أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - ميثم الجنابي - معارك المدن العراقية - الأبعاد الوطنية والاجتماعية















المزيد.....


معارك المدن العراقية - الأبعاد الوطنية والاجتماعية


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 1034 - 2004 / 12 / 1 - 07:32
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


انتهت "معركة النجف" وسوف تسير في طريقها معارك "الثورة" و"الفلوجة" و"سامراء" وما يليها قي مسار الحركة الصعبة لاستعادة الوحدة الوطنية في مظاهرها العامة. الا أن حقيقة هذه المعارك ما زالت وسوف تبقى لفترة طويلة رهينة التطور اللاحق للحركة السياسية والفكرية من جهة، ولكيفية استكمال بناء الدولة والنظام السياسي والمجتمع المدني من جهة أخرى. فقد كشفت هذه المعرك وسوف تكشف لاحقا عن طبيعة الأزمة السياسية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية للقوى السياسية العراقية بشكل عام ومستوى الخلل البنيوي الهائل في الدولة العراقية الحديثة، التي بلغت ذروتها في التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.
ولعل الدرس الأكثر بلاغة في ظاهره وباطنه يقوم فيما كشفت عنه مقدمات هذه المعرك ومسارها ونتائجها عن غياب فكرة الهوية الوطنية العراقية عند الأطراف جميعا! بمعنى عدم إدراك حقيقتها بمعايير العقلانية السياسية والواقعية الوطنية. وهي حقيقة تفترض كحد أدنى الالتزام بمرجعيات نظرية عامة مثل أن العراق ليس تجمع أعراق وطوائف، بل وحدة تاريخية ثقافية، وأن الحلول الممكنة والواقعية والضرورية تقوم الآن في كيفية تجميع القوى على أسس تكفل في نهاية المطاف تجاوز كل الإرث الثقيل للتوتاليتارية والدكتاتورية فيما يتعلق ببناء الدولة والمجتمع والنظام السياسي والثقافة. بينما تفترض في مداها الأعلى في ظروف العراق الراهنة التمسك بمرجعيات عملية قادرة على تجسيد الأفكار القائلة، بأن حقيقة الهوية الوطنية العراقية ينبغي أن تكون أيضا نمط حياة عام يضمن بقاء وديمومة الهوية التاريخية الثقافية للعراق، واعتبار الخروج عليها رجوعا إلى العرقية والطائفية ومختلف أشكال البنى التقليدية التي تتعارض تعارضا كليا مع مفهوم وحقيقة الدولة العصرية والحداثة. ومن ثم فإن أي خروج عليها هو خروج على منطق الهوية الثقافية للعراق والعراقية وعلى مكونات وجودهما الجوهرية. وبالتالي فهو خروج على الحكمة الثقافية والسياسية لتاريخ العراق مع ما يترتب على ذلك من خروج على القانون بالمعنى التاريخي والثقافي والحقوقي أيضا.
في حين كشفت وتكشف الأحداث الدامية في معرك المدن الحالية عن ضحالة الراديكالية السياسية في محتلف اصنافها واتجاهاتها الشيعية منه والسنية. فقد حصر "التيار الصدري" وحاصر مضمون الهوية الوطنية العراقية في "المكان المقدس" للنجف و"مدينة الصدر"، وجعل منه الإشكالية الكبرى "للمقاومة" الوطنية و"المواجهة" المسلحة للاحتلال و"التحدي" الشامل للدولة العراقية الجديدة. في حيث حصر وحاصر التيار السني الاصولي في مختلف فصائله و"جيوشه" في الفلوجة وسامراء والرمادي. في حين أن حقيقة الهوية الوطنية وأساليب مواجهتها للاحتلال، والتحدي الممكن للخروقات المحتملة من جانب الدولة الجديدة لا يمكن حصره بمكان معين، بقدر ما هي مبادئ وقواعد للعمل السياسي والحقوقي والأخلاقي تسعى لتثبيت مرجعيات تتسامى عن مصالح القوى المتصارعة. لاسيما وأنها المبادئ والقواعد التي تكفل إمكانية عمل الجميع بمعايير الشرعية والسياسة العلنية والاجتماعية المقيدة بالدستور وقواعد القانون.
بعبارة أخرى، إن إشكالية الهوية الوطنية لا ينحصر، ومن ثم لا ينبغي محاصرتها في "مكان"، لان الأمكنة قابلة "للاحتلال" والقوى الفاعلة فيها قابلة للانكسار والتحطم، بينما حقيقة الهوية الوطنية لا تحطم في مكان. وهي الفكرة التي تستند إلى حقيقة تقول بأنه ليس هناك من مكان مقدس بحد ذاته. وبالتالي فإن حقيقة الهوية الوطنية هي الكيان الذي ينبغي أن يتسامى عن كل ما يمكنه محاصرتها في شرط أو ظرف أو مكان أو قوة عابرة. والقضية هنا ليست فقط في كون الهوية (الوطنية) ليست أسيرة مكان ما معين في العراق أو لأن حقيقة الهوية الوطنية العراقية اكبر وأوسع واعمق واعرق من أي مكان فيه، بل ولأنها الفكرة التي ينبغي تحقيقها في النفس والجسد العراقيين على كافة المستويات (الحقوقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقومية والثقافية).
إن تحقيق الهوية الوطنية العراقية في هذه المستويات يفترض تجسيد المبادئ العامة لما ادعوه بفكرة الاستعراق. وهي الفكرة التي تحتوي على عشرة مبادئ أساسية وهي: إن العراق ليس تجمع أعراق، وإن العراق هوية ثقافية سياسية، وإن العراق غير معقول ولا مقبول خارج وحدة مكوناته الرافدينية - العربية – الإسلامية، وإن العربية – الإسلامية هي جوهر ثقافي، وإن الهوية الثقافية المفترضة للعراق والعراقية هي الاستعراق، وإن الاستعراق هو الحد الأقصى للقومية في العراق، وإن حقيقة الاستعراق هي الفكرة العامة التي تضمن تعايش جميع القوميات والطوائف في العراق بصورة متساوية ومنسجمة، وإن الاستعراق هو ضمانة البقاء ضمن الهوية التاريخية الثقافية للعراق والاحتفاظ بالأصول القومية الذاتية له، وإن الخروج على الاستعراق هو رجوع إلى العرقية ومختلف البنى التقليدية، كما أنه خروج على منطق الهوية الثقافية للعراق والعراقية وعلى مكونات وجودهما الجوهرية، وبالتالي فهو خروج على الحكمة الثقافية والسياسية لتاريخ العراق، ومن ثم فهو خروج على القانون أيضا.
مما سبق يتضح بان القواعد النظرية لفكرة الاستعراق ذات استعداد على الامتلاء الواقعي بمضامين عملية قادرة على تذليل مخلفات التوتاليتارية والدكتاتورية في حال إدراكها العقلاني ووضعها في برامج الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية المتعلقة بمهمات الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والمجتمع المدني والثقافة الإنسانية. أي كل ما ينبغي أن يجعل من فكرة الاستعراق هذه فلسفة الحد الأدنى الضروري والعام للوحدة الوطنية. فهي الفكرة التي يمكنها أن توفر دوما الشروط الضرورية لوحدة الدولة والمجتمع. مما يعطي لها على الدوام أهمية وفاعلية سياسية آنية ومستقبلية أيضا.
إن محك ومعيار الإدراك السليم لدروس التاريخ العراقي المعاصر، تتجلى في مستوى تجسيد الإجماع التام على المبادئ الكبرى المتعلقة بإقامة دولة القانون والمؤسسات الشرعية، والعمل بالدستور الثابت والعيش حسب قواعد المجتمع المدني عبر تحويلها إلى مرجعيات متغلغلة في ذهنية ونفسية الأفراد والجماعات والقوميات والأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية والجمعيات والنقابات. وهي مرجعيات لا يمكنها العمل في ميدان السياسة وبناء الدولة والمجتمع والثقافة دون التمسك الصارم بالقواعد الكبرى للفكرة الوطنية. فهو المعيار والمحك الذي يكشف مستوى نضج الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية فيما يتعلق بموقفها من الإشكاليات الواقعية الكبرى التي يواجهها العراق حاليا.
وفي حال تطبيق ذلك على مجرى الأحداث التي رافقت وترافق معارك النجف وومدينة الثورة والفلوجة وسامراء، فإننا نرى الضعف البنيوي المميز للوعي السياسي العراقي فيما يتعلق بادراك خصوصية ومعنى الهوية الوطنية. طبعا إن ذلك لا يخلو من الأثر الهائل للتخريب والتدمير الذي خلّفته التوتاليتارية في العراق، إلا أن ذلك لا يبرر الانسياق وراء ردود الفعل المباشر عليها. والقضية هنا ليست فقط في الخطورة الكامنة وراء فكرة حصر ومحاصرة فكرة الوطنية في مكان معين أو مصادرتها من قبل تيار ما أي كان مصدره وتاريخه ومستوى تمثيله لشرائح اجتماعية أو قومية أو طائفية أو مذهبية عراقية، بل وفي تناقضها الشامل مع حقيقة الفكرة الوطنية. فالهوية العراقية ليست ملكا لأحد، ولا يمكن لأية قوة سياسية مهما كان تاريخها النضالي ضد الدكتاتورية والتوتاليتارية حق احتكار أو مصادرة تمثيلها. والقضية ليست فقط في أن الجميع لا يمكنهم ادعاء حق القول بهذه الفضيلة، بل ولان مجرد الهواجس الخفية بهذا الادعاء سوف يضع الحركة السياسية نفسها في تناقض جوهري مع حقيقة الهوية الوطنية العراقية الحالية.
إن الهوية الوطنية العراقية الحالية هي مجرد مشروع لم يرتق لحد الآن إلى مستوى البرنامج الاستراتيجي عند القوى السياسية والاجتماعية العراقية المعاصرة. بمعنى عدم بلوغ هذه القوى بعد الحد الضروري لما يمكن دعوته بالحكمة الثقافية والسياسية لتاريخ العراق بشكل عام وتاريخه الحديث بشكل خاص. إذ انها مازالت القوى السياسية والاجتماعية العراقية المعاصرة بعيدة عن الانخراط الفعال في تأسيس حقيقة الهوية العراقية بالشكل الذي يجعلها مرجعية تاريخية – ثقافية – سياسية مندمجة في نسيج الوعي السياسي والاجتماعي والوطني. وهي حالة يمكن تلمسها في أحداث المعارك الدامية الأخيرة حول النجف ومدينة الصدر والفلوجة وسامراء وامتدادها المحتمل في مناطق العراق الأخرى. فهي معارك تعكس في جوهرها ضعف الهوية الوطنية العراقية عند القوى جميعا، وبالأخص عند التيار الراديكالي الذي مثله ويمثله "التيار الصدري" ومختلف الاصوليات السنية.
فقد كشفت هذه المعارك عن إدراك مشوه للهوية الوطنية واستخفاف تام بمقومات الوطنية ومتطلبات العقلانية السياسية. بمعنى انحدار هذه الراديكاليات صوب تمثيلها التام للحثالات الاجتماعية. ولا يعني ذلك في ظروف العراق الحالية سوى العمل بدون وعي على إحياء تراث التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وفي افضل الأحوال لا تعمل الا على ترسيخ تقاليد القمع السافر والمبطن. بمعنى العمل على إحياء كل القوى التي ساهمت تاريخيا في تخريب العراق وتدمير بنيته وجوده المعاصر.
وإذا كان من الممكن الحديث عن فضيلة وفائدة تخدم مشروع إعادة بناء الهوية الوطنية العراقية في مجرى وبعد الأحداث الدامية لمعارك النجف ومدينة الثورة والفلوجة وسامراء الأخيرة، فإنها تقوم في مساهمتها الموضوعية على تذليل تقاليد الراديكالية السياسية والتوتاليتارية في العراق. فقد قيل قديما بان الآلهة قد تخطأ، لكنها لا تظلم. وهي معادلة كانت وستبقى حية أثناء الحرب والسلام والفشل والنجاح في حال النظر إليها، باعتبارها مرجعية مجردة في سموها الأخلاقي. وهي فكرة يمكن وضعها بعبارة اقرب إلى فهم الذهنية المعاصرة، والقائلة بأن المساعي الأخلاقية والروحية الكبرى قد تتعرض إلى فشل ومآس، إلا أنها لا تفعل في نهاية المطاف إلا على شحذ ذهنية الأفراد والجماعات والأمم بالشكل الذي يجعلها قادرة على مواجهة ذاتها بمعايير الحق والحقيقة.
فقد كانت المعارك الأخيرة في هذه المدن مجرد مظاهر متنوعة لما يمكن دعوته بمعركة العراق الكبرى، أي معركة الرجوع إلى حقيقة الهوية الوطنية العراقية التي لعبت فيها مدنه العديدة ادوارا تاريخية هائلة، وبالاخص ما يتعلق منه ببلورة وصياغة عناصرها الثقافية الكبرى. ذلك يعني انها إحدى الظواهر والمراحل التي لابد منها من اجل شحذ ذهنية ونفسية الأفراد والجماعات العراقية من اجل تكاملهم لاحقا في هوية واحدة تعي ذاتها بمعايير الحق والحقيقة.
فمن السهل النظر إلى هذه المعارك بمعايير الطائفية والجهوية والحزبية الضيقة وما شابه ذلك، الا أن حقيقة مداها ومدارها أوسع من جميع هذه الأحكام الجزئية. والقضية هنا ليست في أن النجف على سبيل المثال "مدينة مقدسة"، بل على العكس تماما! إذ لا قدسية في المدن والأماكن والتواريخ والأحداث. لان حقيقة المقدس تقوم في ما لا يمكن ابتذاله، أي انه شئ لا كالأشياء، مثل الحقيقة والجميل. ومن ثم لم تكن "معركة النجف" وغيرها من المدن سوى إعادة إجلاء جديدة لحقيقتها التاريخية باعتبارها مركزا من مراكز صيرورة الوعي القومي والوطني والثقافي العربي والإسلامي.
طبعا ليس في هذا الحكم من جبرية ترتقي إلى مصاف الإقرار بالقضاء والقدر، الا أن مما لا شك فيه أن "معركة النجف" وما تبعها وسوف يتبعها من احداث في مدنه الاخرى تشير إلى كوامن الخلل الكبير في بنية الدولة العراقية الحالية والسلطة والمجتمع والوعي السياسي للأحزاب والحركات الاجتماعية. ويشكل ضعف القوى الاجتماعية والسياسية جميعا ونفسية المؤامرة فيها، البؤرة التي تتركز فيها أحزمة الخلل المشار إليه أعلاه. وعلى كيفية تذليل هذا الخلل وكوامنه الدفينة تتوقف إمكانية وأسلوب ومسار البناء اللاحق للسلطة والمجتمع والثقافة، أي للمكونات الجوهرية للدولة العصرية.
فمن الناحية الظاهرية يمكن النظر إلى معارك المدن العراقية على انها خاطئة من حيث قواها ووسائلها ونيتها وغايتها، بينما في باطنها لا تظلم العراق بغض النظر عن نتائجها المباشرة! وذلك بفعل "دورها" الحالي في تذليل النقص الجوهري الذي لازم وما يزال يلازم بناء الهوية الوطنية العراقية والإشكاليات التي تواجهها، وبالأخص فيما يتعلق ببناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية البديلة.
فقد جسّد "التيار الصدري" والاصوليات السنية المتشرذمة في تامواقف والسلوك العملي والخطاب السياسي صورة عراقية "كلاسيكية" عن فحوى ووظيفة الراديكالية السياسية. بعبارة أخرى انهم جسّدوا بصورة نموذجية ما أسميته بالخطأ الشامل للقوى الراديكالية من حيث قواه الاجتماعية المكونة، والوسيلة المتبعة في السلوك، والنية الباطنة للأعمال، والغاية المعلنة والمستترة له. فقد استطاعت هذه التيارات أن يستقطب من حيث قواها الاجتماعية كمية الحثالات الهائلة في العراق المعاصر، مما جعل منها التيارات الأكثر نموذجية لتمركز وفعالية القوى الرثة. وهي قوى اجتماعية عراقية معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في وسائلها، فإنها التجسيد الأكثر تخلفا لكيفية إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي، وذلك لأن "منطقها" الوحيد هو منطق السلاح لا سلاح المنطق. وهي أيضا وسيلة معبرة عن حالة عراقية فعلية. وفي نياتهات تسعى للهيمنة، وهي أيضا نيات معبرة عن حالة عراقية فعلية، أما غاياتها المعلنة عن طرد الاحتلال وغاياتها الباطنة عن إحلال النظام الإسلامي، فهما الوجهان المكملان للرؤية الراديكالية التي لا ترى ولا تسمع ولا تتذوق حقيقة ما يجري في العراق وحوله والعالم.
ومن الصعب تذليل هذا الضعف التاريخي للراديكالية السياسة العراقية كما جسده "التيار الصدري" والتيارات الاصولية السنية دون العمل من اجل بناء الدولة الشرعية ومؤسساتها والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. فهو الأسلوب الوحيد الواقعي والعقلاني لإعادة بناء العراق بالشكل الذي يجعل من معارك المدن في العراق آخر المعارك العسكرية فيه. وهي مهمة تفترض بالقدر نفسه تذليل ما أسميته بضعف القوى الاجتماعية والسياسية العراقية نفسية المؤامرة فيها. بمعنى الارتقاء إلى مصاف الرؤية الوطنية العراقية وترسيخها في الوسيلة العملية والنية الاجتماعية والغاية الديمقراطية والحقوقية. مما يفترض بدوره العمل على دمج القوى الراديكالية في المجتمع من خلال تحسين شروط وجودها الاجتماعي والاقتصادي. فهي إحدى اكثر القوى التي تعرضت للتخريب والدمار من جانب التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. ومن ثم فان المشروع الواقعي والعقلاني لتذليل الراديكالية السياسية في العراق يفترض العمل من اجل إرجاع حقوقهم المهدورة كاملة من خلال دمجهم في عملية البناء الجديدة للعراق. لاسيما وانه الأسلوب الضروري أيضا لتذليل بقايا التوتاليتارية والراديكالية وإحقاق الحق والعدالة. كما أن من الضروري استكمال هذه العملية بترجيح أولوية الرؤية السياسية والبدائل السياسية في الموقف من "التيار الصدري" والراديكالية السياسية عموما. بمعنى العمل على استبدال الصراع المسلح بوسيلة الرؤية السياسية، واستبدال نية الهيمنة بنية البديل العملي للتعددية والنظام الديمقراطي، وأخيرا تأسيس فكرة النظام المدني بوصفه النموذج المعقول والمقبول لكل توتاليتارية دنيوية (علمانية) كانت أم دينية.
فالنقص الذي تعاني منه الحركات الاجتماعية والسياسية العراقية ونموذجها الأكثر تطرفا في الحركات الراديكالية السياسية، كما هو جلي في مغارك المدن الاخيرة، مع اختلاف اصولها ومقدماتها، نابع من طبيعة الخلل الذي يميز "الحالة العراقية" ككل، التي هي بدورها النتاج "الطبيعي" لأربعة عقود من التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. الا أن ذلك لا ينفي ما سبق للمعتزلة وان أطلقوا عليه كلمة الإرادة، بحيث توصلوا إلى الحكمة الكبيرة القائلة، بان الإنسان إرادة. ومن ثم يتحمل بصورة كاملة مسئولية فعله سواء فيما يستند إليه من قوى ويستعمله من وسائل وما ينوي القيام به وما ويهدف إليه. بمعنى أن ما يقوم به هو ما يريده! بينما حقيقة الإرادة تقوم في السعي إلى ما هو معقول ومقبول بمعايير الحق والحقيقة. وهي الفكرة التي ينبغي أن تتقاسمها القوى السياسية جميعا من اجل الخروج من معارك المدن الأخيرة من خلال جعلها آخر معارك الراديكالية السياسية في العراق.
إن تذليل الراديكاليات السياسية والثقافية (الدينية) هو الأسلوب الأكثر واقعية لتذليل بقايا التوتاليتارية والنزعات الدكتاتورية المغروسة في أعماق الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية العراقية المعاصرة. كما انه الأسلوب الواقعي والضروري لبناء الهوية الوطنية العراقية الجديدة. إذ لا يمكن بناء الهوية الوطنية العراقية الجديدة بوصفها مشروعا إصلاحيا شاملا وبديلا عقلانيا لتراث التخريب الشامل في العراق المعاصر دون القضاء بصورة نهائية على إمكانية صعود الراديكالية إلى هرم السلطة السياسية فيه. فهو الأسلوب الذي يقطع نفسية وذهنية "القطع الجذري" مع الأسلاف والتاريخ وتجارب الأجيال المميز للراديكالية. فالراديكالية السياسية لا تستطيع العمل دون نفسية وذهنية "القطع الجذري" مع تاريخ الأسلاف وتجاربهم. من هنا افتقادها واحتقارها بالقدر نفسه للتاريخ. فهي تعيش في "زمن" التحدي الدائم، والمواجهة الشاملة، والقتال المستميت، والحرب التي لا هوادة فيها، والمؤامرة المثيرة لغريزتها الحية، والمغامرة الأبدية الملازمة لوجودها. وهي صفات "برهن" عليها "التيار الصدري" والتيلرات الاصولية السنية بصورة نموذجية. كما كشف عما فيه من خطورة قاتلة بالنسبة للفكرة الوطنية وبناء الدولة الحديثة ونظامها السياسي الديمقراطي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية والإنسانية.
لقد كشفت هذه الأحداث الجارية لحد الآن وعما سيتبعها أيضا من أحداث عن حقيقة تقول، بان الراديكالية السياسية والثقافية سوف تبقى لفترة طويلة نسبيا إحدى الخمائر الفاعلة في الوعي الاجتماعي والسياسي العراقي. من هنا ضرورة الإبقاء عليها كخميرة ممكنة في الحياة السياسية والاجتماعية دون أن تعطى لها إمكانية الاشتراك الفعال في بنية الدولة.
فقد كشفت معارك المدن الاخيرة عن طبيعة الإشكاليات التي يواجهها العراق المعاصر بالنسبة لبناء الدولة والمجتمع والثقافة. وهي إشكاليات يستحيل حلها دون منظومة متكاملة في الرؤية السياسية والاجتماعية الهادفة إلى بناء الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية الإنسانية. فهو الأسلوب الوحيد القادر على أن يجعل من "معركة النجف" ومدينة الثورة والفلوجة وسامراء آخر معارك الراديكالية السياسية بشقيها الديني والدنيوي. بمعنى ضرورة تحويلها إلى آخر معركة كبرى أمام دخول العراق معترك الحياة السياسية. وهي مهمة الجميع. انها مهمة التيار الدنيوي (العلماني) من خلال التحقيق الفعلي لفكرة الهوية الوطنية العراقية ونظامها الاجتماعي والديمقراطي، كما أنها مهمة التيار الديني (الإسلامي) من خلال ارتقاءه إلى مصاف الحياة السياسية والدنيوية. حينذاك فقط تضمحل فكرة ونفسية المعارك الكبرى والصغرى لتتحول جميعها إلى اختلاف ضروري لترسيخ وتفعيل المرجعيات الثقافية السياسية الكبرى للدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,423,856,105
- تأجيل الانتخابات أم تأصيل المغامرات
- خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به في طالع الشمس ما يغنيك عن زحل
- أدب التصوف
- اسلام الشرق و الشرق الاسلامي


المزيد.....




- زوج من البطاريق يقتحم مطعما للسوشي في نيوزلندا
- شاهد: شاب من كوستاريكا يطعم التماسيح البرية لكسب لقمة عيشه ...
- هل يخطف رياض محرز لقب فخر العرب من محمد صلاح بعد كأس الأمم ا ...
- من سيشجع سكان المدينة التي نشأ فيها جمال بلماضي وأليو سيسيه ...
- طالبت بدولة مدنية.. مظاهرات بالجزائر في الجمعة 22 للحراك
- إحياء مطلب تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر.. أي دلالات؟
- أمن طائرة رومانية يجبر مصريا على مغادرتها.. وغضب بمواقع التو ...
- الهبوط على سطح القمر حقيقة أم أكذوبة؟
- ترامب يحتفل بذكرى هبوط أول إنسان على سطح القمر (صور)
- طيار سعودي يباغت -الحوثيين- بالأباتشي


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - ميثم الجنابي - معارك المدن العراقية - الأبعاد الوطنية والاجتماعية