أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل حبه - الاضطرابات في الدول العربية وسقوط القذلفي















المزيد.....


الاضطرابات في الدول العربية وسقوط القذلفي


عادل حبه

الحوار المتمدن-العدد: 3481 - 2011 / 9 / 9 - 00:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الاضطرابات في الدول العربية
سقوط القذافي

بقلم الدكتور إبراهيم يزدي*
تعريب عادل حبه



الدكتور إبراهيم يزدي


*الدكتور إبراهيم يزدي شغل منصب وزير الخارجية الإيراني بعد الثورة، ويشغل الآن منصب زعيم حزب "نهضة الحرية"(نهضت آزادى) الإيرانية المعارضة، وقد تعرض إلى السجن عدة مرات بسبب معارضته لأساليب الحكم الديني الحالي المتطرف. ويعرض الدكتور إبراهيم يزدي في هذه المقالة وجهة نظره في الأحداث الجارية في البلدان العربية. ولقد رأيت أنه من المفيد إطلاع القارئ العربي الكريم على وجهة نظر حديثة لساسة إيرانيين وخاصة من تيار إسلامي - قومي إيراني معارض دون أن يعني ذلك القبول بكل ما جاء في المقالة. لقد حررت المسودة الأولى للمقال في 22 آذار/مارس2011 ، ولم تنشر إلاّ بعد سقوط القذافي. م .


دشنت الدول العربية مرحلة جديدة من تاريخ التحولات المصيرية فيها. لقد بدأت هذه التحولات منذ أن وطأت أقدام نابليون أرض القاهرة، ووجّه مدفعيته صوب تمثال أبي الهول. وبعد قرابة 200 سنة، تدخل التحولات في هذه البلدان مرحلة جديدة.

وعند النظر في هذه التحولات ينبغي البحث والتمحيص في ثلاث نقاط أساسية:

النقطة الأولى هي أسباب وعوامل هذه الأحداث، حيث عصفت بالدول العربية لسنوات صراعات سياسية واجتماعية. ولكن السؤال المطروح هو أن هذا الانفجار الحالي يجري على شكل مسلسل وبأساليب متفاوتة، ولكن بفعل عوامل مؤثرة وبمطاليب مشتركة ذات تأثيرات متبادلة. ويمكن تحديد أسباب بروز هذه الاضطرابات في العوامل التالية حسب أهميتها:
1- تآكل الأنظمة السياسية. ففي الدول الديمقراطية يتم تبادل النخب بشكل طبيعي وعن طريق النشاط الفعال للأحزاب السياسية. فتبادل السلطة يعني التحسين المستمر لـ"سلطة" الحاكم. ولكن ابتلى الحكام في غالبية البلدان العربية بـ"داء الكرسي" كما يسميه العرب. فبعد أن يتسلق الحكام كرسي السلطة فأنهم يصبحون غير مستعدين للتنازل عنه. ففي فترة حكم المستبدين في مصر وليبيا واليمن وسورية وتونس.. التي امتدت إلى 30 و40 سنة غرق خلالها الحكام المستبدين في لجة الركود والارتخاء كالماء الراكد الذي يتحول إلى ماء آسن وعفن في حالة ركوده. إن الفساد المالي وكل أنواع الفساد الأخرى وعدم كفاءة هؤلاء الحكام وقف حائلاً أمام تحقيق الحدود الدنيا من المطالب المشروعة للشعب، بحيث وصل الأمر إلى حد لا يمكن عنده إصلاح النظام. وكان القمع والقهر السياسي أيضاً عاملاً في الوقوف بوجه تحقيق مثل هذه المطالب.
2- تشير المعطيات أن نسبة أعمار 70% من السكان هي دون 30 سنة. وتصل نسبة البطالة بين أعمار 15 إلى 30 سنة إلى أقصى الحدود. ومن الطبيعي أن يصاب هؤلاء الشباب بخيبة أمل في مستقبلهم بسبب الركود الاقتصادي المزمن والبطالة.
3- الوعي وتحرير المرأة. ولوحظ اثناء المظاهرات الشعبية في هذه البلدان مشاركة فعالة للنساء، مما يعبر عن تغيير في العلاقات السياسية والاجتماعية فيها وعن عمقها وتأثير ذلك على التحولات الاجتماعية.
4- الثورة الالكترونية. على غرار ما أدت الثورة الصناعية إلى تغييرات في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في العالم، فإن الثورة الالكترونية والأقمار الصناعية والهواتف المحمولة كانت أحد العوامل الحاسمة في انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط الستار الحديدي وإزالة جدار برلين. وتعد الثورة الالكترونية أحد أهم وسائل زعزعة خصوصيات الأنظمة الاستبدادية. فمن أبرز خصوصيات الأنظمة الاستبدادية هي انغلاقها وفرض الحظر على نشر المعلومات. كما إن النضال السياسي عبارة عن مد الجسور مع الجماهير الشعبية وتوجيهها. ولذا لا يتحمل المتسلطون على زمام السلطة أي احتجاج ويسعون إلى قطع الصلة بين المحتجين وبين الجماهير بكل الوسائل. فهي تصب كل جهودها على اعتقال المناضلين واغلاق الصحف والقيام بالاغتيالات ضد الشخصيات السياسية. ولكن في عصر الثورة الالكترونية لا يستطيع أي نظام أن يقف سداً أمام انتشار المعلومات ولا يستطيع أن يغلق الأجواء.
وإضافة إلى ذلك فإن الثورة الالكترونية تحول العالم إلى رقعة صغيرة وقرية دولية، بحيث تتحول الحياة في القرية العالمية إلى شقة في مجمع للسكن. لقد عاش آباؤنا في بيوت كبيرة تحيطها جدران ضخمة، وكان للجدران الأربعة والطاعة معنى في هذه البيوت. ولم يكن لدى الجيران أي علم بما يجري في بيت جارهم. ولكن العيش في الشقة لا يسير على هذا النمط. فلا يمكن الحديث بصوت مرتفع مع زوجتك و أولادك، كما لا يمكنك أن تصغي إلى الراديو وتشاهد التلفزيون بصوت عال. وتنتشر تفاصيل الأحداث في القرية العالمية بسرعة البرق. فسكان العالم القاطنون في أقصى بقاعه سرعان ما يتلقون كل تفاصيل الأحداث والأخبار. وقد يتجاوز عدد أجهزة التلفون في بعض البلدان عدد سكان هذا البلد. ونصب قادة الثوار في أثناء المظاهرات في مصر شاشات خاصة في شوارع المدن متصلة بالقنوات الفضائية الدولية بشكل دائم والتي تنقل الأخبار المصورة إلى الجمهور. إن هذا النقل السريع للأخبار شكل أحد العوامل التي حفزت وشجعت الشعب المصري وغير المصري على النهوض بعد مشاهدتهم تحرك الشعب التونسي وفرار زين العابدين بن علي. وترك تراجع مبارك آثاراً مباشرة على الشعب البحريني واليمني والمغربي والأردني بسبب تشابه الظروف مما أدى إلى تصاعد أمواج الاحتجاج في كل مكان. ومن ناحية أخرى أثارت مشاهد القتل الجماعي للشعب في هذه البلدان وجدان الرأي العام العالمي مما أدى إلى حملات الإدانة لقمع الحكام والمطالبة بحماية الشعوب المناضلة.
5 - وكان لانتهاء الحرب الباردة أثرين ايجابيين. الأول: إن انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة أزالا كل الموانع بوجه توسيع وانتشار الحركات الوطنية الديمقراطية. ففي فترة الحرب الباردة استغلت الدول الغربية بعبع التلويح بالخطر الشيوعي. ولكن مع انهيار الاتحاد السوفييتي فقد هذا البعبع رونقه. ومن ناحية أخرى تصاعد الاتجاه الوطني والعودة إلى الذات بين المناضلين في الوسط اليساري ضد الاستبداد وضد هيمنة الأجانب على الدول العربية والإسلامية. وهذا ما مهد الأرضية للتعاون بين مناضلي التيار اليساري وبين التيار الإسلامي.
أما الأثر الثاني فيتحدد في أن انتهاء الحرب الباردة غيّر الأولويات في العلاقات الدولية. ففي فترة الحرب الباردة كانت أولويات العلاقات الدولية محددة، ولكن حلت الآن أولويات الاقتصاد محل أولويات السياسة. إن العلاقات الاقتصادية في العلاقات الدولية يمكن أن تجد لها المجال في العلاقات الدولية اذا ما أخذت مساراً بعيد المدى. كما تحتاج مثل هذه العلاقات إلى استقرار سياسي. أن الاستقرار السياسي في مرحلة الحرب الباردة كان له معنى يختلف عن معناه بعد انتهائها. فالاستقرار السياسي بعد انتهاء الحرب الباردة يعني دمقرطة الأنظمة السياسية. وفي هذه المرحلة ستصبح أضعف الأنظمة الديمقراطية أكثر قوة من أقدر الأنظمة الاستبدادية. وفي الحقيقة فإن الموجة الثالثة من الديمقراطية التي شهدها العالم هي ليست من صنع وتخطيط الغرب، بل إنها ظاهرة من ظواهر انتهاء الحرب الباردة. ومن هنا جاء هذا الاقتران بين أهداف الدول المتقدمة الغربية مع أهداف وآمال الحركات الديمقراطية في البلدان النامية.
وعلاوة على ذلك فإن الدول العربية والإسلامية وقعت إلى حد كبير تحت تأثير الثورة الإسلامية في إيران. فهذه الثورة تحول المسلمون والعديد من التيارات السياسية إلى تيارات سياسية. وكانت للمشاركة الواسعة للمرأة في الثورة الإسلامية في إيران وبشكل غير مسبوق مصدر إلهام للنساء في الدول الإسلامية. إن نسبة الأمية بين النساء اليمنيات هي نسبة عالية، غير أن النساء اليمنيان كان لهن مشاركة فعالة في الحركة الاحتجاجية للشعب اليمني. ولكن فبالقدر الذي أدت الثورة الإيرانية إلى تقوية الحركات السياسية في الدول الإسلامية، فإن الأحداث التي أعقبت الثورة وبالقدر نفسه تركت آثاراً سلبية، ويمكن ملاحظة ذلك في أحداث تونس ومصر.
بعد انتهاء الحرب الباردة زالت موانع بوجه الحركات الديمقراطية، ولكن موانع داخلية متجذرة في المجتمعات الإسلامية وقفت حائلاً أمامها. فقد انتشرت الديمقراطية بسرعة في البلدان التي يقطنها المسيحيون لأن الكنيسة المسيحية قد صفت مشاكلها قبل 100 إلى 150 سنة خلت مع الديمقراطية وحكم الشعب. أما في الدول الإسلامية، وحسب اعتقاد الكثير من المفكرين والمناضلين، فإنه لن يتم إدراك الديمقراطية وهضمها، وينظر إلى دعاة الديمقراطية على أنهم كفرة وملحدين. وأصبحت هذه النظرة عاملاً رادعاً على طريق نمو وانتشار الديمقراطية في الدول الإسلامية. ولكنه في خلال السنوات 25 الماضية طرأ تغير مشهود حيث ابتعد الجيل الجديد والشباب من التيار الإسلامي عن التيارالسلفي. وراح الكثير من المثقفين المتدينين، وحتى بعض السلفيين، بالرغم من شك بعضهم وترديدهم حول إمكانية الجمع بين الإسلام والديمقراطية، يعلنون القبول بمبدأ تداول السلطة واعتبار الديمقراطية هي النوع الوحيد للحكم الذي يمكن القبول به، وهو أفضل بكثير من الأنظمة الاستبداية الشائعة في هذه البلدان. ومن ناحية أخرى فإنه مع انتهاء الحرب الباردة فقد انتهى معه عصر الحركات الثورية. فالعصر الآن هو عصر النضال والاحتجاج السلمي والمدني الخالي من العنف.
وهكذا تراكمت مجموعة من هذه العوامل لكي توفر الظروف لأظهار الإرادة الجماعية المعترضة على الأنظمة الاستبدادية الفاسدة والمتهرئة في هذه البلدان. ومن اللافت للنظر هو أن هذه الاحتجاجات قد انفجرت بفعل الظروف غير المناسبة للحكم في هذه البلدان قبل أن تتأثر بتشجيع وتخطيط من الدول المتنفذة. إن الحكومات القمعية الاستبدادية غير مستعدة بقبول مسؤوليتها عن هذه الاحتجاجات، فهي بدلاً من انتقاد سلوكها واصلاحه فإنها تلقي اللوم على أطراف خارجية ومسؤوليتها في هذه الاحتجاجات. ولكن هذه الاتهامات لا تغير من جوهر القضية.
والنقطة الثانية هي أن العلاقات السياسية والاجتماعية الراهنة في هذه البلدان وصلت إلى طريق تحول وتغيير تاريخي جديد. فأما أن يتوقف التاريخ عند هذه النقطة أو يمضي قدماً. لا أحد يخمن ذلك. وحسب قول أحد المؤرخين فإن التاريخ بلغ نقطة الانعطاف، ولكن هل يستطيع أن يتجاوز أوراقه؟ إن كل الدلائل تشير إلى أنه من الممكن التعرف على التحولات السياسية في هذه البلدان من خلال ثلاث عمليات:
العملية الأولى- نموذج التحولات في تونس ومصر. ففي كلا البلدين لم يكن الجيش على استعداد لقمع الشعب المنتفض. ومع رحيل زين العابدين بن علي من تونس واستعفاء حسني مبارك من منصبه تمهدت الطرق للتحولات المدنية التدريجية . وقام قادة الحركات الاحتجاجية في كلا البلدين بالابتعاد عن التطرف والراديكالية وتحلو بالواقعية واختاروا الجلوس والحوار مع من خلف علي ومبارك والاتفاق على القيام بالتغييرات المطلوبة والممكنة.
وأعلن قادة الحركة في كلا البلدين وفي الوقت المناسب أن النظام التركي هو النموذج الذي يحتذون به. ويبدو أن سلوك وبرنامج الإسلاميين من حكام تركية قد اجتذب أنظار الكثير من الإسلاميين في سائر البلدان. فما هي خصائص النموذج التركي الذي جذب أنظار المناضلين الإسلاميين في البلدان الأخرى؟. من الممكن الإشارة إلى ما يلي:
1 - في تركية يتميز الجيش بأنه مؤسسة وطنية لها أولويات وعقيدة سياسية خاصة، وليس مجرد قوة مسلحة تخدم الحاكم والمبتلى بعبادة الفرد. فالجيش الإيراني في عهد الاستبداد الملكي كان "تابعاً للشاه" وليس مؤسسة وطنية. أما في تركية فالجيش قام بعدة محاولات انقلابية من أجل عرقلة التحولات السياسية، ولكن ليس من أجل حماية سلطة الفرد أو حكومة بل على أساس الاعتقاد السياسي.
2 – استطاع الإسلاميون الأتراك وبالاستفادة من العلاقات التي تبلورت تاريخياً مع الغرب أن يستلموا الحكم عبر انتخابات حرة. ولكنهم في المرحلة الأولى (مرحلة نجم الدين أردكان) تصرفوا بتطرف مما أدى إلى رعب المثقفين وليس الجيش فحسب.
وواجه الإسلاميون حضوراً فعالاً ومقتدراً للعلمانيين. لقد حاول رضا شاه أن يطبق تجربة مصطفى كمال في تركية ولكنه لم يستطع أن يخلق قاعدة يعتد بها بين المثقفين. في حين شكل الكماليون قوة يعتد بها. ولم يستطع رضا شاه أن يشكل في الواقع جيشاً وطنياً ومستقلاً وغير تابعاً له. ولكن في تركية أصبح الجيش مؤسسة وطنية له قيم وعقيدة خاصة به ومستقل وغير تابع للشخصيات الحاكمة ، ومن ضمنهم آتاتورك، وكان له مكانة ودور مؤثر. ووقفت القوى السياسية والاجتماعية والثقافية للعلمانيين إلى جانب الجيش لتشكل قوة سياسية واجتماعية وعسكرية يعتد بها. وواجه الإسلاميون مشكلتين. الأولى هي كيفية مواجهة قوة الجيش والمثقفين العلمانيين، والثانية هي أن الإسلاميين المتطرفين والسلفيين لا يفهمون العلاقات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة في المجتمع. وعرقل سلوك هذه المجاميع وسياساتهم انتشار الحركات الإسلامية في العديد من البلدان. إن نهوض نجم الدين أردكان، السكرتير الراحل السابق لحزب الرفاه، الذي يعد الأب الروحي للحركة الإسلامية التركية، ورغم سقوطه بفعل مقاومة الجيش والعلمانيين، قد مهد الطريق لانتصار عبد الله غول ورجب طيب أردوغان، زعيما حزب العدالة والتنمية. فهؤلاء الزعماء الشباب أدركوا أن عليهم التحلي بسلوك أهدأ والتحرك بإندفاع أقل وبمهارة لمواجهة الجيش والعلمانيين. وهذا ما يستدعي إعادة النظر بمطاليبهم وبرنامجهم. وفي الواقع فإن الجيل الجديد من المثقفين الدينيين في تركية تعلموا أن تناسب القوى وحال وحركة القوى السياسية والاجتماعية في تركية هو الذي يحدد وينظم مسارهم السياسي.
وفي الواقع فإن النموذج التركي له محوران أساسيان. الأول هو المثقفون الدينيون الذين رغم انتصارهم في انتخابات حرة وتنافسية إلاّ أنهم لم يعلنوا عن تأسيس دولة إسلامية، بل ساروا باتجاه البحث عن آراء تتسم بالمصداقية من أجل توفير الخدمات الاقتصادية وتمتع الأمة بالمزيد من الحقوق وإرساء المؤسسات الديمقراطية.
وبعبارة أخرى تجنب المواجهات الداخلية والتركيز على " التوافق الوطني " وتقديم الخدمات الاقتصادية للشعب.
أما المحور الثاني فهو تجنب المواجهة في السياسة الخارجية وتحسين علاقات تركية مع جميع الدول، بما في ذلك اليونان وأرمينيا وإسرائيل. وتحركت تركية باتجاه التعامل الأوسع مع النظام الاقتصادي العالمي وخاصة مع أوربا وليس التصادم معها. ويعلن قادة الحركات الاحتجاجية في كل من تونس ومصر صراحة عن تبعيتهم للنموذج التركي. فالغنوشي الذي زار إيران مرات عديدة بدعوة من الحكومة الإيرانية، وعاش سنوات في منفاه في لندن عاد إلى تونس أثناء المظاهرات، وأعلن صراحة عن تعلقه بالنموذج التركي.
وفي مصر، استفادت الجماعة الإسلامية، التي كانت تحمل لواء النضال العنفي، من تجاربها الفاشلة، وأعلنت منذ عام 1977 تمسكها بالنضال السلمي. وكذا الحال بالنسبة للأخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا منذ 90 عاماً، فقد غيرت نهجها بعد صعود ونزول حاد. وعلى الرغم من تمسك الحرس القديم بالأساليب العنفية والمتطرفة لأيمن الظواهري في داخل الأخوان المسلمين (المعروفين بالقطبيين)، إلاَ أن أكثرية الشباب يتمسكون بالحضور الفاعل والاستفادة من الأجواء السياسية. فشاركوا في انتخابات عامي 1980 و1990 وحصلوا على نتائج جيدة. وإضافة إلى ذلك فقد تعلموا نهج التحالف والائتلاف مع الأحزاب التي لهم معها مواقف مشتركة، ولكنها غير إسلامية مثل حزب الوفد وحزب العمل. وأدرك فريق في الأخوان المسلمين الدور المؤثر للمرأة في الحركة الاجتماعية السياسية ومدوا الجسور مع الأقليات الدينية (المسيحيين). وتعلقت هذه المجاميع الشبابية بالمثل التركي ورفعت في ساحة التحرير شعار "ثورتنا مدنية لا سيفية".
وهكذا نرى إن الدلائل تشير إلى أن الحركة الشعبية الإحتجاجية لشعبي تونس ومصر دخلت مرحلة جديدة من التحولات المدنية التدريجية.
والنموذج الثاني يتمثل في الوجه الثاني من التحولات العربية الإسلامية في المنطقة، ونخص بالذكر مثال المغرب والأردن. ففي هاتين الدولتين الملكيتين اللتين تختلفان عن العربية السعودية وشيوخ الخليج، بادر الملكين في البلدين وبسرعة وبحكمة وتحت ضغط الحركات الاحتجاجية إلى اتباع الطريق السلمي والحوار والتوافق في التعامل مع هذه الحركات. ومن ناحية أخرى ففي المغرب أظهرت حركة " العدل والإحسان" الدينية وحزب العدالة والتنمية الانعطافة والتسامح والتسوية مع كل القوى ووافقت على مبدأ فصل السلطات. وشهدنا في الأردن تغييراً في نظرة الإسلاميين، أي وضعوا أمامهم التجربة التركية أي مسيرة حزب الفضيلة والرفاه وتطوره إلى حزب العدالة والتنمية التي أثرت على الأردن والمغرب. كما نلاحظ حتى في العربية السعودية نزعة الابتعاد عن الوهابية واتباع طريق التصالح مع الديمقراطية. وهناك عمليات تثير الاهتمام في هذه البلدان.
النموذج الثالث، وهو الوقوف بوجه الاحتجاجات واللجوء إلى القمع وقتل المحتجين في ليبيا واليمن والبحرين وسورية. وعلى الرغم من ما هو مشترك في هذه الدول من حيث اللجوء إلى موقف عدواني وقتل المحتجين، ولكن لكل دولة خصائصها الوطنية والمحلية.
فدولة البحرين تتميز بصغر مساحتها ومحدودية نفوسها وتفتقد إلى دور مؤثر في المنطقة. إن أكثرية سكان البحرين من الشيعة، وإن أي تراجع للحكام أمام الحركة الاحتجاجية يعني استقرار دولة شيعية ثالثة بعد أيران والعراق. وهذا الأمر غير مقبول من قبل المتعصبين السنة وخاصة الوهابيين. و شكل ذلك أحد أسباب التدخل العسكري للعربية السعودية في البحرين إضافة إلى المشاكل المذهبية، وعلاوة على وجود قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة في البحرين والتي ترتدي أهمية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة.
أما اليمن، فالمذهب السني هو المذهب الرسمي. ولذا لا نشاهد ذلك التعقيد الموجود في البحرين. ولكن البناء الاجتماعي في اليمن هو بناء قبلي. كما يتمتع ممر باب المندب إلى الآن بأهمية خاصة، رغم أن سقوط علي عبدالله صالح وانتصار المعارضة سوف لا يؤدي إلى تغيير جدي في وضعية باب المندب. إن الانسجام الثقافي والاجتماعي في اليمن هو أدنى من الانسجام في مصر، والجيش غير منسجم ومتشتت. وعلى الرغم من المقاومة التي يبديها علي عبدالله صالح فهناك دلائل على سقوط علي عبد الله صالح عاجلاً أم آجلاً، ومن سيخلفه سيكون شبيهاً بمن أمسك بزمام الأمور في تونس ومصر بعد رحيل بن علي.
وفي سورية تتصاعد الحركة الاحتجاجية ولكنها لم تصل حتى الآن إلى حدود ما وصلت إليه الحركة الاحتجاجية في مصر وتونس وليبيا من حيث القدرة والانتشار. ففي خلال العقود الأربعة الماضية وفي ظل حكم حافظ الأسد، انتفض الشعب في حلب، واستخدمت الحكومة المدافع والدبابات ضد المدينة. وبعد مواجهات دموية تم قمع المعارضين. بالطبع لم يكن هناك امكانية في ذلك الوقت للاستفادة من المنجزات الثورية الالكترونية التي تيسر تداول الأخبار ونشرها في مختلف بقاع العالم والتي وضعت سورية حليفة روسيا في مأزق. وتشير الدلائل إلى أن بشار الأسد سيضطر إلى التراجع رغم محدودية الحركة الاحتجاجية في سورية. فعلى الرغم من وعود بشار الأسد ووعيده فلم تتوقف حملة قتل المعارضين بل وتستمر. وستؤدي حملة القتل هذه إلى تصاعد الضغوط الدولية وحتى العربية بهدف تنحي بشار الأسد عن الحكم. فهل يؤدي تنحي الأسد عن الحكم إلى سقوط حزب البعث؟ إن كل ذلك يرتبط بأسلوب التعامل مع المعارضة من قبل بشار الأسد. علماً أن سورية تتمتع بمكانة خاصة ثقافية وسياسية بين العرب ودول الشرق الأوسط. وتلعب الدول الخارجية، سواء تلك المدافعة عن الحكم في سورية أو المعارضة له، دوراً مؤثراً في الأحداث السورية الراهنة أو في مستقبل سوريا. إن سقوط حكم البعث برئاسة بشار الأسد سيغير ميزان القوى في الشرق الأوسط ويضُر بإيران وبحزب الله في لبنان ومن المحتمل بفلسطين. ونظراً للمكانة الخاصة لسورية، فسيترك هذا التغير آثاراً على موقف القوى الخارجية من الحركة الاحتجاجية. والآن وبعد سقوط القذافي فإن كل الأنظار تتجه نحو بشار الأسد، وبدأ العد العكسي يجري بسرعة.
أما فيما يتعلق بالتحولات في ليبيا، ففي المرحلة الأولى تعرضت البلاد إلى حالة من التجزئة بين منطقتين نفطية وغير نفطية. وسيطرت القوى الثورية على المناطق النفطية وشكلت الحكومة المؤقتة في بنغازي، التي تم الاعتراف بها من قبل الدول الغربية والجامعة العربية. إن الزبون الرئيسي للنفط الليبي هي الدول الأوربية، وفرنسا وايطاليا في المقدمة. وكانت هاتين الدولتين، رغم العلاقات الودية مع القذافي، أول من وقفتا موقف المعارض للقذافي واعترفتا بالقوى الثورية وبالمجلس الوطني المؤقت. وقامت هاتين الدولتين بتنفيذ القرار الخاص بحظر الطيران الليبي فوق الأراضي المحررة وقصفها، ولموقف الدول الغربية هذا صلة بالنفط الليبي. ولكن ما هو أكثر أهمية هي الفائدة الاقتصادية والمتبادلة التي طغت على الاقتصاد العالمي. إن اندلاع الحركات الاحتجاجية أدى إلى توقف الصادرات النفطية الليبية إلى أوربا. وأدى ذلك بدوره إلى ترك أثراً سلبياً على نشاط المؤسسات الانتاجية وحياة الأوربيين. وكما أوردنا سابقاً ففي القرية العالمية تتشكل علاقات متبادلة من ناحية، ومن ناحية أخرى تتعاظم موجة المعلومات والوسائل التي تبث هذه المعلومات، والتي تشكل عوائق أمام الدول القمعية. لقد قامت الدول الغربية بعد المصادقة على قرار حظر الطيران الليبي فوق أراضي البلاد بالاعتراف بزعماء المعارضة المستقرين في بنغازي. وأعادت على وجه السرعة صادرات النفط الليبي إلى أوربا، ودفعت واردات النفط في حساب هذا المجلس أو الحكم الجديد. هذا التحول يعني إجراء تقسيم جغرافي رغم قصر مدته وقيام دولة بنظامين. إن المقاومة التي أبداها الشعب والضغوط الداخلية والخارجية استمرت على القذافي، واستطاع الثوار السيطرة على طرابلس. وسيضطر القذافي عاجلاً أم آجلاً بالكف عن المقاومة والخروج من الميدان. ومن المحتمل أن ما يجري في مصر وتونس من محاكمات قضائية وأحكام بالسجن بحق بن علي وأعوانه ومبارك وأعوانه ستترك تأثيراً على مقاومة القذافي والأسد. ومن الممكن أن يتنحى القذافي والأسد بسهولة لو جرى التعامل مع رموز العهد السابق في تونس ومصر بطريقة أكثر ملائمة معهما.
ولكن للتجربة الليبية خصوصيات مهمة تثير الاهتمام. ففي عصر التحولات وموجة الاحتجاجات الشعبية الراهنة في الشرق الأوسط، فإن التجربة الليبية، وتحديداً ظاهرة بنغازي، يجب أن يتعلم الجميع منها، وهي بمثابة ناقوس خطر للدول المصدرة للنفط، وينبغي البحث في هذه الظاهرة، وأن تلفت أنظار زعماء هذه الدول. فيجب أن نتوقع ما لا يمكن توقعه في عالم السياسة، ويجب التروي والتفكير بما ينبغي تجنبه.
النقطة الثالثة، وهي إننا عندما نحلل التحولات الجارية في الشرق الأوسط ينبغي التطرق إلى موضوعين، الأول آفاق التحولات والحركات الاحتجاجية الأخيرة في سائر البلدان العربية مثل العربية السعودية والكويت ولبنان والامارات وقطر ومسقط وعمان والسودان و...الدول الإسلامية في القفقاز وآسيا الوسطى من ناحية، ومن ناحية أخرى تأثير هذه التحولات على إسرائيل والسلم في الشرق الأوسط، والتي بانت بعض ملامحها الآن.
والموضوع الآخر الذي ينبغي التطرق إليه هو دور وتأثير الدول الإقليمية وغير الإقليمية في تبلور وظهور هذه الحركات ومصيرها. فهل هناك أية صلة بين امتناع إسرائيل عن السلام مع العرب والفلسطينيين وبين مشروع أمريكا "للشرق الأوسط الكبير ؟. هذه الأسئلة المهمة جداً يجب أن تعالج في فرصة أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقلاً عن الموقع الإيراني: "آزادى.. برابرى.. عرفان"





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,276,827,543
- خطوة أولى على طريق التخلي عن الطائفية السياسية وأدلجة السياس ...
- مظهر من الانحطاط والهمجية والعداء للثقافة والافلاس السياسي
- الانهيار الأخلاقي لنظرية ولاية الفقيه السياسية*
- نظرة الحكم تجاه الطبقة المتوسطة في المدينة
- من جمهورية الخوف الفاشلة إلى جمهورية الفوضى الفاشلة
- مرة أخرى... قدراً من الدقة العلمية والاكاديمية وبعيداً عن ال ...
- علام هذا الصمت المطبق؟؟؟
- جاسم العبودي .. وصفحات منسية من تأريخ المسرح العراقي
- سقوط رامسيس الثالث وأحمد عز
- مقالة مختارة من الصحف المغربية
- ثورة مصر: نسيم الديمقراطية والحرية المنعش يهب على مصر والعال ...
- على هدى الانتفاضة التونسية
- عودة مدانة إلى ممارسةمدانة لانتهاك الحريات العامة
- حسني مبارك ينصح بديكتاتور عادل للعراقيين!!
- علام هذا الاصرار على خرق الدستور وهدر المال العام
- زوج من الجوارب
- محاولة انقلابية فاشلة في مجلس النواب العراقي
- -سيرك- البصرة يشكل تهديداً -للشريعة-!!!!
- ماذا جنى السياسيون العراقيون من جولاتهم في دول الجوار؟
- في الذكرى الثلاثين لاندلاع لهيب الحرب العراقية الاإيرانية


المزيد.....




- ترامب يدعو للاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان ونتانياهو يرح ...
- بومبيو: على الحوثيين أن يدركوا أنهم لن ينتصروا في الحرب
- مصادر طبية: ارتفاع عدد ضحايا غرق عبارة شمال العراق إلى 85 قت ...
- البشير يعين رئيس الحزب الحاكم أحمد هارون مساعدا له ويحظِر تخ ...
- الكرملين يتهم أمريكا بإثارة التوتر بإرسال قاذفات قنابل قرب ر ...
- بومبيو: حزب الله وحماس والحوثيون كيانات تشكل خطرا على الاستق ...
- عبارة الموصل: سرعة جريان مياه دجلة صعبت عمليات الإنقاذ
- مصادر طبية: ارتفاع عدد ضحايا غرق عبارة شمال العراق إلى 85 قت ...
- البشير يعين رئيس الحزب الحاكم أحمد هارون مساعدا له ويحظِر تخ ...
- الكرملين يتهم أمريكا بإثارة التوتر بإرسال قاذفات قنابل قرب ر ...


المزيد.....

- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد
- 2019: عام جديد، أزمة جديدة / آلان وودز
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ... / محمود الصباغ
- الاقتصاد السياسي لثورة يناير في مصر / مجدى عبد الهادى
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2018 - الجزء السابع / غازي الصوراني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ثورة 11 فبراير اليمنية.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- كتاب خط الرمال – بريطانيا وفرنسا والصراع الذي شكل الشرق الأو ... / ترجمة : سلافة الماغوط


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل حبه - الاضطرابات في الدول العربية وسقوط القذلفي