أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - بيار برويه - البلشفية: الحزب و المناضلون















المزيد.....



البلشفية: الحزب و المناضلون


بيار برويه
الحوار المتمدن-العدد: 5496 - 2017 / 4 / 19 - 11:47
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


في ذكرى ثورة اكتوبر
البلشفية: الحزب و المناضلون

الفصل الثالث من كتاب بيار برويه : الحزب البلشفي
بيار برويه



بحلول الذكرى 94 لانتصار ثورة العمال بروسيا، نقدم للقارئ-ة الفصل الثالث من كتاب المؤرخ الفرنسي، الماركسي الثوري، بيار برويه. صدر الكتاب بفرنسا في العام 1963 عن دار مينوي


كان الحزب، بين يدي لينين و تروتسكي، أداة بلا نظير.هذا لأن زهاء عشرة آلاف مناضل/ة لاشرعي، الذين كانوا استأنفوا الاتصال غداة الأيام الثورية في فبراير 1917، سيشكلون، في أقل من ثمانية أشهر، منظمة ستعتبرها الجماهير العمالية العريضة، وبدرجة أقل الجماهير الفلاحية، منظمتها. وكان سيوجهها في النضال ضد الحكومة المؤقتة، و الظفر بالسلطة و الاحتفاظ بها. سينجح لينين ورفاقه، في خضم صراعات التكتلات و القمع، حيث فشل في النهاية اشتراكيون آخرون كانوا في ظروف هي للوهلة الأولى مواتية أكثر ، فلأول مرة منذ وجدت أحزاب اشتراكية سيحقق أحدها النصر.

حزب عمالي اشتراكي-ديمقراطي

إن رصيدا كاملا من المؤلفات التاريخية، تتراوح مشاعره المعلنة إزاء البلشفية بين الإعجاب الأعمى و التحقير المنهجي، ُيجهد لإظهارها بما هي إيديولوجية جديدة خرجت كاملة السلاح من دماغ لينين هي الشيوعية، الثورية أو الستالينية، و إبراز الحزب البلشفي بما هو منظمة من طراز جديد كليا، نوعا من الأممية الثالثة في صيغة أولى سابقة، في تعارض منذ ظهوره مع إصلاحية الأممية الثانية التي جسدها في روسيا المناشفة، وفي ألمانيا حزب بيبل و كاوتسكي الاشتراكي- الديمقراطي. لكن، ليس في هذا التصور غير إعادة تشكيل مصطنعة، لاحقة، لتاريخ كل من المنظمة و الأفكار على السواء. و يمثل كتاب لينين ما العمل؟، بنظر كل هؤلاء الكتاب، إنجيل البلشفية متصورةً كتيار جديد. و الحال أنه ليس ثمة بتاتا ما يسمح بقبول أن الأمر كان على ذلك النحو بالنسبة للبلاشفة، وفي نظر لينين ذاته. إن ما يتناوله بالفحص في ما العمل؟ هو الظروف الروسية، و ما يحلل هو اتجاهات الطبقة العاملة الروسية، وما يدعو إليه حل روسي دون ادعاء إتيان تحليل و استنتاجات صالحة لبلدان أخرى في تلك الحقبة. ففي المقدمة التي كتب في سبتمبر 1907 لكراسة مقالات له بعنوان "في 12 سنة"، كتب :" إن الخطأ الأساسي لمن ُيساجلون اليوم كراسة ما العمل؟ يكمن في عزل كامل لهذا المؤلف عن سياقه في وضع من تطور حزبنا محدد ومتجاوز منذ أمد طويل[...] إن ما العمل؟ موجز لتكتيك مجموعة ايسكرا و سياستها التنظيمية في 1901 و 1902. و ليس غير موجز، لا أقل و لا أكثر. لم يكن بوسع أي منظمة غير التي تقدمت بها ايسكرا، في الشروط التاريخية لروسيا سنوات 1900-1905، أن تخلق حزبا عماليا اشتراكيا-ديمقراطيا كالقائم اليوم. إن الثوري المحترف قد اضطلع بمهمته في تاريخ الاشتراكية البروليتارية الروسية" [1]. ومن جهة أخرى كتب لينين، منذ نوفمبر 1905، تلك الإدانة النهائية لمن جمدوا فكره في إطار ميكانيكي ومجرد، مدعين بشكل ترسيمي تعارضا بين العفوية و الوعي عند لينين حسب صيغ ما العمل؟ ، كما لو كانت لهذا المؤلف بنظر لينين قيمة كونية و أهمية أزلية، إذ قال:" إن الطبقة العاملة الروسية اشتراكية ديمقراطية (أي ثورية) على نحو غريزي و عفوي، و السنوات العشر و أكثر من عمل الاشتراكيين الديمقراطيين كان لها اثر كبير لتحويل تلك العفوية إلى وعي طبقي" [2]. كما يؤكد ما العمل؟ على الضرورة المطلقة لتنظيم الحزب سريا، ويجعل منها حتى شرط وجوده. لكنه لا يستبعد منظور عمل و دعاوة شرعيين إذا أتاحه الظروف التاريخية. عندما أتاحت ثورة 1905 للعمال انتزاع إمكانات تعبير و تنظيم شرعيين للأحزاب السياسية، بما فيها الاشتراكية، لم يخطر ببال البلاشفة رفض الإفادة منها. لكن لينين أدان، واعتبر "تصفويا"، تصور من كان من المناشفة يريد قبول الإطار المحدد من العدو الطبقي و الاقتصار على النشاط و الدعاوة الشرعيين وحسب. هذا لأن القانون يرسم الحدود للأحزاب، و لا يمنح الثوريين حرية تعبير وعمل نسبية سوى بقصد حفاظ أفضل على الأساسي من سيطرته: لا يقبل النظام القيصري إلا ُكرها وقسرا حريات هي أيضا صمام أمان. إن "قبول اللعبة" و الاكتفاء بما هو شرعي، قبول للحدود التي رسمها هو ذاته، و التخلي عن قسم النقد الثوري الذي يمنعه بصفته " تخريبيا " . لكن ليس المطلوب، بهذا المبرر، ترك استعمال التسهيلات التي يتيحها القانون، لأن الدعاوة الشرعية وحدها بوسعها بلوغ أوسع فئات العمال. لذا يجب استعمالها حتى أبعد حد، وقد جعل لينين من الجريدة، ثم من الجريدة اليومية الشرعية، الهم الأول لمجموعته في كل الفترات حيث كانت هكذا أداة قابلة للتحقيق.

بهذا الصدد، كان مثال جريدة البرافدا مميزا، لأن هذه الجريدة اليومية " العمالية" ، كانت عشية حرب 1914، الأداة الرئيسية لتطور الحزب البلشفي. جرى إطلاق تلك الجريدة بعد حملة تحريض علني في المصانع من أجل اكتتاب مالي. كانت البرافدا بالنسبة لعشرات آلاف العمال الطليعيين، بما نشرت من أخبار و أطلقت من شعارات، نظيرا لما مثلته جريدة ايسكرا في البداية بالنسبة لبضع مئات. كان العمال مراسلو البرافدا وسائط اتصال الحزب و وسائل الإرسال و الالتقاط antennes لمعرفة حالة العمال الذهنية: فمن خلال معلوماتهم كان يجري توحيد التجربة العمالية، بما هو عنصر وعي جماعي. في ظرف سنة واحدة نشرت البرافدا 114 11 "مراسلة" من هذا النوع، أي بمعدل 41 مراسلة في كل عدد. وكانت البرافدا جريدة "عمالية" بالاسم، وينجزها إلى حد بعيد عمال، وكانت شأنهم، حيث كانوا هم من يعطي المساهمات المالية " للصندوق الحديدي" المحدث لمواجهة كل الضربات الموجهة للجريدة من غرامات و مصادرات.

هذا لأن الجريدة الشرعية كانت مجبرة، بموجب القانون، على تعيين عنوان، ومسؤولين. ولا مفر لها من المتابعات، و الشكايات التي تلجأ إليها الدولة وممثلو القوى الاجتماعية المعادية بغاية منع مواصلة وجودها الشرعي بالذات. جرى حجز 110 عدد من 270 الصادرة. وبلغت الغرامات 800 7 روبل، أي ضعف الرصيد المالي لانطلاق الجريدة، وتعرضت للمحاكمة 36 مرة، و ُحكم على محرريها بما مجموعه 472 شهر سجن [3]. إنها حصيلة ثقيلة على جريدة تسعى مع ذلك إلى تفادي القمع، فيما الشرطة تدس في هيئة تحريرها عملاءها، المكلفين بافتعال فرص متابعتها بمقالاتهم.

في تلك الشروط، كانت حرية تعبير الجريدة محدودة، ولم يكن بوسعها أن تطلق على نحو شرعي الشعارات التي تراها صائبة، لا سيما تجاه العمال و الفلاحين المجندين في الجيش. ففي ظل خطر الاختناق بالحجز و المحاكمات و تكاثر الغرامات، كان على الجريدة، التزام الحدود التي يرسمها القانون. و لنشر شعارات النضال الأخرى، وإعطاء التفسيرات التي لا غنى عنها لكنها ممنوعة بسبب مسها بـ"أمن" الدولة، لا يمكن أن تكون وسائل التعبير سوى غير شرعية، كي لا تجد الشرطة فورا المسؤولين عنها أو تمنع نشرها: ذلك دور المناشير، و الكراسات أو الجرائد غير الشرعية. إنه من البلادة، في الشروط السياسية التي طبعت روسيا القيصرية، كما في الإطار الليبرالي للديمقراطيات الغربية و أكثر منه، وضع البيض كله في نفس السلة. فالجريدة الشرعية قد تتعرض للمنع، و الحجز، و المتابعة. و مناضل "شرعي" معروف لدى الشرطة و قد تعتقله، و تضع بمبرر ما حدا لنشاطه. إذا كانت المنظمة علنية بالكامل، سيكون مناضلوها و دواليبها الأساسية معروفين لدى الشرطة، ما سيتيح للدولة أن تمنع، من يوم لآخر، كل رد فعل وحتى كل اشتغال. يجب إذن أن يكون للحزب العمالي مناضلون وموارد ومطابع و جرائد و مقرات سرية، غير معروفة، مهيأة لمواصلة عمل " القطاع الشرعي" في حقبة الردة الرجعية، وأن تكون بكل الأحوال، بفضل طابعا اللاشرعي، مفلتة من ضرورة حصر نشاطها في الإطار المسموح به. إن طابع الدولة الروسية الأوتوقراطي، و العسف البوليسي كلي القدرة، هو الذي أجبر الاشتراكيين-الديمقراطيين الروس على بناء حزبهم انطلاقا من قطاع غير شرعي، فـ"الحريات الديمقراطية" لم تكن قديمة ببلدهم في العام 1912 لتبدو لهم عادية و أبدية، و لينسوا شروط ظفرهم بها، و كيف يمكن أن يفقدوها.

لكن العمل اللاشرعي ليس هدفا بحد ذاته. فالمشكل الحقيقي يتمثل في استعمال كل الإمكانات حتى أبعد حد لتشكيل حزب عمالي اشتراكي ديمقراطي، فصيل طليعي واع، مسلح بمعرفة قوانين التطور الاجتماعي، يدفع إلى أمام الوعي الطبقي داخل الطبقة العاملة، و ينظمها، و يقودها إلى المعركة، أيا كانت ظروف النضال العامة. وفق هذا المنظور، شارك البلاشفة، بعد حقبة المقاطعة، في الانتخابات بشكل منهجي، حتى عندما يكون تزوير القوانين الانتخابية جليا. ليس الهدف، و لا يمكن أن يكون، تحقيق نصر برلماني، بل كما تشير مذكرات باداييف، استعمال المنبر البرلماني لنشر الأفكار الاشتراكية و لبناء الحزب.

جرت العادة على إقامة تعارض، من هذه الزاوية، بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي و نظيره الألماني، المتمسك بشرعيته، وبمكاسبه البارزة، وبجرائده اليومية الثلاثة و الأربعين، ومجلاته، ومدارسه، وجامعاته، و صناديقه التضامنية، و"دور الشعب" التابعة له، ونوابه، و الذي أصبح في النهاية سجينا لها. هذا لأن الخوف من القمع، الذي قد يعصف بتلك المكاسب،جعل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني رهينة طوعية للطبقات المالكة، يكبح بنفسه جماح شبابه، و يمنع كارل ليبكنخت من الدعاوة "اللاشرعية" المعادية للنزعة العسكرية بمبرر أنها قد تثير غضب البرجوازية و تجدد القمع البوليسي، لكن التي لا يمكن لاشتراكي أن ينكر ضرورتها في ألمانيا غيوم الثاني.

و فقط خلال أزمة 1914 وحدها اتضحت بالكامل الهوة التي تفصل المنظمتين في موقفهما إزاء حكومتيهما المتحاربتين. قبل هذا التاريخ، كان لينين متفقا، بصدد عدد من النقاط الدقيقة، مع النقد الذي طوره اليسار الألماني، بخاصة روزا لوكسمبورغ، لكن الخلافات بينهما كانت عديدة وهامة بقدر يثبت انعدام تكتل يساري متماسك في الحركة الاشتراكية الديمقراطية العالمية. وحده التحليل التاريخي للماضي يتيح إقامة تعارض، في تاريخ الحركة الاشتراكية الديمقراطية، بين تيار لينين و روزا لوكسمبورغ الثوري و تيار بيبل و كاوتسكي الإصلاحي. قبل العام 1914، كان الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بنظر لينين و البلاشفة، طراز الحزب العمالي الذي يسعون إلى بنائه في روسيا، أخذا بالحسبان الظروف الخاصة. وقد كرر لينين ذلك مرارا، بعد أن فند بوضوح و صراحة التأويل العكسي لنواياه:" أين و متى يا ترى، ادعيت أني خلقت تيارا ما خاصا في الاشتراكية الديمقراطية العالمية، مغايرا لتيار بيبل و كاوتسكي؟ أين ومتى تجلت خلافات بيني و بين بيبل وكاوتسكي؟" [4]. يشهد البلشفي القديم شليابنيكوف Chliapnikov أن البلاشفة كانوا، في دعاوتهم تجاه العمال، يجعلون من الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان نموذجهم. وقد وصف بياتنيتسكي Piatnitski مشاعر إعجابه، بصفته بلشفيا مهاجرا، بسير عمل المنظمة الاشتراكية الديمقراطية الألمانية، و اعترف بأنه ُصدم بالانتقادات المعبر عنها أمامه، بشكل غير معلن، بصدد هذا الوجه أو ذاك من سياستها. وستكون ضغينة البلاشفة أشد بعد أغسطس 1914 لما سيراجعون تقييمهم لتيار بيبل-كاوتسكي، و يعترفون أن روزا لوكسمبورغ، التي اعتبرها لينين لحظتئذ "ممثلة الماركسية الأكثر أصالة"، كانت على صواب ضدهم حول هذه النقطة. هذا لدرجة أن لينين كان شك في صحة عدد جريدة الحزب Vorwärts الذي نشر تصريح الفريق الاشتراكي الديمقراطي بالرايشتاغ المصوت على تمويل جهود الحرب، و وضع احتمال تزوير قامت به هيئة أركان الحرب الألمانية.

في ابريل 1917، في ندوة الحزب البلشفي، كان لينين، بعد عودته إلى روسيا، الوحيد الذي صوت على اقتراحه التخلي عن تعبير " الاشتراكي الديمقراطي" في اسم الحزب. وهذا دليل انه لم يكن يخشى وضع عزلة داخل منظمته، وانه لم يكن قبل 1914 أعد قطيعة مع الأممية الثانية و أحزابها الكبيرة، و لا رغب فيها. وهذا دليل أيضا على انه كان بعد ثلاثة سنوات من أغسطس 1914 متقدما جدا بهذا الصدد عن رفاقه أنفسهم.

حزب غير مونوليثي

وعلى النحو ذاته، وأيا كانت مسؤوليات لينين و تكتله في انشقاق 1903، رأينا أنهم لم يكونوا راغبين فيه، و لا هم أعدوه أو توقعوه، وانه باغتهم و سعوا لاحقا، دون مساومة على مبادئهم، إلى إعادة توحيد للحزب، كانوا يأملون طبعا أن تجري تحت رايتهم، لكن أكيد أنها لن تؤدي سوى إلى حزب أقل تجانسا و أوسع مما كان التكتل البلشفي طيلة تلك السنوات. منذ العام 1894، كتب لينين، مساجلا ميخايلوفسكي :" صحيح تماما أنه ما من إجماع تام لدى الماركسيين. [...] ليس غياب الإجماع هذا دليل ضعف، بل قوة الاشتراكيين الروس [...] إجماع الناس الذين يشفون غلتهم بالإجماع على"حقائق مطمئنة"، هذا الإجماع الناعم جرى استبداله بخلافات بين ناس يسعون إلى تفسير للتنظيم الاقتصادي الفعلي، التنظيم الاقتصادي الراهن لروسيا، [...] تفسير لتطورها الاقتصادي الفعلي، وتطورها السياسي، وتطور باقي بنياتها الفوقية" [5]. و يجد عزمه على إعادة توحيد الحزب، عشية العام 1905، تفسيره في ثقته في أفكاره الخاصة كما في الاقتناع بأن الخلافات التي لا بد منها بين الاشتراكيين الديمقراطيين قد تجري تسويتها داخل حزب يمثل بيتا للجميع. كتب في تموز 1905:" اختلاف الآراء داخل الأحزاب السياسية أو بينها أمر ستجري تسويته عادة بالسجالات، لكن أيضا بتطور الحياة السياسية ذاتها. وبوجه خاص تجري تصفية الخلافات حول تكتيك حزب بالانتقال الفعلي لمن كانت لديهم آراء خاطئة إلى خط صائب، لأن مجرى الأحداث ذاته [...] ينزع عن تلك الآراء مضمونها وفائدتها"[6].

و أبدى بهذا الصدد ثقة كبيرة بما يخص تطور المناشفة اللاحق، حيث كتب في متم العام 1906:" سيمر الرفاق المناشفة من مَطهـَر التكتلات مع الانتهازيين البرجوازيين، وسيعودون إلى الاشتراكية الديمقراطية الثورية [7]. وبنظر كروبسكايا، في العام 1910، " لم يكن فلاديمير اليتش يشك في حصول البلاشفة على الأغلبية داخل الحزب، و لا في أن هذا الأخير سيتجه، في نهاية المطاف، وفق النهج الذي رسمه البلاشفة، لكن يجب أن يشمل هذا الحزب كله و ليس تكتل لينين وحده" [8]. وفي العام 1912، لم تلق ندوة براغ الحرم سوى على أعداء العمل اللاشرعي، التصفويين. هكذا يُفسر التعاون مع "مناشفة الحزب" لا بمناورة تكتيكية بل بالاقتناع، المعبر عنه منذ ديسمبر 1906، بأن " الاشتراكية الديمقراطية ستكون حتما، حتى قدوم الثورة الاشتراكية، بجناح انتهازي و آخر ثوري" [9]. انه الموقف الذي دافعت عنه في بروكسيل إينيس أرمان بقولها: ما عدا التصفويين، ثمة مكان لكل اشتراكي ديمقراطي في الحزب، حيث يجب، في روسيا كما في الغرب، أن يتعايش على نحو عادي الثوريون و الإصلاحيون، لأن الثورة وحدها ستحسم في نهاية المطاف بينهم، بما هي التعبير النهائي عن " تطور الحياة السياسية".

نظام الحزب

منذ عهد ستالين، يؤكد أغلب المؤرخين و المعلقين على النظام السلطوي بالغ المركزية للحزب البلشفي، وينتهون إلى اعتبار ذلك مفتاح تطور روسيا خلال أكثر من ثلاثين سنة. فيما يخص طابع الحزب بالغ المركزية، لا تعوزهم الاستشهادات لإسناد أطروحاتهم. و الواقع أن الاستشهادات في الاتجاه المعاكس كثيرة أيضا: يمكن تقويل لينين، وغيره، أمورا كثيرة بجمل مقطوعة من سياقها. و الحقيقة أن هم لينين الأول كان بناء حزب نضال، وفي هذا المنظور لا يمكن تصور بنائه، وطبيعته، و تطوره، ونظامه ذاته، بمعزل عن الظروف السياسية العامة، وعن درجة الحريات العامة، و ميزان القوى بين الطبقة العاملة، و الدولة و الطبقات المالكة.

كتب لينين، ما بين 1904 و 1905، مساجلا المناشفة، فيما كان كل الاشتراكيين في السرية:" نحن أيضا نؤيد الديمقراطية، عندما تكون ممكنة فعلا. سيكون ذلك حاليا مزاحا، وهذا لا نريده، لأننا نريد حزبا جديا، قادرا على هزم القيصرية و البرجوازية. لا يتيح وضعنا السري الفروض تحقيق الديمقراطية الشكلية في الحزب. [...] كل العمال الواعون المدركين ضرورة إطاحة الأتوقراطية ومحاربة البرجوازية، يدركون أن هزم القيصرية يستوجب في هذا اللحظة حزبا سريا، ممركزا، وثوريا، مرصوصا في كتلة واحدة. إن اعتماد نظام الانتخابات و الديمقراطية، في ظل الاوتقراطية، بقمعها الشرس، يمثل ببساطة مساعدة للقيصرية على تدمير منظمتنا" [10]. و كتب في مقال القفص الجميل لا يغذي العصفور:" يدرك العامل الجدي أن الديمقراطية ليست هدفا بذاتها، بل وسيلة من أجل تحرر الطبقة العاملة. نعطي الحزب البنية المستجيبة على أفضل وجه لحاجات نضالنا في هذه اللحظة. ما نحن بحاجة إليه اليوم هو نظام تراتبية و مركزية صارمة" [11].

إبان المؤتمر الثالث، فيما الحركة الثورية تتسع من يوم لآخر، كتب يقول:" في شروط حرية سياسية، يمكن أن يكون حزبنا، وسيكون، قائما على مبدأ الانتخاب. [...] و حتى في ظل الحكم المطلق، كان بوسعنا أن نطبق على نحو أوسع مبدأ الانتخابات" [12]. وقد قررت ندوة تامرفور التطبيق الشامل لمبادئ "المركزية الديمقراطية" في منظمة الحزب، و "مبدأ الانتخاب على أوسع نطاق، مع منح الهيئات المنتخبة كامل صلاحيات القيادة الإيديولوجية و العملية، ومبدأ إقالة هذه الهيئات و مبدأ كشف حساب نشاطها ونشره على أوسع نطاق". وفي تقديمه لكراسة "في 12 سنة"، أعاد لينين التذكير، مساجلا بصدد ما العمل؟ :" استعمل الحزب، رغم الانشقاق، كل بصيص حرية آني لاعتماد بنية ديمقراطية في منظمته العلنية مع مبدأ انتخاب و تمثيل في المؤتمر مطابق لعدد المناضلين المنظمين" [13].

بنظر البلاشفة، يعكس "النظام" الداخلي في الحزب الشروط العامة للصراع الطبقي، لكنه بدوره عامل مستقل. وقد جربه لينين في تكتله الخاص عندما اصطدم باللجانيين الذين شهدت كروبسكايا أنهم لا يقبلون أي ديمقراطية داخلية و يرفضون كل تجديد، بسبب العجز عن التكيف مع الظروف الجديدة: يعارضون دمج عمال في اللجان بمبرر عجزهم عن العمل فيها، ويدعون التحكم بتفاصيل كل نشاط، و الحفاظ على مركزة و تراتبية صارمين. وأعاد لينين إلى أذهانهم أن "الحزب لا يوجد من أجل اللجنة، بل اللجنة توجد من أجل الحزب". "غالبا ما اعتقد أن تسعة أعشار البلاشفة هم حقا متمسكون بالشكليات. [...] يجب أن نقوم بتنسيب الشباب إلى الحزب بمزيد من سعة النظر، وبمزيد من الجرأة، دون تخوف منهم، ونسيان كل الممارسات المعيقة واحترام الألقاب، الخ. [...] إعطاء كل لجنة بالقاعدة، بلا مبالغة الشروط، حق صياغة مناشير وتوزيعها. و لن يكون الأمر جسيما إذا ارتكبت اللجان أخطاء، فسنصححها "بلطف" في جريدة فبيريود. و الأحداث ذاتها تعلم وفق روح وجهة نظرنا" [14]. وتشير كروبسكايا الى أن لينين لا يبالغ في التخوف من عدم استماع اللجانيين إليه:" كان يعلم أن الثورة سائرة و ستجبر الحزب على قبول العمال في لجانه" [15].

السرية ملائمة طبعا للمركزية السلطوية، بالنظر إلى أن الانتخاب لا معنى له سوى بين مناضلين يعرفون بعضهم البعض و بوسعهم ممارسة رقابة متبادلة. إلا أنها تحد من آثارها بقدر ما تفصم العلاقات بين مختلف مستويات التراتبية، و تترك للجان المحلية هامش مبادرة هام. إن مجموعات اشتراكية ديمقراطية مرتبطة بالتكتل البلشفي هي من أصدر مناشير داعية إلى الإضراب و التظاهر يوم 15 نوفمبر 1912 في سان بطرسبورغ: حسب شهادة باداييف، لم تُخطر بالأمر أي هيئة مسؤولة بالمركز و لا بالعاصمة، ولا أي عضو بالفريق البرلماني [16].

احتاج القادة البلاشفة عدة أيام لمعرفة من تحمل مسؤولية هذا النداء. لكنهم ساندوا هذا الإضراب، و إن اعتبروه ناقص التحضير، لأنه كان شعبيا بين العمال. وكان هذا النوع من الأحداث كثير الحدوث. لم يتمكن بياتنيتسكي، الذي يضطلع منذ سنوات بوظائف هامة في الجهاز السري، من الحصول عام 1914 على عنوان مسؤول بلشفي في مدينة سامارا حيث وجد عملا. فقد كان البلاشفة اندمجوا بتلك المدينة مع المناشفة، وبعد أن عثر بوسائله الخاصة على "الصلة"، بادر بياتنيتسكي إلى إعادة تنظيمهم على نحو مستقل، مقنعا إياهم بناء على معلوماته الشخصية لا غير، و بلا أي "تفويض" [17].

كان من الأكثر رواجا ضمن المؤاخذات على تنظيم البلاشفة تسهيله الكوارث الناتجة عن نجاح عملاء الشرطة في التسرب إلى التنظيم. وتوضح بعض الأمثلة هذا الأمر. كان الطبيب جيتوميرسكي عميلا للأوخرانا [شرطة القيصر السرية] لما جرى تكليفه في العام 1907 بربط الصلة بين روسيا و المهجر. و في العام، 1910 كانت الجرائد المطبوعة في سويسرا أو ألمانيا تصل بانتظام بين أيدي الشرطة، لان المسؤول عن نقلها، المدعو ماتفي Matvéi كان منذ سنوات عميلا للأوخرانا. لكن يجب فعلا الاعتراف أن عملاء الشرطة السياسية كانوا يحسنون استعمال كل السبل للتسرب إلى الحزب، و أن النظام البوليسي لروسيا هو الذي يسهل، أكثر من نظام الحزب الداخلي، استخدام الشرطة لمناضلين يحظون بثقة رفاقهم و قبلوا في السجن القيام بدور مخبرين.

و أبرز مثال هو مالينوفسكي Malinovski. كان هذا مناضلا عماليا، كاتب نقابة عمال التعدين في سان بطرسبورغ من1906 إلى 1909، وكان خطيبا جيدا، ومنظما جيدا، وقد دخل في خدمة الشرطة السياسية في العام 1910، ربما بقصد تفادي عواقب حكم سابق ضده في قضية حق عام. و انضم إلى البلاشفة في العام 1911، وأصبح بفعل نشاطه مناضلا معروفا لدرجة ترشيحه إلى مجلس الدوما، و أصبح عضوا به، حيث ساهم هناك في تنظيم الانشقاق في الفريق الاشتراكي الديمقراطي. و في غضون ذلك، واصل بانتظام التخابر مع الشرطة السياسية، كاشفا أسماء المناضلين المستعارة، ومقرات الاجتماعات. وكان هو من سبب اعتقال ريكوف Rykov و نوغين Noguine قبل ندوة براغ، وسفيردلوف Sverdlov و ستالين في العام 1914. و عمل لينين على انتخابه إلى اللجنة المركزية في العام 1912، و دافع عنه حتى النهاية ضد اتهامات المناشفة، حتى بعد استقالته الصاخبة من مهمة النائب بالدوما في مايو 1914. فقط بعد انتصار الثورة، كشفت أرشيفات الأوخرانا كامل حقيقة تصرفاته. عاد إلى روسيا بمحض إرادته، بعد أن كان أسير حرب، وحوكم بالإعدام و جرى إعدامه.

بغض النظر عن طابع المغامرة المثير، يجب فعلا الاعتراف أن بنيات التنظيم، و مناهجه و مبادئ عمله قد حمته نسبيا من نشاط عميل شرطة من هذا العيار. وقد أعطت شهادة لينين في محاكمته القضية حجمها الحقيقي: " كان يتوجب بنظر الأوخرانا بذل كل ممكن لإدخال مالينوفسكي إلى الدوما و إلى اللجنة المركزية. وعندما تم بلوغ ذلك، بدا أن مالينوفسكي أصبح إحدى حلقات السلسلة الطويلة التي تربط قاعدتنا الشرعية بأداتي حزبنا الكبيرتين نحو الجماهير، أي جريدة البرافدا و الفريق الاشتراكي الديمقراطي في مجلس الدوما. كان على عميل الشرطة السياسية أن يحافظ على هاتين الأداتين ليصون ثقتنا به. لقد كان بوسع مالينوفسكي أن يسقط، وقد أسقط فعلا رفاقا عديدين. لكنه لم يكن قادرا على وقف نشاط حزبنا، و لا التحكم به و لا توجيهه، هذا النشاط المتنامي أهمية و المتزايد تأثيرا على الجماهير، على عشرات ومئات آلاف الأفراد". و خلص لينين قائلا:" لن استغرب أن تكون أحد أسباب مغادرة مالينوفسكي أنه كان في الواقع أشد ارتباطا بالبرافدا الشرعية و بالفريق البرلماني الشرعي اللذين كانا يقومان بعمل ثوري أكبر من أن تسمح به الأوخرانا" [18].

أصالة الحزب البلشفي

في الواقع، لم تكن أصالة الحزب البلشفي تكمن في تصور إيديولوجي، و لا في نظام ممركز على نحو خاص. لم تكن الاشتراكية الديمقراطية الألمانية أقل مركزية، و لا أقل صرامة تنظيمية من الحزب الروسي: بإعجاب يصف بياتنيتسكي، المختص بالجهاز الروسي، المنظمة الاشتراكية في لايبزيغ، و الاشتغال نصف السري للنوى القيادية التي يسميها المناضلون "الفحامين". و قد كان "انضباط التكتل" مطبقا بصرامة على كل مستويات الحزب الألماني، وربما بصرامة أكثر، بفعل الشرعية و قدرة الجهاز المالية، التي قلما تتيح إمكان المبادرة. وستكشف أزمة العام 1914 طبيعة الفرق بين الحزبين، حيث صوتت الاشتراكية الديمقراطية الألمانية على تمويل جهود الحرب، ودعمت حكومتها المنخرطة في الحرب، فيما دعا البلاشفة إلى تحويل الحرب الامبريالية إلى حرب أهلية. أصبحت الاشتراكية الديمقراطية الألمانية، وقد تكيفت مع النظام السياسي و الاجتماعي، حزبا إصلاحيا، فيما حافظ الحزب البلشفي،الذي ظل مناهضا بشدة، على منظوراته و سياسته الثوريتين.

مرد هذا أولا أن الاشتراكيين الديمقراطيين الروس كانوا يعيشون ويناضلون في سياق تفجري بما لا يقاس مقارنة بسياق أوربا الغربية. كان التطور المركب للمجتمع الروسي قد جعل البروليتاريا الصناعية طبقة اجتماعية ثورية للغاية، وهذا ما أبصره إسحاق دويتشر على نحو جيد حين كتب: " كانت الطبقة العاملة الروسية في 1917 إحدى عجائب التاريخ. صغيرة عدديا ،وفتية، و بلا تجربة و لا تربية، لكنها كانت غنية بالهوى السياسي، و المروءة، والمثالية و صفات بطولية ثورية نادرة. كانت لها موهبة الحلم بالمستقبل و الموت في المعركة موتا بطوليا" [19].

أعطى البلشفي بريوبراجنسكي تحليلا نافذا لهذه الظاهرة بقوله:" إن طليعة طبقتنا العاملة نتاج رأسمالية أوربية شيدت بتدفقها في بلد جديد مئات المقاولات الهائلة، منظمة وفق آخر تطويرات التقنية الأوربية. عاملنا هو البربري الفتي المفعم بالقوة، الذي لم تفسده بعد الحضارة الرأسمالية، و لم يفسده بعد لين العيش و الرفاهية، و فتات مائدة مستغلي المستعمرات، ولم يحن الرأس بعد لنير الشرعية و النظام البرجوازيين. أجداده هم الفلاحون الذين كانوا ينهبون بيوت الأسياد ومحاصيلهم، أولئك الذين كانوا ُيجلدون في اصطبلات komitetchiki ، والذين كانوا يرسلون إلى الأشغال الشاقة في مناجم الأورال و سيبريا. يجري في عروقه دم المتمردين الذين كانوا في عهد ستينكا رازين Stenka Razine و بوغاتشيف Pougatchev يهزون عرش قياصرة موسكو. بدأ عاملنا يمقت الرأسمال و يحاربه قبل أن يبجله بما هو منظم لنظام اقتصادي أرقى من الصناعة الحرفية، وبدأ يحتقره قبل أن يذوق الثقافة البرجوازية و يتعلق بها. لا يشبه بروليتاري الغرب، المروض بقرنيين من الصناعة المانيفاتورية و الرأسمالية، و لا بنصف البروليتاري بالهند و الصين. من لا يفهم هذه السمات الأصيلة لن يفهم شيئا من منجزاته العجيبة، ولن يدرك جوهر هذه الظاهرة السوسيولوجية المتمثلة في الحزب البلشفي. [...]. كانت طبقتنا العاملة تجمع في ذاتها الحيوية الثورية، وعفوية الفتوة الطرية مع الانضباط الذي يلحم ملايين الكائنات التي يجمعها العمل حول الآلة" [20].

لم يكن في المجتمع الروسي في ظل القياصرة فرص استراحة للمناضلين العماليين. النقابات تتعرض للحل فور وجودها الفعلي، و المناشفة الأكثر "شرعوية"، بما فيهم التصفويين، يتلقون من الشرطة ضربات تضاهي قسوة ما يتعرض له البلاشفة الأشد صلابة. لا يمكن أن تكون ثمة مناصب للبيروقراطيين، ولا حتى للملتحقين المحترمين بالعدو، لأن المناضل الذي يريد التخلي عن النضال ليبيع نفسه لن يجد سبيلا غير التخابر مع الشرطة. ما من تكيف ممكن مع الدولة بدون استسلام مفتوح، وليس للإصلاحية، التي ولدت في الغرب كحالة ذهنية قبل تجسدها في اتجاه داخل المنظمات العمالية، ثم كفئة ذات امتيازات، جذور جدية في روسيا. إن ظروف النضال السياسي و الاجتماعي تجعل من المناضلين نخبة سخية و جريئة و خالصة. يجب مضاعفة الحيل و المبادرات للحفاظ على المنظمة و الحفاظ على الصلات مع العمال. لا يمكن لأي رتابة أن تقوم لها قائمة، ويجب معرفة استعمال الفرص.

العمل العمالي

تولي كل مذكرات المناضلين البلاشفة في فترة ما قبل 1914 مكانة واسعة لذكريات "حملة التأمينات" المنظمة بعد سن قانون 23 يونيو 1912 حول التأمين ضد المرض. استعمل الحزب كل أوجه ضعف النص القانوني من أجل تعبئة العمال، الذين سينتزعون تباعا حق تنظيم اجتماعات شرعية حول مسائل التأمينات، ثم حق انتخاب مندوبين لتمثيلهم في صناديق التأمين، وأخيرا تعديل النص حول شروط الاستفادة من القانون. إنه تقريبا الظرف الوحيد حيث تمكن هؤلاء المناضلون من التدخل على نحو شرعي في التجمعات العمالية و القيام، في كل المصانع، بعمل مدبر.

إن تحريضا من النوع النقابي، حيث يتمكن البلشفي من التوجه إلى مجموع العمال، يستوجب ظروفا مواتية، يجهد أحيانا لخلقها. كان شليابنيكوف Chliapnikov عاملا بمصنع في سان بطرسبورغ، قام في البدء بحملة في مشغله من أجل " تساوي أجور عمال نفس المهنة، أو الذين يقومون بنفس العمل بالقطعة" ]21]. رغم أن تفاوت الأجور ضئيل، غالبا ما كان هذا الشعار الموحد نقطة انطلاق التحريض البلشفي في المقاولة. وفي طور آخر يتعين خوض تحريض أوسع، ومحاولة إطلاق تحركات. ولا يوجد للقيام بذلك أي إطار، و لا مكتب فرع نقابي، و لا جمع عام ممكن في الشرعية. يجب مع ذلك التوجه إلى العمال، وهذا غير ممكن إلا بعد تحضير دقيق، كان لدى البلاشفة تقنية متقنة: ما عدا الاستثناء مثل حملة التأمينات، لا جمهور لديهم سوى في اجتماعات مفاجئة. يجب تحضير هذه الاجتماعات بعناية، وفي اللحظة المختارة سد باب خلال استراحة، في غرفة طعام، أو أدراج لحظة الخروج. ومع ذلك يتعين على الخطباء المحميين على هذا النحو أن يكونوا على استعداد للهرب عند الإنذار. يكون "تناول الكلمة" مقتضبا، و غالبا ما يأتي الخطيب من خارج، مع وجوب حجب وجهه بقبعة أو منديل كي لا يخاطر بالتعرف عليه و الوشاية به. وعلى مناضلي المصنع طبعا أن يعدوا تجمع المستمعين و الحرص على سلامة رفيقهم: يجب عليهم، في خضم هذه التحضيرات، أن يضاعفوا الاحتراز، خشية الوشاة، وتفادي التعرف عليه أثناء تناول الكلمة، دون التوقف عن المراقبة.

عندما يجد المناضل عمالا متعاطفين، يجب دفع النقاش، الخطير، على أرضية الأفكار. لهذا يجب تفادي الأماكن العامة المرتادة بكثرة و الموبوءة بالوشاة. كما يجري تفادي الاجتماع في بيت خاص، لأنه بقدر قلة العناوين المعروفة تقل المعلومات التي تصل إلى الشرطة. تنظم إذن اجتماعات طائرة، في زورق، يوم عطلة، أو ورش مهجور يتم التأكد من خلوه عادة في تلك الساعة. إذا لم يكن بد من اجتماعات بحضور عديد، تعقد في الغابة يوم الأحد، حيث يقوم مراقبون بحماية الاجتماع من المتجولين الفضوليين.

المنظمة السرية

يكون العامل الذي انضم إلى الحزب متمرسا على أساليب العمل السري. وسيغطس فيه أكثر. ولا يعلم اسمه وعنوانه سوى مسؤول واحد فقط، وهو معروف ويعرف رفاقه في الحزب باسم حركي مستعار غالبا ما يتغير عند الضرورة بقصد تضليل الشرطة. ثمة في القاعدة، في المشغل أو المصنع، الخلية التي غالبا ما تسمى " اللجنة" أو " النواة". و لا تقوم بالتنسيب سوى بالانتقاء، وكل قادم جديد يكون موضوع فحص و يقبله الأعضاء قبل استقطابه إلى التنظيم.

وصف بياتنيتسكي بدقة هرم الحزب في مدينة أوديسا عام 1905 قائلا: فوق لجان القاعدة، ثمة الدوائر الفرعية و الدوائر و لجنة المدينة، تستقطب كلها بالانتقاء حصرا. تضم كل لجنة مناضلين مسؤولين، بوظائف محددة بدقة، و لا صلة لهم سوى بمماثليهم في المستوى الأدنى أو الأعلى، كما أن الصلات العمودية مقلصة إلى حدها الأدنى، بقصد زيادة حواجز الفصل وتفادي أن يؤدي اعتقال فرد إلى سلسلة اعتقالات بالمنظمة برمتها. يجب، قدر الإمكان، ألا يلتقي المناضلون خارج الاجتماعات. ثمة فقط مداومات سرية، في يوم وساعة محددين، مع تفضيل تنظيمها في مقاهي حيث يمكن الالتقاء كباقي الناس في حالة ضرورة قصوى. تجتمع لجنة أوديسا في مقرات خاصة، وهي التي تمسك بكل خيوط التنظيم، لأنها تراقب كل المناضلين بواسطة دوائر و دوائر فرعية، وتعين علاوة على ذلك كل خطباء الاجتماعات بالمصانع ومسؤولي المجموعات الدراسية التي يتعين على المناضلين تجميعها حولهم [22].

وكانت منظمة موسكو في العام 1908 أشد تعقيدا، و أكثر ديمقراطية في آن واحد، حيث توجد في القاعدة تجمعات مصانع، بقيادة لجنة منتخبة، وفوقها بعض الدوائر الفرعية، و لا سيما ثمانية دوائر تحت قيادة لجنة منتخبة من مندوبي تجمعات المصنع. وفي القمة لجنة موسكو المنتخبة مباشرة في تجمع خاص لمندوبي تجمعات المصانع. ولدى هذه اللجنة تعتمد لجان مختصة: اللجنة العسكرية، التي تضم مكتبا تقنيا له مسؤول لا يعرفه داخل الحزب غير كاتب وحيد، ومكتب خاص بالدعاوة ضد النزعة العسكرية لدى المجندين مستقبلا و بالعلاقة مع العمال المجندين، ومكتب طلاب و مكتب محاضرين و صحافيين، مكلف باستعمال الكفاءات، وتكوينها عند الاقتضاء، وتوزيعها حسب الحاجات في هذه الدائرة أو تلك آو لجنة المصنع هذه أو تلك، ولجنة مالية [23].

وفي قلب الحزب تقوم، أخيرا، اللجنة التقنية التي تتطلب مهامها المتعددة و الهامة تخصصا و كفاءة و سرية. يجب الحصول على جوازات سفر، هذا الشرط الأول لكل عمل سري. و أفضل الجوازات هي الحقيقية (غير المزورة) المطابقة لشخص حي و لا شبهة عليه، وتسمى "حديدية". لكن أغلبية الجوازات التي يتوفر عليها الحزب مزورة يصنعها بنفسه. كان لدى شليبنيكوف خلال الحرب جواز سفر باسم مواطن فرنسي، مكنه من عطف الشرطة الحريصة على حسن معاملة مواطن بلد حليف. وقد دخل كريلنكوKrylenko الجيش بهوية مزورة، وأصبح ضابطا به. وتتمثل إحدى أهم مهام الجهاز التقني، الذي كان كبار مختصيه كل من بياتنيتسكي Piatnitski و الجيورجي افيلي اينوكدزي Avelii Enoukidzé، في نقل ونشر " الأدب" القادم من الخارج: يمر هذا الأدب عبر الجمارك في حقائب مزدوجة القعر، لكن أيضا عبر شبكات تهريب، حيث يكون "العابرون" محترفين يعملون بمقابل أو مناضلين أو أنصارا نظموا بشكل خاص شبكة تستعملها عند الحاجة منظمات سياسية سرية عديدة.

وكانت المطابع السرية هي التي تطرح أكبر المشاكل. يجب إقامتها في مكان معزول، أو على العكس كثير الضجيج، غالبا في قبو، وأحيانا فوق مستودع كي لا يثر الذهاب و الإياب الانتباه. يجب التزود بالآلة و اجتياز شروط مالية بالغة القسوة لأن البيع غير الشرعي خطير على البائع أيضا. يتم أحيانا توريدها قطعة قطعة إلى المقر الملائم. و يكون عمال المطابع أعضاء الحزب هم من يزود بالقطع الصغيرة و الحروف المسروقة من مشاغلهم، بكميات ضئيلة، خلال أشهر مديدة. ويثير مشكل الورق، شراءً ونقلا، مشاكل جمة، ذهابا و إيابا على السواء، ويسهل غطاء مخبزة أو دكان فواكه العملية. و يمثل ترويج المعدات، المطبوعة محليا أو القادمة من الخارج، عملية كبيرة النطاق: يوضع الصندوق ضمن أمتعة أخرى، ويتم اكتراء شاحنة، يعطى سائقها عنوانا خاطئا ُيغير في مجرى الطريق لإرساله لتسليم البضاعة في مستودع حيث يجري سحبها في ربع ساعة التالي. يعيش المسؤولون عن هذه المهام حياة أناس مطاردين: لا يغادر بعض عمال الطباعة السريين القبو حيث عملوا و كلوا وناموا طيلة شهور سوى إلى السجن.

العمل " المناهض للنزعة العسكرية" قريب من الجهاز التقني: إنه خطير على نحو خاص، ويتطلب درجة سرية صارمة جدا. يوزع البلاشفة في مجالس المراجعة مناشير تشرح للمجندين دور الجيش في خدمة المستغلين، وتذكرهم بتضامنهم مع العمال، وتدعوهم إلى تعلم مهنة السلاح بوعي، للتمكن يوما ما من استعمالها ضد الأعداء الطبقيين. ظروف هذا العمل قاسية. فقط في الحقبة الثورية، من 1905 و 1907، و بدءا من 1917، نجح البلاشفة في تنظيم حلقات سرية داخل الجيش و الأسطول، وفي نشر جرائدهم الخاصة ( الثكنة أو حياة الجندي) في الثكنات و البواخر. و بالمقابل، تمكنوا دوما من الحفاظ على صلة، ولو متقطعة، مع مناضليهم وحتى أنصارهم المجندين.

وكان لدى البلاشفة في العامين 1905 و 1906 منظمات قتالية،" مجموعات خاصة مجندة من المناضلين"، بقصد " تامين قيادة مباشرة للانتفاضة المسلحة": "مجموعة تقنية" بقيادة كراسين، صنعت أسلحة و دخيرة، و أمنت التعليم العسكري للمجموعات القتالية. و قرر مؤتمر لندن حلها، اعتبارا " لتحولها المحتوم في الشروط الراهنة إلى حلقات ضيقة من المـتآمرين" الذين "يكونون في عزلة عن الجماهير، و تسقط معنوياتهم، و يبثون التفكك التنظيمي في الحزب ". وقد كان نشاط هؤلاء الأنصار، البيوفيكي boiéviki ، الذين يحتمل أن يكون ستالين أحد منشطيهم، أثار سجالات حادة داخل الحزب. فقد كانت "عمليات نزع الملكية" جوهر نشاطهم، وكانت تنطوي على خطر انحطاط محبط لقطاعات هامة من المناضلين مع خطر إفقاد الحزب برمته الاعتبار.

فقد كان تمويل أنشطة الحزب يطرح مشكلا كبيرا، إذ لم تكن مساهمات الأعضاء في يوم ما كافية. يشير تقرير للجنة باكو إلى أنها شكلت في بعض الفترات أقل من 3 بالمائة من المداخيل. و يورد ياروسلافسكي Iaroslavski [24] مع ذلك لجانا محلية،مثل لجنة ايفانوفو-فوزنيسينسك و لجنة لودز حيث تمثل المساهمات نسبة 50 بالمائة من المداخيل. وغالبا ما يكون مصدر القسم الأعظم من التمويل من مساهمات منتظمة من أوساط المثقفين، تحت رقابة لجنة مالية خاصة. وقد حصل البلاشفة على هذا النحو على مبالغ كبيرة من نصير ثري بواسطة ماكسيم غوركي و رجل الصناعة موروزوف عبر كراسين. وكان أحد اشد النزاعات بين البلاشفة و المناشفة قد نشأ عن خلاف حول هبة للحزب بمبلغ كبير أورثه بعد انتحاره طالب نصير كانت إحدى أخواته المنفذة لوصيته زوجة للبلشفي تاراتوتا [25]. ويورد شابيرو ضمن أهم الممولين الطالب تيخومرنوف، رفيق مولوتوف بجامعة كازان [26]. وأخيرا ساهمت بعض عمليات " نزع الملكية" بشكل كبير في تغذية صناديق الحزب. لكن، في المجمل، ظل الحزب ناقص التمويل، وكان الثوريون المحترفون يقضون أحيانا شهورا في انتظار أجرة قد تتراوح، حسب ياروسلافسكي، بين 3 و 30 روبل شهريا في أقصى حد.[27].

رغم تأكيد البلاشفة على تحالف العمال و الفلاحين، كان العمل التنظيمي بين الفلاحين بدأ بالكاد قبل الثورة، ما عدا بعض مجموعات العمال الزراعيين. وحدها مناشير وكراسات جرى توزيعها بشكل متقطع في القرى من طرف مجموعات عمالية.

وكان للعمل الطلابي حجم أكبر في المدن الجامعية التي كانت بها مكاتب اشتراكية ديمقراطية خاصة بالطلاب، ومجموعات اشتراكية حيث يتواجه مناضلون من مختلف التكتلات: كان ثمة البلاشفة وكانوا يستقطبون، كما كانوا يفعلون كلما أمكن في حلقات التلاميذ. في العام 1907، دعت مجموعة شباب بلاشفة ، بقيادة بوخارين و سوكولنيكوف Sokolnikov، إلى مؤتمر وطني للطلاب الاشتراكيين الديمقراطيين. وقد زالت هذه المنظمة في السنة اللاحقة، ولم تكن ثمة أي محاولة لتشكيل منظمة طلاب مرتبطة بالإيديولوجية البلشفية حتى عام 1917. ويبدو أن رأي كروبسكايا في تلك الفترة كان غالبا: كانت حملة لينين تهدف إلى قيام منظمة شباب ثوري بقيادة الشباب أنفسهم، أيا كانت مخاطر ارتكابهم أخطاء، وهذا بنظره أفضل من خنقهم بوصاية "البالغين" ذوي النوايا الحسنة. في وضع الشباب الروسي، يستبعد هكذا تصور منظور بناء منظمة شباب بلشفية خالصة.

المناضلون

بيد أن قلب منظمة البلاشفة، " الكتيبة الحديدية" للمناضلين المحترفين، جرى تجنيدها من شباب فتي، عمال أو طلاب، في حقبة ومجتمع قلما أتيح فيه للطفولة أن تمتد، بخاصة في الأسر العمالية. إن شبابا يقل عمرهم عن عشرين سنة هم من تخلى عن كل مهنة وكل طموح غير الطموح السياسي و الجماعي، و التزم بلا عودة ليتماثل مع النضال العمالي.

مثال هؤلاء ميشال تومسكي، عامل طباعة، الذي دخل الحزب وعمره 25 سنة، وكان بذلك استثناء رغم ما قضى من سنوات مناضلا لاحزبيا. ففي عمره كان لأغلبية الآخرين رصيد سنوات من النضال السياسي. و أصبح الطالب بياتاكوف Piatakov، سليل أسرة برجوازية كبيرة في أوكرانيا، بلشفيا و عمره عشرون سنة. و انضم الطالب روزنفيلد Rosenfeld ، المدعو كامينيف، إلى الحزب وعمره 19 سنة ، مثل عامل التعدين شميدت و الميكانيكي ايفان سميرنوف. وفي عمر 18 سنة انضم إلى الحزب كل من عامل التعدين باكاييف Bakaiev ، و الطلاب بوخارين و كريستينسكي Krestinski و الاسكافي كاغانوفيتش Kaganovitch. اما المستخدم زينوفييف، و عاملي التعدين سيريبرياكوف Sérébriakov و اوتوفينوف Loutovinov ، فقد أصبحوا بلاشفة في عمر 17 سنة. وكان سفيردلوف مشتغلا عند صيدلاني لما بدأ النضال وعمره 16 سنة مثل التلميذ كويبيشيف Kouibychev. ودخل الاسكافي دروبنيس Drobnis و التلميذ سميلغا Smilga الحزب في عمر 15 سنة و بياتنيتسكي في عمر 14 سنة.

لم يتخط بعد هؤلاء الشباب سن المراهقة إلا وقد أصبحوا مناضلين قدامى و أطرا. سير سفيردلوف وعمره 17 سنة المنظمة الاشتراكية الديمقراطية في سورموفو، وقد سمته الشرطة الباحثة عنه "الصُغـيّر". وكان عمر سوكولنيكوف Sokolnikov 18 سنة لما كان كاتب دائرة الحزب بموسكو. وكان عمر ريكوف 24 سنة لما كان، في لندن، ناطقا باسم "اللجانيين"، ودخل اللجنة المركزية. وكان زينوزفييف، مشهورا كمسؤول بلشفي في بطرسبورغ، ومحررا لجريدة بروليتاري، لما دخل اللجنة المركزية وعمره 24 سنة. وكان عمر كامينيف 22 سنة لما كان مندوبا بلندن إلى ندوة تاميرفو. وكان سيريبرياكوف احد منظمي المنظمات السرية في روسيا و احد مندوبيها العشرين إلى براغ في 1912 وعمره 24 سنة.

جاء هؤلاء الشباب في موجات متتالية، مصادفة للإضرابات و للحركات الثورية. بدأ القدامى النضال حوالي العام 1898، وأصبحوا بلاشفة منذ 1903، وبعدهم جاء جيل 1905 و السنتين التاليتين، و انضم جيل ثالث إلى الحزب بدءا من 1911-1912 . كانت حياة هؤلاء المناضلين عبارة عن سنوات سجن، وعمل سري، و أحكام، و منافي. بدأ بياتنيتسكي، المزداد عام 1882، النضال عام 1896. اعتقل عام 1902، وهرب و انضم إلى المنظمة "الايسكرية"، ثم هاجر. و ناضل بالخارج حتى العام 1905، وعاد إلى روسيا في هذا التاريخ، ونضال في أوديسا حتى العام 1906، ثم في موسكو من 1906 إلى 1908. اعتقل، وهرب منن المعتقل، و انتقل إلى ألمانيا حيث اضطلع بوظائف هامة في الجهاز التقني حتى العام 1913.

خلال ذلك الوقت تعلم مهنة الكهربائي. وعاد سريا إلى روسيا عام 1913، و وجد عملا في مصنع و اعتقل من جديد ثم نُفي عام 1914. وثمة سير أكثر إثارة: ولد سيرج مراتشوفسكي Mratchkovski في السجن من أبوين معتقلين سياسيين، وكبر فيه طفلا قبل أن يعود إليه بالغا، لحسابه الخاص هذه المرة. وكان تومسكي لما بلغ السابعة و الثلاثين قد جمع 10 سنوات من السجن و المنفى. و كان ميليوتين اعتقل 8 مرات، وحكم عليه بالسجن 5 مرات و نفي مرتين. و قضى دروبنيس 6 سنوات في السجن و حكم عليه 3 مرات بالإعدام.

كانت معنويات هؤلاء المناضلين فوق كل تحدي، و وهبوا أفضل ما لديهم، مقتنعين أنهم لن يعبروا عن كل إمكانات ذكائهم الفتي الفائر إلا على هذا النحو. دخل سفيردلوف السرية وعمره 19 سنة، من أجل تنظيم العمال في كوستروما، كتب إلى صديق قائلا:" آسف لمغادرة نيجني-نوفغورود، لكني إجمالا مسرور لمغادرتها لأني لن أتمكن هناك من إطلاق جناحي، واعتقد أن لدي جناحان. في نوفغورود تعلمت العمل و وصلت إلى هنا مسلحا بخبرة، و لدى مجال عمل واسع لنشر قواي"[28]. تعرض بريوبراجنسكي، المشرف على العمل السري في الاورال في حقبة الردة الرجعية للاعتقال و المحاكمة. ولما حاول محاميه كيرينسكي إنكار التهم، وثب و تبرأ منه، و أكد اقتناعاته و تبنى مسؤولية عمله الثوري. و طبعا أدانته المحكمة. وفقط بعد نجاح الثورة اكتشف الحزب في هذا المناضل المحترف منذ كان عمره 18 سنة ُمنظرا اقتصاديا مرموقا.

كان هؤلاء المناضلون يدرسون، وقد كان أمثال بياتاكوف الذي كتب بحثا حول سبينغلر لما كان مطاردا في أوكرانيا في العام 1918، و بوخارين، مثقفين من العيار الثقيل. و كان الآخرون، رغم أنهم أقل نبوغا، يدرسون كلما تمكنوا لأن الحزب لم يكن مدرسة بالمعنى المجازي فقط. و غالبا ما تتعلم فيه القراءة، ويصبح فيه كل مناضل أستاذا، ويجمع حوله حلقة تدريس و نقاش. يسخر خصوم البلشفية من هذا الميل إلي الكتب الذي يبدو أحيانا قد حول الحزب إلى " ناد للسوسيولوجيا"، لكن ندوة براغ جرى فعلا تحضيرها بتكوين عشرات المناضلين في مدرسة الأطر في لونجومو حيث استمعوا وناقشوا 45 درسا ألقاها لينين، منها ثلاثين حول الاقتصاد السياسي، وعشرة حول المسألة الزراعية، ودروسا حول تاريخ الحزب الروسي، وتاريخ الحركة العمالية الغربية ، ودروسا في القانون، و الأدب وتقنية العمل الصحفي. طبعا ليس كل بلشفي عالما علامة، لكن ثقافتهم ترقي بهم فعلا فوق المستوى المتوسط للجماهير، و سيخرج من صفوفهم بعض ألمع مثقفي القرن. لا شك أن الحزب يرقى بأعضائه، وعلى كل حال ليس الثوري المحترف ذلك البيروقراطي كما جرى وصفه غالبا بتحيز.

كتب عنهم تروتسكي، الذي عرفهم و قاسمهم حياتهم دون أن يكون منهم، لأنه لم يكن بلشفيا، قائلا: " كانت فتوة الجيل الثوري تصادف فتوة الحركة العمالية. كانت تلك حقبة مناضلين عمرهم بين 18 و 30 سنة. وكان الأكبر عمرا ُيعدون على رؤوس الأصابع و يبدون شيوخا. وكانت الحركة خلوا تماما من الوصولية، وتعيش بإيمانها بالمستقبل و بروح التضحية. لم يكن ثمة رتابة و لا صيغ مصطنعة ولا حركات مسرحية، و لا أساليب خطابية. كانت كلمات "لجنة" و "حزب" ذاتها لا تزال جديدة، مع هالتها الطرية، وكان لها صدى جذاب و مثير لدى الشباب. و من كان ينضم إلى المنظمة يعلم أن السجن و النفي في انتظاره بعد بضعة أشهر. و كان الشرف متمثلا في قضاء أطول مدة قبل الاعتقال، و التصرف بصلابة بحضور الدرك، و دعم الرفاق المعتقلين أكثر ما يمكن، وقراءة أكثر ما يمكن من الكتب في السجن، و الفرار في أسرع وقت من المنفى لالتحاق بالخارج، و التزود هناك بالدراية للدخول إلى البلد و استئناف العمل الثوري. كان الثوريون المحترفون يؤمنون بما يدعون إليه، ولم يكن ثمة شيء آخر قد يحثهم على انتهاج طريق المحن الشديدة. [29]

و لا ريب أن ليس ثمة ما يفسر أفضل انتصارات البلشفية، وبخاصة الكسب البطيء ثم الصاعق لمن كان بوخارين يسميهم "دائرة الحزب الثانية"، وسائل الإرسال و الالتقاط، و رافعاته في الحقبة الثورية، أي العمال الثوريين، منظمي النقابات و لجان الحزب، أقطاب المقاومة، ومركز المبادرات، المنشطين و المربين الذين تمكن الحزب من خلالهم من الاندماج في الطبقة و قيادتها. هؤلاء كاد التاريخ ينسى أسماءهم في كل الحالات. كان لينين يسميهم"الأطر من طراز كايروف"، وهو العامل الذي أخفى لينين في العام 1917 بضعة أيام وظل واثقا به دوما. لا يمكن فهم " المعجزة" البلشفية بدون هؤلاء.

لينين

لن يكتمل وصف ما كان عليه الحزب البلشفي إلا بمحاولة عرض صورة عن الشخص الذي أسسه وقاده حتى وفاته. طبعا يتماثل لينين على نحو ما مع الحزب، لكنه مغاير جدا. أولا، يكاد لينين يكون وحيد جيله، فرفاق نضاله الأوائل،مثل بليخانوف الذي يكبره سنا ، ومارتوف معاصره، كانا قادة للمناشفة. و ضباطه للمرحلة الأولى، مثل كراسين و بوجدانوف، ابتعدا. وفي حقبة ندوة براغ، كان عمر أقدم مساعديه المباشرين،مثل زينوفييف، وكامنيف، وسفيردلوف، ونوغين، اقل من 30 سنة. كان عمر لينين آنذاك 42 سنة، وكان لدى البلاشفة الوحيد من جيل قبل ايسكرا، جيل رواد الماركسية. وكان شباب النواة البلشفية تلامذة لينين في المقاوم الأول.

ليس المقام هنا لتحليل قدرات لينين الفكرية، وثقافته، وقدرته على العمل، و سرعة البرهان لديه، وفطنة تحليله وعمق منظوراته. نشير فقط إلى أنه، وعيا بضرورة الأداة التاريخية التي يمثلها الحزب، استبسل في بنائه و توطيده خلال تلك المرحلة كلها، استنادا على منظورات ومعطيات حركة الجماهير، وعلى ثقة متميزة في صلابة تحليله و حدسه. مدركا بعمق حتمية الصراعات الإيديولوجية، كتب إلى كراسين قائلا:" من الطوباوية انتظار تضامن كامل داخل اللجنة المركزية أو بين الوكلاء". و عارك بقصد الإقناع، متيقنا من صواب رأيه، ومن أن التطور السياسي سيثبت هذا الصواب. ولذا قبل في الأخير، خالي البال، هزيمة توقعها مؤقتة، كالتي ُمني بها بوجه اللجانيين في مؤتمر 1905، عشية ثورة يدري أنها ستكنس روتينهم. في متم هذا العام، خضع لاندفاعة المناضلين من أجل إعادة توحيد للحزب اعتبرها سابقة لأوانها، لكنه قلل مسبقا الخسائر المحتملة بتركيز قواه للحصول في الحزب الموحد على انتخاب اللجنة المركزية وفق التمثيل النسبي للاتجاهات.

بين العامين 1906 و 1910، ضاعف الجهود لإقناع المنشقين عن تكتله، و ترك لهم في النهاية مبادرة القطيعة. و في العام 1910 انحنى أمام سياسة " التوفيقيين"، التي دافع عنها دوبرافينسكي الذي كان بنظره مناضلا ثمينا يأمل إقناعه سريعا بالتجربة.

و متصلبا في كل المسائل التي يعتبرها أساسية- العمل اللاشرعي بنظره إحدى محكات الطابع الثوري للعمل النضالي- كان لينين يتراجع و يتوافق، ليس فقط عند وجوده في وضع أقلية حيث يجب أن يكون قدوة في الانضباط الذي يطالب به حين يكون في وضع أغلبية. ليس هدفه أن يكون على حق وحده، بل صنع الأداة التي ستتيح له التدخل في الصراع الطبقي و أن يكون على حق تاريخيا، "على نطاق الملايين"،كما كان يردد: لكي يحافظ على تكتله، وعلى مناضلين المفرزين بعناية طيلة سنوات، كان يعرف كيف ينتظر وحتى كيف ينحني، لكنه لا يخفي أبدا انه لن يتردد في إعادة بدء كل شيء إذا مس خصومه ما يراه أساسيا. في السجال الإيديولوجي و السياسي، يبدو دوما شاحذا للزوايا، ودافعا للتناقضات حتى نهايتها القصوى، مبرزا للمفارقات، و مسطحا وجهة نظر خصمه وحتى مقدما إياها في مظهر مثير للتهكم. إنها أساليب المحارب الساعي إلى النصر، و ليس المساومة، و إلى تفكيك آلية فكر خصمه و جعل المشاكل مفهومة بسهولة للجميع. لكنه لا يتغاضى قط عن وجوب الحفاظ على تعاون من يصارعهم في العمل المشترك. لما كان، خلال الحرب، في خلاف مع بوخارين حول مسألة الدولة، طلب منه ألا يكتب أي نص حول الموضوع كي لا يفاقم الخلافات حول أمور يعتبرها كلاهما بحاجة الى مزيد من الجهد الفكري.

يحاجج دوما، وينحني أحيانا، لكن لا يتخلى أبدا عن السعي إلى الإقناع، لأنه على هذا النحو دون غيره، مهما قال ويمكن أن يقول مشنعوه، حقق انتصاراته و أصبح قائد تكتله، الذي بناه بيديه و اختار مناضليه وكونهم. وكان هذا بنظره عاديا، وكان يرد بلا انزعاج على الذين تقلقهم النزاعات بين رفاق السلاح:" فلينتحب الأشخاص العاطفيون و ليتأوهوا : صراعات مرة أخرى ! انشقاقات داخلية مرة أخرى ! و مساجلات مرة أخرى ! نحن نجيب: بدون صراعات جديدة و متجددة باستمرار لم تتكون قط حركة اشتراكية ديمقراطية ثورية" [30].

لذا لم يكن تأثيره الكبير على رفاقه تأثير كاهن، و لا ضابط، بل تأثير مربي ورفيق وأستاذ، مناضل قديم ، الشيخ كما كان يدعى بلا تكلف، المثير للإعجاب بفعل نزاهته، وحدة ذهنه، و للتقدير بفعل معارفه و تجربته، والذي يمكن قياس أثره على التاريخ القريب، والذي يعلم الجميع انه مشيد التكتل و الحزب. يقوم تأثيره على قوة أفكاره، ومزاجه القتالي و موهبته في السجال، و ليس على نزعة امتثالية و انضباط متصلبين. من كراسين الى بوخارين، ابرز رفاقه أن تعارضهم مع لينين كان مأساة ضمير بالنسبة لهم. لكنهم مع ذلك كانوا يتعارضون معه لأن الأمر واجب، " أول واجبات الثوري بنظره" أن ينتقد قادته: لن يكون التلاميذ جديرين بالأستاذ ما لم يتجرءوا على محاربة وجهة نظره إن اعتبروها خاطئة. و ليس مع روبوهات يمكن بناء حزب ثوري. كان لينين يعلم ذلك، وكتب إلى بوخارين أن طرد الأشخاص الأذكياء، لكن قليلي الانضباط، لن يبقي غير الأغبياء المنضبطين، و سيؤدي إلى خراب الحزب. هذا ما جعل تاريخ الحزب، وتاريخ التكتل البلشفي منذ 1903، تتابعا لصراعات إيديولوجية لا يخرج منها منتصرا إلا مقابل صبر مديد. يصعب، بهذا الصدد، فصل لينين عن تكتله حيث تولد وحدة الرأي عن نقاش شبه دائم سواء حول المسائل الكبرى أو تكتيك اللحظة.

و لا شك من جهة أخرى، أن قدرة لينين على أن يجمع، عبر صراع فكري، عناصر متباينة، وطبائع متعارضة، و مناضلين بميول متناقضة، من قبيل زينوفييف، وستالين، و كامنيف، و سفيردلوف، و بريوبراجنسكي، وبوخارين، هي ما يفسر في النهاية نجاح عمله التنظيمي: " الكتيبة الحديدية، التي أراد أن يكونها الحزب البلشفي، وكانها فعلا، ولدت، كما تلك "البروليتاريا العجيبة" التي تكلم عنها دويتشر، من عقل الشخص الذي اختار ذلك الطريق لبنائها.

لكن هذا ما يفسر أيضا عزلة لينين. لم يكن أي من رجالات الحزب في مستوى قدراته: كان له مساعدون و تلاميذ ورفاق لكنه لن يعرف سوى مع تروتسكي – الذي ربما تفسر شخصيته ذاتها أنه لم يكن بلشفيا و لم يعترف قبل 1917 بهيمنة لينين، نوعا من الرفقة على قدم المساواة. وهذا ما سيجعل لينين، ضمن البلاشفة القدامى، رجلا لا ُيعوض رغم أنه، كما قال بريوبراجنسكي، كان "إسمنتا يلحم الكتلة أكثر من قائد يمسك الدفة". هذا لأنه إذا قبلنا مع بوخارين أن انتصارات الحزب كانت تعود إلى "صلابته الماركسية" و إلى "مرونته التكتيتكية" – وهذا رأي البلاشفة القدامى- فيجب أيضا الاعتراف أن لينين وحده كان، من وجهي الأمر، الملهم وأن مناقضيه البلاشفة تعلموا مع الوقت عبر الهزائم المتكررة أن ينحنوا. و الحال أن الحقبة الثورية، إذ ألقت به في التاريخ الذي تصنعه "الملايين و الملايين"، لم تتح له وقت تكوين جيل ربما قد يعارضه على نحو ظافر. هذا هو الافتراض الذي يوحي به تاريخ الحزب حتى وفاة لينين، وفاة أتاحت أن تولد من هذا الفكر المعادي جوهريا للدوغمائية، دوغما " اللينينية"، التي ستحل مكان الروح "البلشفية" التي عرف كيف يخلقها.

تعريب المناضل-ة

اكتوبر 2011




هوامش

[1] Cité par Brian PEARCE, « Building the bolschevik party » dans Labour Review n°1, 1960, pp. 28-29

[2] Cité par P.PEARCE, ibidem, p. 27.

[3] YAROSLAVSKI, Histoire du P.C. de l’U.R.S.S., p.197.

[4] LENINE, Œuvres choisies, t. I, p. 464.

[5] LENINE, Selected Works, vol. IX, p. 92.

[6] LENINE, Œuvres Complètes (en russe), 3’ éd., vol. VIII,pp. 13-15.

[7] Ibidem, vol. X, p. 170.

[8] KROUPSKAIA, Ma vie avec Lénine, p. 142.

[9] Cité par TROTSKY, Ecrits, t. 1, p. 322.

[10] Cité par ZINOVIEV, Histoire du P.C. B., pp. 103-104.

[11] Ibidem, pp. 105-106.

[12] Cité par John DANIELS, Labour Review n, 2, 1957, p. 48. (13) Cité par Brian PEARCE, op. cit., p. 29.

[13] Cité par Brian PEARCE, op. cit., p. 29.

[14] Cité par John DANIELS, Op. cit., p. 48.

[15] KROUPSKAIA, Op. cit., p. 77.

[16] BADAiEV, Les bolcheviks au Parlement tsariste, p. 49. (17) PIATNITSKI, Souvenirs d’un bolchevik, p. 148.

[17] PIATNITSKI, souvenirs d’un bolchevik, p. 49.

[18] BADAiEV, op. cit., p. 215.

[19] DEUTSCHER, The prophet armed, p. 163.

[20] PREOBRAJENSKI, op. cit.

[21] CHLIAPNIKOV, « A la veille de la révolution », Bull. com., déc. 23, p. 958.

[22] PIATNITSKI, op. cit., pp. 100-101.

[23] Ibidem, pp. 136-138.

[24] YAROSLAVSKI, op. cit, p. 163.

[25] SCHAPIRO, The communist Party of the soviet --union--, pp. 107-108.

[26] Ibidem, p. 130.

[27] YAROSLAVSKI, op. cit., p. 164.

[28] cité par BOBROVSKAIA, Le premier président de la république du travail, p. 14.

[29] TROTSKY, Staline, p. 77.

[30] LENINE, Œuvres Complètes (en russe), 3° éd., Vol.XII, p. 393.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647


المزيد.....




- اعتصام سلمي أمام مصلبية العين
- ندوة للشيوعي في الشويفات بعنوان-القوانين الانتخابية والمطالب ...
- النظام الملكي والبادية
- تصريح الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي أثناء محاكمة نشطاء حقوق ...
- غرامشي .. الماركسي الأول في إيطاليا
- خبر عاجل : دخل معتقلو سيدي حجاج صبيحة اليوم 28 في اضارب عن ا ...
- عن تراجعات المشاركة في تظاهرات فاتـح مــاي وسبل تجاوزهــا
- ندوة مع الامين العام الرفيق حنا غريب اليوم بشويفات تحت عنوان ...
- بيان لجنة جقوق المرأة اللبنانية بمناسبة الأول من أيار #عيد_ا ...
- أنطونيو غرامشي في ذكرى وفاته.. الماركسي الأول


المزيد.....

- مفهوم - الانسان الكامل- لدى ماركس / ثامر الصفار
- مهام منظّمات الحزب القاعدية - الفصل الحادى عشر من كتاب -المع ... / شادي الشماوي
- في أهمية و راهنية عمل لينين عن الدولة / الحزب الشيوعي اليوناني
- تكوين خلف قضيّة الثورة البروليتاريّة - الفصل العاشر من كتاب ... / شادي الشماوي
- الماركسية في اطارها التاريخي / ثيودور ويزرمان
- ثورة فبراير عام 1917: اقتحام السماء / آلان وودز
- مدخل الى المادية الجدلية- المادية التاريخية / موريس كورنفورث
- ستالين والانعطاف الكبير - الذكرى المئوية لثورة أكتوبر / ماهر الشريف
- حول الرأسمالية الطفيلية / صلاح العمروسي
- أكتوبر 1917-2017. الشيوعية في حالة حركة / كاترين ساماري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - بيار برويه - البلشفية: الحزب و المناضلون