارات سوسيولوجية وتاريخية متجاوزة. ولما كانت جهة مكناس تافيلالت نموذجا للانتقاء والميز والإقصاء الذي تضرر منه النطاق الجغرافي الأسود الذي يمتد من شمال سد الحسن الداخل إلى جبل هبري ومن إملشيل إلى حدود إقليم فيجيج، فإن موتها منتظر، تفرضه التحولات التي يعرفها المغرب في وقت متأخر.
ولقد سبق أن أشرنا في مقال نشر بالحوار المتمدن أن جهة مكناس تافيلالت كانت تعرف من قبل بالجهة الوسطى الجنوبية لأنها تمتد شمالا إلى وسط المغرب وجنوبا إلى الحدود غير الواضحة، في الخرائط الدولية، بين المغرب والجزائر والتي كانت سببا لاندلاع حرب الرمال سنة 1963. وأشرنا إلى أن مدينة مكناس مركز عسكري أساسي لاستعمار الأطلس المتوسط والأطلس الكبير الشرقي والأطلس الصغير وصحراء تافيلالت.
وقعت عدة تحولات وأنجزت بعض المشاريع في مطلع الألفية الثالثة، وعلى الرغم من ذلك لا يزال الناظر في خريطة الجهة يخالها تتكون من قطبين اثنين، القطب الشمالي الذي هو مدينة مكناس العاصمة الإسماعيلية والحاضرة التي كانت استقطبت منذ القرن الثامن عشر الكثير من الأسر القادمة من واحة تافيلالت وواحة الداورة وواحة الساورة ولا تزال قبلة لسكان الجنوب المغربي، والقطب الجنوبي ويتكون من تافيلالت أي الواحة المحيطة بمدينة الريصاني وأرفود. وهي واحة كانت استقبلت الخوارج بنو مدرار وأسسوا بها حضرة سجلماسة في مكان يطل على الواحة. فالقطبان مكناس وتافيلالت محظوظان إلى حد ما وما بينهما يسود النسيان.
ولم ينج إقليم الرشيدية قبل إحداث إقليم ميدلت من نطاق جغرافي يغطي ثلاث دوائر إدارية إملشيل، أسول، الريش، أريد له أن يكون نسيا منسيا لأسباب تعود إلى فترة استقلال المغرب وإلى سنوات الجمر والرصاص. ولا أحد سمع شيئا عن الأطلس الكبير الشرقي لأن تافيلالت كانت التهمت كل محيطها من الريصاني إلى فج الزاد شمالا ومن الريصاني بحيرة تيزليت في الشمال الغربي. ومرد ذلك إلى أن المنطقة واضحة المعالم في خريطة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وقبل ذلك كانت ميدانا لتمرد عامل إقليم تافيلالت عدي وبيهي نايت رهو، المشار إليه، لذلك أريد لها النسيان. ولم تنج خنيفرة قبل إحداث إقليم ميدلت من اللاتكافوء بين الشرق والغرب.
ولئن كان إقليم خنيفرة مقصيا من الجهة ذات القطبين التاريخيين مكناس وتافيلالت، فإن المسؤولين في هذا الإقليم لم يستوعبوا الدرس جيدا، فهم يجهلون جهلا تاما شرق الإقليم أي أعالي ملوية ومدينة ميدلت. ولقد حان الوقت لمراجعة أسلوب التمييز الجغرافي بجهة مكناس تافيلالت. وقبل ذلك يجب مراجعة التقطيع الإداري الذي جعل من الجهة منطقة غير متجانسة جغرافيا وإثنوغرافيا فالجزء الصحراوي مختلف عن الجزء الشمالي الذي يشمل سهل تافيلالت والأطلس المتوسط. فالترابط التاريخي بين مكناس وتافيلالت لم يعد سببا موضوعيا لإحداث جهة لا متكافئة في مواردها الطبيعية، وبالتالي فالموت خير البقاء تحت وقع المرض. وبالمقابل فعصيان القائد عدي وبيهي لم يعد أساسا لتهميش منطقة نفوذه، وأما معتقل تازممارت فقد أريد له المحو.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,863,704,812
- الماء والطقوس السحرية بجبال الأطلس الكبير الشرقي المغربية
- النباتات والطقوس السحرية بجبال الأطلس الكبير الشرقي المغربية
- صيف حقوق الإنسان الساخن بجهة مكناس تافيلالت المغربية في الصح ...
- التربية على حقوق الإنسان بالمدرسة المغربية وحرية الموقف
- حصيلة الاستعمار الفرنسي في المغرب
- الرشوة في المغرب والذاكرة الجماعية بالجنوب الشرقي المغربي في ...
- متحف الريف، بداية حسنة لمستقبل ممارسة المتحف والحفظ الإيجابي ...
- النباتات والأعشاب بالأطلس الكبير الشرقي بين الغذاء والطب الت ...
- ذاكرة الاعتقال السياسي الحية بالجنوب الشرقي المغربي
- حقوق الإنسان بجهة مكناس تافيلالت في الصحافة المغربية المكتوب ...
- قافلة جمعية إعادة تأهيل ضحايا التعذيب الطبية بين العلاج وجبر ...
- إملشيل: التواصل والتنادي لتسوية الخلاف على حقوق جماعية كانت ...
- خريطة فقر إيميلشيل أم خريطة الضرر الجماعي؟ – قراءة في كتاب ( ...
- سد الحسن الداخل والحقوق الجماعية بضاحية الرشيدية بالمغرب
- حفل مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث في قراءة كتاب «إملشي ...
- الأرض السلالية والحقوق الجماعية بإملشيل الشرقية- المغرب
- الجهوية المغربية المتقدمة بين الوظيفة والانسجام - حالة الأطل ...
- العمل الجمعوي وإكراهات الرموز الثقافية بالجنوب الشرقي المغرب ...
- مائدة مستديرة حول وضعية المرأة، الإكراهات والرهانات - الرشيد ...
- شبكة تفويت للدفاع عن المرأة بالجنوب الشرقي المغربي الأهداف و ...


المزيد.....




- هجوم على المعارضة والإعلام في المالديف
- مصر: حملة لسحق حرية الفن
- السعودية تعلن اعتقال شخص حاول تنفيذ عمل إرهابي بالبكيرية وسط ...
- بومبيو ودي ميستورا يناقشان التسوية في سوريا وعودة اللاجئين
- السعودية تعلن اعتقال شخص حاول تنفيذ عمل إرهابي بالبكيرية وسط ...
- بوغدانوف يبحث عودة اللاجئين السوريين مع مستشار الحريري
- سفينة أكواريوس ترسو أخيرا في مالطا وعلى متنها عشرات المهاجري ...
- الأمين العام للأمم المتحدة يرحب باتفاق -حماس- وإسرائيل
- سفينة أكواريوس ترسو أخيرا في مالطا وعلى متنها عشرات المهاجري ...
- موسكو: العمل جار على عودة اللاجئين السوريين ودمشق قدمت كل ال ...


المزيد.....

- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حقوق الانسان: قراءة تاريخية ومقاربة في الاسس والمنطلقات الفل ... / حسن الزهراوي
- العبوديّة والحركة الإلغائية / أحمد شوقي
- جرائم الاتجار بالبشر : المفهوم – الأسباب – سبل المواجهة / هاني جرجس عياد
- الحق في المدينة ... الحق المسكوت عنه الإطار الدولي والإقليمي ... / خليل ابراهيم كاظم الحمداني
- مادة للمناقشة: إشكالية النزوح واللجوء من دول الشرق الأوسط وش ... / كاظم حبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - لحسن ايت الفقيه - حقوق الإنسان والتقطيع الإداري الجهوي بالمغرب: خريطة الأضرار الماضية بجهة مكناس تافيلالت نموذجا