أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد حامد السلامونى - المسرح الاستعارى















المزيد.....



المسرح الاستعارى


محمد حامد السلامونى

الحوار المتمدن-العدد: 3449 - 2011 / 8 / 7 - 20:53
المحور: الادب والفن
    


مدخل عام :
(الفلسفة والإستعارة)
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
ــــــــــ
معلوم أن البلاغة- عند أرسطو- هى (حسن الإستعارة) ، وهو تعريف يتأسس على المنظــور الفلسفى القائل بوجود (واقع فى ذاته- هو الواقع المألوف أوالحرفى ) ، وهو ما تمثل الصور الخيالية (موضوع علم البيان- عند العرب- بمنحاه الفلسفى) إنحـــــــرافا عنه ؛ بماهى إحدى آليات (المحاكاة)- التى هى طبيعة فطرية فى الإنسان ،إليها يرجع الفضل فى إخراج الخطـاب من عالم المألوف إلى عالم غير المألوف .
ويبدو أن تعريف أرسطو للبلاغة يتضمن إشكاليتين ؛ هما عماد التصـور الميتافيزيقى للعالم
؛ذلك التصورالذى ابتدأ بسقراط ثم خطى خطوة أوسع مع أفلاطون،إلى أن عثر على اكتماله (الأول) فى المنطق الصورى الأرسطى- أما عن الإشكاليتين :
فالأولى : هى القول بـ (الإنقسام الثنائى) ؛ فهناك (واقع / صـورة) ، (مدلول / دال) ... إلخ
وفيه يتخذ من الطرف الأول من الثنائية معيارا للحكم على الطرف الثانى ..
أما الثانية : فهى مشكلة تأسيس العلاقة بين (اللفظ والمعنى أوالدال والمدلول)- وهى موضوع
علم اللغة- على العلاقة بين (المعنى والشئ)- وهى موضوع الفلسفة أوالميتافيزيقا (أى البحث عن ماهية الشئ)؛ مما يعنى أن سؤال الفلسفة عن (ماهو الشئ ؟)، ظل هو السـؤال الجوهرى
الذى شيد عليه علم اللغة تصوره عن علاقة اللفظ بالمعنى .. مما أسفر عن عد الكلمة مطابقـة للشئ ..
فى الفلسفة ، اتخذ السؤال عن (ماهية الشئ) صيغة محددة هى (علاقة الوجود بالموجـــود) ، ووفقا لـ (هايدجر) فقد انتهى الفكر اليونانى إلى المطابقة بين الوجود والموجود ؛ أى أنهـــــم
عدوماهية الشئ هى الشئ نفسه- وهو مايعرف لدى أرسطو بـ (مبدأ الهوية أوالذاتية أووحدة الذات) ..
النظرية الفلسفية الأرسطية القديمة، تقول إن الخصائص الذاتية المميزة للشئ ،هى نفسها هويته أوماهيته ، وأن وحدة هذا الشئ هى الضامنة لإنتاج وإعادة إنتاج معناه(فمعانى الكلمات تدل، كل منها، على شئ محدد بعينه ، ثابت ، لا يختلط بغيره) ، أو أن [لكل كلمة معنى جعلت له] ..
أى أن (مبدأ الهوية)- الأرسطى- يقوم على ضرورة منطقية تقضى بأن يكون(كل معنى يتصور على أنه عين ذاته ، فلا يتغير بحال ...)، هكذا، فهوية الشئ : ماهيته (= خصائصه الذاتية أو
ما به الشئ هو هو) ، ولأن الماهية- هنا- تسبق الوجود ، فهى بالضرورة ثابتة ومســــتمرة
،وجوهرية : تقوم وتتعين بذاتها ... ومن ثم فالموجود ســـــيظل هو ذاته دائما ، ولن يختلط
بغيره !..
وحين انتقلت تلك النظرية إلى علم اللغة،أفضى الأمر إلى إعتبار(الدال)- بماهو دال على الشئ ومتطابقا معه- منطويا أيضا على (مدلـول) واحد وحيد- سابق فى الوجود على (الدال) نفسه ، مما يعنى خضوع الدال (ومن ثم الشئ) وتبعيته للمدلول ..
هكذا ، فالحقيقة تقيم فى حيز مفارق للموجودات، أما الموجودات ذاتها فليست سوى(تمثيلات أوتجسيدات) لتلك الحقيقة- وعادة ما يحتل (الدال أوالشئ) مرتبة أقل من مرتبة (المدلول) ..
فالموجودات ليست سوى صور مجسدة تستعمل كقناع لإ ظهار الماهية- أو(النموذج الباطنى)
، أى أنها ليست هى الوجود الأصلى ، وإنما هى مجرد وجود شبيهى (= تمثيلى) ؛ وهو نفسه
ما تنبنى عليه الفلسفة الأفلاطونية ..

(2)
ـــــــــــــ
يعرف أرسطو (الإســــتعارة) بأنها : [نقل إسم شئ إلى شئ آخر] ، أى أنها تتكون حين نشرع فى إطلاق إسم شئ ما على شئ آخر ،أى حين نقوم بفصل (العلامة اللغوية = اللفظ ، وبالتالى المعنى ) ، عن (الشئ) ، وإطلاقها على شئ آخــــر- وسوف يعاد النظر فى هذا التعريف ، كما
سنرى ..
ولا شك أن هذا- بالنسبة إليه- يحدث تغييرا فى هويــة الأشياء ، فالأشياء- فى الإستعارة- إنما تتبادل الهويات ، مما يجعل من الإستعارة مجالا للعب بالهويات ..
لذا يقصر أرسطو إستخدام الإستعارة على(الشعر) لغرض المتعـة ،و(الخطابة) لغرض الإقناع
.. أما الفلسفة ، فهى [أقل حاجة إلى الإستعارة] لأنها تهدف إلى (اليقين) ..
هذا ، وعلى الرغم من إقراره بأن الفن نوع من المحاكاة (أى إستعارة) ، إلا أنه أقر أيضا بأن
(الفن) يسعى للوصول إلى الحقيقة (إى إلى الماهيات) ، بما يعنى أن أرسطو لم يســـــتطع أن
يستشف أن الإستعارة هى إحدى آلآليات التى تتأسس عليها عملية التفكير، فوقع فى التناقض
مع نفسه ، هذا فضلا عن أنه لم يستطع أن يرى (الإســتعارة) تتحقق سوى فى (الجملة) فقط
- بماهى مناظرة للقضية المنطقية- وليس فى النص التراجيدى ككل ..
ما نلاحظه هنا ، هو ذلك الحصار الذى ضربه أرسطو حول الإســـــــــــتعارة ، بمحاولة تقنين إستخداماتها وتعيين مجالات إشتغالاتها ..
وإن كنت لا أنفى محدودية إدراكه للمدى المتسع الذى تشغله الإستعارة - لأسباب تاريخيـــــة بالطبع- ومن أنها تمتد لتشمل كل شئ ، إلا أننى أعتقد- على مرجعيـة أنه أول من قام بتعيين الإستعارة وتعريفها- أن ما حدى به إلى ذلك ، هو سعيه الدؤب للحفــــــاظ على (نقاء المعنى وواحديته) ؛ الذى هو نقاء الهوية نفسها ؛ وهو ما يبدو جليا فى (منطقه) ..
أعنى أن قوله عن المتناقضين بأنهما(لايجتمعان) :(مبدأ عدم التناقض)أوما يعرف بـ (الثالث المرفوع) ، هو نفسه الذى دفع به إلى تعيين مجالات إشتغالات (الإستعارة) ..
إذن يمكن القول أن ميلاد (الإستعارة) الأول- فى الوعى الفلســـــفى- كان ميلادا إستبعاديا ، وبتعبير آخر ، الخطاب الفلسفى الميتافيزيقى ؛ وبحكم كونه (خطابـا) ، حين شرع فى بسط هيمنته على (المعنى) ، أنما قام بتعيين حدود إشتغال (الإســـتعارة) ، بوضعها على هامش
نظام التمثيــل المركزى التابع له ، وحكم عليها بعدم مغادرة هذا الهامش (الذى هو الشــعر والخطابة) ..

(3)
ـــــــــــــــ
الإستعارة- بالمعنى الواسع للكلمة- هى إحدى الشروط المؤسســـة للمعرفة- هذا إن لم تكن
هى الشرط الواحد الوحيد ،فلدى (نيتشه)- كما يقول (بول دى مان): هى [النموذج البلاغى بامتياز] ، هكذا ، فالإنسان (حيوان إستعارى) ، ينتج الإستعارة بقدر ما تنتجه الإسـتعارة ، ويحيا فى عالمها المفارق للطبيعة ..
هذا،وعلى الرغم من تباين المواقف بشأن الإستعارة،إلا أنه بالإمكان الزعم بوجود موقفين رئيسين :
الأول: وهو الذى ظل سائدا طوال تاريخ الفلسفة ، بدءا بأرسطو، وبلغ ذروته عند(هيجل)-
عبر ديالكتيكه الإيجابى الشهير- وينبنى على قابلية (الموضوع فى ذاته) للمعرفة المطلقة ،
أى أنه يقول بإمكانية حل التناقض بين الذات والموضوع (أوالوعى والواقع) ، بمماهاتهما أو(مطابقتهما) معا ، مما يجعل (الحقيقـــــــــة) ممكنة الوجود ..
أما الثانى : فهو الذى ولدت إرهاصاته مع الهيجليين الشبان والأخوين شليجل وشلنج ...
ثم تحددت معالمه- بعد ذلك- على يد(نيتشه) و(فلاسفة الإختلاف) الذين جاءوا فى أعقابه
: هايدجر ، فوكو ، دريدا ، دولوز ...
وقبل الشروع فى الحديث عن هذا الموقف من الإستعارة،يجب التنويه إلى أن توقف الفلسفة بعد هيجل عن بناء الأنسـاق الكلية ، وتحولها إلى (إعادة قراءة) تراثها وتاريخها- الذى بلغ إكتماله مع هيجل- بقدر ما يعنى تحولها من (مشكلة الشئ) التى ظلت ممتدة طـــــوال تاريخ الفلسفة ، وبلغت ذروتها مع (ديكارت)، إلى(مشـكلة المعنى)، فإنما يعنى أيضا، وبالأساس- تحولها إلى نقد آليات المعرفة نفسها ؛وعلى رأسها(الإستعارة)،مما يعنى أن(مشكلة المعنى)
- التى يقول (ريكور وفوكو) بأنها ابتدأت مع (نيتشه)- لم تكن فى حقيقة الأمر سوى تحويل
(للإستعارة) إلى (مشكلة) ..
وحين قال (نيتشه) بأن الحقائق التى انتهى إليها الفلاسفة لم تكن سوى (جمهرة عجاجــــــة بالإستعارات)، لم يكن يهدف إلى ضرورة تخليص الفلسفة من الإستعارة ،كل مافى الأمر أنه كان يشير فقط إلى أن الفلاسفة أدركوا منذ البداية مدى قدرة الإستعارة على إنتاج ما يسـمى
بـ (إنزلاقات المعنى) ؛ أى أن الإســــــتعارة لا تفضى إلى معنى واحد وحيد ، متماثل مع ذاته
(معنى فى ذاته) ، وإنما هناك معان أخرى تحف بذلك المعنى ، وتظل لصيقة به ..
ومن ثم ، كان شغلهم الشاغل هو البحث عن الآليـــــات التى يمكن لهم عن طريقها ، تطهير الإستعارة من تلك المعانى الحافة ، هكذا كأنمـــا هى أعشاب ضارة تنمو على حواف المعنى الأصلى فتفسده ..
وما كان من (نيتشه)- حلا لتلك الإشـكالية- إلا أن قام بوضع ذلك المعنى الأصلى- المفترض وجوده ، والذى يسعون للإمساك به- فى موضع سؤال ..
وحين يقرر نيتشه بأن الكلمات أقنعة ، تخفى تحتها أقنعة أخرى وليس مدلولات ، فقوله هذا ينسحب أيضا على الإستعارة ، ذلك أن الكلمة عنده إستعارة ، والإنسان- لديه- يحيا فى عالم اللغة ، الذى هو عالم الإستعارات (ولديه- لا تحيل اللغة إلى الواقع ؛ فليس لدى نيتشه واقـع
حرفى أوخام ، يمكن إعتبار الإســــتعارة إنحرافا عنه ، كما يقول أصحاب النظريات المتعلقة بالإستعارة) ، فالإستعارات ، لديه ، لا تحيل إلى شئ ، بقدر ما تنتج معان عديدة ...
هذا ونفى (الإحالة)- لديه- هو نفى للحقيقة بالمعنى الميتافيزيقى ، وليس للحقيقـــــــة على
الإطلاق ، فما فعله- كما يقول (فوكو) : هو تغيير الموقع الذى تقيم فيه الحقيقة .. وســوف يتطور هذا المنحى ، بعد ذلك ، لدى (دريدا)؛ الذى قال بأن كل شئ بات إستعاريا ، وبالتالى
لم يعد هناك من إستعارة ، مما أدى إلى موت المعنى- أوعلى الأ قل (إرجائه) ...
هكذا ، فتواصلا مع التراث الفلسفى النقدى ، السابق عليه- الذى ابتدأ بالهيجليين الشبان-
كان لابد لنيتشه من إعادة النظر فى الطرفين المتضادين اللذين تسعى الإســــتعارة للتوحيد
بينهما ، ذلك من خلال إعادة النظر فى العلامة اللغوية ، التى يُعتقد بقدرتها على (الإحـالة)
إلى الواقع ..
وعامة ، يمكن القول أنه مامن معرفة دونما إستعارة- فالإستعارة ؛ بماهى التأليف الإيجابى
بين الطرفين المتضادين،المتنافرين،المتباعدين،إنما تسعى لإبراز وجه الشبه الخفى بينهما
: أى (الذى يتكرر فيهما) ، وهو المعنى نفسه الذى تحمله الإستعارة ..
لكن الإستعارة ، بهذا المفهوم- كآلية معرفية- إنما تفضح حقيقـة المعرفة ذاتها ، وتؤسسها على الإختزال والإبتسار ... هكذا ، كأنمــا المعرفة فى صعودها فوق المسافات الفاصلة بين الأشياء المتباعدة ، وصولا إلى الكليات ، إنما تصعد نحو ثقب أسود تلتقى عنده الجزئيـات
، فتختفى !..
وبذا تصير المعرفة (أوالوعى عامة) إفقارا للوجود ! ..
وما أعنيه بهذا ؛ هو أن معرفة ماهيـة الأشياء- بماهى الوظيفة المنوطة بالميتافيزيقا- عبر الإستعارة ، مشروطة بفقدان الأشــــياء ذاتها .. فما يتبقى هو الفكرة التى تلتقى عندها تلك
الأشياء ؛ وقد اتخذت شكل (الهوية أوالقانون أوالجوهر ...) ..
هكذا ، فالتناقض الذى تقع فيه الميتافيزيقا ، يعود فى الأساس إلى أن بحثها عن (ماهيــــة
الشئ ؟)إن هو إلا محاولة للإمساك بالمتشابه أوالمتكرر فى ذلك الشئ ،وعادة هو لايخرج
عن النموذج الباطنى (الذى هو العلاقات الداخلية المتكررة ، على نحو ثابت) ، وبذا تتغافل الميتافيزيقا عن (المختلف والمتغير) فى الشئ ..
لذا يمكن القول أن الإستعارة تتأسس على المبدأ القائل بأن (الشئ يُعرف بشـبيهه) .. لكن
هذا المبدأ يحيلنا- قسرا- إلى المبدأ الآخر الذى ينص على أن (الشئ يُعرف بنقيضه) ..
لتبيان العلاقة بين هذين المبدأين ، دعونا نتساءل عما يعنيه القول بوجود إستعارة ؟ ..
القول بوجود إستعارة يعنى القول بوجود(واقع حرفى- خام، غفل ،فعلى، حقيقى ؛هو واقع
فى ذاته) ، تمثل الإستعارة إنحرافا عنه ، إذ تجمع بين أطرافه المتبـــاعدة ، فى وحدة ما ،
عبر رصد ما يتكرر أويتشابه أويتطابق ، على نحوما ، فى هذه الأطراف ..
ونلاحظ هنا ،أن الإستعارة بهذا المعنى تمتد لتشمل العلامة اللغوية ذاتها ؛ فكلمة (شجرة)
- على سبيل المثال- تطلق على نوع معين من النبات ، (يشترك) فى خصائص محـــددة ،
ثابتة ، وليس على شجرة مفردة ..
النوع النباتى الذى نطلق عليه كلمة (شجرة) ، قد يختلف فى (الشكل الخارجى) من شجرة لأخرى ، لكنه يتشابه أويتطابق (داخليا) ، أى من حيث (العلاقات الداخلية) ، فالشـجر كله يتطابق مع نموذج باطنى ، يقيم فى العمق ؛ خلف السطح الظاهرى ..
نحن نعرف الأشياء من خلال أوجه الشبه بينها ؛ فـ (الشجرة : تتكون من جذر وســــــاق
وأفرع وأوراق وتنمو رأسيا وتبدو قوية، وتتشابه مع كل ما يقبل الإنقسام الثنائى، متخذا
هيئة أفرع عديدة ذات جذر واحد ، ومكونا نسقا ما- كالقبيلة والعائلة والدولة والمؤسسة
والكتــــــــاب والمنطق ... إلخ) ، لكننا نعرف الشجرة أيضا من خلال ما يناقضها ، أعنى
(العشب : الذى يبدو مبعثرا ومتناثرا ومتداخلا ، ومتخارجا ، ولا شـكل له تقريبا ، وينمو
أفقيا وفى جميــــــع الإتجاهات ، كما يتميز بالفوضى العارمة وبالهشاشة البالغة وبانعدام
الجذور ... إلخ) والزهور أيضا ، بل ومختلف أنواع النباتات الأخرى ، هذا فضــلا عن أن
النبات ذاته ، لايتحدد كنبات بالنسبة لذاته وإنما فى علاقته بالأنواع الأخرى غير النباتيـة
..
نخلص من ذلك إلى أن انبناء(الإستعارة)على آلية التشابه ، يضمر(أفقا إختلافيا) فسيحا ، يستحيل حصره ،لذا فالمبدأ القائل بأن (الشئ يُعرف بشبيهه) يتضمن بداخله المبدأ الآخر
، القائل بأن (الشئ يُعرف بنقيضه) ..
مما يعنى أن النقطة التى يتقاطع عندها النقيضان (الظاهروالخفى)، هى النقطة التى يولد
عندها المعنى ؛ (كما يقول أندريه بوتيتا) ..
وهذا ، هو نفسه ، ما لم تستطع الميتافيزيقا إدراكه ، وظنت بأن (العلامة اللغويــة) تحيل
مباشرة إلى (الشئ ذاته) ؛ ومن ثم (اللغة ككل) ، إذ تحيل مباشرة إلى الواقع الحـــــرفى-
وما الإستعارة ؛ وفقا لهذا المنظور،إلا محاولة إنفلات وتجاوز؛أوأنها حفر رأسى وصولا
إلى مايختبئ وراء ذلك السطح الواقعى،هكذا،متناسية أن مايختبئ خلف(العلامة اللغوية)
،وبالأحرى خلف (الدال)- ومن ثم (الشئ أوالمرجع) ليس (المدلول) ، وإنما(دوال آخرى
عديدة ، تنطوى على مدلولات لا حصر لها) ..

******







المحور الأول :
الإستعارة المسرحية
(الإيهام ، وإشكالية التعريف)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كل تفكير- أيا كان نوعه- هو بالضرورة تفكير بالصور :
هذا ، والصورة : [معرفة بـ ... الواقع] (5) ، أو[واقــع مدرك] (6) ، لذا تنفلت [من
سلطة الوجود العينى للأشياء] (7)- أى من الخضوع للمعطيات التى يقدمها الواقــع
عن نفسه ، ذلك لأن أهمية الصـــــورة تنحصر فى (الدلالة) على المعنى الخفى الذى
ينطوى عليه الواقع ..
فالصورة كـ (دال) قد تختلف خارجيا- فى كثير أوقليل- عن الأصل الواقعى ، لكنــــها
تتطابق داخليا معه ، عبر [إستحضار المدلول القائم فى الذات] (8) ..
يقول (عبد العزيز بومسهولى) : البلاغة [لا تنفتح على الإستعارة إلا بوصفها دليــلا
على التشابه لا الإختلاف ، وليس التشبيه فى البـــلاغة إلا قياسا للفرع على الأصل .
والطباق ذاته ليس إلا لعبة للتطابق ، مادام الإختلاف بينهما خارجيا فقط ](9) ..
ويقول (دولوز):[وما وجود الثنائى الظاهر:المثال والنسخة ، إلا من أجل هاته الغاية
،وهى ضمان التمييز والتمايز الكامن بين نوع النسخ ، وتوفير معيار عينى . ذلك أن
الأيقونات إن كانت نسخا جيدة قائمة على أساس متين ، فلأنها تتمتع بالتشـابه . لكن
التشابه لا ينبغى أن يفهم كعلاقة خارجيــة : إنه لا ينتقل من شئ إلى شئ آخر ، بقدر
ما ينتقل من شئ إلى مثال ، مادام المثال هو الذى يشـــــمل العلائق والنسب المكونة
للماهية الباطنية .] ، ويقول :[إن التشابه بماهو باطنى وروحى فهو معيار الإدعاء :
إن النسخة (الأيقونية) لا تشابه شيئا حق الشبه إلا بمقدار ما تشبه مثال الشئ .
لايوافق صاحب الإدعاء الموضوع إلا بقدر مايُقد على المثال ، وهو لايستحق الصفة
إلا بمقدار مايتأسس على الماهية .]و[الخلاصة، فإن تطابق المثال وهويته العليا هو
الذى يؤسس الإدعاء الجيد للنسخ (الأيقونية) ويدعم زعمها ، ويؤسسها على تشابه
باطنى ] (10) ..
فالصورة ، بما هى استعادة (معرفية) للواقع- على النحو الذى ذكرت- إنما تموضــع
نفسها فى مصاف (الإستعارة)، هذا والواقع نفسه- فى نزوعه نحو التمثيل ، لتجاوز
حرفيته، يعد بمثابة (الدرجة الصفر) (11)، وهذه الأخيرة إن هى إلا الدلالة المقبولة
والمتفق عليها،و[... ليس من الصدفة أن تمنح المعاجم هذا النوع من الدلالة الموقع
الأول ثم تثبت بعده التعريفات المجازية كتعريفات ثانوية .](12) ..
تتكون الإســـتعارة- إذن- حين نبدأ فى الإنحراف الدلالى عن المعنى الحرفى (المتفق
عليه:المرتبط بالسياق التواصلى العام)، ذلك للكشف عن المعنى الخفى أوالماورائى
الذى تلتقى عنده ظاهرتان مختلفتان(فى إطار موقف تواصلى معين)، وبعبارة أخرى
، الصورة هى التى تحدد حضور المعانى ، لكنها [ليست سوى وسيلة للإخبــــــــــار
والإستعمال ، وليست مجالا لإنتاج المعنى ]، إنها [الحامل للمعنى على الظهــــــــور
والإبانة أى على الحضور والمثول] ..

*






(الإيهام المسرحى : illusion)، موضوع كبير وشائك ، وقديم أيضا، فقد تعرض له
- من قبل- فلاسفة ومفكرون وعلماء نفس ورجال مسرح ، بأشكال عديدة- مباشـرة
وغير مباشرة ... وعلى الرغم من تباين مواقفهم منه ، تبعا لاختلاف المواقـــع التى
يصدرون عنها ، إلا أنهم اتفقوا- أوكادوا- على تعريفه ..
هذا وما تسعى إليه هذه الدراسة ، تحديدا، ليس محاولة (تفكيك) ذلك التعريف- فهذا
ما فعلته من قبل فى دراسات سابقة ، وسأ فعله فى دراســـــات لاحقة- بل ربما كان
العكس هـو الصحيح ، أعنى محاولة إستكماله ، بالكشف عن نقصه ، أوعما تغا فل
عنه- فضلا عما سكت عنه- كل من حاول تعريفه ..
فهذه الدراسة ، تتخذ من فرضية أن (الإيهام المسرحى)- على مستوى(النص): هو
وسيلة (المسرح الإستعارى) فى تحقيق الإستعارة ، والواقع الذى تمثل هى إنحرافا
عنه ، منطلقا لها ، وبتعبير آخر ، يعد (الإيهام)- وفقا لما تفترضه هذه الدراســــــة
- جزءا لا يتجزء من الإستعارة المسرحية ، هذا إن لم يكن هو الإستعارة نفســـــها
- وسأحاول هنا إثبات ذلك ..
وسنرى أيضا، أن(الإيهام)- على مستوى(العرض):هو وسيلة المسرح الإستعارى
لتحقيق مايطلق عليه فى علم البلاغة- والنقد الأدبى التابع له- إصطلاح (المقام أو
مقتضى الحال أوالموقف المرجعى أوالسياق التواصلى ... إلخ) ..
هكذا ، ليصير لدينا (واقعان) ، الأول : (داخلى- يتعلق بزمن الحـــــدث ، الدرامى)
، ومنه تنبثق الإستعارة النصية ؛ بماهى إنحراف عنه.. والثانى :(خارجى- يتعلق
بزمن التلقى ، المســرحى)- إذ لا أتناول هنا التلقى المتخيل للنص المكتوب- ومن
تطابق الواقعين (الداخلى والخارجى)، تمتد الإستعارة النصية لتشمل العرض ككل
.. ومن ثم فليس بمستطاع ذلك المسرح التخلى عن (الإيهام) ..
وتبعا لذلك- ومن منظور مابعد حداثى- سنكتشف أن (اللا إيهاميين) لم يخرجوا من
الدائرة الإســـــتعارية المغلقة ، أبدا ، وكل ما فعلوه لا يزيد عن إنتاج نوع آخر من
الإستعارة ، تم الخلط بينه وبين (كسر الإيهام) ..
وبالإمكان الزعم أن عدم إدراكهم لوجود (الإســـــتعارة) المختبئة وراء (الإيهام) ،
ليس سوى إعادة تكرارللموقف الأرسطى نفسه من الإستعارة- وإن بكيفية مختلفة
- فعامة يمكن القول أن إصرارهم على وجود (حقيقـــــــة ما)- أيا كان نوعها- هو
ما جعلهم يصابون بالعماء إزاء رؤية الإستعارة ؛ ففضلا عن تأسسها على فلسفة
(وحدة الوجـــود) ، فهى- فى نهاية الأمر- عبارة عن اتحاد تعسفى (مراوغ وغير
مستقر بل وغامض) بين أضداد ، فى معنى يســـتحيل العثور عليه إلا ممددا فوق
جثث معانى أخرى ، عديدة- أى أنها تنبنى على فرضيـــــــة يجرى تأكيدها بدون
يقين ..
(1)
ـــــــــــ
(الإيهام المسرحى)هو:[أحد مقومات العمل الفنى والأدبى القائم على تصوير ماهو متخيل fiction ،أى أنه عملية متعلقة بتصوير الواقع الذى يبثه العمل ،وتشترط تعرف المتلقى
على مايراه من خلال المطابقة بين مرجع العمل ومرجعه هو مما يسمح له بالتمثل .] ..
ما نلاحظه هنا، هو أنه على الرغم من انطواء التعريف نفسه على :(تصوير ماهو متخيل
، المطابقة ، التمثل)- بما يشى بوجود (الإستعارة) ، إلا أننا لا نعثر للكلمة على أثر (!)..
مما يجعلنا نتساءل عن الكيفية التى تتم بها عملية(التمثل) التى يقوم بها (المتلقى) ، عبر
(المطابقة) بين (مرجع العمل ومرجعه هو) (؟) ..
ويستحيل عد ذلك التعريف متضمنا للإســـــــتعارة- كما قد يخطر للبعض- بحيث يعد الذكر
الحرفى للكلمة من قبيل تحصيل الحاصل ، لأن الأمر لو كان كذلك حقا- كما سنرى- ماكان
أحد قد تحدث عن إمكانية (كسر الإيهام) بالكيفية التى رأيناها ، أبدا ..
(2)
ــــــــــ
فى كتابه (المخرج والتصور المسرحى) يتقدم (د . أحمد زكى) بنظرية جديدة عن (الإيهام المسرحى) ، تقول : إذا كان الإيهام المسرحى يعنى إيهام المتفرج بالحياة الواقعيـــة ، أى
[جعل كل شئ على المنصة يبدو كأنه واقعى وطبيعى بقدر الإمكان] ص 18، فهذا المنحى
لم يظهر سوى فى العصر الحديث فقط ، فالمسرح القديم [لم يستخدم الإيهام بوجود واقـع
مطلق] ، [وقد تطور إدخال الإيهام فى الشعيرة لموازنة التدهور فى قوة تأثير الســـــــحر
والأعجوبة على عقل الإنسان والمجتمع الذى يضع إيمانه فى المنطق والماديات]ص 21
، فـ [...الإيهام بوجود حياة تعاش فى داخل الصندوق السحرى... يشتد عليه الطلب عندما
يكون الخيال ضعيفا ، ويقل عندما يكون الخيال قويا] ص 20 ، ثم ينتهى إلى أن[مصطلح
الواقعية فى المسرح يرتبط فقط بدرجة المشاركة التخيلية المطلوبة من النظارة] ص 18
، وبتعبير آخر، هو يرى أن تحويل (الوهم المسرحى) إلى حقيقة ، يتوقف على أن [نؤمن
بالحدث]،وذلك الإيمان يعنى لديه [توافق العقل والخيال عند المتفرج]؛ أى[إقحام المتفرج
فى الحدث وجعله يستولى عليه]- ومعلوم أن هذا هو تعريف(البلاغة) نفسها ، فهى :(فن
الإقناع) ، أو- كما يقول (أبوهلال العسكرى) : إنها- أى(البلاغة)[مأخوذة من قولهم بلغت
الغاية إذاانتهيت إليها فهي كل ماتبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه على صورة مقبولة حسنة .] ..
ما سبق يعنى أن عدم إيمان (المتفـــــــرج الحديث : العقلانى ، المادى) بالحدث ، أوعدم
التوافق بين (العقل والخيال) لديه ، وبالأحرى ، عدم (التطابق) بين (الواقع والخيـال) أو (الحقيقة والوهم) هو الذى حول (الإيهام المسرحى) إلى (أشـكالية ملحة) ، إذ صار على المسرحيين- بل توجب عليهم- أن يقتربوا بالوهم والخيال- ما وسعهم ذلك- من الحقيقــة
والواقع ..
أى أن عدم الإيمان هذا ، هو الذى حول (الإيهام) من ممارسة (تلقائية وعفويـــة) ، إلى
ممارسة (تقنية)- فى العصر التقنى ..
والآن ، دعونا نتساءل : أليست هذه هى الإستعارة ذاتها ؟ ..
أليست الإستعارة هى التأليف بين الضدين فى وحدة مفهومية ما (أى فى معنى ما) ؟..
وهاهو يتحدث عن التأليف بين(العقل والخيال- الواقع والخيال ، الحقيقة والوهم ... إلخ)
، ويبدو- أن تلك الإستعارة ، قديما فى زمن الشـعيرة الدينية ، كانت معطى أولى ومجانى
، إذ كانت تلعب دور الواقع ذاته ، أوقل إنها كانت هى الواقع نفسه ؛ (الواقع الأسـطورى
- أوالإفتراضى) المنتج للواقع المعاش ، ولا غرابـــة فى ذلك ، فلغة الإنسان القديم ؛ لغة
(التواصل اليومى الواقعى المباشر)- فيما يقول (الأنثروبولوجيون واللغـــــويون)- كانت
إستعارية خالصة ؛ كتعبير عن الدمج العضوى بين (الأنا والعالم) ..
أما ماحدث بعد ذلك ؛ بعد اكتشاف(مبدأ الواقع ؛ كأحد نواتج النزعات الحديثة : العقلانية والتجريبية والوضعية والتاريخية والإنسانية ... إلخ)، وما نتج عن ذلك من فصل (الأنا)
عن (العالم) ، وتحويل (الأنا) إلى موضوع للمعرفة ، وتحويل المعرفة نفســــها إلى أداة
للسيطرة على الطبيعة والتحكم فيها ، باسم قيم (عقلية) عليا ؛هى تعبيرعن (مبدأ الذاتية
- الجديد- الذى تنامى منذ عصر النهضة ؛ وفقا للتعريف الهيجلـــــى) ، كل هذا ، وغيره
، أدى إلى تحويل الإســـــــتعارة من معطى مجانى ، إلى أداة مصطنعة (تعمل الذات على
إصطناعها عن قصد) للتعبير عن (الحقائق الجديدة)؛ التى تقرأها فى الواقع- الذى صار
كتابا مفتوحا ..
عملية [إقحام المتفرج فى الحدث- المسرحى- وجعله يسـتولى عليه]؛ أى عملية المطابقة
بين الواقعين(واقع الحدث وواقع المتفرج)،هى العملية التى يتم بموجبها تعميم الإستعارة
؛ أى إدماج (النظارة) فى المعنى الذى تنطوى عليــــه الإستعارة- ومعلوم أن المثول أمام
الواقع ، يعنى المثول أمام (الوعى بالواقع) ؛ فـ (الواقـــع) لا يحضر بذاته- إذ ليس هناك
واقع فى ذاته- لذا فإذا كان الإيهام هو إيهام المتفرج بالحياة (الواقعيــة) ، وإذا كانت هذه الأخيرة [فى المسرح ترتبط فقط بدرجة المشاركة التخيلية المطلوبة من النظـــــــارة] ،
فالمعنى الذى تنطوى عليه العبارة الإخيرة ،هو تصورالنظارة عن الواقع أومنطق الواقع
كما يتمثلونه ..
ولا يتناقض هذا ، مع ما يتردد عن أن إعتناء الكاتب بالتفاصيـــل يؤدى إلى إيهام القارئ
بالحقيقة ، لأن إسـتحضار التفاصيل إن هو إلا إستحضار أحد أشكال المنطق الذى تقع به الأحداث فى الواقع ..
إذن ، [... المشاركة التخيلية من النظارة] ، هى الحضور المجرد للواقـــع ، فى الوعى-
ولا شك أن هذا يختلف من عصر لآخر ومن مجتمع لآخر ..
(3)
ـــــــــ
المنطق الذى يتناول به (د . احمد زكى) موضوعة (الإيهام المســرحى) ، لايفترض
فقط إمكانية التخلى عن الإيهام ، بل إنه يقول بزواله الفعلى ، إستنادا إلى المتغيرات
الحضارية ذاتها ، أى أن الإيهام كما جاء عفويا ، فقد ذهب عفويا أيضا !..
وتبعا لهذا المنطق،يكتسب السؤال-عن المدى الذى يمكن لنا أن نعد به نظرية برخت
فى (كسر الإيهام) مجرد تحصيل حاصل- مشروعيته .. ذلك أن (تلاشى الإيهام)- فى
العصر الحديث- وفقا لما تقول به النظرية السالف ذكرها- صار بمثابـــة معطى أولى
ومجانى ، لأن اصطناع الإسـتعارة المسرحية ، الذى أصر برخت على الكشف عنه ،
وعن آلياتــه ، كان جزءا من عملية الإصطناع الإستعارى (المعممة)- التى هى سمة
العصر ؟ ..
أما عما يمثله (برخت)- بوصفه الوحيد الذى تقدم بنظرية متـــــــكاملة عن (التغريب
المسرحى- لحقيق كسر الإيهام) دون غيره من المسرحيين ؟، فيمكن القول بأن كسر
الإيهام نفسه، وعلى الرغم من أن برخت لم ينفرد به- إذ كان توجها عاما وسائدا فى
المسرح الأوربى (بما فى ذلك المسرح الألمانى بالطبع)- إلا أن وضعه له فى نســـق
مسرحى متكامل ، كان يمثل ، من جهة ، ذروة التخلى المســــــــرحى (الحديث) عن
(الإيهام)- كدال يخبئ تحته دال آخر مجهول ؛ هو (الإستعارة- الطبيعية اوالكونيـة)-
ومن جهة أخرى، يمثل تماهيا متزايدا مع (الإيهام) نفسه ،الذى اختبأ تحت إسم آخر
، هو (الإستعارة- التاريخية) ..
ولإيضاح الأمر أكثر ، أقول : إذا كان (الإيهام- القديم)، هو التطابق المجانى والعفوى
،بين(الحقيقة والوهم)- ذلك الذى كانت الأسطورة فيه تعاش كواقع يومى- كما أشرت
من قبل .. فـ (الإيهام- الحديث) ، هو الذى تصنعه الأيديولوجيات الحديثــة ، بادعائها
إدراك (حقيقة) الواقع ، أى الناتج عن التطابق بين (الذات والموضـــــوع) أو(الوعى
والواقــــــع)- وكلنا نعرف كم يرتكز مسرح برخت على وجود (حقيقة ما) ؛ إذ يسعى
لإحداث تطابق بين(الوعى- الماركسى) و(الواقع)،مما يوقعه فى الشرك الميتافيزيقى
الخاص بـ (تراتب القيـــم) ؛ أى الذى يعلى من قدر إحدى القيم فى مقابل التبخيث من
قدر قيم أخرى ..
إنها(الإستعارة الميتافيزيقية) بعينها التى تعب المنطق- بأنواعه المختلفة- على مدار
التاريخ ، فى محاولة تقنينها وحصرها وحصارها ، لإنتاج (معنى واحد وحيد) ؟..
إن ما فعله برخت هو أنه حول العرض المسرحى إلى (لعب بالإســـتعارة الطبيعية أو
الكونية) ، داخل إطار إستعارى جديد ، (تاريخى) هذه المرة ..
أعنى أن (برخت) كان يمثل النقطة التى تقاطع عندها (الخطاب المسرحى الحداثى)
مع نفسه ، حين حول (سماكة) الإيهام إلى (قشرة) ، وبلغة ميتافيزيقية- هيجليـة-
لم يكن برخت هو الذى يتكلم ، وإنما (تاريخ الفكر المســرحى) هو الذى كان يتكلم
بلسان رجل ؛ يدعى : (برتولت برخت) ..
لذا سأتوقف أمامه كثيرا- وعلى نحو إستثنائى- فى هذه الدراسة ..


******

الإستعارة
والإيهام المسرحى
ــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا كان (الإيهام المسرحى) ، هو (الإيهام بالواقع)- على النحو الذى ذكرت من قبـــل-
فهذا يعنى أن(الإيهام) هو الوسيلة التى يلجأ إليها المسرح لـ (إستحضار الواقع)؛ كما
يمثل فى الوعى ،أى من خلال مانعتقد نحن أنه(منطق الواقع) .. هذا الواقع،هو بمثابة
(الواقع الحرفى- أوالسياقى)- الذى بدونه ، يستحيل إدراك وجود(الإستعارة): بما هى
(إنحراف إستبدالى عن الواقع ، ونفى للإنحراف- فى وقت واحد) ..
ذلك أن الإستعارة تنبنى على (نعت الشئ بما لايعد من صفاته) ، وإذا كانت الإسـتعارة
تحدث خلخلة بداخل البنية السياقية المعتادة ؛إذ تحررالعلامات اللغوية من استعمالاتها
المألوفة ، مما يعد (إنحرافا)، فهذا يحدث بالنسبة للمعنى الأول (المباشر أوالتقريرى)
فقط ، أما المعنى الثانى ، فهو المنوط به نفى الإنحراف ، فقولنا- مثلا :(نحن نحيا فى
زمن حارق) ، يبدو المعنى الأول فيه غريبا ، لأن الزمن لا علاقة له بالنار ، وبالتـــى
لا يحرق ، مما يعد (خرقا لقانون اللغة) ، وهذا ما يطلق عليه (المســــتوى السياقى)،
بينما المعنى الثانى ؛ الناتج عن الإســــتعارة نفسها ، أى الذى يستعير من النار إحدى
صفاتها وهى الحرق ، ويلحقها بالزمن- تأكيدا وإبرازا لوجه شبه ما بين قسوة الزمن
والنار- فهو الذى يقوم بنفى الإنحراف- وهو ما يتحقق على(المستوى الإستبدالى) ..
إذن ، البعد السياقى هو الذى يحدد البعد الإستعارى الإســـتبدالى- لأنه هو الذى[يحدد
درجة الإنحراف الدلالى للكلمة فى الجملة] ص 14 ..
مماسبق ، يتضح أن (حضور الواقع)- بماهو الملمح الأول الذى يتوفر عليه (الإيهام المسرحى)- هو الشرط الذى يتأسس عليه وجود (الإســــــتعارة) ؛ إذ بانتفائه ينتفى
وجود الإستعارة نفسها ..

(1)
ــــــــــــ
إستمرار المسرح الإستعارى فى الوجود خارج الإطار الإيهامى ، بحاجة إلى مراجــعة
لما قال به أصحاب نظرية (كسر الإيهام) ..
وإجمالا ، (الإيهاميون واللا إيهاميون) يشـــتركان معا فى الإعتقاد بضرورة (التطابق
بين المسرح والواقع) ، ليس لأن لدينا إستشهادات موثقة يمكن الإســتناد إليها لتأكيد
ذلك، كقولنا مثلا أن (برخت- اللا إيهامى) يرفض [الإحتمالية الجمالية الصرف ، عما
يدعى بمنطق الفن]،أى أنه يرفض الإدعاء بأن [للشاعر أن يخلق عالمه الخاص]وأن
[لهذا العالم قوانينه الخاصة](120 ،121)، أى أنه يرفض أن يحقق الفن هذا الإمتياز
، الذى هو [خلق العالم الخاص الذى يمكنه ألا يكون مطابقا لعالم آخر] (121) ..
هكذا ، لننتهى إلى القول- كماهى العادة- بأن الوعى- لديه- يتطابق مع الواقع، وعلى
الفن أن يتمثل هذا الوعى تماما،وينقله إلى المتفرج ،ليمكنه من السيطرة على الواقع
ومن ثم تغييره ..
لا ، فمثل هذه الإستشهادات إنما تأتى من خارج العملية المســـرحية ذاتها- التى هى
(إستعارية بطبعها) ؛ أى أن هناك تطابق ضرورى بين المسـرح والواقع ، سواء أأقر
المسرحيون بذلك أم لا ..
وإذا كان الإيهاميون يرتكزون على (موقعة المســـــــــرح) : أى على الإيحاء بواقعية
المسرح ؛ (تحويله إلى جزء لايتجزء من الواقع) ؛ أو أن هذا الأخير ، يتمدد (إيحائيا)
فى المسرح- الذى يتماثل مع الواقع ؛عبر تمثل منطقه أوالمنطق الذى يحكمه ..
فاللا إيهاميون ، يذهبون فى الإتجاه المعاكس ، إذ يرتكزون على (مســـــرحة الواقع)
- هذا والمسرحة هنا تعنى إعادة تمثيل الواقع خياليا ؛ بمنطق (اللعب) ..
هذه العملية- برمتها- إن هى إلا تعبير عن الإشكالية الفلسفية الخاصة بـ (أيهما أسبق
فى الوجود ، الوعى أم الواقع ؟) ..
يقول(الإيهاميون) بـ (أسبقية الوعى)،بينما(اللا إيهاميون) يقولون بـ (أسبقية الواقع)
.. وبلغة بلاغية ، يرى الإيهاميون ، أن الواقع مجرد (إستعارة أوتمثيل) ؛ لماهيـــــــة
سابقة عليه فى الوجود ، بينما يرى اللا إيهاميون أن الواقع يجنـــــح نحو (التمثيل أو
الإستعارة) ..
وسأتخذ من المسرح اليونانى ومن (أرسطو) تحديدا- مثالا على الإيهاميين :
تطور الحدث الدرامى action- لديه- وفقا لقانون (الضرورة أوالإحتمـال) يعنى (توالد)
الأحداث من بعضها البعض بـ (الحتم) أوبـ (الإمكان) ؛ وفقا لإمكانات (الشـــــــــخصيات
والصراع الناشب بينها ) ..
لكن [... حدود قانون (الضرورة أوالإحتمال) وبتعبير آخر (الحتم أوالإمكان) هى الكـون
كله ، وفهم الكاتب لهذا القانون هو الذى يحدد الفواصل التى تقوم بين ما هو (حتمـــى)
وماهو (ممكن) . ] (1) ..
إذن لدى المؤلف عدد من الأحداث هى بدائل (محتملة) يمكن له الإختيار فيما بينها وفقا
لما يتصور أنه التطور (الحتمى أوالممكن) للحدث الدرامى .. أما الســــــــؤال عما حدى
به إلى اختيار هذه الأحداث (تحديدا) ، دون غيرها ، وعدها متوالدة حتما أوعلى ســبيل
الإحتمال من الأحداث السابقة عليها ، فهو الســؤال عن الجبرية المفترضة التى يخضع
لها الحدث الدرامى فى مساره التطورى ..
فى المسرح كله- عدا المسرح الواقعى والكوميديا عامة- تتحدث الشــخصيات من خلال
صوت أيديولوجى واحد وحيد مهيمن- وبالإمكان العودة إلى(باختين) ؛ لإدراك هذا الأمر
على نحو أكثر تفصيلا- لنعرف أن (الوحدة العضوية) إن هى إلا إســـتعارة جسدية ذات
دلالة كاشفة عن (وحدة النسق الأيديولوجى المهيمن على ذلك المسرح) .. ويتمحــــور
معناها حول أن بناء الأحداث والشـــــــخصيات يشبه بناء أعضاء الجسد فى ترابطاتها
واعتماداتها المتبادلة- بحيث أن كل عنصر من العناصر المكونة لها لا يستمد قيمته إلا
من خلال انتسابه إلى الجسد ككل ؛ بمايعنى أن اختيار العنصر يتحدد بمدى قدرته على
القيام بأداء (وظيفى) محدد وصارم ، لا يحيد عنه أبدا ..
(الوحدة العضوية)- كإستعارة جسدية- بحاجة إلى تمحيص هنا .. إذ ما الذى يعنيــــــه
إستعارة الترابطات العضوية التى يتصف بها (الجسد) وخلعها على (النص) ؟..
الجسد الذى يتكون من مجموعة من الأجهزة المترابطة عضويا عبر أدائها لمجمـوعة
من الوظائف المتكاملة فيما بيينها ، هذا الجسد هو الحد (الطبيعى) الذى يقاس عليـــه
النص- عبر الإستعارة .. ويبدو واضحا أن تلك الإستعارة إنما حولت (الطبيــــعى) إلى
(ثقافى) ؛ (من الجســـد إلى النص) ؛ دون أن يعنى هذا أنها اتخذت من الجسد نموذجا
لها- وأعدت النص(نسخة) من هذا النموذج الطبيعى- لا، بل كل منهما(الجسد والنص)
يرتدان إلى (نموذج باطنى) ؛ كما أشرت من قبل ..
هكذا- وها هى نظرية المحــاكاة ، المشار إليها من قبل أيضا ، (تلك التى تتأسس على
المطابقة بين العلامة والمرجع) تعود لتكشف عن نفسها من خلال ترســـــانة المفاهيم
المتجذرة فى تربتها ..
هذا ، و[... الصراع فى التراجيديا- كما يقول المعلم الأول ... عبارة عن كيفيــة فعل لا
كيفية وجود ، لأن ما هو موجود (بالضرورة) لا يدخل فى نطــــاق الفن الدرامى الذى
يهتم أساسا بما (يحتمل) أن يوجد ، وبعبارة أخرى بكيفية الســــــلوك والفعل ، بسبب
وجوده لا بوجوده ذاته . وبالدوافع التى أدت لحدوثه لا بكونه حادثا (كمثل المحــاكاة
فى الدراما تكون لفعل الشخصية لا للشـــــــــخصية ذاتها) فالدراما تهدف إلى تعريف
المشــــــاهد بالآتى : لماذا حدث فعل ما وكيف حدث ؟ ... الفعل الدرامى- إذا- لابد أن
يخضع لهذا القانـــــــــون ، بمعنى أن يكون (ممكن) الحدوث ولو لم يكن قد حدث فى
الواقع . ] (2) ..
وبالإمكان تناول هذا الأمر من ناحيتين :
الأولى: وهى إعادة تناول- من زاوية أخرى- لما ذكرته من قبل عن (الوحدة العضوية) :
التطور الحتمى أوالمحتمل (للحـــــــدث أوللفعل الدرامى) بحاجة إلى (علل) ملائمة ؛ إلى
مبررات (منطقية- إجتماعية ، ثقافية) مديرمة- متوافقة مع تقديرات المشـاهد وليس مع
تقديرات المؤلف فقط .. مما يضعنا ، حتما ، أمام الإشكالية التى يتأسس عليها وجــــــود
المسرح القديم والحداثى برمته ، تلك الإشــــــكالية تتلخص فى أن تطور الحدث الدرامى
لا ينبع من تفاعل الشـــــخصيات الدرامية ذاتها مع بعضها البعض- ومن البدهى أن ذلك
ليس بالإمكان ، لأن الشـخصيات لا تتمتع بالوجود فى ذاته- بقدر ما يرد إليه من الخارج
، أى أنه يخضع لأيديولوجيا المؤلف وأيديولوجيا المشـاهد ؛ وهذه الأخيرة ، هى نفسها
[درجة المشاركة التخيلية المطلوبة من النظارة] ..
مما يعنى أن المفاهيــــم المسرحية المتداولة منذ زمن بعيد ؛ تلك الخاصة بـ (بالضرورة
والحتمية والعضوية ...)إنما تنتسب إلى الوعى الأيديولوجى ذاته،إلى الحقيقة أوالماهية
التى يعد (الوجــود) بالنسبة إليها مجرد تحقق لها فى الخارج ، ويبدو واضحا أن علاقة
الماهية بالوجود- هنا- مجرد علاقة(إستعارية)تناسينا أنها كذلك وتم إعتمادها كحقيقة!..
وما أعنيه بذلك هو أن الأحداث اللاحقة المتوالدة من الأحداث السابقة ، رغم احتماليـتها
، إلا أن (النقد المسرحى)- بماهو (وعى) المسرح بنفسه ، عدها توالدا (حتميا) : فـ [...
تطورات الحدث الدرامى فى مفهوم أرسطو وغيره ... لابد أن تتسم بالحتميـة التى تجعل
أى تطور للموقف منذ بدايته هو التطور الوحيد المحتمل ](4) ، ذلك لأن تطـور الحدث :
[شئ وراء ماتدركه الحواس ، شئ يحتاج إلى أكثر من مجرد الإدراك الحسى، بل يحتاج
إلى القدرة على فهم ما يجرى وربطه بعضه ببعض حتى تكتمل الصورة ...] (3) ..
ولعله يبدوواضحا بمافيه الكفاية أن الحدث الدرامى أوالحركة الداخلية للأحداث أو[الخط
غير المرئى](5) ،هو خط الوعى نفسه.. مما يعنى أن تحويل (التوالد الإحتمالى للأحداث
- من بين توالدات أخرى ممكنــة) إلى (توالد حتمى) ، ليس أكثر من مطابقة بين (الذات والموضوع- مما يجعل الواقع شفافا) أومطابقة بين (الوعى والمقــولات) ، بين (الوعى
والشكل) ،بين(المدلول والدال) .. فـ [ الوعى لايعترف إلا بما يحضر ... لديه فيتخذ شكل
الدلالة والمعنى والقانون والهويـة ، فيتطابق هكذا مع مقولاته . وتذهب فلسفة الوعى ، أوفلسفة الحضور هذه إلى القول بأن كل ماهو واقعى لا يمكن إلا أن يكون عقليا، أى أن
كل ماهو واقعى (سيكولوجيا كان أوموضـــــــوعيا) لابد وأن يحضر فى الوعى وتتمثله
المفاهيم العقلية ] (6) ..
وهذا هو نفسه التأسيس الفلسفى للإستعارة- ويعنى المطابقة بين العلامة اللغويــــــــــة
والمرجع ،أوأن الأشياء تتشابه مع الكلمات ،ومع المعنى على الأخص،لأنه يسبق اللفظ
فى الوجود ..
الثانية :
نحن نعرف أن(العرض المسرحى) بحكم طبيعته التجسيدية ، بقدر ما ينصب على (كيفية
الفعل) فإنما ينصب أيضا- وبالأساس- على (كيفية الوجود) ، أى أن أرسطو حين يعرف
التراجيديا بأنها:(محاكاة لفعل نبيل تام ،عن طريق ممثلين ...)إنما يتناسى أن(الممثلين) المؤدين لذلك الفعل سوف يظهرون حتما (كأشــــــخاص) أمام الجمهور ؛ أى أنهم جزء
لا يتجزء من الفعل نفسه ..
ما الذى يعنيه هذا ؟ ..
أرسطو كان معنيا فقط بـ (الدراما المكتوبة)؛أى بالنص اللغوى،هذا لأنه لم يكن منشغلا
بـ (الموجود) نفسه ، وإنما بـ (الوجود) : أى بالماهية المجردة- كما أشرت من قبل ..
هذا و(الماهية- بماهى موضوع الميتافيزيقا وغايتها)؛ مجرد لغة ، ولاوجود لها خارج الإستعارة اللغوية ..
وكما نعرف ، فقد ظل المنظرون (شراح البويطيقا- لأرســــطو) ، يدورون فى فلك تلك
(الماهية- اللغة) قرونا طويلة ، أهملوا معها العرض المسـرحى ذاته ، إذ لم يلتفت إليه
(كإشـــــكالية) ، سوى ببطء شديد ، وعلى مضض ، بدءا من عصر النهضة : (مقدمة
العصر الحديث) ؛ حين شرع (سيريليو ، وغيره) فى تغيير المناظر المسرحية ..
وما يعنيه هذا هو أن الجمهور القديم لم يكن (متفرجا أومشاهدا) ، وإنما (مســـــتمع)
فقط ، فعبر إطلاق العنان للمخيلة ، فى المدى المتسع بلا نهاية للإستعارة اللغويــــة ،
كان يتطابق مع (الماهية) ..
هذا ، والمسرح اليونانى عامة- بحكم نشأته ومرجعيته- كان يتعامل مع شـــــخصيات
أسطورية (أى لغوية) ، وحين انتقالها إلى المســرح ظلت محتفظة بطبيعتها تلك ، لذا
فتناول (التاريخ) فى (الفرس- لأيسخيلوس) جاء لغويا أيضا؛ أى محولا إلى أسطورة
(دون أن يعنى هذا عدم الإحالة إلى الواقع- فالواقع نفسه كان مختلطا بالأســطورة)-
أعنى أن الشخصيات التاريخية لديه كانت مصاغة بلغة أساطيرية ؛أى أنها شخصيات
نموذجية ، بلا مثيل واقعى أوأكبر من الإنسان الواقعى (لأنه لم يكن لديهم معيـــــــــار
يقيسون عليه الواقع سوى النماذج الأسطورية) ..
وكان على (الممثل- فى المسـرح اليونانى) أن يتشبه فى أدائه بالنصوص- كان عليه
أن يشبه اللغة اللانهائية ، ومن ثم كان أداؤه المرئى مرمزا (وكان إخفاؤه لنفســــــه
وراء قناع ، هو إخفاء للواقع النهائى نفسه ، أوقل أن العلامة المسرحية- ممثلة فى
القناع والملابس والأحذية العالية- كانت تبتلع المشار إليه تماما) ..
وعن علاقة هذا بـ (الإيهام المســــرحى) الحديث- فلم يزل القائلون به يصدرون عن
تصور فلسـفى (هيجلى) ؛ يرى إمكانية الوعى بالواقع على نحو كامل ، ويقينى ، أى
أنهم يقولون بالتماهى بين الذات والموضوع- ويعد (ستانسلافســــكى) نموذجا على
ذلك ؛ كما أشرت فى دراسة سابقة ..
وإذا كان الإيهاميون يطابقون بين (اللغة والأشـياء) ، فليس باستطاعتنا الزعم بأن
اللاإيهاميين عمدوا إلى الفصل بينهما ، فعلى الرغم من ارتكاز عروضـــــــهم على
(المشار إليه أوالمرجع) ، إلا أن أثر الديكارتية عليهم ، ومن بعدها الهيجلية ، كان
أكبر كثيرا من الإنزياح النسبى الذى أحدثته الكانطية فى علاقتنا المعرفية بالواقــع
، أعنى أن التماهى المطلق بين (الذات والموضـــــوع أوالوعى والواقع) ، ظل هو
السائد لديهم (عبر مفاهيم : الحتمية والعلية ...) ، نعم ، أن الأشــياء لديهم لم تكن
تقول أكثر مما تقوله اللغة (المؤدلجـــــة هذه المرة) ، غير أنه- داخل الإطار نفسه
- أمكن لهم اللعب بالعلامات ، كنتيجة لإدراكهم الفرق بين العلامة والمشــار إليه ،
وليس إدراكهم الفصل بينهما- ذلك الفصل الذى سيتمحورحوله عالم مابعد الحداثة
برمته ، وما يمكن قوله هنا ، هو أن إنجاز اللا إيهاميين الأكبر والأهم- فى مجـــال
المسرح- إنصب بالأساس على (الإحساس بالقلق) من المطابقة بين (العلامــــــــة
والمشار إليه) ؛ وربما أمكن القول أنهم أدركوا الفصل بينهما- إذ أحسوا بمراوغة
العلامة- دون أن يتمكنوا من تعيينه بوضوح .. وهاهو (برخت) يقول : [الفــــــن
يستطيع أن يتوصل إلى التأثير ... عن طريق الصور غير الكاملة والخادعة أوالتى
فات أوانها،عن العالم . إنه يستطيع بمساعدة الإيحاء الفنى ،الذى يمكن استخدامه
،أن يسبغ شكل الحقيقة على أكثر الإدعاءات سخفا حول العلاقات الإنسانية. وكلما
كان الفن أقوى قلت إمكانية السيطرة على الصور التى يخلقها . الإلهام يحل محــل
المنطق ، والبلاغة محل الحجج ...] (120) ..
وبما أن (برخت) هو المعنى الأكبر من بين المسرحيين جميعا بـ (كسـر الإيهام) ؛
إذ هو الوحيد الذى تقدم بمشروع مسرحى متكامل لمعالجة هذا الأمر ، فســــأتخذ
منه مثالا على اللا إيهاميين :
(الإيهام المسرحى)- لديه- هو تلك الحالة التى تبدو فيها الظواهر الإجتماعية خالدة
وطبيعية وثابتة ، ومفتقرة إلى الخصائص التاريخية (122) ، هكذا ، وفيها [تبـــدو
وكأنك شاهد على حادثة عابرة(حقيقية)حدثت لتوها وفى هذه اللحظة،وكل شئ هنا
يكتسب هيئة طبيعية بحيث أنك لا تعطى الحرية لأحكامك ولا لمخيلتـــــك ولا لردود
أفعالك بل تخضع للمنظر، تتعاطف معه ، فتصبح أنت جزءا من الطبيعة](104) ..
ثم يزيد (برخت) الأمر إيضاحا ، فيقــول : [إن الإندماج مع الناس المتغيرين ، ومع
الظروف المتحولة ، ومع الألم المعالج وغيرها أمر غير ممكن . إن بإمكاننـــــــا أن
نندمج مع لير طالما كانت جذوة نار مصيره تتلألأ فى صدره ،وطالما بقى دون تغير
، بينما تصور أفعاله فى خضوعها التام لطبيعته وفى حتميتها التامـة وتحديدها من
قبل القدر ...] (121،122) .. إذن ، هو يرى أن جوهر المسـرح الدرامـــاتيكى (أو الأرسطوطاليسى) يكمن فى (إندماج)المشاهد فى الماهية الثابتة- المتعلقة بالحادثة
وبالشخصية- تلك التى يصنعها قدر غامض ..
ما نلاحظه هنا ، هو أن استيلاء الطبيعة على المتفرج يتجسد فى اســـتيلاء الحدث
المسرحى عليه ، وان ذلك الإستيلاء ينتج أساسا عن (ثبات- الواقع أوالشــخصية)
؛ أى عن (المألوفية) ، أوعن رؤية العالم كما اعتدنا أن نراه دائما ..
وإذا كانت (المطابقة بين الضدين- المتفرج والحدث) هى عماد الإســـــتعارة ، التى
يمكن أن نطلق عليها إصطلاح (الإستعارة المألوفـــة) : أى التى تستعير من الواقع
مألوفيته ، للتعبير عن حقيقة ثابتة ، سابقة عليه فى الوجود .. فـ (برخـــــت) يرى
أنها هى نفسها التى تؤدى إلى (الإيهام) .. هذا فى مقابل (التاريـخ- المتغير بطبعه)
؛ وبالأحرى ، الوعى التاريخى (الذى ينزع عن الواقع ثباته ومن ثم مألوفيتـــــه) ،
مما يحرر المتفرج من الوقوع فى الوهم الميتافيزيقى ..
ليبقى السؤال ،عن حقيقة (تحرر التاريخ عند برخت من الإستعارة ؟) ، هو السؤال
الكامن خلف جميع الأسئلة التى أثارها (النقاد) حول مشروعه ..
التصور البرختى عن (الإيهام) ، يثير إشكالية (مثول الذات أمام الحادثة) ؛ فى هذه
اللحظة(أى الآن).. وهى نفسها فكرة(ميتافيزيقا الحضور)- التى أشار إليها هايدجر
والتقطها (دريــــــدا) ليشيد عليها مشـروعه التفكيكى كله .. ونلاحظ بأنها تمتد من
الفلسفة اليونانية ، ثم تعثر على تبلورها الأول (الحديث) فى الفلسفة الديكارتيـــــة
، إلى أن تكتمل تماما عند (هيجل) ..
ما يرفضه (برخت) تحديدا ، هو (التعريف الماهوى للحادثة- كظاهرة) ، لكنه بذلك
يصير أول من يصطدم بالطبيعة المثولية أوالحضورية للفن المســـــرحى (فهو فن
قوامه المثول أوالحضور : مثول ذات المتفرج أمام الحادثة ،هنا والآن)- أعنى أنه
برفضه للتعريف الماهوى ،اكتشف الميتافيزيقا التى يتأسس عليها الفن المسرحى
برمته- وبتعبير آخر ، لقد وضع يده- دون أن يعى ذلك- على (الأساس الفلســــفى
الميتافيزيقى الذى تأسـست عليه الإستعارة- التى ينطوى عليها الفن المسرحى)..
وإذا كان (الإيهام المســرحى)- لديه- يرتكز (تقنيا) وفى الأساس على [... إندماج
المشاهد مع الممثل ومن خلاله مع الشـــــــــخصيات والأحداث على خشبة المسرح]
(121) ، بما يعنى أن العلاقة الإندماجية بين (المشــــــــاهد) و(الممثل) ، هى مفتاح
الدخول (الإيهامى) إلى (الحدث الدرامى)- فـ (المســــــــافة- التغريبية) التى وضعها
بين المتفرج والحدث ، لم تكن سوى محاولة منه (لإرجاء تكون الإســتعارة) ، هكذا
، تبديدا لميتافيزيقا الحضور ، مما يمكن معه الزعم بأن محاولة برخت- تلك- كانت
أول إرهاص مسرحى (ما بعد حداثى) فى التاريخ ..
وتتلخص المفارقة البرختية- كما يقول(دورت)- فى أن تصوره عن أن منبع (الإيهام
المسرحى) ينحصر فى المألوفية مع الواقع الفعلى والأيديولوجى- التى دأب المسرح
على تقديمها- كان الدفع له على الإعتقاد بأن مامن سبيل لكسرالإيهام سوى بتحطيم
المألوفية نفسها؛ عبر مايعرف لديه بـ (التغريب- verfremdungs-effekt): أى
[أثر المسافة والبعد والغرابة] ؛ فلكى [يوجه المشـــاهد إلى النظر إلى الأحداث بعين
فاحصة وناقدة]لجأ إلى نفى المألوفية عن[الأحداث القابلة للتعديل من قبل المجتمع]
أى أنه يمنح [الأحداث التى يتلاقى فيها الناس وجها لوجه مظهر أحداث غريبــــة ،
ووقائع تتطلب الإيضاح ، أحداث معقدة وغير طبيعية] ص 232 ..
ثم يتحدث (دورت) عن تقنية (المرآة المعكوسة أوالصــــورة المرتدة) التى اتكأ عليها
برخت ، فيقول : [... المسرح الحالى لا يعير العالم ولا الصراعات الاجتماعيـة الكبرى
إهتماما. إنه لايصلح سوى الرؤية التى يملكها مشاهدو هذا المسرح. وهكذا فالجمهور البرجوازى لا يجد فيه سوى مايحمله معه] ثم يقول :[لم يختر برخت فسخ العلاقة مع
لعبة الإنعكاسات هذه ، وإنما على نقيض ذلك أراد أن يزيد عليها . إنها حقا الصـــورة
التى يكونها جمهور المسـرح المألوف عن الحياة والمجتمع والتى سيحملها هو نفسه
إلى المنصة- ولكن دون أن يخدع بها . ومن هنا ، يمكنه أن يشهر بلا واقعيــــــة هذه
الصور وبطابعها الايديولوجى] ص 226
ويضيف : [فمرآة المسرح لم تعد تعكس جمهــــــــور الصالة بل تكشف عن التنكرات
الأيديولوجية لهذه الصالة ،عندئذ تعيدنا هذه المرآة فجأة إلى حقيقتنا ذاتها]،[وحقيقة
الأمر أن مايكتشفه المشاهد فى اللاواقعية ... هو اكتشاف ذاته ، وفى مرآة المســرح
المقلوبة ... يرى المشاهد وجهه الحقيقى بارزا من خلال قطع مختلفة للوحــــة بازل
مخربة] ص 228 ..
وما يمكن قوله هنا ، هو أن (تطابق) مرجعية الحدث مع مرجعية المتفرج- الذى هو
(الإيهام) ، هو ، فى حقيقة الأمر ، تطابق بين ما يقدمه المسرح وما يعرفه المتفرج
، مما يعنى أن (المســــرح الإيهامى)- طوال تاريخه ، ومن منظور برختى بحت- لم
يقدم سوى (إستعارات ميتة) ، وإن بدت بعضها حية ..
ثم يجمل (دورت) الحديث عن المشروع البرختى قائلا : [إن برخت لايعرض الحقيقة
وإنما الخيال] ، [لكن الإفراط فى الخيال ، يؤدى بالضرورة إلى أن يضمحل وينفذ من
جديد إلى الحقيقة ...] ص 227 .. ويعنى بذلك- إستنادا إلى (ألتوسـير)- أن [طريقتنا
المغلوطة الضالة فى أن نعيش التاريخ تعرض على المسرح: إن العالم المسرحى هو
مكان لسلوكنا وآرائنا الأيديولوجية(لامكان للحقيقة المأساوية أوالعلمية)]235/ 236 ..
هكذا،فما فعله برخت- أوماحاول أن يفعله- بتفجير مألوفية العالم بالتغريب،هو تفجير
(التشابه- الإستعارى) بـ (الإختلاف)؛أى بالبحث عن المعنى الآخر(الغائب)والمتوارى
وراء الأيديولوجيا السائدة- المتسمة بالحضور ..
وإجمالا- إذ ليس فى مخططى مناقشة مســرح برخت برمته- يمكن القول أن ما يحول
دون إدراجه فى إطار(مابعد الحداثة)، هو انطواؤه على(حقيقة مطلقة)، يقول(دورت)
، فى مسرح برخت (الأم شجاعة- على ســبيل المثال) : [... لا تذكر أية حقيقة توافق
جميع الناس وكل الأزمنة لا فى الصالة ولا على المنصة . إن تمثيلها وعملها من فعل
عامل ثالث ، هو الحقيقة التاريخيــة ذاتها التى تحيط بالصالة والمنصة من كل جانب
والتى تكون أفق المسرح بالمعنى الحرفى للكلمــــة] ، ويضيف قائلا : [يجب ألا نتكلم
عن الحقيقة الرمزية للعمل المسرحى ولا عن بصيرة لا تخطئ لدى المشـاهدين وإنما
عن جدل بين المنصة والصالة لا ينغلق على نفسه، يكشف عن حقيقة ويولدها فى آن
واحد :أى العالم الحقيقى والمجتمع الواقعى الذى يعيش فيه الممثلون والمشاهدون]
235 ..
هكذا ، فبرخت لا يتجاوز الطرح الميتافيزيقى القائل بوجود (حقيقة) يضمرها الواقع ،
وما مسرحه برمته سوى محاولة للإمساك بتلك (الحقيقة- التاريخية).. ويبقى السؤال
عن الكيفية التى يمكن لبرخت أن يمسك من خلالها بتلك الحقيقة (؟) - هكذا ، لنجــــد
أنفسنا ، من جديد ، أمام (الإستعارة) ؛ وإن كانت (تاريخية) هذه المرة !..
مما سبق ، ما الذى يمكن أن نخلص إليه ؟ ..
يختلف الإيهاميون عن اللا إيهاميين فقط فى نوع الإستعارة التى يعمل كل منهما من
خلالها ، فالإيهاميون يعملون فى إطار الإستعارة (الكونية) ، بينما اللا إيهاميـــــــون
يعملون فى إطار الإستعارة (التاريخية) ، ولأنهما- معا- تبنيا تعريفا موحــــدا للإيهام
، فلم يدركا أن الإختلاف بينهما يكمن فى مكان آخر غير الذى يعرفانه ..
لقد اختلفا فى تأويل العالم ، لكنهما اتفقا على اتخاذ الإستعارة وسيلة للتعبير عن هذا
التأويل ، دون أن يدركا أنها هى الإسم الآخر للإيهام ..

*****





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,107,145
- (1) التأسيس الميتافيزيقى لفن التمثيل
- التجريب فى المسرح المصرى وتقويض الحداثة
- الثورة المصرية ، تمثيلات (اللغة والواقع والجسد)


المزيد.....




- كازاخستانية تفوز بـ -أفضل ممثلة- في مهرجان هونغ كونغ السينما ...
- -حاصر حصارك- إضاءة على ظلّ محمود درويش
- -دفتر سنة نوبل-... ذكريات ساراماغو في كتاب
- سيد درويش: صوت ثورة 1919 الذي أشعل حماس الجماهير في مصر
- اللجنة الفنية السعودية المصرية تبحث سبل تعزيز التعاون الفني ...
- العثماني يجري مباحثات مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدول ...
- رئيس جمعية الصحفيين البحرينية: سأحارب من أجل المسرحين... ولن ...
- شريف الدسوقي يحكي لـ-سبوتنيك- قصة نجاحه في فيلم -ليل خارجي- ...
- رئيس الحكومة يستقبل أمانة الاتحاد الدولي لنقابات العمال العر ...
- الثقافة تقيم حفل النسخة الرابعة لجائزة الإبداع – بغداد – طه ...


المزيد.....

- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد حامد السلامونى - المسرح الاستعارى