أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الغني سلامه - النهايات .. هلاك الإنسان، دمار الأرض .. فناء الكون















المزيد.....


النهايات .. هلاك الإنسان، دمار الأرض .. فناء الكون


عبد الغني سلامه
(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 3464 - 2011 / 8 / 22 - 07:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


منذ أقدم الأزمان، كان الخلود - وما زال - هاجس الإنسان وقلقِه، وغايته التي لا تُدرك، وأمنيته العصيّة على التحقيق، وظلَّ رافضاً لفكرة الموت والفناء، مدفوعا بغريزة البقاء، أو بنرجسيته التي طالما صوّرته مختلفا من بقية المخلوقات ومتعاليا عليها، فعندما كان يرى غيره يموت ويذوي ويتحلل، ويندمج في نظام الطبيعة، اخترع لنفسه أسطورة الخلود، والحياة ما بعد الموت، وابتكر فنون التحنيط، ودفْن الميت بأبهى صورة مع مقتنياته الشخصية التي سيحتاجها في الدار الآخرة.
ليس هناك ما هو أغرب وأقسى من الموت، هو نهاية كل شيء، وبدايته .. بينه وبين الحياة خيط رفيع، هو نقيض الحياة، وهو أحد أشكالها في آن معاً، الحياة لا تعني شيئا للميت .. كما كانت لا تعني شيئا للحي قبل أن يولد .. فقبل أن يُولد الإنسان لم يكُ شيئا مذكورا، وبعد أن يموت سيصير نسيا منسيا .. وفي كلتا الحالتين، فإن ما في الكون لا يعنيه بشيء، لأنه ببساطة ليس من مكوناته. فالميت نفسه مثلاً لن يعني له الموت شيئا على الإطلاق، فهو لا يشعر لا بالألم ولا بالحزن ولا بلوعة الفراق.
وإذا كانت الحياة لا تعني شيئا للأموات، فإن الموت لا يعني شيئا للأحياء، فبمقدار ما يسبب الميتُ حزنا وكمدا لأحبّائه من الأحياء، إلا أن الموت بحد ذاته وفي واقع الأمر لا يعني أحداً، لا أحد يفكر فيه بالمعنى العميق، الحياة نفسها هي التي تعني كل شيء لكل إنسان. الميت لأنه ميت لا يدري ما حلَّ به، ورثَتـُه ربما يفكرون فقط بتركته، سواء كانت ثروة سينعمون بها، أم ديْنا سيزيدهم بؤسا، المشيعين ينتظرون انتهاء الجنازة ليستأنفوا أعمالهم، الطبيعة تنتظر الميت لتقوم بفعلها في جسده وتكمل دورتها .. إذن، لماذا نُسقط الموت من حساباتنا ؟ رغم قسوته، ورغم إيقاعه المخيف !؟
قد يكون الجواب في فهم سر الموت، فالموت في جوهره وجه من أوجه الحياة، وربما أحد أهم ضروراتها، ولأنه لا يحمل بحدوثه مفاجأة، إلا ما تمثله وقْع الصدمة على أحبّاء الميت، وهو وإن يأتي بغتة، إلا أنه تتويج لحالة مستمرة، فهو ينساب من حولنا بكل خفة، ويتسلل من النوافذ ومن تحت الباب، ونستجيب له ببطء وعلى دفعات، دون أن نحس به، لأن دبيبه هو نفس دبيب الحياة، فالأحياء أثناء حياتهم يموتون بأكثر من شكل: بيولوجيا يمارس الجسدُ الموتَ يوميا، فكل ما فيه يذوي ويتساقط: الشعر، الأظافر، خلايا الجلد، الدموع، كريات الدم الحمراء والبيضاء، إفرازات الجسم المختلفة، حتى أن أجسادنا بأكملها تتبدل في دورة العمر مرات عديدة، فلا يبق من أجسادنا التي حملتنا أطفالا شيئا يُذكر، وقد حل محلها جسد آخر وآخر ...
معنويا كل شيء قابل للموت والحياة من جديد: الأفكار، العواطف، المشاعر، الأمنيات، الذكريات، القيم ...
الحياة بمعناها الشمولي هي نتاج صراع الوجود والفناء، ترفع أحدهما مرة وتخفضه مرة أخرى، وتبقى مستمرة طالما أن الموت مستمر، فالموت حدثٌ دائب لا يتوقف، وهو ضرورة بالنسبة للطبيعة، ومأساة بالنسبة للإنسان، يصيبه في ذروة شبابه، ويصيب المجتمعات في ذروة عنفوانها ... نرى الموت بأعيننا، نتأثر لبرهة، ثم سرعان ما ننساه لنعود إلى حياتنا، ولكن تبقى مشاعرنا اللاواعية تتذكره، وعقلنا الباطن يتحداه أو يستسلم له، ويظل في أعماقنا رجفة منه، وقلق مبهم من زيارته الثقيلة.
الموت كما هو الجنس، بطل الحياة ولاعبها الأساسي، وهو كامن في كل شيء: في أعماق وعينا، وفي اللاشعور، وماثلٌ بكل حضوره الرهيب في قيمنا ودوافعنا وتصرفاتنا: الشجاعة تكمن قيمتها في كونها تتحدى الموت، الإصرار بحد ذاته وقوف في وجه الموت، الأمل هو مقاومة للموت، فلسفة الحياة هي تحايل على الموت، الدين في إحدى معانيه محاولة لبث الطمأنينة في النفوس الخائفة من الموت، وتعويضها بالحياة الآخرة. الفن محاولة للخلود ورفض لفكرة الموت، من خلال قصيدة أو أغنية أو لوحة تخلد صاحبها على مدى الأزمان، الحب هو تشبث بالحياة، ومحاولة لتمريرها للأجيال القادمة، وتهريبها من حواجز الموت عبر بطون الأمهات.
الكاتب والمفكر العراقي عبد الرضا جاسم يقول في مقالته الشيقة عن الموت: "لا يوجد متخصصين بأبحاث الموت، ولا معاهد لتدريسه وتخريج كوادر متخصصة به، ولكن يوجد الكثير ممن تخصصوا بإنتاجه، وتميزوا بنوعياته الرهيبة، من دكتاتوريين وعصابات وفرق للموت وإزهاق الأرواح، تحت أسماء وشعارات متعددة، وهؤلاء لم يتمكنوا من فهمه، وإنما اكتفوا بالتلذذ بإزهاق الأرواح وإنتاج أساليب جديد لتنفيذه والتفنن بذلك" .
ويطرح عبد الرضا العديد من التساؤلات عن ماهيّة الموت: "هل الموت شجاعا ليواجَه ؟! أم هو جبان يتحين الفرص للانقضاض ؟ هل الموت حاقدا على الحياة، أم هو محباً لها يريد إدامتها ؟
الموت يقسم الكائنات إلى أحياء وأموات، والحياة تقسّم نفسها إلى ثلاث مراحل متداخلة تفصلها خيوط وهمية، الماضي والحاضر والمستقبل، والذي يحدد اللحظة ونوعيتها هو شعورنا، إحساسنا تجاه ذاتنا وتجاه الوقت، نحنُّ إلى الماضي أو نهرب منه، نرفض الحاضر أو نرضخ له، ونخاف من المستقبل أو نتوق له، فإحساسنا ونبضنا هو الذي يعطينا زمننا الحقيقي المعاش، فنجعله ينساب بكل رقة، أو يمر بطيئا ثقيلا، بينما تواصل عقارب الساعة مسيرتها الرتيبة التي لم تتوقف لحظة منذ بدء الكون.
إذن، وعْينا هو الذي يحدد نوعية الحياة، والحب يمنحها قيمتها ومعناها، وبالحب يكتشف الإنسان أنه ليس مجرد ذَكر أو أنثى تعتريه رغبة وشهوة، سيكتشف بالحب أن له اسم وكيان، وأن شريكه الذي أَحبّه له اسم أيضا ولا يمكن أن يستبدله بآخر، وعندما يعثر أحدنا على شريكه، ويحبّه سيوْلد من جديد.
الفن في لحظة الإلهام يفتح نوافذ مداركنا على تصوير جديد ومختلف للدنيا، فنراها من خلال أغنية، أو رسمة، أو لوحة راقصة، أو عملا إبداعيا.
التأمل يساعدنا على اكتشاف العالم في لحظات التجلي والصفاء الذهني، فنعيد رسمه على أسس جديدة بمحتواه الإنساني الأرقى والأشمل.
العمل والبحث والإنجاز والمغامرة .. جميعها تبهرنا، وأحيانا تصدمنا، ولكنها في كل مرة تُخرجنا من الإيقاع الممل والمكرر للحياة، لتعطيها طعما مختلفا .
الإنسان بكل جبروته وذكائه وكبريائه قد يموت في أي لحظة، ولأتفه الأسباب، وأحيانا بلا ثمن وبدون مقدمات، فجأة يتحول كل هذا الكيان الممتليء بالحيوية والطاقة إلى جثة هامدة، باردة، سيرغب أقرب الناس لصاحِبها أن يواريها الثرى بأسرع وقت، ليدفن معها كل ما صاحَبها من شغب وصخب، ومن أحلام ومخاوف، ومن قدرات لا حد لها .. ليصير مجرد ذكرى، ثم لا يُذكر .. وهكذا، وبكل سهولة، وفي بضع سنين، سيتحول هذا الجسد إلى سماد للأرض، سيجد طريقه إلى شجرة مدت جذورها بالقرب منه، لتأخذ جزيئاته المتحللة إلى أوراقها وثمارها، ليتغذى عليها مخلوق آخر، أو تتحول إلى حطب يحرقه شخص ما ليتدفأ عليه .. أو تستعير ما تبقى منه كائناتٌ أخرى، لتبني بها أجسامها من جديد ..
تلك هي دورة الطبيعة التي بدأت بغبار النجوم، وذراتها التي تناثرت في عموم الكون، حتى وصلت أرضنا، وصنعت منها المواد الحية والميتة، وكانت الحل الأمثل للبيئة، فخلّصت الأرضَ من ملايين الجثث، لتنبت على أنقاضها ما لا حصر له من نباتات وطحالب وفطريات وطفيليات، ولتوزع أجزائها المتحللة على ملايين الكائنات. فكل ذرة من أجسامنا وُلدت في نجمة ما ذات يوم، ثم مرت عبر كائنات لا حصر لها حتى انتهت بالأوكسجين الذي نتنفسه.
ولكن الموت البيولوجي ليس هو الشكل الوحيد للموت .. يموت الإنسان إذا تقوقع على نفسه وانطوى على ذاته، وانعزل عن محيطه، وهاجر عالمه .. ويموت إذا لاذ برغباته وأحلامه، وجعل شهواته تطبق عليه، وتحصره في سجن الغرائز، ويموت إذا ذاب في المجتمع وخضع لنظامه وأهوائه كما تخضع الشاة للقطيع، فلا يعود له شخصية ولا رأي ولا خصوصية، ويموت إذا خسر حريته، أو فقد إرادته، أو خبَتْ عزيمته، أو تخلى عن كرامته، أو تنازل عن قيمه.
ومع ذلك، وإذا كان الموت حدثاً عادياً على مستوى الفرد، وربما حدثاً تافهاً إذا ما قيس على مستوى الشعوب والمجتمعات، فإن تاريخ الشعوب والدول ومصائرها ستبدو هي أيضا أشياء تافهة، عندما تقاس بتاريخ الأرض. فالموت وحتى لو كان حدثا فردياً، إلا أنه يجدد الحياة على مستويات أكبر فأكبر، على مستوى المجتمعات والشعوب والدول، يموت الأفراد والقادة والمفكرين ليولد آخرين مختلفين، وهو لا يتم دوما على نحو إيجابي، فقد تموت القبيلة لصالح المجتمع، وقد يموت المجتمع لصالح الطائفة.
في كتابه "لغز الموت" يحاول الدكتور "مصطفى محمود" فك طلاسم هذا اللغز من خلال فهمه لظاهرة النوم، واصفا إياها نصف الطريق إلى الموت، فيقول: "في دماغ الإنسان ثمة مفتاح كهربائي، بمجرد أن تطفئه يسود الظلام وتدخل في غيبوبة، فتمر الشخصية بحالة غرق، وتعبر إلى عوالم أخرى، ويسقط الجسد في هوّة التعب والعجز .. ويتحول الإنسان إلى شجرة، إلى شيء تستمر فيه الحياة على شكل وظائف فسيولوجية: دورة الدم، نبض القلب، التنفس، الهضم ... كل شيء يتم بطريقة آلية تلقائية، بينما الجسم ممدد بلا حراك، والعقل بلا وعي، فقد أخذ إجازة، واستلم بدلا منه العقل الباطن، ليعود به ملايين السنين إلى الوراء، ليعيش بطريقة بدائية كما كانت تعيش النباتات والسرخسيات: حياة مريحة لا تكلف شيئا ولا يصرف فيها طاقة، إلا بالحد الأدنى، أثناء النوم يموت النصف الراقي من الإنسان: شخصيته، إدراكه، وعيه، أو تختفي لتعود إلى ينبوعها الأصلي، وتلتقي هناك بخاماتها الطبيعية المجردة من الوعي، فالإنسان بالنوم يعبر نصف الطريق إلى الموت" .
إذن مفتاح حل لغز الموت والحياة يكمن في النوم. أثناء النوم يكون الجسد حاضراً بوظائفه البيولوجية، ولكن الوعي غائب، والشخصية متوارية ومختفية، فما الذي يميز النائم عن الميت ؟؟ طالما أنه في الحالتين لا وجود للعقل والشخصية والإدراك، فهل الفرق يكمن فقط في قدرة الجسد على أداء وظائفه ؟!
ليس الإنسان وحده من يموت، جميع الكائنات تموت، الأرض نفسها ستموت، وكذلك شمسها، حتى الكون برمته، ستأتي عليه ساعة يكون دمارا وهباءً منثورا، وقد قال سبحانه { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانْ }.
الحياة على الأرض اختبرت الموت الجماعي مرات عديدة، فقد تعرضت الأرض سابقا لخمسة كوارث كبرى، كانت في كل مرة تُلحق دمارا وتخريبا هائلين، وتتسبّب بانقراض معظم سكان الكوكب . الكارثة الأولى جرت قبل 443 مليون سنة، وانقرض على إثرها 60 % من الكائنات البحرية، بعض الباحثين يعتقدون أن سبب تلك الكارثة يعود إلى تغييرات جذرية في مستوى مياه البحر، في حين يعتقد البعض الآخر أن السبب هو انفجار لسوبر نوفا القريبة من مجموعتنا الشمسية. الكارثة الثانية حدثت قبل 373 مليون سنة، وأدت إلى اختفاء 55 % من الكائنات الحية، بعض العلماء يعتقدون أن سقوط نيزك هو السبب، في حين يرجّح آخرون أن السبب هو تأثير الإحتباس الحراري، وارتفاع منسوب حامض الكبريت في البحر.
الكارثة الثالثة جرت قبل 250 مليون سنة ، في فترة الانتقال من عصر بيرم الجيولوجي إلى عصر الترياس الجيولوجي، وأدت إلى اختفاء نحو 90 % من الكائنات البحرية و 70 % من كائنات اليابسة، والسبب مرة ثانية هو تأثير الإحتباس الحراري. الكارثة الرابعة حدثت قبل 200 مليون سنة، وأدت إلى انقراض 55 % من الكائنات البحرية، وكان سببها النشاط البركاني الهائل، وعواقبه الوخيمة على البيئة، وارتفاع درجة حرارة الأرض، وتأثيرات حمض الكبريت، التي تسببت في قتل أغلب الأحياء البحرية.
أما الكارثة الأخيرة فقد جرت قبل 65 مليون سنة، وقضت على 65 % من الكائنات البحرية و 18% من فقريات اليابسة، إضافة إلى كل الديناصورات، والسبب كان سقوط نيزك في صحراء المكسيك تسبب بشتاء وظلام كوني، استمرا مئات السنين.
ومن المرجح أن الحياة على كوكب الأرض تتعرض حاليا لانقراض سادس كبير، والسبب هذه المرة ليست قوى الطبيعة، وإنما هو الإنسان، بممارساته الخاطئة وتجاهله لحدود وقدرات البيئة المحيطة، وبتعدّياته المستمرة على مواردها وكائناتها. فخلال الخمسين عاما الماضية، اختفى من على وجه الأرض مئات الآلاف من الكائنات الحية، كما زاد معدل تناقص الكائنات وانقراضها 40 مرة عما كان عليه الوضع قبل مائتي عام، أما المثير في هذه الحقيقة فهو أن معدل وسرعة حدوث الانقراض الحالي تفوق سرعة أي انقراض طبيعي (كارثي) سابق ب 100ِ مرة على أقل تقدير. ففي كل 20 دقيقة تمر علينا ينقرض حيوان معين أو نبات ما فريد وذو فائدة كبيرة للبشرية. وحاليا فإن جملة الكائنات المهددة بالانقراض تصل إلى أكثر من 12 ألف نوع، من أبرزها وحيد القرن والباندا.
على أية حال، الانقراض الجماعي لعدد كبير من الكائنات ليس هو السيناريو الوحيد المحتمل لنهاية الحياة على الأرض، فهناك ما لا حصر له من السيناريوهات، وربما كانت هذه المادة المفضلة لمنتجي هوليود في الآونة الأخيرة، حيث تم إنتاج عدد كبير من الأفلام السينمائية التي تتخيل فناء الحياة الحالية، إما بعد حرب نووية، أو على إثر إعصار شمسي، أو بسبب زلزال مدمر، أو نتيجة دخولنا من جديد في عصر الجليد ... أو تتخيل بعض تلك الأفلام شكل الحياة الجديدة التي نجت من الدمار، وترسم صورة لبقايا بشر جفت من قلوبهم معاني الرحمة والإنسانية، وارتدّوا إلى بدائيتهم، وراحوا يقتلون بعضهم بعضا.
والحقيقة أن هذه الأفلام، وإن كانت خيالية، وفيها مبالغات من الصعب قبولها - على الأقل حاليا – إلا أنها مبنية في أغلب الأحيان على نظريات علمية دقيقة، فقد تصور العلماء المخاطر التي بدأت تهدد الحياة على الأرض فعليا، أو تلك المحتمل وقوعها في أي لحظة, وبسرعة خاطفة.
ومن أبرز تلك النهايات المأساوية, ارتفاع معدل درجة حرارة الأرض بمقدار خمسة درجات مئوية بسبب الانحباس الحراري، وهي حتى الآن ارتفعت بمقدار 0.7 درجة، وهذا الارتفاع الذي يبدو لنا طفيفا تسبَّبَ بذوبان الأنهار الجليدية، وانحسار مساحات كبيرة من القطبين المتجمدين، وارتفاع منسوب البحر، وجفاف أجزاء واسعة من الأراضي التي كانت زراعية وصارت صحراء قاحلة، ويقدر العلماء أن هذا الارتفاع لو تواصل أكثر، سيتسبّب بغرق كل المدن الساحلية، وبحدوث مجاعات فظيعة، وفناء معظم الكائنات.
الاحتمال الآخر للنهاية، يتعلق هذه المرة بطبقة في أعالي الجو، سُمكها يصل مـا بين 2 ~ 8 كلم، وتقع على ارتفاع 30 ~ 50 كلم، إنها طبقة الأوزون، المثقوبة حاليا، والتي يقدر العلماء أنه إذا ما اتسع ثقبها فإن الحماية التي كانت تؤمّنها من إشعاعات الشمس القاتلة - وخاصة الأشعة فوق البنفسجية - ستتلاشى، وبالتالي سترتفع درجات الحرارة كثيرا، مما يهدد كافة أشكال الحياة على الأرض، وسيسبّب الارتفاع الحراري في المحيطات الاستوائية زيادة عدد وشدة العواصف والأعاصير، وسيزيد من انتشار الأمراض المعدية في العالم، وبشكل خاص الأمراض المتعلقة بالمناخ، ومن المعلوم أن تأثير الإشعاعات فوق البنفسجية مرتبط بطول الموجات، وهذا التأثير من الممكن أن يكون على شكل حروق للجلد, أو سرطانات، أو تغير في نمو النبات، أو تغيير في شيفرة الحمض النووي (DNA)، ما يعني تولد طفرات وراثية سينتج عنها أجنة مشوهة.
ولعل أهم الأسباب التي تهدد طبقة الأوزون هي التلوث الصناعي للجو الناجم عن أكاسيد النيتروجين والمركبات المعروفة بِ "كلوروفلوروكربونات".
الاحتمال الآخر للنهاية هذه المرة آتٍ من مستوى أعلى بكثير، وتحديدا من المنطقة الواقعة ما بين المريخ والمشتري، وتسمى حزام الكويكبات، حيث تنتشر مجموعة كبيرة من الصخور المختلفة الأشكال والأحجام, السابحة في الفضاء، والتي يتراوح عددها مابين 50 ألف و 100 ألف كويكب، ويتراوح معدل أقطارها بأقل من 200 كم. وهي حتى الآن لا تشكل خطرا على الأرض، ولكن الخطر يكمن في مدارات الكويكبات التي تتقاطع مع مدار الأرض ولم تُكتشف بعد، والتي تتأثر بجاذبية الأرض والمريخ، ويقدر العلماء بوجود عشرة آلاف قطعة صغيرة منها، قد تقل أقطارها عن الكيلومتر الواحد , وهي تشكل خطرا حقيقيا على الأرض، لأنها صغيرة الحجم، بحيث يتعذر اكتشافها بالمنظار، وتصبح قريبة من الأرض، فلا تترك مجالا لعمل شيء، كضربها بالصواريخ النووية مثلاً.
ومن الممكن أن يدمر الارتطام المباشر لمثل هذه الكويكبات مدينة بأكملها في غضون ثانية واحدة، فتصبح أثرا بعد عين، ومعظم الدمار ناجم عن موجة الضغط والزلزلة التي تتبع الارتطام، بالإضافة إلى الغبار الناشئ من أثرها والذي يحجب ضوء الشمس لفترة أشهر طويلة، مما يسبب موت أعداد هائلة من النباتات والحيوانات .
وإذا عدنا للأرض، سنجد فيها عوامل تهديد عديدة وخطيرة، تنذر بفناء الكائنات وانقراضها، وفي مقدمتهم نحن البشر. فإذا تسببت الأنفلونزا العادية بمقتل نحو 20 مليون إنسان في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أي أضعاف ما قتلتهم الحرب، فإن فيروس ما - هو في علم الغيب الآن – سيكون سببا لانتشار وباء عظيم، سيخرج عن نطاق السيطرة، وسيؤدي إلى موت مليارات البشر، وما جائحات الطاعون وأنواع الأنفلونزا المعروفة، إلا مجرد بروفات تمهيدية للخطر القادم، الذي لن يبقي ولن يذر.
إذا ما تحقق أيٍ من هذه السيناريوهات التي تهدد بفناء الحياة على الأرض، فإن وقوعها وإن كان بالنسبة للكائنات كارثة الكوارث، إلا أنها بالنسبة للأرض حدثا عاديا تعودت عليه، فقد اعتاد كوكبنا على تلقي ضربات من كويكبات فالتة بمعدل مرة كل بضعة ملايين سنة، واكتشف علماء الجيولوجيا أن تدميرا بيئيا واسعا يحدث دوريا كل ثلاثين مليون سنة ، وهو رقم ضئيل بالنسبة لعمر الأرض، كما أن الحركة البندولية لمحور الأرض تجري بانتظام، وتسبب حلول عصور الجليد، وكانت آخر مرة نفلت فيها من عصر الجليد قبل 12500 عام. وهو رقم بسيط في عمر البشرية.
فمن الممكن أن ينجم عن كارثة طبيعية ما، انتهاء الحياة على الأرض، فيموت كل ساكني الكوكب، من بشر وحيوانات ونباتات، فلا تجد الحياة من يودعها، ولا من يكتب على قبرها "انتهت اللعبة Game Over"، ومع ذلك ستواصل الأرض - وبكل برود أعصاب - دورتها التقليدية حول الشمس، وستواصل رحلتها الأبدية في الفضاء الفسيح. ولكن هذه المرة بدون ركاب.
ومع كل هذه التصورات المرعبة، يثور السؤال التالي: ما الفرق بين شخص تناول عشاءه الأخير ثم خَلد للنوم ولم يستيقظ بعدها، أي أنه توفي بهدوء وسلام، حتى دون أن يشعر بموته ! وبين موتٍ يخطف حياة ملايين البشر في لحظة واحدة، نتيجة قصف نووي، أو بسبب ارتطام نيزك .. بحيث لا تتاح الفرصة لهؤلاء أن يشعروا بالألم ؟! الإجابة فقط في بلاغة الإنشاء.
ليست الحياة على الأرض الوحيدة التي يتربص بها خطر الفناء، الشمس أيضاً معرضة للموت، وما نفاذ وقودها النووي، وتحولها إلى قزم أبيض إلا مسألة وقت، قد يطول قليلا، ولكن وقوعه أمر حتمي ، وعندها سيستغرق دمار الأرض بأكملها ثماني دقائق فقط، هي المسافة بين الأرض والشمس حسب سرعة الضوء، وإذا لم تدَمَّر، ستفلت من عقال الجاذبية، وستضيع في الفضاء، حتى يبتلعها ثقب أسود.
مجرّتنا العظيمة "درب التبانة" ستواجه مصيرها المحتم بالفناء، بل أن الكون بأكمله سيواجه نهايته، عاجلا أم آجلا، وقد وضع العلماء تصورات عديدة لتلك النهايات، عالِم الفيزياء الكونية "بول ديفيز" يضع سيناريو نهاية مجرة درب الحليب، كنموذج لمصير بقية المجرات، فيقول في كتابه الدقائق الثلاث الأخيرة: "يتوهج درب التبانة بضوء مائة مليار نجم، كل نجم منها سيقع ضحية القانون الثاني من قوانين الديناميات الحرارية، وسيقضي نحبه في غضون عشرة مليارات سنة، بعد أن يستنـزف حاجته من الوقود" .
ويضيف ديفيز في موضعٍ آخر: "ولكن المجرة ستواصل توهجها، حتى بعد موت العديد من نجومها، إذْ أن نجوما جديدة ستولد لتحل محلها، وفي الأذرع الحلزونية للمجرة ستنضغط السحب الغازية، وستنهار بتأثير الجاذبية وتتشظى، وتنتج شلالا من الولادات النجمية، وتستمر العملية طالما كان فيها ما يكفي من الغاز، ولكن طالما أن النجوم الميتة ستتحول إلى أقزام بيض أو ثقوبا سوداء، فإنها لن تكون قادرة على تجديد الغاز، وستنفذ المادة الابتدائية للنجوم، وهكذا بعد موت آخر النجوم ستصبح المجرة معتمة، وبعد بضعة بلايين من السنين وبطريقة بطيئة ومعذبة ستلقى آخر النجوم حتفها، وعندها سيحل الليل مرة أخيرة وإلى الأبد" .
والمصير نفسه الذي لاقته درب التبانة تنتظره بقية المجرات، بعد أن تستنفذ طاقتها النووية، وتنطفئ شعلتها، وعندها سينتهي عصر النور بلا رجعة.
فالكون بأكمله سينتهي إما بسبب انفجاره بعد أن يتوسع إلى الحد الأقصى ، أو بسبب تقلصه تحت وطأة قوى الجاذبية، وعندما يتسارع انهيار الكون سترتفع درجات الحرارة بدوت توقف، فتنضغط المادة بقوة كبيرة، حتى تختفي معها البروتونات والنيترونات من الوجود، ولا يبقى من أثر الكون إلا سحابة الموت، ليتهيأ المسرح للكارثة الكونية النهائية، والتي ستحتاج أجزاء ضئيلة من الثانية.
في اللحظات الأخيرة من عمر الكون، ستسيطر قوى الجاذبية بصورة شاملة، فتسحق بلا رحمة المادة والمكان وتزيلهما تماما من الوجود، وتزيل معهما كل شيء فيزيائي: المكان والزمان والطاقة . وهذا هو الانسحاق العظيم الذي سيعلن انتهاء المادة، ونهاية كل شيء، وبما أن الزمن نفسه سيتوقف عند هذه اللحظة، فإنه لا معنى لسؤالنا: ماذا بعد ذلك ؟ لأنه ليس ثمة شيء بعد ذلك.
ولا معنى لأي سؤال آخر، في كون قُدِّر له أن يستنفذ زمنه بالكامل.
تذكّر أن كل تلك النهايات الحزينة ستحدث بعد موتنا بزمن طويل، فلا داعي للقلق.

المصادر:
عبد الرضا جاسم، الموت، الحوار المتمدن، العدد 3234، 2-1-2011،
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=240421
د. مصطفى محمود، لغز الموت، دار المعارف بمصر، القاهرة، ط1، 1974
وحيد محمد مفضل، هل نحن على أعتاب الانقراض السادس ؟ الجزيرة نت – المعرفة، 3/10/2004. http://www.aljazeera.net/NR/exeres/8AD6DB2E-7279-4AFF-BFF3-D8C1774AD4FC.htm
د. دوغلاس إيروين، أم الانقراضات الجماعية، مجلة العلوم – الترجمة العربية لمجلة سينتفك أمريكان، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، المجلد 13، يناير 1997.
بول ديفنر، الدقائق الثلاث الأخيرة، منشورات دار علاء الدين، ترجمة أحمد رمو، ط2، 2004، دمشق.
ناصر منذر، الكويكبات، موقع الفيزياء والكون، 28-4-2011, http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/kosmos/kosmos-0078.htm





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,624,353
- مستقبل الإنسانية
- أشكال الحياة المتاحة
- في البحث عن جدوى للحياة
- هذا العالم المجنون
- هل دخلت البشرية طور الحضارة ؟!
- ظهور الإنسان
- ما لم يقُلْه دارون
- انفجار الحياة
- أينشتاين على الخط - النظرية النسبية في فهم نظام الكون
- كيف نفهم نظام الكون ؟
- ديمقراطيات استبدادية
- لماذا لا ينتحر الرؤساء العرب ؟!
- دبي .. صورة قريبة لمستقبل بعيد
- المغرب .. البوليساريو .. وأزمات أخرى لم تحل
- السودان الجنوبي مؤامرة خارجية أم استحقاق داخلي
- السياسة الروسية في الشرق الأوسط
- الثورات العربية بين الإرادة الشعبية ونظرية الفوضى الخلاقة
- عصر الثورات العربية الأسباب والتداعيات
- الولاء والبراء والتتريس - في الفكر التكفيري
- التكفير وحرية التفكير


المزيد.....




- قراران لمصر بعد -قيادة- محمد رمضان لطائرة إلى موسم الرياض في ...
- السعودية تنوي تأجيل الطرح العام الأولي لأرامكو للاكتتاب لضما ...
- تركيا ستعلق عمليتها العسكرية في شمال سوريا شرط انسحاب القوات ...
- السعودية تنوي تأجيل الطرح العام الأولي لأرامكو للاكتتاب لضما ...
- إطلاق صواريخ -كاليبر- من الفرقاطة -الأدميرال غورشكوف-...فيدي ...
- بوتين يفتح -الحقيبة النووية-
- بعد ضريبة -واتساب-.. راغب علامة يوجه رسالة لـ-فطاحلة- لبنان ...
- قصف على محيط بلدة رأس العين شمالي سوريا بعد ساعات من إعلان ه ...
- بعد تعليق عملية -نبع السلام-.. حمد بن جاسم ينتقد موقف الجامع ...
- صحيفة أمريكية تتحدث عن -سلاح يوم القيامة الحقيقي-


المزيد.....

- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الغني سلامه - النهايات .. هلاك الإنسان، دمار الأرض .. فناء الكون