أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السينو - هل يمكن ان تكون البلاد العربية ديمقراطية















المزيد.....

هل يمكن ان تكون البلاد العربية ديمقراطية


محمد السينو

الحوار المتمدن-العدد: 3458 - 2011 / 8 / 16 - 08:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يتخبط العالم العربي في مستنقع من المفاهيم والسلوكيات التي لا يمكن أن تساعد على ولادة أي نوع معقول من الديمقراطية. من هذه المفاهيم : القوة تصنع الشرعية، الدين هو الحل، الدين أساس التشريع، حكم الفقيه، سلطة أهل الحل والعقد، طاعة ولي الأمر خشية الفتنة، العصبية الدينية والقبلية والشعوبية، الرئيس أو الملك أو الأمير الملهم، الأنظمة غير الشرعية التي تكتسب شرعيتها مع التقادم ، رئاسة الدولة حتى الموت، توريث الحكم، الشورى مكان الديمقراطية، رفض الحوار, رفض اختلاف الرأي، الرضوخ للواقع كقدر، الاتكال على الله لحل مشاكلنا...
تتدخل الحكومات العربية غير الديمقراطية في كل مستويات حياة شعوبها: توجه السياسة والاقتصاد والتعليم والفنون. وتجعل من الدين أداة دعاية لها. لقد حجمت هذه الحكومات التعسفية إرادة الجماهير وجعلت منهم قطعانا يمكن تحريكها بسهولة أكبر. أبعدت الحكومات شعوبها عن المساهمة الفعّالة في السياسية منذ أجيال كثيرة. "فبركت " أجيالا من المسيرين المطيعين لتقديس حكامها والرضوخ لهم دون أي مساءلة.
عدم ممارسة الديمقراطية أوجد فراغا هائلا في ثقافة المواطن العربي. هناك "أميّة سياسية" في عقل المواطن. تداول السلطة وتشكيل أحزاب سياسية مدنية يعتبر في مفهوم البلد خروج وتحدي لعبقرية الحاكم. حرية التعبير ونقد الحاكم، كل هذا غير متداول في ممالك العرب.
المجتمع العربي المعاصر هو جزء من العالم الحديث فمن الضروري لتقدمه أن يشاركه قيمه وتطلعاته وهمومه. فموضوع الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية هي تراث البشرية جمعاء. أي حديث عن "خصوصيات" عربية في هذه المجالات الحيوية تبدو حججا واهية، الهدف منه كما تظهر الوقائع، هو تبرير سلوك الحكام ضد المواطنين، بالسيطرة على مصيرهم وعدم إشراكهم فيما يخصهم من حقوق سياسية واجتماعية والإبقاء على مصالح هذه الطبقات الحاكمة وأعوانهم الذين ينهبون خيرات البلاد.
رد فعل الرجعية العربية في السياسة وفي الدين، الرافض لأي رجوع للديمقراطية بحجة أنها "مفهوم غربي"، هو موقف غير معقول، لأنه ينفي عن العرب إمكانية مشاركتهم بالتجربة الإنسانية ويفصلهم عنها وكأن للعرب يعيشون في عالم مغلق.
الحكم الديني يستند الى عقائدية مطلقة وشمولية. يحاول تفسير كل شيء، بماضيه وحاضره ومستقبله ويرى أن "الدين هو الحل" الأمثل لتسيير شؤون العالم. لذا فلا مكان لغيرها من الأفكار غير المنسجمة معه، مما يؤدي حتما إلى صراع دائم مع "الآخرين" وإلى ديكتاتورية وطغيان واستعباد. فكل خلاف معها يصبح كفرا وخروجا عن الصراط المستقيم. هذا الفكر الديني السياسي والشمولي والمتكبر والمتعجرف، يحرّم كل من لا يسير في رحابه. يستعمل الغلو والتزمت والانغلاق ويأمر بالطاعة الكاملة. فهو غير قادر على قبول التعددية لا بالفكر ولا بالسلوك، لا يقبل تداول السلطة بشكل شرعي بين أحزاب متعددة، إلا إذا كانت مرحلية وفي مصلحة وصوله إلى الحكم، ومن ثم القضاء النهائي على التعددية الديمقراطية. فالتعامل مع غير "المؤمنين" به وباتجاهاته الدينية يصبح بحكم المنطق التيوقراطي تعاملا بمعايير غير التي تعامل بها جماعاتهم. فالقوانين تصبح مجحفة بحق "الملل" والمذاهب الأخرى والأقليات وغير المؤمنين الكفّار ... وتزول نهائيا المساواة بين المواطنين.
التعنت والتعصب الديني ناتج أيضا عن الصراع على السلطة بين التيوقراطيين الذين يتحركون غالبا ما تبعا لطموحاتهم الخاصة بتسخير الدين لغايات سياسية، مما يؤدي إلى شرذمة في الدين الواحد لظهور مذاهب متعددة وشيع وأحزاب دينية مختلفة والتي تصل في أغلب الأحيان، وهذا هو الخطر الأكبر، إلى صراع وحرب معلنة على بعضها البعض. كل فريق يدعي ملكية "الحقيقة الإلهية" الكاملة لتسيير أمور الناس في هذا العالم وفي العالم الآخر. يرى في الآخرين " خوارج" إن لم يكن كفارا يجب محاربتهم أو على الأقل ضبطهم بالقوة ليعوا الحقيقة. ,هم يميلون إلى المزايدات في دعوا تهم لدرجة الخروج عن بديهيات العلاقات الإنسانية والتي تؤدي في بعض الظروف إلى جرائم وحشية. كل هذا تحت شعارات دينية. حركة الطالبان وحركة القاعدة وكثير من الحركات الجهادية الدينية المنتشرة في كثير من البلاد العربية والإسلامية وحتى الغربية أطهرت وجها بشعا للدين. وعراق اليوم بعد الغزو الأمريكي مثلا فاضحا لهذا التعصب الناتج خاصة عن اقحام الدين بالسياسة.
الحكم الديني من الناحية السياسية والعملية، بسبب جموده العقائدي، لا يستطيع تسيير أمور الدولة. تعقد مشاكل الدولة الحديثة من سياسية واقتصادية وعلمية وثقافية وعلاقات دولية تحتاج بالأحرى إلى عقليات منفتحة ومرنة للتعامل مع دول وشعوب ذات معتقدات وديانات مختلفة. وتحتاج خاصة إلى أخلاقيات عامة متعارف عليها في القوانين الدولية لتحسين رفاهية الشعب وضمانة استقلاله والعمل لحسن الجوار وللسلام العالمي.
ستبقى التناقضات المتعددة موجودة في كل المجتمعات البشرية. تضارب المصالح لفئات الشعب الواحد موجودة حتى في أصغر خلية اجتماعية. لحل هذه الصراعات، إما العودة إلى شريعة الغاب؛ الأكبر والأقوى والأغنى هو الذي ينتصر وله " الحق" لأنه يملك القدرة على السيطرة؛ فالقوة هي التي تصنع الحق. وإما التحول إلى سلوك أسلم يأخذ بالقانون العادل للتحكم في الخلافات الاجتماعية. سيادة القانون هذا لا يمكن تطبيقه إلاّ في الأنظمة الديمقراطية فقط. لأن الجميع سواسية أمام القانون، لا امتياز لأحد على الآخر ولأن هناك آليات لحصول الفرد على حقوقه بشكل مشروع.
إطاعة القانون في الأنظمة الديمقراطية لا تلغي الصراعات بل تحد من عنفها وتقلل من سلبياتها المضرة والعقيمة. لأن الناس يلجأون إلى تحكيم قوة القانون وليس إلى قوة الأفراد.
إطاعة القانون في المجتمع الديمقراطي فضيلة اجتماعية وأخلاقية لأن للقانون قيمة تعلو على الفرد لأنها لمصلحة كل الأفراد في المجتمع. القانون يحدد أصول معاملات الناس ما بينهم وكيفية حل خلافاتهم بشكل سلمي. إطاعة القانون يرفع من قيمة المواطن لأنه يشارك الآخرين في الحفاظ على السلام الاجتماعي وهو دليل قاطع على حسن سير الديمقراطية. فتربية المواطنين على سلوك وأخلاقية ديمقراطية تهذبهم لمعرفة حدودهم في معاملاتهم مع الآخرين.
الفلسفة والعلوم الإنسانية والفن تمكّن ممارسيها المستقلين والأحرار، فهم المشاكل الإنسانية فهما متعمقا وجليا ومتعدد الجوانب. هم قادرون على نقل رؤيتهم وتصورهم للأحداث بشكل أكثر وضوحا. دورهم الثقافي هام للغاية لمساعدة مواطنيهم ليخرجوا من انعزالهم المفروض عليهم قسرا في أغلب دولهم ومجتمعاتهم العربية وخاصة في ميدان الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. حرية المواطنين يجب أن يكون لها القيمة المطلقة في الدولة واعتبارها يتجاوز حدود البلد والسيادة الوطنية.
وجود الانترنيت أعطى للمفكر العربي داخل بلاده إمكانية ممتازة لنشر أفكاره بشكل واسع وطرح أفكار جديدة واستراتيجيات لتغيير ديمقراطي بطرق سلمية. لكن الكلام بحرية داخل الأنظمة الاستبدادية، يحتاج إلى شجاعة كبيرة. لأن "مخابرات" هذه الدول هي دائما "ساهرة" وجاهزة لإسكات الأحرار، بالإرهاب والسجن والتعذيب وحتى القتل.
بالنسبة إلى المثقفين والفنانين العرب الذين يعيشون خارج العالم العربي، فهم يستطيعون توعية المواطنين العرب سجناء الأنظمة الاستبدادية، بالكلام والنشر، للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان على كل منبر وفي كل مناسبة. هم أكثر حرية من إخوانهم داخل البلاد العربية ولهم إطلاع وعلم وتجارب واقعية في مجتمعاتهم المتقدمة. شهاداتهم عن ميّزات الديمقراطية لها تأثير كبير على المحرومين منها.
دساتير الديمقراطيات تحمي المفكرين والفنانين العرب فيها من أي تعد على حرية آرائهم. هذا التعدي يظهر فقط من قبل "عملاء" الأنظمة العربية المستبدة المتغلغلين في أوساط الجاليات العربية. من الضروري فضح المخبرين ليكفوا عن تخويف الأحرار. وفي حال الضرورة إطلاع السلطات المختصة في هذه البلاد الديمقراطية لأخذ الإجراءات اللازمة بحقهم. مع العلم أن تجنس المخبرين لا يسعفهم في حال ثبات تهمة العمالة والتآمر على المواطنين. ويمكن في بعض البلدان سحب الجنسية عنهم. من الضروري أيضا فضح أي موظف في بعثات الدول الديكتاتورية في تجسسه على المفكرين الأحرار.
ما البديل عن النظام الديمقراطي؟ بديل الديمقراطية نقيضها أي النظام الديكتاتوري الشمولي والسلطوي، علمانيا كان أو دينيا، الذي يملي على الناس في كافة أنشطتهم نوع التفكير والسلوك. هذا النظام يدوم بدوام أصحابه وسلالتهم من عشيرة أو ملّة أو طائفة أو فئة...
رغم كل سلبيات الديمقراطية فهي أرقى من النظام الديكتاتوري وأقرب إلى أماني الشعوب المتعطشة إلى الحرية والحياة الكريمة. سلبيات حكم الفرد والفئة ظاهرة بوضوح، هذا النوع من الحكم يعمل لصالح فئة صغيرة بالدرجة الأولى، ويضع بقية الشعب تحت الوصاية ولا يعتبره راشدا لتسيير أموره وتقرير مصيره. ولكن هذا النظام عن طريق غسل الدماغ عن طريق أبواقه الإعلامية يدعي الإصلاح والعمل لخدمة الشعب!
عندما تُستبعد الرقابة على الحاكم يصبح من السهل الانزلاق الى ميدان التعسف وهدر طاقات البلد والعنجهية والسياسات غير المعقولة، كما رأينا في عراق صدّام وفي رومانيا شاوشيسكو وفي كثير من بلادنا العربية وفي بقية العالم الثالث.
الديكتاتورية مكتفية بنفسها ومشبعة من ذاتها تملك الحقيقة والرشد والمؤهلات للحكم المطلق لصالح الشعب. في هذه الاجواء المغلقة يصبح الكذب وتلفيق الحقائق والنفاق والمحسوبية الثقافة المنتشرة عند الحاكم ومن يدور حوله من المنتفعين.
موضوع التحول إلى الديمقراطية في الأنظمة الديكتاتورية تكمن أساسا في إرادة الناس وشجاعتهم. كل تحول ما، يتطلب مجازفة وتضحيات كبيرة . إرادة التغيير عند شعوب أوروبا "الشرقية" في التسعينات من القرن العشرين مثلا، تمت ونجحت بشكل سلمي، تبعا لإستراتيجية التثقيف الديمقراطي المتواصل والعصيان المدني والمظاهرات والإضرابات.
أما في دول العالم الثالث فالطريق أكثر صعوبة لقلة وضعف الثقافة الديمقراطية. لأن تبديل أو تطوير الفكر والسلوك عملية شاقة وطويلة تحتاج إلى وعي كبير وصمود أكبر. فالقوى الفاشية التي "تملك" البلد وتستفيد من تسلطها السياسي والاقتصادي لن تتنازل عن "مكاسبها" وامتيازاتها بل سوف تقاوم بكل ما تتيحه لها الدولة من جبروت للبقاء و ستحاول القضاء على المطالبين بالتغيير والإصلاح. رغم هذه الصعوبات الجّمة، هناك بوادر ايجابية مساعدة لتسريع الوعي الديمقراطي للشعوب المقهورة. فالإعلام العالمي، بلا حدود، أصبح متوفرا لكافة سكان الارض لمساعدتهم لمقارنة الأنظمة ما بينها وتبيان الفروق الكبيرة في احترام حقوق الإنسان.
العيش في نظام ديمقراطي حديث العهد، لا يعني أن مشاكل البلد سوف تحل تلقائيا وبشكل سحري، بل قد تتحول الامور، غالبا في بداياتها، إلى صراعات طبقية ودينية... تبعا لمصالح أصحابها. ومن المحتمل أيضا، بسبب سوء الإدارة السياسية والاقتصادية، إلى إحباط الناس من الديمقراطية التي لم تجلب معها تغييرا مرتجى.
الديمقراطية تحتاج إلى عمل متواصل وإلى وقت طويل وصبر أطول. ثمار الديمقراطية لا تجنى على المدى القريب. فهي ثقافة تهذب الفكر والسلوك للعيش مع الآخرين واحترامهم رغم الخلافات العميقة بين طبقات المجتمع سياسيا واجتماعيا. وقبول مبادئ تحول السلطة من فريق إلى آخر بشكل سلمي. تحرر العقول من الخوف يخلق أجواء أكثر ملاءمة لمقاومة إعادة الاستبداد والعمل لإصلاح الامور في الدولة الديمقراطية الفتيّة.
إن كان من الصعب إيجاد حلول شاملة وسريعة في النظام الديمقراطي فإنه من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل، كما يبرهن لنا التاريخ الحديث، إيجاد حلول سليمة ودائمة في ديكتاتوريات سياسية وعسكرية تفرض حكم الأقلية عن طريق الأقلية ولصالح هذه الأقلية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,163,884,718
- نصائح الى المعارضة و المولاة في برنامج البالتوك
- قانون الاحزاب و تطبيقه في سوريا
- ما هي المعارضة و المولاة في برنامج الانتيرنيت بالتوك


المزيد.....




- زلزال بقوة 6 درجات يضرب إندونيسيا
- عشرون قتيلا على الأقل في هجوم لطالبان على قاعدة عسكرية في أف ...
- الاحتلال يقتل فلسطينيا بذريعة محاولته طعن جندي
- قادرة على شن ضربة نووية... الكشف عن قاعدة صواريخ سرية في كور ...
- صور.. -قمر الذئب الدموي- حول العالم
- دراسة: لا تحمم طفلك فور الولادة
- باحثون: صعود السلالم يحسن صحة القلب
- البشير في قطر وسط احتجاجات في عموم السودان
- ثروة أغنى أثرياء العالم تزداد 2.5 مليار يوميا
- هدنة بين فصائل ليبية في محيط طرابلس


المزيد.....

- إسرائيل، والصراع على هوية الدولة والمجتمع - دراسة بحثية / عبد الغني سلامه
- صعود الجهادية التكفيرية / مروان عبد الرزاق
- الكنيسة والاشتراكية / روزا لوكسمبورغ
- مُقاربات تَحليلية قِياسية لمفْعول القِطاع السّياحي على النُّ ... / عبد المنعم الزكزوتي
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية. / محمود الصباغ
- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السينو - هل يمكن ان تكون البلاد العربية ديمقراطية