أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - لحسن ايت الفقيه - حصيلة الاستعمار الفرنسي في المغرب






















المزيد.....

حصيلة الاستعمار الفرنسي في المغرب



لحسن ايت الفقيه
الحوار المتمدن-العدد: 3455 - 2011 / 8 / 13 - 14:35
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


عن كلمات للنشر والطباعة والتوزيع المغربية صدرت، في الشهور الأخيرة، الطبعة الثانية من ترجمة كتاب (حصيلة الاستعمار الفرنسي في المغرب). وكانت الطبعة الأولى صدرت في شهر أبريل 1985 عن دار الخطابي للطباعة والنشر، ضمن سلسة معرفة الممارسة تحت عنوان (المغرب والاستعمار، حصيلة السيطرة الفرنسية). وأما الكتاب فقد صدر باللغة الفرنسية تحت عنوان(Le Maroc. Bilan d’une colonisation) عن دار النشر (Editions sociales) بباريس 1956. انقطع لترجمة الكتاب الأستاذان عبد القادر الشاوي، ونور الدين سعودي. وتشتمل الطبعة الثانية من الكتاب ستة أقسام استغرقت 27 فصلا، و359 صفحة من الحجم الكبير.
ولأن الكتاب (ظل مرجعا أساسيا يستقطب كافة القراء والباحثين المهتمين بالتحولات التي عرفها المغرب خلال الاستعمار الفرنسي)، كما ورد في تقديم ترجمة الكتاب العربية، فإنه فوق ذلك يستحق المراجعة في كل منعطف تاريخي يمر به المغرب، لا لأنه يحوي معلومات ذات قيمة تاريخية، بل لأن الكتاب في حد ذاته مقال في المنهج، ولو أن الكاتب لم يقف لبيان المنهج، في متن الكتاب. وحسبنا أن ألبير عياش مناضل نقابي انخرط في نقابة الأساتذة بالمغرب (وأصبح عضوا فعالا في نقابة الكونفدرالية العامة للشغل، كمناضل وباحث، واهتم بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مما جعله يتعرض لتعسف السلطات الاستعمارية، التي أقدمت على طرده من المغرب سنة 1953)(ص11 من المرجع المذكور)، فلا يمكن أن يفكر في معزل عن مرجع واحد ووحيد، المادية التاريخية. وقبل ذلك فالكتاب، في أصله، (أطروحة جامعية في موضوع الطبقة العاملة المغربية)، لكن رغبة ألبير عياش، كما ورد في مقدمة الترجمة العربية (اصطدمت بتحفظ الجهاز الجامعي الفرنسي، فتحول المشروع الأصلي إلى صيغة الكتاب) الذي بين أيدينا.
سنركز في هذه القراءة، في الغالب الأعم، على المنهج، وخاصة أسلوب تفكيك البنية التقليدية المغربية، مع الوقوف قليلا عند الفصول والفقرات التي تتطلب قليلا من التمييز والنقد.
يلمس من تحليل ألبير عياش أن النظام الرأسمالي، بما هو نظام اقتصادي اجتماعي، لا يمكن أن يستمر ويسترسل إلا في وسط مؤهل لاحتضانه، بعد تفكيك بنيته السوسيو اقتصادية بحيث ينجر عن هذا التفكيك وجود طبقة تملك وسائل الإنتاج وطبقة مؤهلة للعمل في المصانع والمعامل والاستغلاليات الزراعية. فالاستعمار تناقض خارجي قوي غير البنيات التقليدية المغربية بتفكيكها، في اتجاه غير صحيح لغاية (وضع الاقتصاد المغربي في فلك الرأسمال الفرنسي والدولي)(ص12).
تناول ألبير عياش في القسم الأول من الكتاب بلاد المغرب وسكانه، حيث وقف عند البيئة، والتاريخ، والحضارة، ليبدأ في الحفر في المنعطفات التاريخية التي عرفها المغرب في علاقته مع الاستعمار، وفي هذا القسم وقف كثيرا في تاريخ المغرب في القرن التاسع عشر حيث تقدمت البلدان الرأسمالية في تفكيك البنية التقليدية المغربية ليختم القسم بفصول نهاية استقلال المغرب في سنة 1912.
لئن وقف ألبير عياش عند تشكل الشعب المغربي في الفصل الثاني من القسم الأول، بما (هو نتاج خليط من السكان)، فإن تشكل الدولة المغربية والشعور الوطني، يرجعه الكاتب إلى القرن الحادي عشر، مفصحا أن (يوسف بن تاشفين المرابطي 1063-1106م، هو الذي وحد التراب المغربي في إطار حدود ستظل، رغم بعض التغيرات هي الحدود النهائية للبلاد)، ولو اعترف (أن الخطوط الأولية لمملكة مسلمة في الشمال المغربي، قد رسمت من طرف الأدارسة) (ص35). ولا جناح على المؤرخ ألبير عياش، لأنه غير مدعو للإجابة عن واحد الإشكالات الثلاث التي طرحت في تاريخ المغرب القديم، إشكالية الدولة المغربية، إشكالية عصر البرونز، إشكالية الحضارة المغربية، وهو غير مدعو للوقوف كثيرا عند التناقض الداخلي، مادام التناقض الخارجي هو قطب الرحى وبيت القصيد. ولا شك أن هذه الإشكالات حصيلة الغزو الأجنبي للمغرب الذي كاد أن يطمس الهوية الثقافية المغربية، ما دام الحديث مخصصا للحصيلة. وتناول المؤرخ ازدهار المغرب المادي النابع (من نمو التجارة البعيدة المدى) حيث (كانت المبادلات تتسم بنشاط خاص مع إسبانيا والمراسي الأوروبية الموجودة بالبحر المتوسط والسودان)(ص36)، وهو ازدهار عقبه انحطاط في أواسط القرن الرابع عشر لظهور بعض التحولات، تمثل الانحطاط ( في الضعف الذي لحق بالبرجوازية التجارية الغنية والقوية التي لم تتمكن من استكمال عملية التوحيد الاقتصادي والسياسي للبلاد..)(ص40) فضلا عن (الغزو الثلاثي، الإسباني، والبرتغالي، والتركي خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر)(ص40)، وكذا (الضعف الذي لحق التجارة الصحراوية، وتفوق الأساطيل الأوروبية، التي حرمت على المسلمين، ابتداء من القرن السابع عشر، الملاحة الحرة في المتوسط والأطلسي). وكل هذه التحولات ساهمت، إلى جانب احتلال الشواطيء المغربية، (في تفكيك التيارات التبادلية التقليدية)(ص40)، وكذا (تفكيك التيارات الاقتصادية الكبرى التي كانت تغذي القوة الاقتصادية المغربية في القرون الوسطى، وإلى دفع الشعب المغربي إلى الانغلاق على ذاته) (ص41)، رغم محاولة المنصور السعدي الجادة، في تحقيق الانفتاح. وكان احتلال فرنسا لجزء كبير من السودان الغربي في القرن التاسع عشر سببا في انغلاق المغرب التام.
اتخذ ألبير عياش البنية التقليدية المغربية المغلقة، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، مجالا للانطلاق، حيث أفرد لها الفصل الرابع. فالمغرب في النصف الأول من القرن التاسع عشر خال مما (يدل أنه دولة عصرية، إذ أنه حافظ على مظاهره كبلد قروسطي، ذي طابع بدوي، حيث أدخل فيه النمط الترحالي بعض مميزات الاقتصاد البطريركي)(ص44). وأما الفصل الخامس فتناول المغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث شرع في تفكيك البنية التقليدية المغلقة المذكورة في الفصل الرابع.
بعد إضعاف المغرب بتطويقه، دخل وقت التفكيك ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى حدود 1920، إذا استحضرنا أن التفكيك، لمس البنية السوسيو اقتصادية دون النظام السياسي. ومن أسباب تفكيك البنية (التغلغل المالي الذي أدى إلى فرض الحماية الفرنسية على المغرب بسمة متميزة، لأنه نظم ووجه من طرف معظم المجموعات المالية المنضوية في «كونسورسيوم»، حظي بدعم الأوساط العسكرية والدبلوماسية للحكومة التي كانت تسيطر عليها) (ص81). فالتغلغل العسكري طال ما يسبق التغلغل المالي. وحسبنا أن الغارات الفرنسية تعاقبت (على التراب المغربي خلال الفترة الممتدة من سنة 1844 إلى سنة 1870) (ص52). ذلك أنه بعد (أن سحقت جيوش حكومة لويس فيليب السلطان عبد الرحمان في معركة إسلي.......قامت بفرض معاهدة لالة مغنية التي رسمت الحدود بين البلدين [المغرب والجزائر] عبر بوند غامضة) (ص52)، استغلت أسوأ استغلال لاحتلال جزء كبير من الجنوب الشرقي المغربي، التوات، كورارة، القنادسة، بوذنيب سنة 1907. و(أما إسبانيا فلم تبق مكتوفة الأيدي، إذ قام جيشها المكون من 50000 جندي باحتلال تطوان سنة 59-1860 ) (ص53)، وفرض غرامة على المغرب تقدر ب 20 دورو (100 مليون فرنك فرنسي مما دفع المغرب إلى الاقتراض من الأبناك الإنجليزية. وتنبغي الإشارة إلى أن حرب تطوان كانت لتزكية التغلغل المال ودعمه وتعميقه، لأنها فتحت المجال للقروض الأجنبية.
وهناك وجه آخر للتغلغل الأوروبي الاقتصادي والمالي يتمثل في المعاهدات. وفي هذا الصدد سجل ألبير عياش أنه (إلى حدود بداية القرن التاسع عشر، كانت جميع « معاهدات السلم والصداقة» المبرمة من طرف المغرب، تفضي إلى التعامل بالمثل، كما هو شائع بين دول ذات سيادة ومتساوية، إلا أن مضمون هذه المعاهدات تغير فيما بعد ) (ص53). ومرد ذلك التغيير إلى إدخال بند الدولة المفضل (مما سمح للدولة الأجنبية الموقعة عليها بالتمتع بامتيازات من جميع الأنواع التي كانت بالإمكان منحها فيما بعد لدول أخرى. وقد سمح هذا البند لجميع الدول العظمى، التي عقدت معاهدات مع المملكة الشريفة بالتمتع بما نصت عليه الاتفاقيات الإنجليزية المغربية بتاريخ 9 ديسمبر 1956) (ص54)، والتي حوت أيضا رفع الحواجز وإلغاء الاحتكارات، مما فتح المجال أمام تجارة حرة أغرقت الأسواق المغربية بالبضائع الأوروبية. وتلك بداية تراجع الصناعة التقليدية المغربية. ومن جانب آخر، (أدخلت هذه الاتفاقيات تحولات خطيرة على سلطة القناصلة... حيث مددت صلاحياتهم للنزاعات التي قد تبرز بين رعايا ملك انجلترا ورعايا السلطان. وبالتالي، أصبحت القضايا تسحب من القضاء القنصلي كلما كان أجنبي طرفا فيها)(ص54)، واتسعت الحماية القنصلية لتشمل المغاربة مما انجر عنه وجود (مغاربة خارج نفوذ قوانين بلادهم) (ص54)، ليشكلوا عملاء لتغلغل القوى الأجنبية. وتعد الحماية القنصلية واحدا من أسباب الفوضى، التي ضربت تماسك الدولة المغربية في أواخر القرن التاسع عشر. ولا يفتأ ألبير عياش يقف عند مقاومة المغاربة، في كل منعطف تاريخي، حيث وفق هنا عند يقظة السلطان الحسن الأول بمحاولته التراجع عن امتياز الحماية القنصلية، لكن بدون جدوى، لأن مؤتمر مدريد سنة 1880، حافظ عليها وأوصى بها، وبتحديث (جيشه وإنشاء ترسانة عسكرية ليتمكن من الصمود أمام الجيوش الأوروبية) (ص55).
وبعد مؤتمر مدريد تبين للدول المستعمرة (اسم الفاعل)، أن المغرب يكاد أن يكون مهيأ للاستعمار المباشر بعد تلقيه عدة ضربات، لذلك أضحى موضوع الخلافات والتوافقات الدولية. فمن ذلك تنازل فرنسا عن مصر لصالح بريطانيا مقابل تنازل هذه الأخيرة عن المغرب (معاهدة 1904). وانصب النقاش في مؤتمر الجزيرة الخضراء على (أمن مراسي المملكة الشريفة) (ص70). وباختصار استمر التفاوض على المغرب إلى عشية توقيع معاهدة الحماية سنة 1912.
استمر تفكيك البنية المغربية بعد التوقيع على معاهدة الحماية كما هو مفصل في القسم الثاني من الكتاب. وذلك بفرض نظام مهيأ لخدمة التغلغل الرأسمالي، استغلال الأرض، وضرب الملكيات الجماعية، وضمان الأمن وتوفير اليد العاملة. وكان من المفروض الاعتراف بنظام الحماية على مستوى الشكل لكن على مستوى الواقع (انتصرت الإدارة المباشرة في كل مكان، وأصبح المغرب مستعمرة خالصة)(ص86).
ويعنينا أنه طيلة العقد الأول من الحماية الفرنسية نشرت بعض الظهائر لهدف تفكيك البنية التقليدية أو لهدف (منح الأوروبيين ما كانوا يطالبون به من ضمانات لهم ولنشاطهم التجاري وثرواتهم) (ص90)، من ذلك ظهير التسجيل العقاري (التي كان ينتظرها أولئك الذين حصلوا أثناء سنوات الاضطراب التي تلت احتلال وجدة والإنزال في الدار البيضاء سنة 1907 بطرق مشكوك فيها على أملاك مدنية وقروية..بمعنى أن نظام التسجيل سيؤدي إلى إلغاء الصفة الوطنية عن الأرض سواء كانت في ملك المغاربة أم في كملك الأوروبيين) (ص90). وفي الوسط القروي (كان الهم المباشر للنظام الجديد هو مساعدة الأجانب على تملك الأراضي المغربية وإضفاء طابع نهائي على هذا التملك، من خلال دعم الملكية بضمانات غير متنازع فيها قانونيا. وكان هو موضوع ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بتسجيل المحافظة العقارية سنة 1913) (ص153). وكانت نتيجة نظام المحافظة العقارية تجريد معظم الفلاحين من أراضيهم مما هيأهم للعمل في ضيعات المستعمرين أو الهجرة إلى المدن بحثا عن العمل في المعامل. ولم يغفل ألبير عياش الوقوف عند ظهير 9 أبريل 1919 الذي وضع أراضي الجموع تحت وصاية مجلس الوصاية الذي يمكن له (أن يعطي إيجارات طويلة الأمد... ويحول هذه الكراءات إلى انتفاع دائم حسب طلب المكترين. ويمكنه أيضا السماح بتملكات لفائدة الدولة بدافع المصلحة العمومية أو بهدف إنشاء مساحات للاستعمار)(البند 10 من الظهير المذكور). ودون الوقوف عند كل الفصول المتعلقة بالصناعة الاستخراجية والتجارة والنقل، يمكن القول أن النظام الرأسمالي وجد بيئة ملائمة في المغرب بعد خلق شروط اقتصاد تبعي، رغم بعض العوامل التي أضعفته كالأزمة العالمية، ما بين 1929 و1935، والحرب العالمية الثانية. ونسجل أن التفكيك لم يلمس كل البنية التقليدية المغربية. ذلك أن نظام الحماية حافظ على الازدواجية في كل المجالات، حيث حافظ (على زعامة القادة المحليين مثل القواد الكبار بالجنوب المغربي، وأشهرهم الكلاوي. وقد تم التأكيد على سلطاتهم التي حصلوا عليها حسب العادة بنهب واستغلال القبائل)(ص215). وحافظ الاستعمار كذلك على النظام القبلي ودعمه في الجبال، كما في السهول.
وخص ألبير عياش الفصل الخامس من كتابه لمخلفات الاستعمار، أي نتيجة تفكيك البنية التقليدية وإنشاء بنية أخرى إلى جانبها، من ذلك(وجود جالية اوروبية، وسرعة التمركز الحضري والتغيرات التي لحقت بشروط عيش المغاربة وعلاقاتهم الاجتماعية وذهنيتهم) (ص245). فالاستعمار الفرنسي، بما هو نظام اقتصادي واجتماعي غير التشكيل الإثني المغربي باستقطاب عناصر متنوعة (الإفريقيون الشماليون، الجزائريون والتونسيون المسلمون) بلغت 43000 شخصا (ص249). وهناك الجالية الأوروبية، وهناك الوهرانيون الذين (استولوا على الأراضي وأسسوا مركزي بركان وأحفير... وعمروا وجدة..)(ص250). وأما أقوى الجاليات الأوروبية فتتألف (من الإسبان والإيطاليين والبرتغاليين) (ص250). وقدم ألبير عياش بيانات تتععلق بالتركيب المهني (ص252) والدخل الوطني المغربي (254)، وحصة الاستعمار، شرائح الاستعمار، الاستعمار العقاري. ولم يغفل التشكيل الاجتماعي كالبرجوازية الكبرى التي تتكون من وكلاء الرأسمال الفرنسي الكبير في المغرب، ورجال الأعمال، وأرباب العمال الكبار. ولقد أجمع هؤلاء (على قهر العمال)(ص259). وهناك شرائح اجتماعية أخرى كالبرجوازية الصغيرة والمتوسطة والتي تتكون من التجار وأرباب الورشات والشركات) (ص261)، وعمال المصالح العمومية الكبرى، وموظفي المصالح ذات الامتياز. وهناك الطبقة الوسطى من التجار وأرباب العمل والمعمرين الصغار. وركز الفصل الثاني والعشرون على التمركز الحضري الذي يعد (المظهر الأكثر إثارة في أشكال النشاط الجديد التي أدخلها النظام الاستعماري..... فأنشئت المصالح الإدارية للحماية وموظفيها ومؤسسات القرض، ودور التجارة، والشركات الصناعية في المدن) (ص 266). كما تكونت مراكز جديدة أوجدتها احتياجات لم تكن معروفة في المغرب القديم، مثل المراكز المنجمية، جرادة، خريبكة، والموانئ، القنيطرة، والمحطات الجبلية، إفران) (ص266). وهناك في المدن الأحياء القديمة والأحياء الأوروبية ومدن الصفيح. وتناول ألبير عياش في متن الفصل الثالث والعشرين الاستعمار والمغاربة مركزا على تشكيلهم المهني وظروف عيشهم معتمدا في ذلك على إحصائيات وبيانات ليخلص إلى (أن الأوضاع العامة لعيش الشعب المغربي بين 1930 و1936 كانت متفاقمة، ....وأن استهلاك المغاربة من السكر والحبوب والنسيج لم يتجاوز في عام 1952.... ما كان عليه عام 1938، فترة الأزمة..)، وأن حالة بؤس البروليتاريا عام 1938 بلغت(درجة ما بعد درجة) (ص296). وحاول ألبير عياش إبراز ظروف سكان البوادي الذين (يعيشون ويشتغلون في نفس ظروف القرن 19) (ص300)، وذلك لعدة أسباب، أهمها انتزاع الأرض، حيث سلب منهم (جزء من أخصب أراضيهم) (ص301)، وتمركز الملكية (بين ايدي الاستعمار الكبير و«الأعيان» والملاكين المتوسطين والكبار)(ص304). وأما السكان المغاربة القاطنون في المدن فيتشكلون من (البرجوازية الكبرى...والبرجوازية الصغيرة.. والبروليتاريا) (ص306). ولم يغفل ألبير عياش الإشارة إلى الوقاية الصحية والتعليم في عهد الحماية الفرنسية.
بعد تحليل الواقع الناتج عن الاستعمار الفرنسي للمغرب، كان من المفروض أن يتناول ألبير عياش الجانب النظري، أو بالتالي البنية الفوقية، علما أن هذه البنية تتأثر أشد التأثير بالبنية التحتية وفق المادية التاريخية. ولقد فضل أن يقدم فقط نموذج الحركة الوطنية في القسم السادس دون الحاجة إلى تفصيل القول في الإيديويلوجيا الكولونيالية، وخاصة سياسة الاستيعاب الفرنسية الرامية إلى إدماج شمال أفريقيا بفرنسا. تناول في الفصل الخامس والعشرين المقاومة المسلحة ما بين 1912 و1934. وفي الفصل السادس والعشرين ذكر المعارضة السياسية الحضرية وحركة الإصلاحات وهي معارضة إيديولوجية قائمة على استياء الطبقات الوسطى بعد الرخاء العابر الذي أحست به ما بين الحربين، (لذلك تفاقمت المشاكل التي كانت تعاني منها بسبب الأزمة التي أضعفت الاقتصاد المغربي الجديد، كما أضعفت في نفس الوقت، الاقتصاد العالمي) (ص333). ولقد سبقت الإشارة إلى أوضاع الصناع التقليديين (الذين كانوا يمثلون وقتها أكثر من ثلث سكان المدن....كانوا يعانون من مزاحمة المواد المصنعة المستوردة، ومن ضايع الأسواق التقليدية مثل الجزائر والسينيغال، هذا فضلا عن تقلص القدرة الشرائية لزبنائها القرويين والحضريين) (ص333). وهناك أيضا ظهير 16 ماي 1930 الذي (أثار موجة من الاحتجاج أدهشت الإقامة العامة بسرعتها وقوتها. وقد أظهر هذا الاحتجاج حيوية الشعور الوطنين وتصميم المغاربة على رفض كل مس بكيانهم الوطني) (ص334). ولقد نتج عن هذا كله نهوض شعور بالمقاومة الفكرية للاستعمار الفرنسي، حيث ظهرت مجلات وجرائد (لاقت نجاحا كبيرا في أوساط الشباب المثقف)(ص335)، مجلة«المغرب»، جريدة «أكسيون دي بوبل»- عمل الشعب، (غشت 1933). وقد قام منظمو هذه الجريدة بتكوين حزب معارض يعرف «كتلة العمل الوطني»، و(أعدوا ميثاقا أسموه «برنامج الإصلاحات»(1 ديسمبر 1934)(ص336). وتلك انطلاقة للحركة الوطنية التي كانت في بداية أمرها إصلاحية مطلبية. وفي سنة 1943، ولما انتظمت هذه الحركة في أحزاب سياسية، أنشأت هذه الحركة تطالب باستقلال المغرب، مستغلة ملاءمة الظروف الدولية لهذا المطلب (الفصل السابع والعشرون). ولم ينس ألبير عياش الوقوف عند الأحزاب السياسية والحركة العمالية خصوصا لما (بدأت الطبقة العاملة تتمركز في المدن إلى جانب عدد كبير من أشباه البروليتاريا والبؤساء) (ص346). وتناول ألير عياش كذلك الحركة النقابية المغربية التي خصص لها الشيوعيون أهم مجهوداتهم، (فأعيد تكوين المنظمات النقابية التابعة ل(س.ج.ت) في يونيو 1943، بعد أن حلت سنة 1940، وتحولت في 1946 إلى الاتحاد العام للنقابات المتحدة بالمغرب (U.G.S.C.M)) (ص349). وختم ألير عياش كتابه بذكر أهم النضالات الحاسمة التي عجلت بنهاية الحماية الفرنسية على المغرب.
يمكن دعم عمل ألبير عياش ببعض الملاحظات:
- « لم يتخوف – ألبير عياش – من إنجاز هذه المهمة، فهو بصفته أستاذ للتاريخ والجغرافيا، وبصفته مناضلا نقابيا مكث بالمغرب عدة سنوات، مهيأ أكثر من غيره للقيام بها، ولم يدخر جهدا في جمع وثائق كثيرة، وفي التنقيب في الكتب والمجلات والوثائق. وقد جمع حوله مستشارين ونقاذا. ولكن هل يمكن اعتبار هذا العمل نهائيا؟ لا أحد يمكنه أن يدي ذلك، ولكن لا يسعنا إلا أن نؤكد بأنه أنجز مؤلفا موضوعيا ومفيدا.» جان دريش تقديم الطبعة الأولى ص16.
- قد تكون قراءة ألبير عياش (تتضمن الإحالة على التجربة التاريخية للمجتمعات الأوروبية، والتي ارتبط فيها نمو فكرة الوطن والقومية، وحركة التوحيد الوطني، بصعود البرجوازية.....ولذلك، يسود في هذه المنظومة الفكرية، الاعتقاد بحتمية العلاقة بين الحركات الوطنية والطموحات البرجوازية في المستعمرات) (ص13).
- الكتاب دراسة في الجغرافية التاريخية المغربية حيث خصص الكاتب الفصل الأول للبيئة الجغرافية المغربية ليجعلها مجالا للممارسة، وعاد ليقدم الوصف الجغرافي للمغرب في النصف الأول من القرن التاسع عشر (الفصل الرابع)، ليعود إلى ذلك الوصف ضمن القسم الخامس الخاص بمخلفات الاستعمار. ويمكّن الوصف الجغرافي للمؤرخ ألبير عياش من تمثيل الظواهر كارتوغرافيا بعد فهم الأسباب الكامنة وراء بعض التحولات. وقبل ذلك فالكتاب غني بالبيانات الجغرافية، الخرائط، والرسوم المبيانية، والجداول الإحصائية.
- استثمار النصوص التاريخية وخاصة المعاهدات لبيان ما تحويه من تناقضات، من ذلك المعاهدة المغربية الإنجليزية 1856، وخاصة بند الأمة المفضلة، واتفاقية لالة مغنية وتضمنها حدودا غامضة بين مستمرة الجزائر والدولة المغربية، ولا يفتأ يتتبع وقع الاتفاقيات ونتائجها السلبية في الميدان.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,646,459,935
- الرشوة في المغرب والذاكرة الجماعية بالجنوب الشرقي المغربي في ...
- متحف الريف، بداية حسنة لمستقبل ممارسة المتحف والحفظ الإيجابي ...
- النباتات والأعشاب بالأطلس الكبير الشرقي بين الغذاء والطب الت ...
- ذاكرة الاعتقال السياسي الحية بالجنوب الشرقي المغربي
- حقوق الإنسان بجهة مكناس تافيلالت في الصحافة المغربية المكتوب ...
- قافلة جمعية إعادة تأهيل ضحايا التعذيب الطبية بين العلاج وجبر ...
- إملشيل: التواصل والتنادي لتسوية الخلاف على حقوق جماعية كانت ...
- خريطة فقر إيميلشيل أم خريطة الضرر الجماعي؟ – قراءة في كتاب ( ...
- سد الحسن الداخل والحقوق الجماعية بضاحية الرشيدية بالمغرب
- حفل مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث في قراءة كتاب «إملشي ...
- الأرض السلالية والحقوق الجماعية بإملشيل الشرقية- المغرب
- الجهوية المغربية المتقدمة بين الوظيفة والانسجام - حالة الأطل ...
- العمل الجمعوي وإكراهات الرموز الثقافية بالجنوب الشرقي المغرب ...
- مائدة مستديرة حول وضعية المرأة، الإكراهات والرهانات - الرشيد ...
- شبكة تفويت للدفاع عن المرأة بالجنوب الشرقي المغربي الأهداف و ...
- التقرير التركيبي العام حول الندوة الوطنية حول الحقوق الثقافي ...
- أية مكانة للمرأة المغربية في الجهوية الموسعة؟
- هل سيأخذ الجنوب الشرقي المغربي نصيبه من الجهوية الموسعة؟
- مشروع الحكامة المحلية في جبر الضرر الجماعي بإقليم الرشيدية
- على هامش لقاء أزرو حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية و الثقا ...


المزيد.....




- شاهد بالفيديو.. تحطم مركبة فضاء أمريكية أثناء انطلاقها برحلة ...
- مقتل شخص بتحطم مركبة -سبيس شيب 2-
- بدلاً من استخدامها في قتال "داعش".. سوق سوداء للأس ...
- أنباء عن مصرع 21 من "شرطة داعش" والتنظيم يفجر &quo ...
- مصر الآن.. تفجير جديد يستهدف مدرعة عسكرية بشمال سيناء وأنباء ...
- مراسلنا: قافلة قوات البيشمركة تتوجه نحو الحدود التركية السور ...
- بوروسيا دورتموند يهزم البافاري 3-1 في المواجهة المنتظرة في ا ...
- أوروبا تستعد للحرب الإلكترونية بأكبر عملية تدريب في تاريخها ...
- الدنمارك تتفوق على بريطانيا وأميركا وفرنسا في مؤشر السعادة
- الجيش يتولى السلطة في بوركينا فاسو بعد تنحي كومباوري عن الحك ...


المزيد.....

- من مقدمة كتاب -نقد النساء- قراءة في عابدات باخوس- القسم 2 / نايف سلوم
- مسارات الصراع العربي - الإسرائيلي بين حربين (1967-1982) / داود تلحمي
- الصورة المرأة بين الواقع الجزائري وأفاق الكتابة النسائية لها / سمراء جبايلي
- النص الكامل لكتاب - مذكرات مستر همفر - / محمد البدري
- الرأسمالية الذهنية او المعرفية / طلال الربيعي
- لمحات من عراق القرن العشرين - فهارست أحد عشر مجلداً / كاظم حبيب
- صاحبة الحروف الأربعة: مجموعة قصصية مترجمة. / المترجم عمار الحامد
- عرض كتاب: السنة والشيعة لماذا يتقاتلون؟ / جواد بشارة
- (وصية) بليخانوف الأخيرة، أم آخر اختراعات -التكنولوجيا القذرة ... / ميثم الجنابي
- مقتطفات من كتاب النخبة والشعب، دار بترا دمشق 2010 / برهان غليون


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - لحسن ايت الفقيه - حصيلة الاستعمار الفرنسي في المغرب