أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء اللامي - العلوي بين فلسفة التاو الصينية والمتصوف النُفّري/ج2















المزيد.....

العلوي بين فلسفة التاو الصينية والمتصوف النُفّري/ج2


علاء اللامي

الحوار المتمدن-العدد: 3500 - 2011 / 9 / 28 - 17:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



لذكرى هادي العلوي في ذكرى رحيله الثالثة عشرة التي تصادف اليوم 27/9/2011

علاء اللامي
إنَّ مبدأ اللافعل في فلسفة التاو لا يعني العدم الحدثي أو الفعلي بل شيئا آخر أقرب إلى سلب الفعل "السلب هنا وفي مواضع أخرى هو مقابل ونقيض الإيجاب". اللافعل هو الصفة المشتركة للتاو ومنتجاتها العشرة آلاف شيء في لغة الفلسفة الصينية ومعناها الكثرة الكاثرة من الشيء. أصلها في اللغة الصينية كما يقول العلوي في أحد هوامشه للتاو هو "وانغ" ومعناه عشرة آلاف. وهو أعلى رقم في اللغة الصينية ولذلك يستخدمه الصينيون للكتابة عن الكثرة أو العدد اللامتناهي . ومن تطبيقات ذلك قولهم في الهتاف : " وان سوي = يعيش " ومعناه الحرفي يعيش عشرة آلاف سنة ..هامش على ص 130 / التاو – لاوتسه .
ومنها الإنسان وهو بذلك سبب الأبدية ومنه تستمد الأشياء خلودها. وسلب الفعل يتسع عند التاويين يتسع ليشمل سلوبات "جمع سلب" أخرى . يقول التاو:
- باللارغبة يصل المرء إلى المحجوب. وبالرغبة يصل المرء إلى المشهود .
والمعنى هو أن الطريق لمعرفة الغيب هو انعدام الرغبة فيه والعكس صحيح.
- ويقول : اللا اسم هو بداية السماء والأرض .
والمعنى أن اللا اسم هو بداية الوجود كله، فالوجود يبدأ من السلب وينتهي إليه. ويزيد العلوي شارحا بأنَّ السلب هو جوهر الوجود وحقيقته.هل يمكن أن نفهم من ذلك أن التاو يعتبر العدم "اللااسم" هو بداية الوجود؟
- أما في الميدان الاجتماعي وفي حياة البشر، وهو الذي يخصنا هنا، فإنَّ سلب التاو يقترب حتى يتماهي مع جوهر "اللاتملك" من حيث أنَّ عليه يقوم مبدأ المشاعية، ولكن من باب التطابق حيث ( أن يتعرى الإنسان من الرغبة والثروة يصبح سلب الملكية وفاء – ولا أدري هل يعني شيخي كلمة وفاء أم أن ثمة خطأ مطبعيا فربما قصد "دواء" كما يشير السياق العام ع ل - دون الاضطراب والانتهاك . فعدم رؤية المرغوبات يمنع تشوش القلب كما يقول التاو وعدم جمع الكنوز يمنع السرقة / كتاب التاو ص37 ) ولما كان التاو عند لاوتسه هو السلب المطلق فهو لا ينفد ، ولا يستهلك، لأنَّ سرَّ العالم هو "الخلاء" ومقابله أي عكسه هو الملاء أو الامتلاء، وهو سرُّ بقائه ولا تناهيه. وصولا إلى تطبيق السلب على الفيلسوف أو الحكيم ذاته، وفيه يبلغ التاو أقصى تجلياته باندماج الحكيم وفلسفته تاوه في السلب المطلق كما يندمج المتصوف في السرِّ الإلهي ساعة الكشف. والحكيم، لذلك، هو بدوره سلب مطلق فهو فارغ كالتاو وتلخص إحدى آيات التاو هذه الذورة حين تقول ( تَخَلَّوا عن الحكمة. تخلصوا من الفطنة يسعد بكم الناس أكثر مئة مرة / م س ) وصولا إلى الفراغ العظيم : اللاشيء وهي ماهية التاو الأبدي المُعَرّى من الأسماء والصفات والأفعال. بكلمات أخرى فالحكيم حين يبلغ هذه المرحلة فإنه يكون التجسيد البشري للتاو ولابد هنا من أن يلغي ذاته كي تتحقق فيه ماهية السلب المطلق.
بالابتعاد قليلا عن ذروة السلب التاوية، وبالتمعن في بسيط التاو الذي انطلقنا منه، نجد أنَّ التاوي الحقيقي هو البسيط في كل شيء، والمتعارض مع كل ما هو مركب ومعقد وفيه غلو وإفراط. يدعو فيلسوف التاو الأشهر تشوانغ تسه إلى تحرير الناس من الخوف من القمع السياسي والأخلاقي، وتركهم على طبيعتهم، فمع (كثرة الأوامر والنواهي يكثر الاضطراب والتشوش ) كما يقول لاوتسه. لا يكتفي تشوانغ تسه بتقليص الدولة أو تبسيطها لمصلحة الإنسان بل يطالب بإلغائها والاستغناء عنها. يقول ( إذا لم يُدنس الناسُ جبلتهم – طبيعتهم – ولزموا جانب الـ..تي "الأخلاق"، فهل من حاجة إلى الحكومة ؟ ) ثمة شيء من وحدة الاستذهان البشري الآسيوي نجده هنا جامعا فلاسفة التاو بمفكري الخوارج والمعتزلة المسلمين الذين قالوا ( إذا اتفقَ الناسُ على التناصف – الأخذ بمبدأ الإنصاف والعدل بينهم ع ل– استغنوا عن الأمير) أي عن الدولة. ومن المفيد لنا أن نطلع على الصورة التي تخيلها فلاسفة التاو للعصر المشاعي الذهبي والحكم المثالي الذي أرادوه هدفا والذي يسميه العلوي مجتمع المساواة المشاعي. لنقرأ النص التالي للأمير التاوي "ليو آن" صاحب "التوهج العظيم" و تلميذ الفيلسوف لاوتسه حول استشرافه لمجتمع السلام والوفرة التاوي المستقبلي ولكننا نلحظ أنه يتلكم عنه بصيغة الماضي المنقضي في ما يشابه مما يسميه البلاغيون خروج الحال عن مقتضى الظاهر، إنه يتكلم عن الحلم البشرية الذهبي في مجتمع المساواة المشاعي في المستقبل ولكن بصيغة الماضي. يقول ليو آن:
( دخل القدماء في حكم التاو: الرغبة منضبطة والعاطفة مسيطَر عليها، فلم تسقط الروح في الغربة. استمدوا الراحة من سكون الخلق فلم يزعجهم تأثير المذنبات ولا ذيل بنات نعش ... خلال هذه الحقبة كان الناس في حالة من البساطة التامة ، يأكلون ويتنزهون، يمتعون بطونهم ويتمتعون، ينعمون معا في بركات السماء ويأكلون من ثمرات الأرض ، لا يتشاحنون ولا يتبادلون التهم ولا يتنازعون على الحق والباطل.. وفي أيديهم السلام والوفرة / مقدمة التاو ص38 ترجمة العلوي).
هذا النص التاوي يذكرنا بنص شبيه للقطب الصوفي الجنوب عراقي محمد بن عبد الجبار النُفَّري المنسوب إلى مدينة "نُفَّر" في جنوب العراق وهي ذاتها مدينة نيبور السومرية القديمة. لنلحظ أيضا أن محمد النفري يبدأ كلامه عن الحلم الذهبي بصيغة الماضي لينتقل بعدها فورا إلى صيغة الحاضر الوصفي مما يعطي الانطباع لسامعه بأنه على حافة قيام الثورة المشاعية الكبرى إن لم تكن ثورته قد انطلق قبل قليل..فهو يقول ( قد جاء وقتي، وآن لي أنّ أكشف عن سُبُحاتي، ويتصل نوري بالأفنية وما وراءها، وترى عدوي يحبني وترى أوليائي يحكمون "يقيمون دولة العدل" فأرفع لهم العروش ويرسلون النار فلا ترجع... وأعمر بيوتي الخراب وتتزين بالزينة الحق وترى قسطي "عدلي" كيف ينفي ما سواه وأجمع الناس على اليسر فلا يفترقون ولا يذِلون فأستخرج كنزي وتحقق ما أحققتك به من خبري وعدتي وقرب طلوعي فإني سوف أطلع وتجتمع حولي النجوم وأجمع بين الشمس والقمر وأدخل في كل بيت ويسلموا عليَّ وأسلم عليهم ... / الغلاف الثاني للمدارات)
ثمة مثال قوي جدا على وحدة الاستذهان البشري الآسيوي في ميدان الفلسفة أيضا فقد قال فيلسوف مسلم : ويحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر . هذه الفكرة الفلسفية والتي تعني أن الكون كله ملخص في بدن الإنسان نجدها في الفلسفة الصينية فالتاويون يقولون : الجسد كون صغير .إنه صورة مصغرة للعالم!
وما دمنا في معرض الحديث عن الحكمة الصينية متذرونة بالتاو وعن علاقاتها بالتصوف القطباني لا يمكن إلا أن نتوقف مرة أخرى عند لاوتسه . فيلسوف التاو الأول، وهو أيضا عند هادي العلوي أول الأبدال في التاريخ.
عاش لاوتسه في القرن السادس ق م. عاصر ازدهار الفلسفة الصينية عهد ذاك، وأسس المدرسة التاوية وجمعت تعاليمه في كتاب "تاوتي تشنغ". وهناك اختلاف بين المؤرخين في مَن كتب هذا الكتاب هل هو لاوتسه نفسه أم تلاميذه كما فعل حواريو يسوع في الأناجيل بعد إعدام معلمهم من قبل الرومان. يعتبر العلوي هذا الكتاب ( المصدر الأم للتاوية الاجتماعية وبالتبعية للتصوف الاجتماعي في الإسلام ) وفيه دعا إلى :
- تبسيط الدولة للتذليل من جبروتها وصولا إلى إلغائها كما ورد في مواضع أخرى من النصوص التاوية مثلما مر بنا.
- إشاعة الأموال وتحريم اكتنازها لفئة قليلة من الأغنياء وأرباب الدولة.
- عارض الإسراف في التمدن على حساب جوهر الإنسان الذي يجب أن يبقى بسيطا و صافيا من إضافات المدنية عدا الضروري منها.
- عارض الحرب وعاداها ورفع شعار: حولوا السيوف إلى محاريث!
- عارض الدولة ودعا المثقفين إلى مقاطعتها وعدم التعامل معها وأعلن تحديه للإمبراطور حين خاطب مواطنه الصيني قائلا:
عند تتويج الإمبراطور
أو تنصيب الوزراء الثلاثة
لا تبعث هدية من اليشب
أو فصيلا من أربعة خيول
بل إلزم مكانك وأظهر التاو.
ويختم العلوي عرضه لمبادئ البديل المشاعي لاوتسه بالقول وهكذا ( جعل لاوتسه راية التاو ضد راية الدولة. والتاو هو المطلق الصيني الذي يتحد فيه التاوي كما يتحد الصوفي بالمطلق الإسلامي . الاتحاد البديل عن الاتحاد بالدولة. ص 113 وما بعدها. مدارات)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,853,398
- العلوي وفلسفة التاو الصينية : بين المطلق الصيني والآخر الإبر ...
- عزّت الدوري يعزّي البرزاني فيثير غضب البعثيّين
- هل أحبط المالكي انفصالا عشائريا في الأنبار؟
- مجزرة «النخيب» العراقيّة: طائفيّة وعشائريّة وغياب للمركز
- -تطوير- غاز البصرة : صفقة مشبوهة مع -شِل- وكارثة يتحمل مسؤول ...
- أتهم جلال طالباني وآخرين باغتيال هادي المهدي!
- خرافة -جاموس الحجاج- وحقائق التراث الرافديني
- كيف قرأ الراحل هادي العلوي التصوف الإسلامي -القطباني- وتجربة ...
- عقود المشاركة في إنتاج النفط العراقي: سرقات وفق القانون/ج3
- مشروع قانون النفط -المالكي- في مواجهة المشروع - الكردوعلاوي- ...
- نفط العراق المحتلّ: قصّة سرقة أقرب إلى الخيال
- التضامن النقدي مع -الربيع العربي-: قراءة في مثال نظري وعملي ...
- رمضانيات عراقية: أزمة دينية أم سياسية؟
- الحضور المندائي في اللهجة العراقية و العربية الفصحى
- نماذج طريفة من الكلمات الأكدية والآرامية في اللهجة العراقية
- قراءة جديدة في-محاكمة- كافكا: تشريح شعري ساخر لعبث الوجود
- العراق: الصراع الطائفي بلغ المراقد المقدسة!
- المزيد من الكلمات الآرامية والأكدية في اللهجة العراقية /ج3
- كلمات أكدية وآرامية أخرى في اللهجة العراقية
- إيران في العراق: من التدخل إلى الهيمنة إلى الافتراس


المزيد.....




- مجلة روسية تكشف عن صفقات مقاتلات عقدتها مصر والجزائر مع روسي ...
- الجيش الفرنسي يلجأ إلى "الفريق الأحمر" لمواجهة الأ ...
- شاهد: عرض بالخيول داخل محطة قطار باريسية وسط ذهول الجمهور
- الخطوط البريطانية: تعليق رحلات القاهرة لا علاقة له بأمن المط ...
- فرنسا تعثر على حطام غواصة اختفت منذ نصف قرن وعلى متنها 52 شخ ...
- دراسة تكشف أهمية كبيرة للحيوانات الأليفة عند المسنين
- الجيش الفرنسي يلجأ إلى "الفريق الأحمر" لمواجهة الأ ...
- شاهد: عرض بالخيول داخل محطة قطار باريسية وسط ذهول الجمهور
- الخطوط البريطانية: تعليق رحلات القاهرة لا علاقة له بأمن المط ...
- فرنسا تعثر على حطام غواصة اختفت منذ نصف قرن وعلى متنها 52 شخ ...


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء اللامي - العلوي بين فلسفة التاو الصينية والمتصوف النُفّري/ج2