أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ربيعة العربي - الخطاب الإسلامي و تحديات العولمة (2)















المزيد.....


الخطاب الإسلامي و تحديات العولمة (2)


ربيعة العربي
الحوار المتمدن-العدد: 3468 - 2011 / 8 / 26 - 18:56
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الخطاب الإسلامي و تحديات العولمة(2)
ربيعة العربي

2- العولمة و خصوصيات الإسلام
ننطلق في مناقشتنا لهذا المحور من اعتبار أن الحضارات الإنسانية مترابطة و تتبادل التاثير فيما بينها ، ففضلا عن الاختلافات التي تميزها عن بعضها البعض هناك أيضا نقاط ائتلاف كثيرة توحد فيما بينها ، و هي تشكل أساسا مشتركا فيما بينها من قبيل الفكر الإنساني و العلوم و الخبرات و غيرها.يقول عمارة (1992 : 10):
" إن التمايز الحضاري و التعددية الحضارية لا تنفي واقع المشترك الإنساني ...و نحن ننكر - أيضا تصور العالم حضارات منعزلة تماما ،لأن هذا التصور فضلا عن تجاهله لواقع"المشترك الحضاري الإنساني"،فإنه يقود الأمم التي تفرض العزلة الحضارية على نفسها إلى ما يشبه الانتحار الحضاري."
أخذا بعين الاعتبار لهذا التصور و باستحضار الطابع الشمولي للعولمة و تجلياتها السياسية و الاقتصادية و تسارع وثيرة التبادلات الثقافية و المعلوماتية ، نؤكد على ضرورة صياغة مقاربات علمية و موضوعية لواقع العالم الإسلامي.
يمكن أن نلخص التحدي الأساسي في الإشكال الذي نصوغه كالتالي: كيف يمكن ملاءمة معطيات العولمة مع خصوصيات الإسلام ؟و كيف يمكن بالتالي الاستفادة من البعد الثقافي للعولمة بدون المس بقيم المجتمعات الإسلامية ، و ذلك في أفق تطوير العالم الإسلامي بشكل يجعله قادرا على تدبير العولمة و ما تطرحه من تحديات؟
هنا لابد من القول إن هناك مداخل نظرية عديدة يمكن أن تؤطر مقاربة العولمة في علاقتها بالخصوصيات الإسلامية ، لكن سنختار منها مدخلين اساسيين يتمثلان في العلمانية و الحداثة.
2-1- الإسلام و العلمانية
يقول هنتنجتون (1996) في مناقشته لصراع الحضارات:
" إن العالم الإسلامي يفتقد للقيم السياسية التي أدت لنشوء الديموقراطية التمثيلية في الحضارة الغربية ."
نقلا عن فالنتين مقدم (2007)
و يحدد من بين هذه القيم العلمانية بما تعنيه من فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية ، فالنظرة الشائعة عند الغرب -كما يشير إلى ذلك محمد أركون (2001 : 56) تربط تخلف العالم الإسلامي بجوهر الدين الإسلامي نفسه، بوصفه دينا يتميز على عكس الأديان الأخرى( و بخاصة المسيحية ) بالجمود العقائدي الذي يعرقل نهضة المسلمين . نجد هذا الموقف عند رينان الذي يرى بأن الإسلام معاد للفلسفة و العلوم بطبعه و جوهره و أنه يعتبر البدعة و البدع مدانة في المجتمع الإسلامي من قبل الفقهاء. الوقف نفسه يتكرر في مجلة "شؤون دولية" البريطانية سنة 1990 التي تعتبر أن الإسلام مقاوم للعلمانية ، و أنه الثقافة الوحيدة القادرة على أن تشكل تحديا فعليا للمجتمعات الغربية ( محمد عماارة 1992) . من هنا تلح على ضرورة استهدافه بشكل مباشر. إن الغرب اصبح يعتبر الإسلام مهددا له ، من هنا تحاول وسائل الإعلام تقديم صورة سلبية و مشوهة عنه لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ، و مما زاد في ترسيخ هذه الصورة الأزمة الاقتصادية التي عرفها الغرب و كذلك ما مقع في 11 شتنبر . يشير أركون (2001 : 62) إلى أن المجتمعات الأوروبية بعد دخولها عصر الرأسمالية سعت إلى التوسع ، و ذلك من منظور تنميطي تصنيفي يختزل الثقافات و الحضارات في صنفين:
- صنف إنساني كوني تقدمي(أي ثقافة اوروبا و أمريكا الشمالية).
- صنف بدائي عتيق تقليدي محافظ( اي ثقافة الشعوب المستعمرة و على راسها البلدان الإسلامية).
نتج عن هذا المنظور التقليصي النظر إلى الإسلام ليس بوصفه طرفا معادلا له شرعيته و كينونته المستقلة الجديرة بالتقدير، و إنما بوصفه ذاك الآخر المغيب ، فتم نفي حضوره و تم التعامل معه - على حد تعبير محمد أركون - باعتباره موضوع الكلام و ليس ذاتا متكلمة. يشير إدوارد سعيد (1978) إلى أن الدراسات الاستشراقية قد عمقت هذا الموقف و أسهمت في ترسيخه و ذلك بتقديم ما اعتبره مكتبة أو سجل حفظ للمعلومات المشتركة التي أطرت طبيعة تعامل الغرب مع الشرق. إن جوهر الاستشراق يقوم في تصوره على التمييز الثابت بين الفوقية الغربية و الدونية الشرقية و على تعميق هذا التمييز .
من البديهي أن يؤدي هذا المنظور إلى رد فعل طبيعي مزدوج يتمثل من جهة في الرغبة في مقاومة الغرب، و ما يحيل عليه من قيم و من جهة أخرى في الانكفاء على الذاكرة الجماعية و التشبث بالتراث باعتباره المؤسس للهوية( محمد أركون 2001 : 45) ، لذلك من المنطقي أن نجد في العالم العربي و الإسلامي تلك الصورة التي ترسخت في الذاكرة الجمعية عن الغرب، و هي صورة مشوهة أيضا و مغلفة بقدر غير يسير من الريبة و الشك ، فالتيار الإسلامي السائد حاليا يعتبر أن الغرب معاد له . و الواقع إن التقابل بين هذين الموقفين تتداخل في نسجه مجموعة من العوامل المتشابكة و أيضا مجموعة من المغالطات كلها مغلفة في رأي محمد أركون بطابع ايديولوجي، لذلك يعتبر أن الإشكال المطروح على المجتمعات الإسلامية يتلخص في كيفية إحداث هذا التغير الكيفي بشكل يمكنها من توجيه مستقبلها باتجاه الاستفادة من الجوانب الايجابية للماضي من جهة ، و مكتسبات الحداثة من جهة أخرى. من هنا نراه يلح في مناقشته للعلمانية على ضرورة ربطها بمهمتين أساسيتين:
- بلورة المعرفة النقدية المحايدة التي من شأنها تقديم قراءة موضوعية للواقع بدون تحيز.
- بلورة طرق توصيل المعرفة المكتسبة من هذه القراءة للآخرين.
إن تحقيق هاتين المهمتين هو الذي يكفل النظر غلى العلمانية ليس بوصفها مضادة للدين، و إنما بوصفها مضادة لاستخدام الدين لاغراض سلطوية و - أو انتهازيةأو منفعية. يؤكد محمد اركون على أن جوهر العلمانية يتمثل في الحياد الذي بموجبه يتم التعامل مع الجميع على قدم المساواة بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو الطائفية أو العرقية . من هنا ينبه إلى أن التحليل الذي ينطلق من فرضية أن الإسلام هو من حيث طبيعته معاد للحضارة الغربية ( و هو التحليل الذي يتبناه برنار لويس مثلا- يقوي التحجر الايديولوجي للإسلام ، و هو يسير في نفس المنحى الذي يسلكه الإسلاميون . إن مثل هذا التحليل في نظره يزيف الوقائع بفعل تغييبه للقوى التاريخية و الاجتماعية و الاقتصادية الفاعلة في الغرب و كذا في العالم الإسلامي و التي فرضت هذا الصراع منذ ما يزيد عن ستة قرون.
إن إشكال فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية ليس حديثا فقد سبق طرحه في العالم الإسلامي ، إذ كما أشار إلى ذلك محمد أركون ، تمت إثارته طيلة الخمس قرون الأولى على الاقل و قد كان موضوع جدال قوي بين السنة و الشيعة و الخوارج و المعتزلة و الفلاسفة و علماء الاصول. يقول محمد أركون(2001 : 89):
" صحيح أن هذه المناقشات لم تؤد إلى تشكيل مءسسات سياسية مستقلة، كما لم تؤد إلى الفصل القانوني بين الجامع و الدولة ، لكن لا ينبغي أن نفسر ذلك عن طريق وجود مانع ازلي في الإسلام ذاته ، و إنما عن طريق عوامل التاريخ الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي."
هذا يدل على ان النقاش حول فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية لا يتم باسم معاداة الدين ، و إنما يتم انطلاقا من رفض التأويل الحرفي الأحادي الجامد و رفض محاولة فرض هذا التأويل و اعتباره معنى مطلقا فوق الزمان و المكان. من هنا تكون العلمانية - حسب تصور نصر حامد أبو زيد (1994 : 37) - نمطا من التفكير يناهض الشمولية الفكرية و المطلق العقلي. إنها مناهضة لحق "امتلاك الحقيقة المطلقة" و تأكيد البعد النسبي و التاريخي الذي في إطاره تصبح التعددية مشروعة و حق الاختلاف ممكنا ، بل و " حق الخطأ" أيضا، و يؤكد على أن العلمانية لا تؤدي إلى نفي الأديان بل إلى إثباتها و إثبات تحرر أصحابها من الاضطهاد و المطاردة و المصادرة ، فالعلمانية- حسب تعبيره- ليست في جوهرها سوى التأويل الحقيقي و الفهم العلمي للدين.
إن الخلاصة التي ينتهي إليها نصر حامد أبو زيد من خلال هذا التحليل هو أن الإسلام دين علماني بامتياز ، لأنه ينتصر للعقل و يدعو إلى تأمل العالم و الإنسان و المجتمع.
إذا سلمنا بهذا التحليل يمكن اعتبار أن الإسلام يملك في ذاته شروط التحديث و التجدد (1).- كما أشار إلى ذلك إرنست جلنر عالم الانثروبولوجيا في مجلة " شؤون دولية" (2) . من هنا يبقى الإشكال الملح هو كيف يمكن تفعيل الثقافة الإسلامية بشكل يمكنها من استيعاب معطيات الحداثة
2-2- الإسلام و الحداثة
يعتبر بعض الدارسين (عادل لطيفي2000)أن الحداثة نتاج تراكم معرفي يمتد من الإغريق و يضم في سيرورته التراكمات المعرفية التي عرفتها الحضارة الإنسانية من حضارة الرومان و العرب و غيرها، و بالتالي لا يمكن نسبتها إلى الغرب وحده.إنها إفراز لتجارب شعوب عديدة بما تحمله هذه التجارب من ثقافات و معارف مختلفة و متنوعة . إلا أنه مع ذلك يمكن اعتبار أن هذا المفهوم يترجم بكيفية مباشرة تجربة الغرب التاريخية و منظومته الفكرية و الفلسفية و رؤيته للحضارة، فهذه التراكمات المعرفية لم تتحول نوعيا إلا في هذا المجال المعرفي الثقافي. و قد تجلى هذا التحول النوعي في تحطيم العلاقات الاجتماعية و المشاعر والعادات و الاعتقادات المسماة بالتقليدية .إنها مؤسسة لفعل التجاوز : تجاوز كل ما هو تقليدي انتصارا للعقل. يرتبط هذا التجاوز بسيلق تاريخي معين. في هذا الإطار يشير مجمد أركون (2001) إلى أن الحداثة طرحت باعتبارها بديلا للمشروعية المسيحية. إنها قد ترسخت في أرض المسيحية و هي تميل إلى التوسع و الهيمنة ، فقد سيطرت منذ القرن الثامن عشر و لا تزال تسيطر حتى الآن ، منتقدا في السياق نفسه بعض الدراسات الإسلامية التي تناولت الإسلام بفصله عن جذوره التاريخية . أدى هذا الفصل غلى التعامل مع مجموعة من المعطيات التي ظهرت حديثا، بدون ربطها بسياقاتها الموضوعية التي نشأت فيها،من ضمن هذه المعطيات الحداثة. يقول:
" و هكذا استخدمه الخطاب القومي السائد بعد الاستقلال و الباحث عن إعادة الهوية و الشخصية من أجل تمرير منتجات الحداثة التي اضطرت الدول الإسلامية إلى استعارتها من الغرب ، و بما أنها لا تستطيع أن تستعيرها كما هي فقد خلعت عليها الغطاء الإسلامي كي تكتسب المشروعية."
الجدير بالذكر أن بعض الباحثين يقرنون مفهوم الحداثة عند الغرب بمفهوم الاجتهاد في الإسلام و يقرنون مفهوم التقدم بمفهوم العمران الذي طرحه ابن خلدون باعتباره علم له نسقه المعرفي و حقله الدلالي و تجربته التاريخية و الحضارية . يعتبر حسن حنفي أن الإسلام بتبنيه لمفهوم الاجتهاد يمكن عده أكبر دين حداثي ، لأنه يعطي الفرع شرعية الأصل و يعترف بالزمان و المكان و بالتطور و بأن إجماع كل عصر ملزم للعصر القادم.(3).
غير أن بين مفهوم الحداثة و مفهوم الاجتهاد عموم و خصوص، فإذا كان كلا المفهومين يؤسسان للعقل ، فإن الفاصل بينهما يتمثل في أن العقل الغربي أقصى الدين بوصفه وسيلة للهيمنة ، بينما عمد العقل الإسلامي إلى الربط بينهما في إطار علاقة تكاملية يؤسسها مفهوم الاجتهاد الذي ما هو في نهاية المطاف إلا ىلية لغزاحة الجمود و التفكير السطحي . إن الاجتهاد يفترض تعاملا مع النص باعتباره مفتوحا على المعنى، و هذا يستوجب تعميق النظر بصورة دائمة و مستمرة عبر الزمان و المكان . إن مفهوم الاجتهاد إذن يتعارض مع احتكار الفهم على فئة معينة و فترة زمنية معينة أو مكان معين . إنه في عمقه لا يمكن أن يؤدي إلا إلى تمثل التغيرات التي يعيشها العالم اليوم و التفاعل معها في اتجاه تحقيق ما وصفه محمد أركون بطفرة نوعية للفكر و الوعي في الإسلام . لا يمكن لهذه الطفرة أن تتحقق إلا في إطار تصور متكامل و رؤية استراتيجية واضحة.
نحو رؤية استراتيجية لمواجهة العولمة
لصياغة رؤية استراتيجية لمواجهة تحديات العولمة يمكن الانطلاق من إشكال أساسي نصوغه كالتالي: كيف يمكن إقامة توافق بين الغسلام و متطلبات التحديث و ما هي الميكانيزمات المؤدية إلى إحداث هذا التوافق؟
لمقاربة هذا الإشكال لابد من استحضار الثنائية التي أسسها الدرس اللساني بين الخطاب و تأويله ، و هي الثنائية التي ناقشها نصر حامد أبو زيد (1994 : 26) بالمقابلة بين المنطوق و المفهوم . ما ينبغي التأكيد عليه في هذا الإطار أنه ليست هناك علاقة أحادية بين هذين الركنيين ، و هذا يقودنا إلى الاتفاق معه في تأكيده على أنه ليس من الضروري دائما أن يتطابق المنطوق مع المفهوم ، فالمنطوق واحد و المفهوم متعدد.يقول في الصفحة 27:
" للأقوال قدرتها على إنتاج الدلالات بصرف النظر عن القفائل و نيته ، لأن قوانين اللغة لها استقلالها عن إرادة الفرد."
هذا يعني أنه لا يمكن لفهم المتلق إلا أن يكون نسبيا و لا يمكن إلا أن يكون محكوما بظروف موضوعية محددة هي التي أنتجت هذا الفهم دون سواه ، و نحيل هنا بالخصوص على ما سماه فان دليك و كينتش(1978) ب"نموذج السياق" بوصفه تمثيلا معرفيا و ذهنيا يبنيه المتلقي. من الخصائص الاساسية لنموذج السياق هذا أنه عرضي ، و بالتالي تكون التاويلات الناتجة عنه عرضية و محكومة بسياقاتها و ظروفها التاريخية و الاجتماعية ( ربيعة العربي 2010) .لذلك ينبغي أن نقيم هذا التمييز الضروري بين الدين(باعتباره مطلقا و ثابتا و مقدسا) و بين التفكير الديني(باعتباره نسبيا و متغيرا و غير مقدس). إنه لا بد أن نقيم تمييزا لا خلط فيه أو لبس بين النص الديني الذي يبقى في كل الأحوال نسبيا و محدودا و قابلا للنقاش.
يوازي التقابل الذي تحدثنا عنه التقابل الذي أقامه محمد أركون (2001) بين ما سماه بالحدث القرآني الذي يؤرخ له بالقرن السابع الميلادي و الحدث الإسلامي الذي تشكل فيما بعد هذا التاريخ ، فالحدث القرىني محصور من حيث حصوله في زمان و مكان محدد ، و هو الاصل. أما الحدث الإسلامي فهو متفرع عنه و هو ممتد في الزمان من جهة، و من جهة أخرى مرتبط بشروطه التاريخية . إن الأحكام و الفتاوى المتضمنة في كتب الفقه ناتجة عن عملية تأويلية للحدث القرآني ، و هذه العملية التأويلية محكومة بشروطها التاريخية .إنها حسب تصور محمد أركون ليست فوق الواقع و الزمن و التاريخ ، كما يريد ان يصورها لنا الاستشراق الكلاسيكي و التيار الإسلامي المحافظ . من هنا نجده سيتحضر ما سماه برهانات المعنى و يربطها بإرادات الهيمنة التي تتحكم في تأويل المعنى و امتلاكه و جعله وسيله للهيمنة.يقول:
" فالفقهاء يعتقدون أنهم هم وحدهم القادرون على فهم النصوص التأسيسية ( القرآن و الحديث أساسا) ، و هم وحدهم الذين يعرفون تاويلها و استخراج معناها الصحيح، و بالتالي يبنون الأحكام الفقهية على هذا الأساس ، لكنهم يجهلون إذ يفعلون ذلك أنهم يقولبون معنى الوحي و يجمدونه في حين أنه فوار بالمعنى غزير مجازي متشعب . هنا بالذات تكمن مسألة الانتقال من مرحلة المعنى المجازي إلى مرحلة المعنى الأحادي المسجون في بعد واحد."
لا تقتصر هذه الخاصية على المجتمعات الإسلامية فقط ، بل هي خاصية تطبع المجتمعات اليبشرية ككل ، على اعتبار أنه تاريخيا حصل توظيف للنصوص المقدسة لإنتاج معنى يتوافق مع أهداف ايديولوجية محددة يسعى الفاعلون الاجتماعيون في تحقيقها ، لذلك يلح محمد أركون(2001) على ضرورة استحضار المنهجية التاريخية و المنهجية السوسيولوجية و المنهجية اللسانية، لأن التضافر بين هذه المنهجيات هو الذي يتيح الخروج من النظرة الضيقة للإسلام بوصفه مجموعة من الطقوس إلى ملامسة أبعاده الروحية و الفكرية و الحضارية.
نعتقد أن تمثل هذا التصور يمكن من بناء أنسقة ملائمة و خلق محركات عمل لمجابهة التحولات التي تفرضها تحديات العولمة ، و على رأسها التحدي الثقافي ، كما يمهد السبيل للارتقاء بالبحث العلمي في العالم العربي و الإسلامي . إن المسالة المطروحة الآن ، كما يشير إلى ذلك علي حرب(2005 : 16-17) هو الانخراط في المراجعة النقدية لذاتنا و لفكرنا و ثوابتنا، إذ ينبغي أن:
" نضع في دائرة الضوءموضع النبش و الحفر أو التشريح و التفكيك العدة الفكرية التي تتحكم في الأذهان بلغاتهاو و عقدها و بداهاتها و تصنيفاتها و مقولاتها، و هذا ما يفعله الغربيون بصورة دائمة في مواجهة المخاطر و المآزق: العودة النقدية الارتدادية بصورة تطال كل شيء اليقينيات الراسخة و البداهات المسبقة دون استثناء العلوم التي تخضع الآن للنقد و المراجعة."
في هذا الإطار يشير إدوارد سعيد (1978) إلى أن قدرة الغرب على تجاوز أزماته المستمرة تنبع من القدرة على امتلاك الوعي النقدي الضدي . إننا نؤكد على أن الوعي النقدي الضدي يجعلنا ننظر إلى خصوصياتنا في نسبيتها و في إمكانات تغيرها، و بالتالي تجاوز النظرة الكلية التي تنظر إلى الهوية بوصفها بنية ثابتة غير قابلة لأي تعديل أو تجاوز . إن النظر إلى الهوية باعتبارها بنية تتفاعل بالضرورة مع محيطها هو الذي يضمن تجدد الذات و هذا التجدد هو الضامن الوحيد للمحافظة عليها، لانه يخلق شروط استمرارها و تحيينها و يكسبها قدرة هائلة على محاورة الثقافات و الحضارات الأخرى في إطار جدلية التأثير و التأثر.


1 - و لعل هذه الخاصية هي التي أدت إلى إثارة ما يسمى ب"صراع الحضارات" التي شكلت مدخلا سعى هنتنتجتون من خلاله إلى حث الغرب على مقاومة انبعاث الحضارات خاصة الحضارة الإسلامية التي يرى أنها تملك رؤية شمولية يمكن أن تزاحم الحضارة الغربية.
2- محمد عبد الرحمان حاتم.
3- عادل لطيفي 2000.

المراجع العربية
ألان تورين 1997: نقد الحداثة ترجمة أنور مغيث المجلس الأعلى للثقافة.
علي حرب 2005: أزمنة الحداثة الفائقة . المركز العربي الثقافي.
محمد أركون 1999: الفكر الأصولي و استحالة التأصيل نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي ترجمة و تعليق هاشم صالح. دار الساقي.بيروت- لبنان.
محمد أركون 2001: الإسلام ، أوروبا ، الغرب ترجمة هاشم صالح دار الساقي الطبعة الثانية - بيروت - لبنان.
نصر حامد أبو زيد 1994: نقد الخطاب الديني .الطبعة الثانية - سينا للنشر.
محمد عبد القادر حاتم 2005 العولمة ما لها و ما عليها . الهيئة المصرية العامة للكتاب.
محمد حسنين هيكل 1995: أزمة العرب و مستقبلهم.دار الشروق.
مقدم فالنتين 2007: الحوكمة و مواطنة المرأة في الشرق الأوسط و شمال افريقيا. مركز البحوث للتنمية الدولية حول حقوق المرأة و المواطنة. القاهرة
محمد عمارة 1992: استراتيجية التنصير في العالم الإسلامي . دراسة في أعمال مؤتمر كولورادو لتنصير المسلمين. مركز دراسات العالم الإسلامي.3
إدوارد سعيد 1978: الاستشراق ترجمة كمال أبو ديب مؤسسة الابحاث العربية بيروت 1981.
عادل لطيفي 2000: الإسلام في خضم الحداثة مقاربة سوسيولوجية لأهم التغيرات
httpwww.balag com islamfv0rfdd3.htm
ربيعة العربي2010: في تصور الخطاب آليات الإنتاج و التأويل مداخلة قدمت في المؤتمر الدولي المحكم :لسانيات النص و تحليل الخطاب 22 - 24 مارس 2010 كلية الآداب و العلوم الإنسانية أكادير.
المراجع الأجنبية
Akkbar.S 1994 Islam in the age of post modernity .in Akkbar S.A Hastings Donnan Islam ;globalisation post modernity .Routledge
Baylis.S Smith.S 1997 Globalization of world politics An introduction to international relations
Blondel 2004 La globalisation approche de phenomene et ses incidences sur l action humanitaire,revue internationale de la croix rouge V 86 n 855 p 493.504.
huntington .S 1996 The crash of civilization and Remarking of World order .New York Si;on and Shuster.Huntington
Kintch.W Van Dijk.T.A 1978 Toward a model of text comprehension and production .Psychological Review 85 _5p 363.394
Mazrui.A.A2000 Globalization and the future of Islamic civilization http the;odernreligion.com worldmazui.html
Meuleman.J.H 2002 Introduction Discourse on globalization as a global fashion , in Islam in the area of globalization .Muslim attitudes towards modernity and identity.Routledge.
Robertson.R 1987 Globalization theory and civilizational analysis comparative civilization .Review 17.p20.30.
Robertson.R 1990 Mapping the global condition.Globalization as the central concept in M.Featherstone eds.Global Culture. nationalism. Globalization and modernity .London sage.
Van Dijk.T . Kintch.W 1978 Toward a model of text comprehension .Psychological review .Vol 85.5 sep pp 363.394





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,007,229,105
- الخطاب الإسلامي و تحديات العولمة
- لحم يستباح
- حريق أينع
- أنا في جنة الخلد قصة قصيرة
- سقط القناع
- أبي و الشجرة قصة قصيرة
- رحل الربيع قصة قصيرة
- زغرودة- قصة قصيرة
- قصة قصيرة
- الصورة النمطية للمرأة المسلمة في الغرب


المزيد.....




- ما هو مدى فعالية صواريخ -إس-300- المسلمة لسوريا وتأثيرها الج ...
- 37 عاما... الأتراك يصلون في أحد المساجد في الاتجاه الخاطئ
- بابا الفاتيكان يستقبل رئيس كوريا الجنوبية ويعرب عن عزمه لزيا ...
- شاهد.. الإخوان: -ما يحدث في سيناء يتوقف بعودة مرسي للحكم-
- تكسير عشرات الصلبان والشواهد في مقبرة مسيحية قرب القدس
- بوتين حول من سيستخدم الأسلحة النووية ضد روسيا... نحن سنذهب إ ...
- بالصور.. الاعتداء على حرمة مقبرة مسيحية غربي القدس
- ماتيو سلفيني يفكر في الترشح لرئاسة المفوضية الأوروبية
- ماتيو سلفيني يفكر في الترشح لرئاسة المفوضية الأوروبية
- السلطات الفرنسية تغلق مركزاً إسلامياً تابعاً للطائفة الشيعية ...


المزيد.....

- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- الطهطاوي وانجازه المسكوت عنه / السيد نصر الدين السيد
- المسألة الدينية / أمينة بن عمر ورفيق حاتم رفيق
- للتحميل: أسلافنا في جينومنا - العلم الجديد لتطور البشر- ترج ... / Eugene E. Harris-ترجمة لؤي عشري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ربيعة العربي - الخطاب الإسلامي و تحديات العولمة (2)