أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - كميل داغر - ثورات عربية متمايزة، حتماً، ولكنها ثورات















المزيد.....

ثورات عربية متمايزة، حتماً، ولكنها ثورات


كميل داغر
الحوار المتمدن-العدد: 3484 - 2011 / 9 / 12 - 09:16
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


خلال الانتكاسة طويلة الأمد، نسبياً، لقضية التغيير الثوري، في العقدين الاخيرين من القرن الماضي، التي تواصلت، إلى هذا الحد أو ذاك، في العقد الأول من القرن الحالي، تعاظَمَ، بصورة مَرَضيةٍ، عددُ ثالمي عرض الثورة، عبر العالم، ومن ضمنه في بلداننا العربية. لا بل بات هؤلاء – وبينهم عديدون طالموا زعموا الأخذ بالفكر الماركسي منهجاً لفهم العالم- يشككون في مدى عقلانية من واظبوا على اعتبارها الحل الوحيد لانقاذ البشرية من هلاكٍ محتوم، ولا سيما بوصفها ثورة دائمة، لا بد من أن تفضي إلى اشتراكية حقيقية، قائمة على التسيير الذاتي لشتى شؤون المجتمع، من جانب المنتجين الاحرار.
وحين بدأت الثورات العربية تندلع، هنا وهناك، كانت مفاجأة كبرى لهم، كما لغيرهم، ولا سيما أنها كانت تجيء من حيث لم يكونوا يتوقعون، وبالضبط من منطقة كان كثيرون، بل كثيرون جداً، يعتبرونها الاخيرة التي يمكن أن يتفجر فيها السخط الشعبي، بهدف إحداث تغيير جذري في واقعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وذلك لأسباب كانوا يعيدونها، في تحليلاتهم القاصرة جداً، الى عوامل إيديولوجية بحتة.
ولعل الأسوأ بين هؤلاء المتفاجئين ، الذين تراوح موقفهم للوهلة الأولى بين التردد وشبه الصمت، من جهة، والترحيب برؤوس الشفاه، من جهة أخرى، إنما هم ستالينيون سابقون يجمعون الى رواسب تشوهاتهم الاصلية هذه تشوهاتٍ إضافيةً عائدة إلى فكرٍ قومي مقيم. وقد تحركت هذه التشوهات بشدة، مصدرةً الكثير من صرخات الذعر، حين امتدت الشرارة، القادمة من تونس والقاهرة، لتحرق "السهل" السوري. جاء موقف اصحابنا من حركة الجماهير، التي صدمت فكرهم المتحجر، متجاوزة على ارض الواقع مقولاتهم البالية ، جاء على بعض التسامح حين اطاحت رموزاً مواليةً، جهاراً نهاراً ، للامبريالية العالمية، كزين الدين بن علي وحسني مبارك، ولكنهم سارعوا الى اطلاق صيحات الانذار، ما ان وصلت رياح الثورة العاتية الى مضارب آل الاسد، وهددت باقتلاعها من الجذور. اما الذريعة الجاهزة لديهم فهي ان هؤلاء "ممانعون"، ويقفون حجر عثرة في وجه اسرائيل والمخططات الامبريالية؟!! وبدلاً من رؤية حقيقة هذه الثورات في اي مكان تندلع فيه، بوصفها حركات شعبية صادرة من جماهير تتعرض للقهر والاستغلال والاذلال، وهي تندفع الآن لاعلان رفضها الجازم لاستمرار هذا الواقع، الذي يتنافى مع ابسط حقوق الانسان في الحرية والكرامة الانسانية والعدل الاجتماعي، يخترعون رواية اخرى، مناقضة لها بالكامل، هي تلك التي ترى في هذه الجماهير مجرد أدوات في يد الامبريالية العالمية، وحتى اسرائيل ! انه الجمل الذي يريدون إدخاله في خرم الابرة!! وهي عملية مستعصية ، بالتأكيد ، فضلاً عن كون الرواية المتبناة النقيض ، أعصى على التصديق !
في حين يسهل جداً، بالمقابل، دحض الأوصاف الزاهية التي تُلصق، زوراً وبهتاناً، بالنظام القائم في دمشق ورأسه، الذي سبق ان حلق الطيران الاسرائيلي طويلاً فوق قصره ، ودمر له مفاعله النووي في دير الزور، من دون ان يتجرأ على مجرد رشق الدولة الصهيونية ولو بصيحة احتجاج ! والذي يستهلك ترسانة الاسلحة – التي كدسها ، على امتداد ثلاثة عقود، مورِّثه، الدكتاتور السابق حافظ الاسد ، بذريعة احداث توازن عسكري استراتيجي مع اسرائيل ، بحسب تعبيره ، واستكمل هو بالذات الاضافة اليها ، من عرق الشعب السوري ودم قلبه – يستهلكها الآن في ابادة هذا الشعب بالذات، بدلاً من استخدامها لتحرير هضبة الجولان المحتل، على الاقل ، هذه الهضبة التي لم تطلق فيها رصاصة واحدة ضد الاحتلال ، منذ العام 1973!!
ان الثورات العربية، على اختلافها ، ومن ضمنها ثورة الشعب السوري، هي صرخات ألم ويأس من الواقع القائم ، بالتأكيد، ولكنها في الوقت ذاته تعبير صادق عن تطلع هذه الشعوب إلى إعادة بناء مستقبلها، بما يتفق مع كرامتها الانسانية ، ومع توقها لوضع حد لحالة الركود العربي التي لا تنتهي، في عالم يتقدم بسرعة مذهلة، مع ما يلازم هذه الحالة من نهب لثرواتها الخيالية، وانتهاك بشع لسيادتها، وحجز لقدرتهاعلى الوحدة ، والتقدم والاندفاع الى واجهة القرار العالمي، عبر انجاز المهام التاريخية للثورة العربية، هذه الثورة ، التي خانتها الطبقات المحلية السائدة، مذ أسلست قيادها للغرب الاستعماري ، خلال الحرب العالمية الاولى، والى الآن .
وهي ثورات متمايزة ، بحسب هذا الجزء من الوطن العربي أو ذاك، تعيش ظروفاً متشابهة، بالتأكيد، في جوانب اساسية منها، ولكنها مختلفة أيضاً، في جوانب اخرى، مع ما يؤدي اليه ذلك من تباين في المسارات ، كما سنرى، بعد قليل.

ثورات متمايزة، ولكن ثورات!!
كنتُ أوضحت في مقال لي نشرته السفير، في 12 آب /اغسطس الماضي ، بعنوان اكتوبر 1917، والثورة العربية الراهنة، كيف ان الثورة الفرنسية بدأت في 14 تموز1789 ، كسيرورة تغيير طويلة الامد، ولم تنته بصفتها هذه إلا في مطلع السبعينيات من القرن التاسع عشر، اي بعد اكثر من ثمانين عاماُ ! واضيف الآن ان ثورة اكتوبر 1917 الروسية ، التي حصلت في العشرينيات من تشرين الاول / اكتوبر من ذلك العام، خلال ما سماه الكاتب والمناضل الاميركي ، جون ريد ، "عشرة ايام هزت العالم" ، تعرضت لاكثر من ثورة مضادة ، قاد اولاها ستالين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، ثم استكملتها البيروقراطية السوفياتية في اوائل التسعينيات من القرن عينه. وهي تنتظر ثورة جديدة تعيد الاعتبار للمثل والاهداف العليا التي حفزت العمال والفلاحين والجنود ، في الامبراطورية الروسية ، خلال تلك الحقبة الهائلة من الغليان الثوري، في اوروبا الحرب العالمية الاولى.
وما يحصل الآن في المنطقة العربية ، انما هو سيرورة ثورية حقيقية، من المرجح انها ستطول ، مع طلعات ونزلات متلاحقة، بحسب هذا الجزء او ذاك من منطقة شاسعة لا بد من ان يأخذ مسار الثورة في كل منها طابعاً خاصاً به ، مع تشابك حتمي فيها جميعاً، بين الداخلي والخارجي، ضمن عالم العولمة الرأسمالية الراهن.
فمن الغباء المطلق الاعتقاد ان هذه الثورات ستبقى بمنأى عن التدخل الخارجي، ولا سيما حين نأخذ بالاعتبار اطماع شتى الحواضر الامبريالية ، وإنْ بصورة متفاوتة، ومتفاوتة جداً أحياناً ، بين هذه الحاضرة او تلك ، وفقاً لعلاقاتها بمنطقة تزيد مساحتها على 10 ملايين كيلو متر مربع، وعدد سكانها عن الثلاثماية مليون ، فيما تنطوي ارضها على اكثر من نصف احتياطي الطاقة العالمي ، وعلى ثروات اخرى لا حصر لها ، عدا موقعها الاستراتيجي بين القارات الثلاث ، آسيا وافريقيا واوروبا ، وضمن الاوليين. وذلك من دون نسيان الحالة الخاصة جداً ، التي يمثلها وجود دولة اسرائيل العدواني المصطنع، ليس فقط بالنسبة للامبريالية العالمية التي زرعتها في منطقتنا ، على اساس ما يمكن ان تمثله من ضمان طويل الامد لمصالحها ، بل ايضاً بالنسبة للمنطقة المشار اليها ، والتي لا بد من ان تواصل شعوبها رفضها لوجود اسرائيل هذا ، ولما يمثله هذا الوجود من تناقض عميق مع مصالحها وتطلعاتها . وهو ما سيزداد تجذراً ، بعد الآن، كلما تطورات الثورات العربية الراهنة، لتأخذ ابعادها التحررية الكاملة، مع ما يعنيه ذلك من تعمق الصراع وتصاعده ، الى حدوده القصوى ، ليس فقط مع اسرائيل ، بل ايضاً مع حُماتها في الغرب الامبريالي .
لأجل ذلك ، فان ما قد يترتب على هذا التعقيد للثورات المشار اليها – الذي جعل ثوار ليبيا يستنجدون بالمنظمة العالمية للامم المتحدة، في لحظة مفصلية من ثورتهم كان يمكن ان تفضي ، في حال عدم استجابة هذه الاخيرة طلب النجدة هذا ، الى مجازر يذهب ضحيتها عشرات الالوف من المدنيين الليبيين (بالاضافة الى الخمسين الفاً، او اكثر ، الذين سقطوا ، حتى في ظل "النجدة" الخارجية) – انما هو حصول ثورات جديدة في الثورات الاصلية، لأجل التخلص من آثار هذا التدخل ، في ما يخص الحالة الليبية. علماً بأن اي تجذر لاحق في الثورتين التونسية والمصرية، ولا سيما في هذه الاخيرة ، سوف يستتبع صراعات داخلية مع جيشي البلدين - اللذين بقيا من دون اي تغيير في بنيتيهما، كما في ما يمثلانه ، في وضعهما الراهن، من ضمان للنظام القديم ، وإنْ متحرراً من رأسيه ، ومن الحزبين اللذين كان يقودهما هذان ، في الواقع . وهي صراعات قد تستجر تدخلات عسكرية خارجية ، وحروباً اقليمية كبرى، ربما تتحول الى ابعد من ذلك ، وفي اتجاه قد يتخذ طابعاً عالمياً.
في شتى الاحوال ، إن التدخل الخارجي ، بحد ذاته ، وسواء حصل بالفعل، او بقي سيفاً مصلتاً يهدد بالحصول ، لا يمكن ان يشكل سبباً لرفض هذه الثورات ، ايّاً يكن، بل يستدعي الانخراط فيها ، وفي الوقت ذاته ، السعي لتعبئة اوسع دائرة من القوى الشعبية، للمشاركة الفاعلة في التصدي لتلك التدخلات ، والعمل على احباطها.
هذا مع العلم بأن الثورات المشار اليها حققت الى الآن مكاسب عظيمة للشعوب المنخرطة فيها ، وللشعوب العربية قاطبةً ، ولا سيما عن طريق الحد القاطع الذي وضعته لمشكلة الرعب ، الذي كان يأخذ بتلابيب الناس، على اختلافهم ، حيال جبروت آلة القمع السلطوية ، وما كان يؤدي اليه ذلك من شلل مُطْبق ، ليس فقط لدى الجماهير الواسعة بل ايضاً لدى النخب الثقافية والفكرية ، وشتى القوى السياسية، غير الراضية عن الوضع القائم. لقد بات التمرد على الظلم والقمع والاستغلال ممكناً ، بعد الان ، وفي اي لحظة ، وباتت مسألة الثورة مطروحة على جدول الاعمال، طالما ثمة تناقضات ضمن حركة الواقع تتطلب ذلك ، ولا سيما في هذا الطور من الانهيارات الكبرى في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وعلى صعيد الهيمنة الامبريالية.
أكثر من ذلك،إن الثورات العربية أعادت الاعتبار ،عبر العالم ، وبصورة فعلية ، كما على المستوى النظري ،لمقولة المفكر الماركسي المجري ،جورج لوكاش، حول راهنية الثورة ، بعد أن كانت هذه الأخيرة قد أُحيلت إلى النسيان ،وفقدت آنيتها ، بفعل التراجع الخطير ، في موازين القوى ، لصالح الرأسمالية العالمية وقوى العالم القديم ،على امتداد العقود الأخيرة ,
ونحن نقول ذلك، في الوقت عينه الذي نعترف فيه بأن هذه الثورات جميعاً، وإنْ بصورة متفاوتة، تفتقد القيادة الجاهزة، والبرنامج الواضح، علماً بأن استمرار السيرورة الثورية – كما هو ثابت للعيان في شتى البلدان التي تتحرك فيها هذه الاخيرة – لا بد من أن يتيح تبلور تلك القيادة، وهذا البرنامج، بمقدار ما يطرح تطور السيرورة المشار اليها مهام جديدة على الناس المنخرطين فيها، ويخلق حاجة ماسّةً لحل المشكلات والتناقضات التي تعترضها. وذلك ليس فقط بخصوص مسألة الحريات وقضايا الديمقراطية السياسية، بل ايضاً بخصوص قضايا الديمقراطية الاجتماعية، وبوجه أخص القضايا المتعلقة بالتحرر الوطني والقومي . وهي القضايا التي لا يزال حضورها هشاً وضعيفاً إلى الآن ، على الرغم من الاهمية القصوى التي تنطوي عليها ؛ والتي ستزداد باستمرار .
حول المسألتين الاجتماعية والوطنية
معلوم أن الشرارة التي فجّرت الثورات العربية بدأت من تونس، وأن هذه الشرارة انطلقت من قضية محض اجتماعية تتعلق بحق العمل، كما عبَّر عن ذلك محمد البو عزيزي، وقد احرق نفسه احتجاجاً على منعه من الارتزاق بواسطة عربة الخضار والفاكهة التي كان يجرها في أسواق مدينته وزواريبها. أكثر من ذلك، كان للاتحاد التونسي للشغل دور مركزي في تطور حركة الاحتجاج الشعبية، التي أدت الى رحيل الطاغية بن علي، ومن ثم إلى حل حزبه الحاكم، وملاحقة رموزه، الى غير ذلك من الانجازات والمكاسب الديمقراطية . كما أن ما حصل في مصر، بعدئذ، لم يكن يختلف، من حيث الجوهر، مع ذلك، ولا سيما حين نعلم ان الاضرابات العمالية، التي بدأت تتنامى قبل رحيل حسني مبارك، كان لها وزن حاسم في إجبار الطاغية المذكور على أن يحذو سريعاً حذو نظيره التونسي . وليس من ريب ، إطلاقاً، في أن بين الأسباب الأشد حسماً ، التي دفعت الجماهير السورية للنزول الى شوارع بلدها، وعدم مغادرتها إلى الآن، انما هو الواقع الاجتماعي – الاقتصادي المتفاقم هناك، في السنوات الاخيرة، التي شهدت اندفاع السلطة القائمة في التغيرات النيوليبرالية، مع ما رافقها من تنامي البؤس، والتزايد المخيف للفساد والتفاوت الاجتماعي. وبالطبع، فإن كل هذه الاسباب ، ذات الطابع الاقتصادي – المعيشي، لم تكن لتنفصل عن واقع الأزمة الرأسمالية العالمية، ومشكلة الهيمنة الامبريالية على بلدان الجنوب، بوجه أخص، ومن بينها بلداننا العربية، بمختلف تجلياتها واشكالها.
على الرغم من ذلك، فان الثورات العربية لم تشهد الى الان دفعاً كافياً الى الامام، على صعيد اهتماماتها ومطالبها المباشرة ، للشعارات المتعلقة بالقضيتين الاجتماعية والوطنية، الا بصورة محدودة للغاية (في مصر، بوجه اخص) وردّاً على تطورات ظرفية، اكثر مما كمطالب اساسية دائمة، علماً بان هاتين القضيتين هما المحرك الجوهري، الذي يمكن ان يؤدي التركيز عليه الى تطوير التعبئة الشعبية، بحيث تشمل الغالبية العظمى من الناس، في اي من بلدان المنطقة، كما الى انضاج برنامج ثوري متكامل ، على الأرض، يتيح الارتقاء بوعي الغالبية المذكورة الى ادراك ضرورة القلب الكامل للمجتمع، وتحويل الحراك الحالي الى ثورة اجتماعية حقيقية، مع نتائج ذلك على صعيد التغيير الكبير في موازين القوى، بحيث يتحقق عندئذ ، بالفعل وبصورة جذرية، ما بقي الى الآن مجرد هتاف في المظاهرات الشعبية، ألا وهو الشعار الذي ينطق به الجميع، من تونس وصولاً الى سوريا وبلدان الخليج ،حين يصرخون: الشعب يريد إسقاط النظام !
ونحن سنقتصر، في هذا المقال، على تناول حالة واحدة بين هذه الثورات، هي الحالة السورية، لنتحدث فيها عما سنعتبره لا أكثر من شبه برنامج تعبوي تضعه لجان التنسيق الشعبية، في البلد المذكور، انطلاقاً من أسماء الجُمَع التي يُقال إنه يجري التصويت عليها، أسبوعياً، والتي لا تعدو كونها تعبيرات عن حالات نفسية، معظم الاحيان، بعيداً عن أي بلورة حقيقة لبرنامج تعبوي، على اساس مصالح الناس الجوهرية، ومصالح البلد ككل، في شتى المجالات ، السياسية والاجتماعية والوطنية.
هكذا نكتفي بالاشارة الى بعض هذه التسميات ، بادئ ذي بدء، قبل أن نعود فنطرح ما نعتقد أنه يشكل ، فيما لو تم التركيز عليه، حجر الزاوية، ليس فقط في استنهاض اوسع جماهير البلد المعنيّ، على اساس مصالحها الفعلية، بل ايضاً في فضح النظام القائم ، والرد المفحم على مزاعمه، بخصوص تمثيله حالة الممانعة والمقاومة ، في مواجهة المؤامرات الاجنبية.
فبدلاً من استنهاض الطبقة العاملة السورية، التي تتعرض لعملية نهب واستغلال فاقعة، وتتراجع اوضاعها المعيشية باستمرار، والتي يمكن ان تلعب الدور الاهم في قيادة ثورة شعبية حقيقية، وذلك بالتلازم مع تعبئة اوسع الفلاحين المفقرين في ظل السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي بات يعتمدها النظام، ولا سيما في العقد الاخير، نرى كيف جرت تسمية واحدةٍ من الجُمع بجمعة العشائر!!! كما لو كان يتم بذلك تمجيد احدى النقائص الكبرى لنظام سبق أن رفع شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، فيما تستمر، في ظله، في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، إحدى البنى الاكثر تخلفاً، في المجتمعات ما قبل الرأسمالية!!
أما الصورة الغالبة على هذه التسميات ،والتي رأينا أعلاه انها تنطلق من مخاطبة الجانب السيكولوجي البحت ، فهي تلك التي تظهر في اسماء من مثل "بشائر النصر"، و"صمتكم يقتلنا"، و"التحدي"، و"الصمود"، و"الإصرار" ، و"الصبر والثبات"، و"أطفال الحرية"، و"اسرى الحرية"، وما الى ذلك !! في حين يمكن ويجب ان يجري التركيز، بوجه اخص، على تسميات يمكن ان تشكل بالفعل، عناوين اساسية لبرنامج اقتصادي – اجتماعي، ضد الفساد، ومع المساواة الاجتماعية، والعيش الكريم، والعدل الاجتماعي وما الى ذلك، على أن يتم التركيز، في الوقت ذاته ايضاً، على شعارات تتعلق بالتحرر الوطني، وانهاء الاحتلال، والتضامن مع الشعب الفلسطيني، ومع الثورات العربية، وبوجه أخص على شعار تحرير الجولان المحتل!!
فحتى الآن، تغيب كل هذه الشعارات عن أسماء الجُمع، ومن ضمنها الشعار الاخير، الذي في حين يشكل مطلباً جوهرياً يتناسب مع مصالح الشعب السوري، الممنوع من المقاومة ، منذ هزيمة حزيران 1967، فإنه يشكل رداً قاطعاً على تخرصات النظام القائم ومزاعمه الكاذبة حول الممانعة، والمقاومة، وما الى ذلك. كما يشكل ايضاً تكذيباً عملياً ليس فقط للنظام المذكور، بل ايضاً لحلفائه واتباعه، في المنطقة العربية، ومن ضمنها لبنان، الذين يزعمون ان الثورة الراهنة تتحرك بدفع من الرجعيات الخليجية، والامبرياليات الغربية، واسرائيل.
ومجدداً، واخيراً، وعلى رغم ان هذه المزاعم الكاذبة لا تحجب، مع ذلك، واقع أن ثمة قوى واسعة، على المستويين الاقليمي والعالمي، تحاول بشتى الوسائل الالتفاف على هذه الثورات ، فإن المهمة الاساسية لكل القوى الصادقة في عدائها للامبريالية العالمية واسرائيل ، والرجعيات العربية ، انما هي التضامن مع الثورات المذكورة ، وتقديم أقصى الدعم لها، لكي تستطيع مواجهة عملية الالتفاف تلك، وشتى أشكال التدخل الخارجي المشبوهة، وكل ما يمكن ان يساعد في إجهاض حركة فريدة، سوف يؤدي انتصارها إلى تغيير العالم بأسره، في الاتجاه الصاعد، والتقدمي، لحركة التاريخ.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الثورة السورية الراهنة وحساب الاحتمالات
- هل تشكل سوريا استثناءً للقاعدة العربية؟
- المارد الشعبي المصري يخرج من القمقم: انها تباشير الثورة العر ...
- تونس: اليسار والحفاظ على مكتسبات الثورة
- كميل داغر في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: الإصلاح أم ...
- من أجل يسار عربيّ ثوري جديد
- عكار: الصعود المتجدّد للصراع الطبقيّ
- حقوق فلسطينيي لبنان وخرافة التوطين
- ألّهنا الطبيعة... ثم أكلناها!: مرامل كفور العَرْبي نموذجاً
- عن راهنية الثورة وأمور أخرى: رسالة تصحيح إلى فواز طرابلسي
- لأجل -ديمقراطية لبنانية- غير مشوّهة
- لا حل للقضية الفلسطينية إلا بتفكيك الدولة الصهيونية(*)
- الأممية الرابعة: من تروتسكي مؤسسا إلى الآن (المقدمة العربية ...
- بيان وزاري لحكومة وطنية غير موجودة
- رسالة من مواطن يساري إلى الأمين العام لحزب الله
- لأجل أن يتحقق الحلم حلم الشهداء الشيوعيين
- 4 أيّار في مصر و7 أيّار في لبنان: الصعود الجديد لصراع الطبقا ...
- نحو يسار يُحجم عن خلط الرايات
- إجابات أولية على طريق لقاء اليسار
- - نحن مع توحيد العالم العربي، لكن مع احترام الحقوق المشروعة ...


المزيد.....




- مختارات من -بعدنا طيبين.. قول الله- ونقاش الخميس لنادي الروّ ...
- البوعزيزي
- عن «حرية التعبير»، ولبنان
- مؤسسة «أديان»: الصهيونية وجهة نظر!
- «كيف نُنقذ شاطئ بيروت؟» «المقاومة» ضد محتلي الملك العام!
- منظمة الحزب الشيوعي اللبناني تشارك في تظاهرة حاشدة في مونتري ...
- تظاهرة حاشدة في باريس تنديداً بالقرار الأميركي وتضامناً مع ف ...
- نشيد الانتفاضة
- توصيف بنية الاستبداد: ركائزه ومقوماته
- أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية تدعو لـ«نهاية» الاتحاد الأورو ...


المزيد.....

- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي
- الشهيد محمد بوكرين، أو الثلاثية المقدسة: الامتداد التاريخي – ... / محمد الحنفي
- مداخلات عشية الذكرى الخامسة والأربعين لاستشهاد رفيقنا القائد ... / غازي الصوراني
- أبراهام السرفاتي:في ذكرى مناضل صلب فقدناه يوم تخلى عن النهج ... / شكيب البشير
- فلنتذكّرْ مهدي عامل... / ناهض حتر
- رجال في ذاكرة الوطن / محمد علي محيي الدين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - كميل داغر - ثورات عربية متمايزة، حتماً، ولكنها ثورات