أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - عُلا شيب الدين - حوار مع خلدون النبواني - في الثورة والفلسفة وأشياء أُخرى...















المزيد.....

حوار مع خلدون النبواني - في الثورة والفلسفة وأشياء أُخرى...


عُلا شيب الدين

الحوار المتمدن-العدد: 3478 - 2011 / 9 / 7 - 08:25
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


قام بالحوار: علا شيب الدين


عُلا شيب الدين: كثر من المثقفين يفضّلون قراءة التغيير الذي اجتاح العالم العربي على أنه انتفاضات لا ثورات، لا بل إن البعض وصفه بالأزمات. كيف تقرأ هذا التغيير؟

خلدون النبواني: اسمحي لي أن استبدل كلمة التغيير التي وردت في سؤالك بكلمة "الحدث" Ereignis والذي هو بالتعريف أمرٌ يأتي فجأة على غير توقع أو انتظار، وبدون أن تكون لدينا القدرة على تصور قدومه أو زمن وصوله، فهو يأتي بدون أية إشارة سابقة، وينزل علينا كالصاعقة تاركاً إيانا مذهولين من حضوره وغير قادرين أبداً على فهمه فهماً كلّياً أو ضبط كيفية قدومه المباغت. وهذا ما كان عليه تفجر الربيع العربي. مما لا شك فيه أن أي حدث يُقرَأ قراءات متعددة تخضع في تباينها إلى عوامل عدة ليس أولها الموقف الأيديولوجي والأدوات النظرية للمثقف وليس آخرها مصلحته الضيقة أو العامة التي قد تنخرط في لعبة الحرب الإعلامية من أجل محاولة تأطير الحدث وتقييد حركته عبر تحديده بهذا الاسم أو ذاك. ويمكن أن نضيف إلى كل ذلك الاستعداد النفسي والحالة المزاجية لمن يقرأ الحدث، ولكن علينا أن ننتبه أن الحدث بما يحمله من مباغتة وحضور مفاجئ غير متوقع لا يعطي نفسه بسهولة لقراءة المثقف فهو ليس "موضوعاً" سلبياً تتحكم به "ذات" المثقف وتطوعه كالعجينة بالشكل الذي تريد. أبداً لا. إن أكبر تحدٍ قد يعترض قراءة حدثٍ ما هو أنه يأتي على حين غرّة ورغم أن أحداثاً شبيهة به تكون قد حدثت مرّات عدة في الزمان والمكان إلا أن أي حدث جدير بهذا الاسم سيحمل في طياته فرادة مطلقة تبعثر أدوات الباحث والمُنظِّر والقارئ وتتركه عارياً مرتبكاً في مواجهة شيء يبدو غير مسبوق وجديد كل الجدّة، شيءٌ يقاوم أيضاً أن يكون مفهوماً، أو قابلاً للضبط، على نحوٍ كلي كما رأى هايدجر.
يقف المثقف العربي اليوم أمام "حدث" الربيع العربي مُفاجَئاً متردداً متعثر الكلمات في حين ترتجف يداه وهو يمسك بالقلم فتتباين المواقف ما بين مثقفٍ مندفعٍ مُبشِّرٍ بما سيأتي وما بين آخر متشائمٍ منذِّرٍ مُحذِّرٍ من الكارثة. بين هذين النمطين يتموضع الطيف الأكبر من المثقفين الذين يجدون مع لحظة اندلاع الثورة واختلاط الأوراق أن مسؤولية ما يحدث ومآلاته تتجاوز شجاعتهم فيؤثرون الانتظار والصمت إلى أن تنجلي الأمور ليأخذوا حينها موقفهم على ضوء النتائج. وعندما يجد هؤلاء المثقفين أنفسهم ملزمين تحت ضغط غيابهم غير المبرر عن الساحة، فإنهم يُلمِّحون تلميحاً بعباراتٍ فضفاضة تحتمل كل أشكال التأويلات تاركين بذلك الأفق مفتوحاً أمامهم على كل الاحتمالات. هذا الصنف الثالث من المثقفين يُسرع ـ ما أن تنجح الثورة ـ إلى ركوب موجتها والتنظير لها مُتنكِّراً لمواقفه السابقة المترددّة من الثورة، بل والمتواطئة ضدها أحياناً ثم ليقدم نفسه بوصفه مثقفاَ ثوريٌّاً أو كما لو كان سبب تفجّر الثورة وحدوثها.
لقد كشف الربيع العربي ليس فقط عن جبن القسم الأكبر من مثقفي العرب، وإنما عن سلبيته وزيف دوره. لعل أطرف مفارقة أسقطت ورقة التوت عن مثقفنا "الثوريّ" العربيّ تمثَّلت في أن من كان يُبشّر فكرياً ونظرياً بالتغيير ويدعو إلى التمرد والثورة على الشروط الاجتماعيّة والثقافية وسياسة الاستبداد قد تحول مع بداية الزلزال العربي إلى عدوٍ للتغيير ومناهضٍ كبير للثورة التي لا تستقيم مع ضيق أفقه. يحضرني في هذا الصدد مثالان الأول هو المثقف التونسيّ العفيف الأخضر الذي، وبعد مسيرة ثوريّة شهدتها حياته على الصعيدين النظريّ والسياسي، راح ينعق بالشؤم الذي ستحمله كارثة ما يحصل من أحداث في العالم العربي وأننا سنبكي وسنترحم على أيام الديكتاتوريّة العربية لأن البديل أسوأ وأعظم. والمثال الثاني الذي أود الإشارة إليه هو موقف الشاعر أدونيس الذي ساند بدون تحفظ الثورة التونسية وتغزَّل فيها، ثم ما لبث أن أخذ موقفاً استعلائياً نخبوياً من الثورة في بلده سوريا. لقد أدت مواقفه التي فصلها على مقياس جسد الرئيس السوري في محاولة إضفاء الشرعية عليه وتبرير جرائمه غير المسبوقة محيلاً إياها إلى حزب البعث إلى تعزيز الكثير من الشائعات التي تدور حول ميوله الطائفية الضيقة.
هكذا فإن المثقف الرافض لما يحصل في العالم العربيّ والمرعوب من التجديد والتغيير سيصف ما يحصل في العالم العربي بوصفه أزمة وذلك تماشياً مع تمسكه بالقديم ورفضه للتحديث فعلياً وليس نظرياً. في حين أن المثقف المتحمس للتغير والرافض للقديم والمبشر بما سيأتي رغم ضبابية الأمور وتعقيداتها فإنه سيسمي ما يحدث بوصفه ثورة. وهناك مثقفو "المنزلة بين المنزلتين" الذين لا يجرؤون تحسُّباً على استخدام كلمة الثورة في وصف ما يحدث كما أنهم لا يغامرون تحسُّباً أيضاً بوصف ذلك بالأزمة فيجدون حلّاً وسطاً بكلمة انتفاضة أو انتفاضات. أما عنيّ أنا، فإني أدعو ذلك بالثورة بكل ما تحمله الكلمة من معنى وإن كره الكارهون.


عُلا شيب الدين: تيارات متعددة هيمنت على الواقع السياسي في العالم العربي، يمكن تلخيصها بثلاث أيديولوجيات كبرى هي الأيديولوجية الدينية، الأيديولوجية الماركسية، والأيديولوجية القومية. غير أن التغيّرات العميقة التي أحدثتها الشعوب مع إطلالة العام الجاري تميّزت بانعتاقها من الأيديولوجية عموماً، ترى هل يمكن تجاوز الأيديولوجية إلى الحرية التي طرحها الشارع كفعل؟ وهل الديمقراطية التي تطمح إليها تلك الشعوب ستكون قادرة على "احتضان" الأيديولوجيات مستقبلاً؟

ـ خلدون النبواني: ربما من الصحيح أن مثل هذه الأيديولوجيات قد كانت حاضرة وفاعلة على المستوى السياسيّ في الساحة العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال من القرن الماضي. إلا أنه وما أن ترسَّخت أركان الدول القطرية في العالم العربي حتى تم تصفية جميع الأيديولوجيات فعلياً بما هي منظومة من الأفكار والرؤى التي قد يُعبر عنها أحزاب أو جماعات أو حتى أفراد يسعون إلى تحقيقها في الواقع عبر إيجاد معادلاتها السياسيّة. إن الدول العربية التي تحرّرت من الاستعمار الخارجي ما لبثت أن تحولت إلى مزارع يحكمها مجموعة من العسكريين الدكتاتوريين بأجهزتهم الأمنية والذين فرضوا على المجتمع توجهاً عسكريّاً إكراهياً لا يقبل بأي شريك. لقد أدى هذا فعلياً إلى محاربة الأيديولوجيات وسحق بعضها وإلغاء كل فعالية ممكنة لبعضها الآخر والإبقاء على أيديولوجية العسكر المنتصرين. هكذا تم سحق الحراك السياسيّ الأيديولوجي في المجتمع واحتكاره في يد مجموعة ما لبثت أن تخلصت من الجانب الفكري والنظري في أيديولوجيتها نفسها التي وصلت من خلالها إلى السُّلطة لتعيد تفصيلها بما يتلاءم مع مصالحها الضيقة وإمكانية بقائها في السلطة بل وتوريثها. إذن ما أن ثبتت الدول القطرية سيطرتها على مفاصل الاقتصاد والإعلام والجيش والأمن حتى تحولت علاقة الحاكم بالمحكوم في العالم العربي إلى علاقة سيد بعبيده وحل المستعمر الداخلي مكان المستعمر الخارجيّ دون الحاجة سوى إلى أيديولوجية شكلية جثة بدون روح تأخذ اسم الحزب الحاكم في كل بلدٍ عربيٍّ. لكن التاريخ كان له كلام آخر فقد استطاعت ثورة المعلوماتية والتكنولوجيا التي ورغم مقاومة الدول الاستبدادية لانتشارها ورغم كل أشكال الرقابة التي فرضتها عليها، أن تُحرّر التواصل والإعلام وفضاء المعرفة الذي كان مُحتكراً بالكامل في قبضة الدولة الأمنية العربية. لقد أدى هذا إلى نشوء جيل عربيٍّ جديد متحرر من أقفاص الأيديولوجيا مسبقة الصنع والمعلبة ومنتهية الصلاحية إلى جيل غير مُسيَّس يبحث عن حرية لا تؤطّرها الأيديولوجيا. هل يعني هذا إعلان جديد من قبلي لموت الأيدويوجيا؟ نعم ولا. نعم: لأن الأيديولوجيات كانت قد نشأت في عصر كانت تسيطر عليه أفكار تتصف باليقين أكثر وبالاستقرار والهدوء ومحدودية التواصل أما الآن فمع تغير العصر صار الفكر سائلاً متحركاً سريعاً غير مؤطّر بحدود ثابتة كالتي كانت له من قبل والتي ساهمت في تكون الأيديولوجيات. ولا: لأن الأمور لن تكون فوضوية هلامية منفلتة تماماً من أي ضبط أو مرجعية أو تأطير نظري ومشاريع سياسية وخطط مستقبلية وبرامج سياسيّة مرنة وتوجهات عامة. إذن الديمقراطية القادمة ستكون برأيي متخففةً كثيراً من كوليسترول الأيديولوجيات القاتل. وفي هذا الصدد يجب على التوجهات الإسلامية أن تعي درس الديمقراطية هذا جيداً.

عُلا شيب الدين: اتّسمت النظرة الاستشراقية لشعوب المنطقة العربية/الإسلامية بنوع من الاستعلائية والازدرائية عملت على "تذويت" هذي الشعوب بسِمَة "القاصر" العاجز على أن يرتقي أو ينضج. هل لمستَ، وأنت المقيم في باريس، تحوّلاً عن هذه النّظرة، بفعل ما أظهرته الشعوب من حكمة مذهلة وشجاعة جبّارة في ثوراتها ضد أنظمتها الديكتاتورية؟

ـ خلدون النبواني: رغم كل محاولات تفكيك المركزية الغربيّة التي تضع الغرب في مركز العالم وتُلحِق بقية الدول به وبتاريخه، إلا أن النظرة تجاه الآخر ظلت مسيطرة بشكلٍ واعٍ ولا واعٍ على الإنسان الغربيّ من خلال الكتب المدرسية ونشرات الأخبار والأفلام والأدلة السياحيّة والأحاديث العامة الخ. لا شك أن الحضارة العربية الوسيطة قد قامت بشكلٍ ما (رغم أنه كثيرٌ ما يتم التنكر لها) بتقديم صورة مُشرقة عن العرب الذين ساهموا في تشكيل الحضارة الإنسانية علمياً وثقافياً في العصور الوسطى، إلا أن الاستشراق الثقافي قد ساهم بشكلٍ كبير في تكريس صورة العربي أو الشرقي المتخلف البدويّ بصورته النمطية مع الجمال في الصحراء. ثم جاء الاحتلال الأوروبيّ لدول كثيرة في الشرق بما رافق ذلك من نظرة المُستَعمِر الاستعلائية التي تحطُ من قيمة المُستَعمَر وإمكانياته ليلعب دوراً كبيراً في تنميط صورة العربي الضعيف والذليل الذي قام الغرب فيما بعد باستقدام أيدٍ عاملة للقيام بأعمال يربأ السيد الغربيَ عن القيام بها مثل أعمل التنظيفات وحفر المناجم وإنشاء سكك الحديد أو حفر أنفاق الميترو الخ. هكذا ورغم قوانين المساواة والعدالة الاجتماعية التي يفاخر بها الغرب صار المواطن العربي أو الأفريقي "مواطناً" من الدرجة الثانية أو الثالثة. ما زاد الطين بلة وشوه النظرة تجاه العربي والمسلم من قِبَلِ المواطن الغربي كانت أحداث 11 سبتمبر بحيث صار العربي والمسلم ـ نتيجة الحملة الإعلامية الثقيلة والممنهجة أمريكيّاً بالدرجة الأولى وأوروبياً بالدرجة الثانية ـ مُتهماً خطيراً تحت الطلب إلى أن تثبت براءته. فقط مع بداية أحداث الربيع العربي أخذت هذه النظرة تتغير شيئاً فشيئاً وبخاصة بعد ثورة مصر التي فتنت شباب الغرب حتى أن بعضهم عمل على الاقتداء بها كما حصل في اسبانيا وصارت تدرس منذ الآن في أرقى جامعات الغرب الكثيرة. هل هذي الصورة الجديدة هي طفرة تنتهي بسرعة؟ الأمر متوقف على حسن أداء الشباب العربي الثائر في المستقبل والذي يمكن له أن يفرض صورة جديدة على العالم دون أن يأبه كثيراً لرأي الآخر به.

عُلا شيب الدين: "سيكون يوماً عظيماً ـ ليس فقط بالنسبة لسورية بل لجميع بلدان الوطن العربي ـ أن ينتخب الشعب امرأة لمنصب الرئاسة. في ذلك الوقت سيكون العرب قد قطعوا أشواطاً فلكيّة على طريق التقدّم والتمدن والحضارة والانفتاح....". بهذا الكلام أنهيت حواراً مع موقع "الرأي العربي". أرى في حوارنا هذا فرصة مناسبة للاستطراد في هذه المسألة الهامّة فهل لك أن تفعل؟ وما رأيك أن نتطرّق أيضاً إلى مسألة الرئيس الفيلسوف، هل ثمة إمكانيّة لأن يحكم في بلاد العرب رئيس/ة فيلسوف/ة؟

ـ خلدون النبواني: لم لا؟ نعم قد يأتي وقتٌ يصوت فيه الشعب العربي بديمقراطية لامرأة كي تتولى سُدّة الرئاسة في بلدٍ عربيٍّ ما. لا شك أن لا شيء يحدث بين يومٍ وليلة وتغيير الذهنيات يحتاج إلى وقتٍ ليس بالقصير كما أن البنى الثقافية كما نعلم هي من أعند البنى وأبلدها على التغيير، لكن الثورة لا تقوم فقط ضد أشخاص بل ضد أنماط تفكير بالية وعقليات سائدة صدئت مع الزمن. إذا سار العرب على طريق الديمقراطية فإنهم سيصلون في المستقبل إلى الاعتراف بأهلية المرأة لأن تحكم مثلها مثل الرجل. قد يقول قائل هنا إنني أحلم وقد يقول آخر بأنني أهذي وقد يعترض معترض ويقول إنني أكفر، لا بأس ولكن علينا أن نتمسك بالأمل وأن نعمل على الارتقاء بالواقع باتجاه الفكر. لنتذكر أنه ورغم وجود شكل من أشكال الديمقراطية منذ زمن بعيد في الولايات المتحدة إلا أن نظرة البيض الدونية تجاه ذوي البشرة السوداء في ذلك البلد ظلت مسيطرة وقتاً طويلاً جداً وكان هناك احتقار للسود وامتهان لكرامتهم ولم يكن من المتخيل في زمنٍ ما أن يصل رئيس أسود إلى سُدة الحكم في أمريكا، ولكن وبعد نضال طويل ها هو باراك أوباما يُنتخب من قبل أغلبية الشعب الأمريكي. وفي فرنسا لم تحصل المرأة على حقوقها هكذا دفعةً واحدة منذ ثورة 1789 بل على العكس فهي رغم الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان وأفكار التنويريين إلا أنها ظلت تعاني من القوانين التي لم تكن تسمح لها بالتصويت أو بدخول البرلمان أو أو إلى وقتٍ ليس بالبعيد وها هي سيغولين رويال قد ترشحت في مقابل ساركوزي الدورة الرئاسية الماضية للمنافسة على منصب رئاسة الجمهورية أسوةً بألمانيا التي تديرها المستشارة آنجيلا ميركل. علينا أن نتمسك بهذا الحلم نحن أيضاً وأن نفكك الصورة النمطية التي رسمها لنا الاستشراق الغربي فصدقناها وزاودنا عليها. لنتحرر من عقد النقص تجاه الآخر ومن وصايته ومن أحكامه وأنا على يقين أن الإنسان العربي بدأ يولد ويحقق أناه مع ربيع الثورات العربيّة.
أما بالنسبة لمسألة الرئيس الفيلسوف أو الرئيسة الفيلسوفة فهناك نقطتان أود التوقف عندهما. الأولى هي أن تاريخ الفلسفة العريق والطويل هو تاريخٌ ذكوريٌّ بامتياز لا مكان فيه للمرأة. قد نبحث هنا وهناك عن اسمٍ نسائيٍّ وما أن نعثر عليه بعد لأي حتى نأخذه كشهادة خجولة لتأكيد أن الفلسفة هي أيضاً شأنٌ تشارك فيه المرأة إلى جانب الرجل. لا أقصد بكلامي هذا أن العيب يكمن في المرأة أو أنها عاجزة عن التفكير النظري الفلسفيّ وصياغة المفاهيم مثلها مثل الرجل بل ما أقصده هنا هو: إن العيب في مسار الفلسفة ذاتها وفكرتها عن نفسها. لقد تمركزت الفلسفة ومنذ نشوئها حول القضيب فصار أعلامها من أصحاب الذقون الطويلة والشوارب المفتولة وهذا هو السبب في خلو أو شبه خلو تاريخها من الحضور النسائي الفاعل أو على الأقل المُعترف به. في الواقع يشبه واقع تاريخ الفلسفة واقع الأيديولوجيات التي تجاوزها الزمن الأمر الذي يستوجب إعادة تفكيك هذا التاريخ لا من أجل إحالة الفلسفة إلى أنقاض أو تدميرها، وإنما من أجل فتحها على الأنوثة أيضاً وفسح المجال أمام الباب الموصد بشكلٍ غير رسميّ أمام النساء للمشاركة في هذا الإنتاج الفلسفيّ. لا بد لكي تبقى الفلسفة حيّة أن تعترف باحتكار الذكور لها الذين حرموا النساء من مشاركتهم أرض الفلسفة. لقد حصل هذا أيضاً مع الشعراء والسفسطائيين الذين عملت الفلسفة بدأب على محاولة إخراجهم من ميدانها بل وحددت خطابها بوصفه الخطاب النقيض للقول الشعري أو السفسطائي. من هنا يأتي التفكيك ليكسر هذا الباب الموصد سابقاً والممنوع على البلاغة والشعر والمخيلة والأدب والمرأة. ولو استخدمت الألفاظ السياسية الدارجة هذه الأيام في الثورات العربية لقلت إن تفكيك تاريخ الفلسفة هي الثورة التي تسعى لإسقاط نظام الفلسفة السائد الاحتكاري والانتقائي والذي لم يعد قابلاً للحياة من أجل بناء نظامٍ فلسفيٍّ جديد يعترف بالجميع الرجل والمرأة على حدٍّ سواء.
أما النقطة الثانيّة التي أودُّ التوقف عندها فهي تتعلق بفكرة أفلاطون الشهيرة حول الفيلسوف الرئيس والتي هي فكرة لا تقل مثالية عن جمهوريته الفاضلة. وما أعنيه هنا هو أنني لا أرى إمكانيّة أن يتولى السلطة فيلسوفٌ. إنه غير مؤهل أبداً لمثل هذا العمل اللهم إلا إذا توقف عن كونه فيلسوفاً فهو سيكف عن أن يكون كذلك ما أن يقرِّر أن يتولى منصباً سياسياَ حاكماً. وعلى أية حال فحتى لو فعل، فلن تسمح له ثقافته الأخلاقية الفلسفية بحسن إدارة أمور البلاد. لا يعني هذا تأكيد من قبلي على الفكرة السائدة على أن الفلسفة لا تنفع بشيء على أرض الواقع وأنها مجرّد كلام نظري ولا تعني كذلك أنه ليس للفيلسوف انخراط في الشأن العام سياسيّاً وأخلاقياً وتشريعياً. لا، ولكن السياسة بما هي عليه من براغماتية خانقة تشبه عقلية التُّجَّار واهتمام باليومي والأرضي والواقعي أضيق من حرية الفيلسوف ولا تتسع آفاقها لخطاه. الفيلسوف كما أراه، هو ذاك الذي يمشي على قدمين اثنتين واحدة يتكىء عليها ويغرسها في الأرض منخرطاً في شؤون الواقع وذلك باتخاذه موقفاً نقديّاً متفحصاً ناقداً مما يجري ومؤكداً على القيم الأخلاقية التواصلية الديمقراطية في العالم المعاش، ورِجلٌ أخرى يسافر بها إلى أرض العجائب باحثاً عن لغز أسئلة وجوده الكبرى في رحلته القصيرة نحو الموت.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,521,812,627





- الأطفال حول العالم يتّحدون في مظاهرة من أجل التغير المناخي
- الجبير: إيران مسؤولة عن هجوم أرامكو.. ويجب أن يوقف المجتمع ا ...
- تونس تطوي صفحة الرئيس السابق بن علي مع مواراته الثرى في المد ...
- الشرطة اليونانية تعتقل مطلوبا في واقعة اختطاف طائرة
- مقتل 12 شخصا وجرح 5 آخرين بانفجار عبوة ناسفة في حافلة بمدينة ...
- مقتل 12 شخصا وجرح 5 آخرين بانفجار عبوة ناسفة في حافلة بمدينة ...
- غوتيريش يعرب قلقه من غارات التحالف في الحديدة ويحث على ضبط ا ...
- اشتراكي المعافر ينعي الرفيق عبدالفتاح السروري
- تحرص على حفظ القرآن.. رقية أصغر مؤلفة عراقية لقصص الأطفال
- في معرض بطهران.. 11 طائرة مسيّرة أميركية وبريطانية وإسرائيلي ...


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - عُلا شيب الدين - حوار مع خلدون النبواني - في الثورة والفلسفة وأشياء أُخرى...