أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نضال نعيسة - 2-2العلمانية والجهل















المزيد.....

2-2العلمانية والجهل


نضال نعيسة

الحوار المتمدن-العدد: 1034 - 2004 / 12 / 1 - 08:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كما هو معلوم لدى الجميع فان الانسان عدو لما يجهل. وان عدم معرفة الانسان بالشيء يخلق حالة من الجفاء بينه وبين هذا الشيء. ولقد كان للتناول السطحي لمفهوم العلمانيةsecularism من قبل بعض الجهلة وربطه بالتخلي عن الدين في الظروف التي نشأ اول ما نشا فيها هذا المصطلح المثير للجدل قد جعل الجميع يقفون منه موقفا عدائيا دون ادراك حقيقي لماهيته وظروف نشاته وتطوره.فقد ادت الحروب الدينية الطاحنة والضروس التي كانت تدور بين مختلف الطوائف والاديان والمذاهب في اوروبا الى حمامات من الدم وحالات من العداء المزمن لا علاج لها. وكان الملوك هم الحكام المطلقين وممثلي الله على الارض حسب ما كان يروج له الكهنة المنافقين وكان رجال الدين يدعون لطاعة الملوك طاعة عمياء مطلقة معللين بانهم يستمدون سلطاتهم من الله وان دماء زرقاء صافية تجري في عروقهم . وكان الدجل والنفاق بضاعتهم التي يروجون لها صباح مساء.وقد وصل الانحطاط برجال الدين اولئك ايضا بانهم كانوا يبيعون الناس الاغنياء والقادرين صكوك الغفران وقطعا من اراضي الجنة لكي ينعموا بها بعدما شبعوا فسقا وفجورا وعهرا وانحلالا وظلما على الارض. ولذلك وجد ملوك وامراء وساسة اوروبا التقليديين المحافظين في افكار وتعاليم الكنيسة ضالتهم المنشودة لسوق تلك القطعان الجاهلة والسير بها كيفما ارادو وتخدير الناس دينيا فيما يمارسون هم كل الموبقات والرذائل تحت سمع ونظر رجال الدين الذين باعوا ضمائرهم وانخرطوا في حلف شرير هدفه الاول والاخير ابقاء الوضع كما هو عليه قدر الامكان status quo . وانزلقت اوروبا في هوة لاقرار لها من الظلام والجهل. وكلما كانت تتوالد الافكار وتتطور بحكم التقدم الحضاري والانساني كان هؤلاء يتدخلون لوقفها ولجمها ومنع انتشارها لعلمهم اليقين ان ذلك سيسحب البساط من تحت اقدامهم وقد طارت لذلك رؤوس كثيرة والقي بالكثيرين في غياهب السجون والمعتقلات بسبب ارائهم التحررية والتنويرية والليبرالية التي يقطف احفادهم الان ثمرة تلك التضحيات الغالية تلك. واحتل اولئك التنويريون مكانة عالية واكتسبوا هالة كبيرة من الاحترام والتقدير ومن منا لا يتذكر غاليلو وهو يساق الى حتفه ويمد يده الى الارض مخاطبا اياها "برغم انوفهم فانك تدورين" ومن المعلوم ان مبدأ كرية الارض وقتذاك كان زندقة وهرطقة وكفرا توجب الاجل المحتوم على ايدي اولئك الظلاميون الجهلة. وجاءت الاكتشافات العلمية بعد ذلك لتؤكد صحة ما ذهب اليه هذا الانسان العظيم.ويشعر كثيرون من الاوروبيين بالخزي والعار الان عما كان عليه اباؤهم واجدادهم من جهل وتخلف وغباء وقصور عقلي.
ولذلك وعندما بدأت افكار الحرية والتيارات الفكرية الليبرالية بالهبوب وجدت ان اول ما يجب التخلص منه هو هذه الخرافات والافكار الضالة ويجب الا يتدخل هؤلاء في شؤون السياسة والحكم وبدأ ذلك في صلح "وستفاليا" الذي اوقف تلك الحروب الدينية وايقن الناس بعد ذلك بان الله ليس بحاجة لمساعدة اولئك البشر التافهين كي يقوموا بحروبهم نيابة عنه لنصرة هذه الطائفة اوذلك المذهب . وتم ايضا عقبذاك فصل الكنيسة نهائيا عن الدولة واصبح مبدأ "هولبوك" بان العلمانية هي الايمان بامكانية اصلاح حال الانسان من خلال الطرق المادية دون التصدي للايمان وترك حرية وامر العبادة والايمان للفرد نفسه والا يتدخل بذلك احد ويكون واسطة بين الانسان وربه الذي يعلم وحده ما في الصدور.وبما اننا على الارض فلنحتكم الى قوانين الارض ونترك مالله لله وما لقيصر لقيصر.
وبدؤوا بسن قوانين عصرية وضعية لاعلاقة لاولئك المشعوذين المسعورين بها واسقطت الحسابات الدينية من اعتباراتها ولم تعد تذكر دين الانسان وملته ومذهبه وعقيدته في بياناته الشخصية اذ لم تعد ذات فائدة امام مبدأ المواطنة الاهم. ولم يعد يهم اذا كان من اتباع الملك ام لا حيث كان هذا معيارا لبيان الولاء وصدق المواطنة وانكفات تلك الفئة الجاهلة الى الكنيسة لتقوم بعمليات التعميد لابناء المؤمنين وكتابة ومباركة عقود الزواج التي كانت تتم في الكنيسة وتوقفت عن حشر انفها في كل شيء ونفضت بذلك عن كاهلها ظلامية وتخلف القرون الوسطى التي شلتها لفترة طويلة. فيما اصبح دور الملوك في معظم دول اوروبا شكليا يقتصر على الاستقبالات النادرة والظهور من على شرفة القصر الملكي لتحية المعجبين مثلهم مثل اي مطرب "روك اند رول" واصبح مبدأ الدين لله والوطن للجميع ايضا من اهم المبادىء التي سارت هذه الدول على نهجه وتخلصوا من براثن الغيب والخرافات والانحطاط التي روج لها رجال الدين واصبح مبدأ المواطنة وخدمة المجتمع والعمل هي المعيار الحقيقي لقيمة الانسان وانطلقت اوروبا في رحلة حضارية كونية رائعة وصلت الى مراحل متقدمة مما نراه من الرقي والمدنية.اذن كان لا بد من كبح جماح المتدينين الذين وقفوا لفترة طويلة كعقبة كأداء في وجه تطور اوروبا من دول مسيحية متناخرة الطوائف والمذاهب الى دولة عصرية سلاحها العلم والمنطق والقانون الوضعي الذي يراعي احتياجات الانسان الدنيوية ولايتدخل بشؤونه الدينية ومعتقداته الالهية. وبهذا المعنى فلقت كانت المبادىء العلمانية على النقيض من الجهل وصديقة للانسان وصنعت وحققت له الكثير من الانجازات ولا علاقة لها باي فكر او اتجاه ديني او تدعو للكفر والالحاد والتخلي عن الايمان وراينا في الجزء الاول من هذا البحث كيف ذهب المسلمون الى اوروبا وامريكا ويمارسون فيها عباداتهم وشعائرهم بكل حرية وكيف يقيم كثير من نجوم التطرف والغلو والناشطين في عواصم الغرب تاركين بلادهم الاصلية المحافظة والمتزمتة احيانا لعلمهم بانهم قد لا يتحركوا ويقولوا فيها كل شيء بحرية ومن منا لا يعرف اولئك ويتابعهم يوميا من على شاشات الفضائيات يلوحون بايديهم ويجاهدون الكترونيا وفضائيا.فاين الالحاد والكفر والمروق والزندقة في ذلك ولماذا يتم التعرض لكثير من المفاهيم على طريقة" ولا تقربوا الصلاة"و"ويل للمصلينا"؟ فاذا كانت العلمانية قد اعتبرت ان الايمان والالحاد قضايا شخصية بين الانسان وربه وتركتها لحرية الفرد فاين الالحاد في ذلك وقد ورد في القران الكريم كثير من الايات ماتفيد بانه لو شاء ربك لامن من في الارض. ويوم فتح مكة كان بامكان الرسول ( ص ) ان يجبر الجميع على الدخول في الاسلام وكان في ذروة النصر لكنه"اطلقهم" بعبارته المشهورة" اذهبوا فانتم الطلقاء" وكان لهذا الموقف المتسامح اثر كبير في دخول كثيرين منهم في الدين الحنيف فهل يتنطح البعض ويدعي القول بانه احرص من الرسول الكريم على الدين الذي اؤتمن عليه وبشر به الرسول الكريم؟
كما تعتبر الاشارة الى دين او لون او عرق او طائفة وفقا للقوانين الوضعية التي تحكم هذه البلدان هو جريمة عنصرية تتطلب المثول امام المحكمة وقد تكلف المدان بها ملايين الدولارات.لذلك ترى المكسيكي والصيني والكوري والهندي والفيليبيني والعربي والافريقي والمسلم واليهودي والمسيحي والبوذي والهندوسي والسيخي واللاديني والابيض والاسود والاصفروالاحمر واللاتيني جنبا الى جنب في المعمل والجامعة والمدرسة والجيش وحدث ولا حرج في الشارع .والان هل يمكن للمرء ان يتساءل ماالذي يجعل كل هؤلاء الناس يتعايشون بهذه الصورة وهذا السلم الاجتماعي وماهو الخطأ في ذلك برغم وجود متعصبين ومشاكسين وغوغائيين بينهم؟ ولو انتقلنا الى ضفة اخرى من هذا العالم واستمعنا الى لغة الشارع بل وحتى في بعض الاذاعات الرسمية لسمعنا كلمات من مثل كافرومنحرف وملحد وضال وزنديق ومارق وخائن ونصراني ويهودي ومسيحي وطوائف واديان اخرى لا اود ذكرها تمر كلها مرور الكرام دون ان ينتبه او يلتفت اليها احد بل اصبحت جزء من المفردات اليومية المحكية والتي يرددها الاطفال بعفوية ايضا.
والان ومع حتمية العولمة ومع تداخل المجتمعات وانعدام الحواجزوالحدود الجغرافية والثقافية والاجتماعية والعرقية ومع ثورة المعلومات الهائلة وتدفقها والتكنولوجيا الرقمية التي تعتبر في بداياتها الاولى حسب احد علمائها وشيوع الانترنت الذي احدث تغيرات حتى في اكثر المجتمعات تزمتا وغلوا وانغلاقا- والتي تحاول بعض الشموليات الرعناء حجبه بعبث كالعادة- واصبح العالم من خلاله حقا قرية الكترونية صغيرة تتنقل فيها وانت جالس على كرسيك من لندن الى الكويت و سيدني وكيب تاون والاسكا وكاتمندو ونواكشوط واللاذقية وسيؤول وتجول في اصقاع العالم الالكترونية اللامتناهية المفتوحة لترى العالم رياضيا وسياسيا وسياحيا وثقافيا وعلميا وكل اشكال الحياة الاخرى التي تتفاعل وتتطور وتقدم جديدا في كل ثانية. كل ذلك كان نتيجة لتحرير العقل من الخرافات والاوهام والدجل والغيب والهلوسة والهذيان المبهم الذي اغرق اوروبا في نزاعات مسلحة ماكانت لتتخلص منها لولا انتشار هذا الفكر الليبرالي التنويري العقلاني الذي شرع الابواب وفتحها امام النور والضياء ووضع الانسان بمكانة سامية دون النظر الى عرق او دين او لون. اذن ومرة اخرى اين الالحاد والكفر والزندقة في هكذا فكر ونحن نرى ابنائنا يمارسون طقوسهم وعاداتهم وشعائرهم بكل حرية ولهم مساجدهم وبيوت الله المصانة ولهم مجالسهم وجمعياتهم ومنابرهم التي يقولون فيها كل شي بما فيه الدعوة للجهاد ضد الغرب الكافر العلماني الذين يعيشون بكنفه ؟ والجواب ببساطة شديدة انه الجهل بالشي لا اكثر ولا اقل. ان التعايش مطلوب في زمن العولمة ولايستطيع احد ان يغلق ابوابه على نفسه و ان يعيش منعزلا في هذا العصر العولمي الجامح. وهذه ليست دعوة لاي كان لكي يصبح علمانيا او ليبراليا او تنويريا فكل انسان هو ابن بيئته وظروفه وهونتاج لتراكم معرفي وحضاري وسلوكي وتربوي وثقافي وليس بمقدور اي كان ان ينقلب و يتنقل في تيارات فكرية بسهولة ولكن لامانع من التاكيد مرة اخرى واخيرة بانها كانت تجربة ناجحة خاضها اناس اخرون في زمان ومكان اخر واثمرت رفاهية وازدهار ورخاء لاولئك البشر .انها العلمانية...........فلاتنسوها.


نضال نعيسة صحفي وكاتب سوري





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,090,903
- شموليات القهر الجاهلية في الالفية الثالثة
- مثلثات الموت القادمة
- اوهام الاصلاح المستحيلة
- العلمانية والجهل
- مجتمعات الاقصاء الشامل
- وعاظ السلاطين وبيان الليبراليين


المزيد.....




- خان: الجاسوس الذي ساعد الأمريكيين في تصفية بن لادن أحرج باكس ...
- في لبنان: متطرّفون مسيحيون يهدرون دمّ «مشروع ليلى»
- الاحتلال الإسرائيلي يبعد «مرابطة» مقدسية عن المسجد الأقصى 15 ...
- ما القصة وراء -طرد مدون سعودي- من المسجد الأقصى؟
- 80 مستوطنا وطالبا تلموديا يقتحمون المسجد الأقصى
- باكستان تغير روايتها الرسمية حول دورها في عثور الأمريكيين عل ...
- مقتل 11 شخصا في اشتباكات بين حركة إسلامية شيعية والشرطة الني ...
- في لبنان: متطرّفون مسيحيون يهدرون دمّ -مشروع ليلى-
- عبد الله الثاني يتفقد المسجد الحسيني بعد حريق في حرمه
- بابا الفاتيكان يبعث برسالة للأسد.. والأخير يطالبه بالضغط على ...


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نضال نعيسة - 2-2العلمانية والجهل