أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - ماهر اختيار - آلية استبداد الأنظمة العربية لشعوبها مُستمرة، فهل من حلٍ؟















المزيد.....

آلية استبداد الأنظمة العربية لشعوبها مُستمرة، فهل من حلٍ؟


ماهر اختيار

الحوار المتمدن-العدد: 3453 - 2011 / 8 / 11 - 13:52
المحور: المجتمع المدني
    


أصبح البحث عن موضوعٍ لمقالةٍ تتناول الشأن العربي الراهن أمراً مرهقاً ويولد، في كثير من الأحيان، يأساً لدى الكاتب الذي يجد نفسه بين مفارقات تتعلق بالسياق الزمني لمفردات نصه وغاية موضوعه، فتبدو المفردات التي يوظفها وكأنها تنسجم سياسياً مع مرحلة العصور الوسطى وليس مع بدايات القرن الواحد والعشرين. حقيقةً، لدينا انطباعاً بأن الباحث العربي كثيراً ما يسأل نفسه حول المفردات التي يستحضرها في نصه، هل تنسجم مع العصر الذي يعيش فيه ومع آلية تفكير وعقلية من حوله من الناس؟ فماذا يعني لمواطن غربي على سبيل المثال مفردات مثل النظام السياسي الاستبدادي في المرحلة المعاصرة؟ ماذا تعني له كلمات مثل الخوف والعنف والقتل خارج سياقها النفسي أو الجنائي؟ بالمقابل، تعني هذه المفردات الكثير بالنسبة للمواطن العربي المعاصر، فهي تعبر عن علاقته بالنظام السياسي والاجتماعي الذي يحكمه، لا بل هي تعكس حياته التي يعايشها هو وليس أسلافه.
ليس لدينا أدنى شك بأن القارئ العربي سيتفهم سياق ودوافع كتابة نصٍ يلقي الضوء على موضوع ليس بجديدٍ ويوظِّف مفردات متكررة على لسان غالبية المواطنين العرب، إنَّه إذن نصٌ يستعرض التحالف الوثيق بين النظام الاستبدادي وآلية إشاعة الخوف بين مواطنيه، وكيفية تجسد العنف والقتل بوصفهما أدوات لضمان استمرار هذا النظام. فالخوف يجري في عروقنا ويغذي لاشعورياً شرعية استمرارية نُخبنا الحاكمة لعقود عديدة. نتفهم ظروف هذه النصوص والموضوعات المتكررة لأن نمط الحكم في بلداننا لم يغادر بعد قاموس مونتسكيو ولم يخرج بعد من دفتي كتابه روح القوانين الذي سطرهُ قلمهُ في عام 1748، فلم يتوقف استبداد الحاكم العربي، وقراراته الفردية هي من تقود الدولة بعيداً عن قوننة المؤسسات ورفع شعار القانون فوق الجميع. سنكرر هذه الموضوعات لطالما أنظمتنا العربية مُتحجرة ترفض التغيير ومستمرة في ظلمها، سنكررها لطالما حبر أقلامنا لم يجف وروحنا لم تغادر جسدها.
لنستحضر معاً في البداية فكرة مونتسكيو القائلة بأن الخوف هو الذي يغذي النظام الاستبدادي ويدفعه للاستمرار. إن تأمل هذه الفكرة يوضح لنا أسباب توقف زماننا السياسي، وعلة نجاح حكامنا في تسلطهم واستبدادهم على مدار عقود دون تغيير. فكما يرى هذا الفيلسوف الفرنسي: أن الخوف يشكل حجر الأساس في النظام الاستبدادي، وأن هذا الأخير يظل قائماً فارضاً قسوته وظلمه ما لم يتم كسر هذا الحجر واستبداله بمبدأ قائمٍ على احترام القانون والانقياد لما يتضمنه من قواعد في سبيل الجماعة وليس في سبيل رضا الحاكم. ويضيف مونتسكيو أن الاستبداد والخوف يشكلان كياناً واحداً وأن غياب أحدهما يؤدي لسقوط الآخر، لأن النظام الاستبدادي لا تقوم له قائمة ولا يضمن استمراره إلا عبر زراعة الخوف في قلوب الخاضعين لحكمه، ومن خلال اختلاق وافتعال مسبباته وعوامل ديمومته. في الواقع هذه ليست دعوةً للتوقف إرادياً ولمرة واحدة عن الخوف من أنظمة الحكم الاستبدادية، وإنما هي دعوةٌ للسيطرة عليه ومحاولةً للخروج من دائرته، من أجل البدء في إسقاط ركائز هذه الأنظمة المتعفنة التي ولى عهدها، والعمل على فرض قوانين وضعية بوصفها أفضل الحلول الممكنة في سبيل تحقيق قدرٍ من العدالة الاجتماعية.
إضافة لعامل الخوف هناك العنف والقتل اللذان يشكلان أيضاً إحدى الوسائل البربرية التي تضمن استمرار هذا النمط من الحكم، هي وسيلة تساعده على القضاء على كل من يخالفه، وعلى قمع كل معارضة في مهدها. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا بأن عنف هذه الأنظمة يمارس دوراً أساسياً في إعاقة العقول من إنتاج أفكارٍ تعارض الواقع السياسي وتدفعه للانسياق غريزياً وراء الجماعة حرصاً على السلامة وخوفاً من الاختلاف. فالاختلاف في الرأي- في ظل الاستبداد- يؤدي لغربة الفرد بين أقرانه وداخل بلاده. ولعلها من أكثر أنواع الغربة قسوةً. فضلاً عن ذلك، فإن لجوء هذه الأنظمة لممارسة العنف والقتل يعود لاعتبارها الشعب طرفاً منافساً لها وليس عنصراً أساسياً ينتج أرض وهوية الوطن. الشعب بالنسبة لهذه الأنظمة هو طرفٌ يجب معاقبته إذا ما تمرد على بطشها، والعقاب يكون قاسياً لا بل يجب أن يكون قاسياً لإجباره عن التخلي عن تمرده وعن مطالبته بحقوقه في إبداء آرائه الناقدة حيال الأوضاع السائدة. وغالباً ما يتمثل هذا العقاب في القضاء قضاءً مبرماً على هذا الخصم وقتل رموزه، وذلك لتحقيق أهداف متعددة في وقت واحد: أولاً إن قتل أو سجن رموز الطرف المعارض يضمن عدم تجدد مقاومته وجُرأته على الاعتراض على أسياده، ثانياً إن مصيره المحكوم إما بالموت أو بالسجن في زنزانةٍ ينعدم الزمن بين قضبانها، يمنع ويردع الآخرين من مجرد التفكير في احتذاء مثاله. ثالثاً سلوك العنف والقتل هذا الذي يمارسه زبانية الحكام وتحت رعايتهم يعمل على إضعاف الناس وعلى قتل إرادة التغيير بعد رؤية مصير من تجرأ على نقد اضطهاد حاكمهم.
بعد ما ذُكر أعلاه، يُطرح السؤال التالي: ما فائدة هذا التوصيف وهذا النقد تجاه الأنظمة العربية المستبدة؟ فمن السهولة بمكان انتقاد حكام الدول العربية ونهج سياستهم الاستبدادية!! إذاً يجب علينا امتلاك البديل الذي يؤهلنا ويدعم نقدنا هذا مبرهناً على أنه أفضل من هذه الأنظمة السائدة. وكيف يمكننا اقتراح نظامٍ سياسيٍ بديلٍ وعقولنا تسيطر عليها صور العنف التي تنتشر في كل بلد عربي يطالب بالحرية!! عنف وجرائم ضد الإنسانية تجعلنا نخاف من أنفسنا، نخاف من كائن يدعى إنسان. ليس هذا وحسب بل إن مصالح الغرب وتاريخه الاستعماري يطل علينا من بعيد وكأنه يريد استثمار انتفاضة الشعب العربي لمصالحه بعيداً عن حقوق الإنسان وعن ضرورة تطبيق الديمقراطية في العالم الثالث. فما الحل إذاً تجاه هذا الوضع القائم عربياً؟ ما السبيل للخروج من الأزمة السياسية التي نعيشها؟ ما هو بديل النظام السياسي السائد؟ فإذا كانت "ديمقراطية" لبنان والعراق تُولِّد الكثير من الإشكاليات والنقد وعدم الرضى من كافة أطراف البلد الواحد، وإذا كانت أنظمة دول الخليج الملكيّة مُقيدة بماضي سحيق ولا تحترم كرامة الإنسان وتعوضها بالمال وبرفاهية مصطنعة، وإذا كانت أنظمة دول المغرب العربي متقلبة بين التمسك بتاريخٍ حافلٍ وثقافةٍ محليةٍ غنيةٍ وبين إعجاب معظم مواطنيها بالغرب، فماذا بقي لدينا من نماذج سياسية؟ ثورتا تونس ومصر تحتاجان لزمنٍ ليس بقريب من أجل تمظهر نتائجهما وتحقيق طموح وأمل شباب الثورة!! في الواقع، يبدو لنا أن القوانين، في مجال المجتمع والسياسة، تتغير صورها وأشكال تجسداتها على أرض الواقع إلا أن جوهرها يبقى شبه ثابت يعمل على ضمان توازن اجتماعي بين طبقات متباينة لا سبيل لجعلها طبقة واحدة سوى في مخيلة وأمنيات الفقراء، ولذلك لم يبقَ لنا سوى العودة لقيود التنظير المتفائلة والاستعانة بما قاله حكماء الماضي في نصوص تبدو نصائحيّة أكثر من كونها واقعيّة،ونصنا الأول سيُنسب لإكزنوفون الذي قال ليس الملوك والحاكمون هم أولئك الذين يحملون صولجاناً، ولا هم أولئك الذين اختارتهم الأغلبية، ولا حتى أولئك الذين عيّنهم القدّر، ولا أولئك الذين اغتصبوا السلطة إما بالعنف وإما بالحيلة، هم ببساطة هؤلاء الذين يحسنون القيادة والتدبير. ونضيف قولاً لأفلاطون ملخصه: ما من فن أو حكم يقدّم ما يكون مفيداً له، بل يقدّم ما يكون مفيداً للمحكوم.
إننا في مرحلة لا تتحمل نقاشات حول نمط الحكم الواجب تطبيقه في بلداننا العربية، لأن أملنا محدود بإمكاناتنا وتجاوز سقف هذه الأخيرة قد يجلب الويلات علينا وعلى أبنائنا. يؤسفنا القول بأن محدودية إمكانياتنا متعلقة بالتعددية الطائفية والقومية والعرقية، ومتعلقة أيضاً بلعبة ومصالح كبرى الدول الغربية وتلك المجاورة لحدود كل دولة عربية. كل ما نأمله هو حاكم يحسن القيادة والتدبير عبر أسس يقرها العقل وعبر مؤسساته الدستورية، وليس عبر أجهزة أمنه التي تقتل دون رحمة ودون تفكير بأن من يُقتل هو إنسان وليس حيوان يذبح لإرضاء الآلهة. لن نقبل بعد الآن بحاكم يسيطر على عرشه من خلال زراعة الخوف في قلوب شعبه عبر التلويح بعصا السجن وظلمة زنزاناته. فهذا الشعب هو الوطن وإن غياب الانتماء الوطني والمطالبة بالانتماء لشخص الحاكم يهدد التعايش السلمي، ويُولِّد عداوات فطرية بعيدة عن كل عرف اجتماعي. باختصار نريد اختيار حاكمنا لفترة محددة بالدستور وعبر انتخابات حرة نزيهة، لأننا نريده ذاك الشخص القادر على تحريرنا من تشاؤمنا، وعلى تجدد أملنا بتغييرٍ ينير حاضرنا ويزين مستقبلنا بشيء من إنسانية الإنسان.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,275,609,997
- ربيع الثورات العربية... عوائق تأخره وآفاق نجاحه
- التوازن البيئي من الضرورة الجغرافيّة إلى مسؤوليّة الإنسان ال ...
- أهمية ودور الشعب من أدبيات التصوف الاجتماعي إلى مناهج الحولي ...
- الإنسان أمام كوارث الطبيعة، من الوجود إلى السلب
- أنسنة الحاكم العربي وفعل المواطنة، المبالغة في مدحه خيانة لل ...
- يبحثون عن طاقة لا تقتل وسطهم البيئي، ونبحث عن حاكم لا يقتل ش ...
- ضرورة التأسيس لأنظمة حكم قابلة للخطأ في البلدان العربية
- التصوف الاجتماعي... وجه من وجوه انتقاد الاستبداد السياسي
- علاقة الحاكم العربي بشعبه...استمرار لماضٍ قاتم!
- الثورات العربية وضرورة التأسيس لدولة القانون...إسقاط الطبقة ...
- غياب القانون بوصفه أزمة في بنية البلدان العربية


المزيد.....




- إيران: الحكم القاسي على المحامية ستوده يهدد النشاط السلمي
- الأمم المتحدة: ثمانية أطفال يقتلون أو يصابون في اليمن كل يوم ...
- الأمم المتحدة تنتقد العقوبات الأمريكية على فنزويلا
- عون: لبنان بات غير قادر على تحمّل تداعيات اللاجئين السوريين ...
- الأمم المتحدة: 8 أطفال يمنيون يقتلون أو يصابون يوميا رغم اله ...
- منظمة العفو الدولية: الجيش الأمريكي ربما ارتكب جرائم حرب في ...
- إدانة جريمة العنف الإرهابية في أوترخت
- نحيي التمسك بثقافة التنوع واحترام الآخر ورفض خطاب الكراهية
- منظمة العفو الدولية: الجيش الأمريكي ربما ارتكب جرائم حرب في ...
- في رسالة إلى الملك سلمان.. نواب أميركيون يطالبون بالإفراج فو ...


المزيد.....

- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - ماهر اختيار - آلية استبداد الأنظمة العربية لشعوبها مُستمرة، فهل من حلٍ؟