أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل علي عبيد - كتاب الحوارات (اقتفاء الطيف)















المزيد.....


كتاب الحوارات (اقتفاء الطيف)


عادل علي عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 3500 - 2011 / 9 / 28 - 12:58
المحور: الادب والفن
    


كتاب الحوارات
(1) اقتفاء الطيف
(حوارات في كشف استبطان غربة التفكر ) عادل علي عبيد

(حوار الاستهلال)
الآتي البعيد ، النافذ من المجهول ، موغل بالصدى ..ومسهم في تراتيل القرون الهائمة ، السراب المهاجر يجتاز غمامات القرون ليطرق باب القادم المشرق والحاضر النور ، لطالما أشبعناه بالرصد ، لكننا عدنا أدراجنا نفصح عن مراحل الخيبة .. لكنما السيدة الموشحة بعباءة الحزن شدت رحالها نحو تخوم الألواح النائية ، وراحت تمني النفس بالبعيد ، بالعزاء العتيد ، علّ ذلك القادم يبعث بظل من شبح او طيف من ذكرى بعيدة ، كانت سيول التوجسات تنهال عليها وتطرق أبوابا لطالما حلمت ألف مرة بحرارة ذلك الطارق الذي لن يجيء ... ليالي الشتاء العصية وليلها الطويل الدهيم بما يحمل من جيوشه المرعبة ، العصف والهفاف الذي يحمل اصواتا تتناغم متموسقة لتلتبس مع غرابة الذكريات المزدحمة بالطيف النائي ، لا تستقر تلك الأصوات صنيعة العدم إلا بذلك الهجاس المتجدد والذي يقبع بالأنفس اليائسة وهي تمني نفسها باللقاء المستحيل .. سيدي ، دب بيّ اليأس ، ولم احتمل جيوشي التي تضج بي .. سأشد رحالي إلى ذاك الراهب القابع في زوايا المجهول ، رغم علمي بما تخبيئه الخطوب ، واستشرافي على تلك الأصوات التي أعيها وتعيني .
-هيا مر عمالك ، وانشر ألواحك في المجهول ، وارسم طريقا من الق ونور ؟
- العرافات سيدتي وحدهن من يدرك سر اللعبة ، وأنت توغلين في الغبار السارح نحو الهيام . تجددين الحزن ، عل العرافات يطفئن شيء من هموم .
- سيدتي جربتي كل ألوانه الأسود والأزرق والتراجيم ، وبخفي حنين عدتي تنشرين صور الحيرة في الآفاق .. ما زالت غربتك شاخصة فيك ، على الرغم من مشاهد الأمل التي زقها ذاك الناسك او ذاك الورد الذي يتمتم ليشق العبارات . آن لك سيدتي أن تفتحي صدرا رحبا يلملم هزائمك ، إنني أدرك أن الاعتراف يجدد لك شيء من تثبت المأزق .. نعم ، لا بأس أن تجربي الحقيقة ، على الرغم مما تتركه من جروح ثقيلة .
(حوار الخلوة)
هيا انهض وانصب عيونك في الظلمة الخابية / الغور الذي تخوض مجاهيله ينفتح على أفق الخرافة / وكأنك تترصدنا بعيون مستعارة مسدولة البياض / الكتابات والتصاوير والرموز والطلاسم والأساطير / راحت تبحث عنك وأنت تجوب سبل المجهول / القبور والخرائب التي أسسها خيالك / شطحاتك في الغيب تصارع الجنون / وذلك الخيال الذي يستدل بجنايات الفكر البعيد / الشك الذي أرهقته الشطحات راح ببحث عن بيان الحقيقة / وأنت تدون لحظاتك المثقلة بالنفثات المريضة / يلفك الغموض وأنت تنصب شباكك على طول السبل / مزاميرك التي راحت تصفر في الريح / وتراتيلك المعربدة في التيه / أتجزم حقا سيدي انك رأيت ما لا يراه غيرك ؟/ لحاظك الذي يبكي على ناصع الصور ؟ / وخيالي الرخامي الذي يعاكس الشمس / يسهم في الحلكة / ويناجي تلك الأبدية القريبة حتى من أعتاب دارك / هاك خذ سهم الجنون / نعم خذه ولا تخشى الندم الذي يزاحمك / الدهور التي راحت تبحث عنك لم تهتد إليك / يا أنت يا خازن القير في دهليزك المغلف بالشمع / هيا افتح باب النور الذي يفضي إليك / لوحك المحفوظ من عهد هاروت وماروت نسخته الاغبرة وهي تمر بالبل القديمة / السحر الذي تشتعل فيه الحقائق بالخرافات سيبكي عليك /
(حوار الحقيقة)
سيدتي : إنها الكذبة الكبرى ، الكذبة الكونية الكبرى ، هيا فتقي غماماتك التي تحول دون ذاك الإشراق القادم ، لم يجد ذاك الثبات والبقاء شيئا من اصطناع حقائقك الزائفة ، البخور والدخان الذي يحجبك عن عيونهم الراصدة يلفك في مدارات نفسك وهي تشبعك بالتراتيل القديمة ، هواجسك المريضة وهي تنصب مآتمها تنوح عليك وحدك .
ذلك الانهيار السريع قد كشف لنا حقيقة نهايتك ، وأنت تنوحين على نفسك ومغامراتك التي تضرب بالسكون ، الصدأ الذي يردد ضحكاته الساخرة المجلجلة في الصدى المموسق ، لم تفدك أسفار البعث والنشور وهي تتحرى كاسد أيامك ، حكاية الموت والزوال وهي تطارد سويعاتك البطيئة ، تجدد لحظات القضاء والقدر ، الموت والخلود ، العشبة الكاذبة وإكسير الحياة والـ......

(حوار السحر )
وجهك شاخص في العنان ، ترقب الشهب التي لا تعبأ بك ، وكأنك تطارد خيوطا من دخان يتلاشى في الأفق المنغلق .. الأرواح التي تناجيها لن تناجيك ، ولكنك تسمع صدى ذاتك وهي تصطدم بجدار النفس ..الأرواح التي تستخرجها من الأجساد ، عصية عليك ، سقيمة عليلة .. ذاك ضرب سيدي من الوهم القابع فيك ، وأنت تمني المستحيل ، وتستدعي يابس الشجر قبل بلل الغيث الذي حل عليك . الصابئون عباد الكواكب السبعة ، الذين يعتقدون أن أحداث العالم من صنائعهم ، راحوا يمنون النفوس ويستدعون الأجرام علها تخضع لتوقعاتهم .
لربما يعتمد السحرة النجوم بما تحمله من رموز وطلاسم وحقائق ما زالت بعيدة غامضة ،ويرصدون حركة الكواكب واوقاتها وابتعادها وكيف تؤثر على حياة الآدميين ، فيتحرون فيها توقعاتهم الفارغة ، ويستدرجون احاسيسا لطالما عاشت تزخر بغربتها .. فظهور المشتري في الليالي القمراء الواضحة يبشر بمواليد الذكور ، وعطارد يزيد من التجارة والمال وتحسين الحال وعلو باع الأدب والعلم ، وزحل يبشر بخلافات البيوت ، والمريخ الذي يعجل بموت الملوك ويفشي المجاعة والحروب والآفات في الأرض ، والرواج الذي يحل نعيمه على العوانس فتنشط أسواق الزواج . اللوحات المسمارية التي خلفها البابليون والآشوريون ، وكل النقوش والالواح التي استدلوا بها عن آثار اور القديمة ، والعدسات التي نصبوها وهي تبشر لابجدية السحر وعمدوها بالترانيم والرقي والتعاويذ .. آشور بانيبال ونصوصه التنجيمية كان يستدعي الكواكب ويحسب سطوتها على حياة الناس ، الكهانة والتنبؤ بالغيب والشرور المزروعة والسحر الاسود وطرح الارواح الخبيثة التي تحل بالابدان ، الضرر والمرض وكل عقود الشياطين .. البابليون امتطوا السحر وصولا الى الكوارث والزلازل والبراكين والعواصف والفيضانات التي فتكت بهم ، اعتمدوها لدرء السحر الاسود وعززوها بدماء الشياطين .
لربما يصيب الساحر مفصلا متداعيا من مفاصل المسحور ، مفصلا من تلك الحقيقة التي تختبئ خلف غمامات الأنفس الخانعة ، ولربما يفتن الساحر لب ذلك المخدوع الذي يسهم في تلك الشخوص والمثابات التي تختبئ خلف ذلك الغمام السرابي ، وهو يسلم نفسه الباردة تحت أتون العبارات والجمل الثقيلة التي تتحرى مدن المستحيل .. قد يفتن الساحر لب المسحور ويخلب وده .. السحرة سيدتي مراوغون ومبدعون في التورية ، يقربون عوالم الاستحالة ، ويعيشون مراحل من الاحتيال والتمويه والشرك والكفر ، فالشمس والقمر والنجوم والأصنام والأوثان والأحجار والمجرات والكواكب كلها عوالم قريبة مألوفة نجوب شعابها ونطوي فيافيها ونلثم ثغور عتباتها ونشم روائحها .. قد ينخدع البسطاء والسذج الرعاع ، وقد يحج المقامرون الضعفاء والمقهورون المضطرون لخوض عوالم السحر فيطرقون بابتسامات خجلى عوالم السحرة المنيعة ..فمن يجرؤ سيدتي على كشف أغوار وعورات السحرة وهم المقدسون لدى الذاعنين والمسحورين منا ؟؟ من ؟ من يكشف سر السحر وعالمه المنيع ، الساحر ذلك القاسي الفظ القلب الغليظ بطباعه التي يتصورها المسحور سمحة طيعة ، الساحر الذي طاف وجاب وجال وراح يشحذ على أبواب المسحورين ويخترق مدنهم الواهية وقراهم المنتهكة ، يطرقها بلا مجيب سوى اهتزازات الجفون التي تسكت البصائر وتحجب الرؤى . نعم ، فعندما تختلط الدوافع بالبواعث والغايات بالأهداف وتشتعل عوالم الحقيقة بسطوة الخيال وامتدادات الواقع بجموح الخرافة وتفصح الحقائق عن سيول الشبهات وتجهر عيون تعلن حيرتها المتجددة مشحونة بآي الوجوم ، عند ذلك لا تستقيم الأوضاع ، أما السواء هنا فمصيره الاعوجاج ..نعم الساحر فنان كاذب وكاذب فنان ، ومخادع يخرج فصوله بدراماتيكية تفوق حركة الحياة .

( حوار الشبهات)
نعم سيدتي ، أولئك هم السحرة ، عبدة الشيطان ، وصنيعة إبليس ، وطلاب الجن ، وإتباع الغيب . هم دائما يوغلون في ثقل الموجودات ، ليبشروا بالبلاء العظيم ، والخطب الكبير .. هم دائما يعشقون عوالم الخفافيش ، وسبل الدهاليز المظلمة ، قلوبهم القاسية وأنفسهم الواجمة تخشى النور ولا تواجه أطياف الشمس ..أنفسهم التي جفت دماءها ، وأرواحهم التي عصفت بها الشبهات ، لم يحددوا إلى الآن وجهتهم ، ولا غايات أسفارهم ، ولا مثابة توجهاتهم .. عندما تغادرهم راحة البال . وصفاء القرائح وطمأنينة العقل ، ينتفضون كالمجانين في ساعة الهلع ، او كفزع حمر الوحوش وهي ترصد حمأ البراكين .. عندما تنتهرك الدهشة ، تقف أمام نفسك ، يلفك السكون وتطرق باب الأمل ، تهيم على وجهك ، تستنجد بذاك الناسك او ذاك الراهب او تعود خائبا إلى قلاية الساحر المصطنعة الخاوية تلك التي تعمدها التعاويذ والأساطير وتشفع لها الخرافات .. الأسفار الواهمة التي تضج بالصنيعة ، رموز الكلدانيين وأهل بابل الذين شقوا الأزمان ونشروا أغوارهم في المسلات في الخرائب والقبور .. السحر يا صديقي قرين الجنون وأنيس الوهم .. القلوب التي تذوب في صخور مملكة الغيب ، تعلن عن حيرتها المتجددة ، وهي تفصح عن وجوه واجمة وآي من العقول الساكنة ، ولم نر سوى تحديقات توغل في الشواخص البعيدة مصحوبة ببقايا لعاب يسيل على اللحى الكثة . فليبارك إبليس دأب جنوده وهم يعكفون على تحقيق صنائعه ، إبليس ذلك الخازن الكبير ذو المنزلة الرفيعة التي حباها له الإله وحقق له الجنان والملك فعتى واستكبر ، بعدما كانت الربوبية شغله الذي لطالما راود أحلامه فمسخ شيطانا رجيما يغوي البلاد والعباد ، وهجر قبيلته الجن سائحا يغوي ضعاف الناس ويستحوذ على ألبابهم ويستدرج عقولهم إلى مهاوي الظلال .. وهكذا بدأت إشكالية النار والطين فتكبر مارج النار وتواضعت ادمة التراب وما زالت تلك الإشكالية تتجدد بصيغ وبرامج متنوعة وشبيهة .
(حوار المصادفات)
المصادفات الغامضة الغريبة التي تكمن في عالمنا ، تثير فينا الغضب والنفور ، الأبعاد المتفاوتة التي تعكس توازن وتماسك النجوم مع بعضها البعض ، الثوابت الأساسية التي راحت تساوم على بقائها ، النجوم التي تتحدد بأشكالها الشمسية تارة والقمرية تارة أخرى ، العوالم التي تحتوي هذه النجوم التي يندر وجودها في العوالم الأخرى ، كلما أوغلنا في رصد عالم النجوم كلما ازدادت مساحة دهشتنا اتساعا وكبرت دائرة حيرتنا !! نعم فالأنظمة التي تتحكم في الكون تتنوع وتتعقد مع كبر المشاهد وغرابتها .. إن المجرة التي تتصدر ناحية الهياكل الكونية توغل بغربتها حد التيه ، حتى أن اجتماع النجوم غير المعلن ضمن محاورها العبثية والهندسية يثير فينا فضولا وشكا ، وكأنها تؤلف ولاءات لبعضها ما يجعل هذا العالم مرتبط بتنظيم دقيق ورصين وهندسة لن تحدث قط .. يتفاوت تنظيم النجوم والفراقد والشهب والمجاميع الشمسية وكأن أي منها عقد قد طرز على جيد الزمن ، وما أن تمعن نظرك حتى تتقافز أمامك صور من التوقعات والشبهات والأحلام القائمة من دون غمامات او حجب فمن السكون إلى الحركة ومن الحركة إلى الجاذبية ومنها إلى التنافر ، حتى تحسب أن مملكة النجوم مملكة راضية قانعة آمنة بانفجاراتها الداخلية وصيرورتها التي تخضع للبقاء والعدم ، ولكن أسمى ما يربط هذه الجيرة وذلك التجاور هو ذلك الاحترام العلمي فيما بين تلك العوالم ، فلم نر أن حربا قامت يوما بين نجيمة وأخرى او بين فرقد وفرقد وبين مجموعة او مجرة وهي جميعا لم تفكر في نظرية الاتحاد والمركز والتقسيم والانسلاخ .. ولعمر هذه المجرات قد تخلصت من التحامها الأبدي فبقيت متوحدة متألقة في السمو ، فالسنة الضوئية المكعبة ملأى بالأحداث التي تصنعها المصادفات دون تدخل بني البشر ، لذلك باتت حروبها مستحيلة . الهالات الساطعة التي تسور المجرات والمواد الصغيرة والمجسمات الشفافة التي تسبح بالمجرات كأنها تنبئ عن ديمومة الحركة ، الذرات التي تزيد بالومضات ، والمسافات التي تطوي هذه الذرات الملتمعة تجعل الزمن ثابتا راسخا ، حتى أن هبل واينشتاين قد ندما على نظريتهما المتعجلة القاصرة وما عرف عن حقائق لقيمة ذلك التنافر الكوني الغريب .. فقد تختلف القوى الطبيعية وفقا لطبيعة الشحنات المكهربة وفق مساراتها المتعددة ، نعم فتلك الشحنات الممغنطة وتلاحم الذرات والنواة تنقسم ببعضها وتصطدم بعالمها ، بل أن كل الأشياء تأتي من صغائرها تلك التي يلفها الغموض كما يلف سواد الشهب ناصع الحقائق . اختلاف النجوم أحجامها منازلها ترتيبها وهي تسبح في دورة السماء ضمن قبتها الفلكية الممتلئة بالضجيج الهادئ الذي يخترق جبروته ذلك اللمعان المتفاوت في مسبحة منتظمة على جيد الأفق الفسيح تخرج من محورها ولكنها ثابتة لا تحيد عن مراكزها ، تحن بعضها إلى بعض ولا تفارق مكانها ، وكل نجم يتحين وقت تألق البريق واللمعان الذي يختلف فيه عن جاره وهو يسير مقتربا حتى ينتهي ذلك الغروب ويختفي خلف غمام الأفق المستديم ويعود مشرقا بعد سنة كاملة يحمل أمانته إلى ذات المكان ونفس الموضع . وفي كبد السماء تتوسط الشامية واليمانية أما في الشمال فيشمخ العيّوق وفي الغرب تقع مجاميع الجبار التي تحلق معلنة عن هيمنتها فهي الجوزاء ، ويتصدر سهيل الجنوب بإشراقه الأخاذ وتبدأ مسيرة التطلع إلى الغرب ، ففي الربيع يجيء الأسد بمظهره المهيب ويشق وجوده المكان وفي الشرق يبدو السماكان وفي الصيف تتصدر النسور الثلاثة الواقع والطائر والردف يتلألأ استثنائي في حين يرتكز العقرب في الأفق الجنوبي ويتبعه القوس ويأتي الخريف وتحت حدة البريق الذي لا يرحم ، الصحارى الممتدة ذات النقاء الغريب تخترق غرابتها شجاعة ذلك الالتماع النجمي فتبدو جلية بارزة تتصدر صفحة السماء فيندلق مربع الفرس الأعظم يوغل في الارتفاع وينخفض عنه الدلو ويتقدمه الجدي غريبا خائفا إلى الغرب لكن الحوت يمضي بقوة إلى الشرق وعلى استحياء ووجل يمشي الحمل في خلف المسيرة العظمى .

(حوار الأتراب)
حتى ذلك المرج المجنون ، وبيوت الطين والصفيح التي تتحدى عيون الشمس لا تفارق وجهتك أيها المنحدر نحو تخوم النفس ، الشواخص كل الشواخص صديق يجدد رفقته في تلك الدروب والشعاب الجديدة التي تمر بها وتمر بك ، الوجوه الأصوات بقايا ألعاب الطفولة ورحلات اللااباليات والتسكعات غي المحسوبة ، جميعها تتجمع وتقف في لحظة غريبة أمامك متحدية فتات الزمن وما ينتج عن تداعي الأيام الدروب والحقول والمسالك التي تخلفها أمطارنا الخجلة والغاضبة ، عندما تلملم بقايا الذكريات ثمة ما يدغدغ رهيف إحساسك ويجبرك على القول الواثق أن أفضل أيامي هي تلك التي أصبحت كومضات من سالف الزمن ، الماء البارد على الرغم من التهاب القيض الزجاج الصديق الذي لا يجرؤ على جرح أقدامك الحافية ، والبرد الذي يحترم العري ، والغيوم التي تتطوع لتحجب غضب الشمس عن هاماتنا الخاوية ، العجائز اللواتي يوزعن الحلوى والأمهات التي تخبز في الطرقات الطينية وهن يوزعن الخبز الحار المحلى بالسمسم ، الأناشيد التي يطلقها العمال والابوذيات التي تتموسق تحت مناجل الفلاحين والقصائد العصماء التي ترددها عربات القطار الحدادي .. كانت الشمس التي تخشى المغيب تأخذ أذنا بالأفول والقمر يؤذن على أعتاب الفقراء ليعلن عما يخبئه القدر الآمن ، كانت ليالي الحصاد تشعر الأهل بالقناعة ونحن نختبئ خلف القبرات التي تتربص بالبيادر الجبلية الملتمعة .. كانت الأصوات هادئة كأصوات الأطفال وبين افياء النخل يشاركنا الفاخت الظل وهو يحنو على الرطب فلا يأكل سوى التالف والعشب .. توقف هنيهة أيها الساري إلى زعيق المدن وخذ غرفة من ذهب الفقراء ، ولا نحتاج منك سوى الدعوات .. عندما تجيل بصرك مستعينا ببوصلة الأمس لن تجد سوى أتراب لك بعضهم كان يشاركك الانسنة .. لكنك الآن وحيدا تجوب جدب الزمن بلا معين .. بلا أنيس .
( حوار الطفولة )
اعتقد أننا كنا نطير في الأعالي ونزاحم يمام الشناشيل الصديق لنرصد الخطى والوجوه والشخوص ، وننقل فضولنا إلى دائرة العمل ناسخين الإذعان لجبروت التأمل ، يمر بنا الخطاف بعد أن نزاحمه وهو يقبع في تلك المداخن القريبة من تلك المنائر والقباب المشرئبة في السمو ، يصطدم بنا ، ولا نحتاج إلى المرايا الذهبية التي تخلصنا من وجههه المزدوج بين الفأر والطير ..أنا اجزم أنني كنت أطير في الأعالي واسبح مع الشواهين واللقالق التي تحط معي قرب تلك النهيرات ذات الماء الأخضر .. وإنني كنت اصنع من أغاني النقيق التي تنسجها بحيرات الطحالب اغاريدا لتلك الطفولة المتسامية بالفطرة ..كان حنيننا حقيقي من دون لبس او موارات ..كنا نفغر أفواهنا عندما تمر بنا حالات التعجب التي تستدعي تأملاتنا لأن تعجن من تلك الحكايا البسيطة ملاحم كبيرة نصبها إلى إخوتنا الصغار ، كان الحب هو ما يشدنا إلى وطننا الأم ، نعم فجاذبية الطير التي تعلمناها هي الانتماء بعينه إلى الوطن إلى الحضن الدافئ ومصدر الحنان ، ذلك هو بلاء الحب الأول الذي ألصقنا بهذه الأرض التي تنصلت منا أخيرا وتوددت لمن هجرها ونسيها بعد أن حلت الليالي الحمراء والخضراء بديلا عن جاذبية ذلك الجدب الذي شغفنا به ..الشواخص والأحداث والوجوه التي انطبعت فينا وكنا نواتها هي بوادر تصوراتنا التي تجعل من الممكنات قائمة قابلة تمتلك الحلول وتبحث عن الحقائق لأنها تتغذى من فطرتنا البليدة وتكتسب كل مقوماتها بالرضا الأول الذي دائما ما يصاحب لحظات البراءة ، لذلك فان أعظم الذكريات التي سجلناها تلك التي اكتسبناها في السنين الأول لإدراكنا الغض تلك التي احتوت من الفطرة والبراءة والنقاوة وهي لا تتعادل او تتجارى بكل الصور ..كما أن من أهم الأحداث التي حفزت إحساسنا الأول هي ردود الأفعال التي انطبعت بأول اللقطات التي التقطتها عدساتنا القلقة وخزنتها في ذاكرة أيامنا .. فلم يتلوث ذلك الحب بإشعاعات الكره والعداوة والسخط والضميمة ..ولم ندرك مكانا لمستوى اكتمال مشاهدنا ولكن كانت تلك لمشاهد بأبهى صورها تنال حقيقتها بعد أن تتناسب مع قلوب أمهاتنا . . يكاد البكاء المعجون مع دلائله وأسبابه هو الذي يحيل الطفل إلى اصل معاناته ، فحتى بكاء الطفولة هو بكاء يصنعه الأطفال لأجل البكاء ، أما البكاء الآخر فهو بكاء مصحوب بقهر او هزيمة او لوعة وهنا يكمن سبب ذرف الدموع من حبسها ، بل إننا وجدنا بكاءنا الآن لا يتحدد بصورة من نبكي عليه ، إنما هناك صور أخرى تعزز ذلك البكاء ، وتتجسد هنا صور رديفة أخرى تلازم المشهد الأول لسبب البكاء .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,424,167,034
- 100قصة من 6 كلمات
- ادباء المزاح والضحك والسخرية
- بقايا سخام
- وطء على الجمر
- هناك في القبر
- الرصيف الثقافي
- مرثية لابن الرومي
- سرة ام مجيد
- المربد ..التاريخ والابداع
- ملحمة كلكامش
- طوة الغيب / الكتاب - الانتشار والاندثار -
- قصائد
- صور
- سطوة الغيب / ج1


المزيد.....




- إسبانيا .. أزيد من 273 ألف مغربي مسجلين بمؤسسات الضمان الاجت ...
- شاهد: افتتاحية مبهرة لمهرجان الكرَّامين السويسري بحضور 7 آلا ...
- ساحة النوم والراحة والسياسة: 13 معلومة من تاريخ السرير
- إيران تبث لقطات -تدحض- الرواية الأمريكية بشأن إسقاط طائرتها ...
- الإعلان الترويجي لفيلم Cats يسبب رعبا جماعيا على شبكة الإنت ...
- 21 سنة من الرموز التعبيرية.. هل يمكن أن تكون أول لغة عالمية ...
- معرض فنان تشكيلي نرويجي يحقق نجاحا مبهرا في موسكو
- شاهد.. واقعة مستفزة لعازف يجلس على أغلى بيانو في مصر ووزارة ...
- قنوات إيرانية تبث لقطات تدحض الرواية الأمريكية بشأن إسقاط طا ...
- فيديو كليب يعرض الفنان محمد رمضان لغرامة


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل علي عبيد - كتاب الحوارات (اقتفاء الطيف)