أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - منذر علي - اليمن ومكر السياسة















المزيد.....


اليمن ومكر السياسة


منذر علي

الحوار المتمدن-العدد: 3449 - 2011 / 8 / 7 - 02:30
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


في مقالته المنشورة في صحيفة القدس العربي في 6 يونيو 2009 بعنوان " هذه حقيقة الوحدة... وهذا رأينا " ، سعى الكاتب الصحفي والسياسي اليمني ، أحمد عمر بن فريد ، إلى طلب التضامن و الدعم العربي مع ما يعرف "بالقضية الجنوبية" في اليمن، ليس بهدف إخراج اليمن من الوضع البائس والمأساوي الذي يوشك أن يعصف به ، بل بإدخاله في وضع أكثر بؤسا ومأساوية ، من خلال دعوته الصريحة للعرب إلى دعم انفصال جنوب اليمن عن شماله ، و بالتالي دفع اليمن إلى أتون الحرب الأهلية والتمزق.

فبركة التاريخ:

ولهذا الغرض ، غير المنطقي وغير النبيل في مراميه ، يختلق الكاتب ، بن فريد ، ويفبرك هوية جديدة لجنوب اليمن، ويحاول أن يسفه موقف القوميين العرب من الوحدة العربية، ويستعين بحكمة جمال عبد الناصر من قضية الوحدة بين مصر وسوريا ، ولكن في غير دلالتها الايجابية، ويرى أن موقف الكتاب العرب ، المدافعين عن وحدة اليمن، يتسم ، حسب تعبيره ، " بكثير من الحماسة وقليل من الموضوعية إزاء ما يحدث في الجنوب " وأن جل مقالاتهم " كانت بعيدة كل البعد عن الواقع وعن حقيقة ما حدث ويحدث هناك. “ وبالتالي ينبري لدعوتهم لزيارة جنوب اليمن لمعرفة الحقيقة عن قرب، كما يراها هو عن بعد، وليس بالضرورة كما هي قائمة في الواقع الموضوعي. ويشيد بن فريد، وإن بشكل غير مباشر، بديمقراطية الإسرائيليين وتسامحهم تجاه الفلسطينيين في فلسطين المحتلة، قياساً بما يجري في اليمن من ممارسات للسلطة تجاه اليمنيين في جنوب وطنهم، و في الأخير يدعو العرب إلى دعم الانفصال وتمزيق اليمنيين كمخرج للأزمة القائمة في بلادهم.

ولئن كان الكاتب يحمل جواز السفر اليمني ، ويعيش ، حسب ما تشير إليه كتاباته ، في مدينة برن السويسرية، كلاجئ سياسي ، منذ فترة قصيرة ، وهو لم يكتسب بعد الجنسية السويسرية ، إلاَّ أنه ينطلق في مقالته المذكورة من هوية وطنية مشوشة غير هويته اليمنية المعروفة، باختلاقه هوية جديدة يسميها " جنوبية" ، انسياقاً وراء أهوائه الانفصالية ، فيرتبك القارئ جراء ذلك، ولا يعلم أن كان الكاتب يقصد جنوب السودان، أم جنوب لبنان ، أم غيره ، حتى يدرك من سياق المقالة أن الكاتب يتحدث عن جنوب اليمن ، كل ذلك في محاولة مقصودة ، قائمة على التزييف للتاريخ ، لنسف ومصادرة الهوية الوطنية اليمنية الواحدة للشعب التي رسخها اليمنيون في وعي أبنائهم عبر ثورتهم المجيدة و من خلال كفاحهم العنيد ضد التدخل الأجنبي وعبر مسيرتهم التاريخية الظافرة الممتدة لآلاف السنين.


وفي محاولة لجذب الدعم العربي للمشروع الانفصالي، يسعى الكاتب بحماس منقطع النظير إلى تسفيه القومين العرب، بسبب نزوعهم إلى وحدة الأمة العربية. إذ يقول "أن هذا المعنى العظيم ( بقصد معنى الوحدة) قد أستغل بطريقة ابتزازية من قبل الكثير من الزعامات والنخب العربية " ، وهو هنا يبدو كما لو أنه يقول أن النخب القومية العربية التي حملت راية المشروع القومي العربي وسعت جاهدة نحو الوحدة ، كانت هي السبب الجوهري لما يعانيه العرب اليوم من تخلف اقتصادي وحضاري شاملين، إما أصحاب المشاريع القُطرية وأنصار الفكر غير العقلاني و مروجي الانقسام و الداعيين إلى الإقليمية والضالعين في الفساد والتبعية للقوى الإمبريالية الكبرى و المساهمين الفعليين في غياب العدالة الاجتماعية و انعدام الديمقراطية في عالمنا العربي، ليسوا هم السبب الحقيقي للازمات المتعددة الأوجه التي تعصف بعالمنا العربي اليوم !

توظيف بائس للتاريخ


ولئن كنا نتفهم إعجاب وتعاطف الكاتب مع الأنظمة المحافظة في المنطقة ، فأن غير المفهوم ، و غير المتوقع ، أن يشيد الكاتب بدور القائد العربي الكبير جمال عبد الناصر، غير أن الصورة تنجلي بسرعة للقارئ حينما يدرك أن الكاتب لا يشيد بعبد الناصر بسبب مواقفه الوحدوية العظيمة ، وإسهاماته الرائدة في تحرير الأمة العربية، و خاصة دوره المشهود في تحرير اليمن من النظامين الكهنوتي و الاستعماري، ولكن بسبب رضوخه ،مُكرها ، لمطالب الانفصاليين في سوريا عام 1961.

الكاتب يوظف مواقف عبد الناصر الوحدوية العظيمة لتحقيق غاياته الانفصالية الدنيئة، إذ من الواضح أن جمال عبد الناصر كان قد ناضل بثبات من أجل وحدة الأمة العربية، وحينما وقعتْ كارثة الانفصال، وجه ناصر في تشرين الأول / أكتوبر 1961 خطاباً تاريخيا إلى الأمة العربية، وكان مما جاء فيه:
"لقد أحسست أنهم يريدونها معركة تقتتل فيها عناصر من أبناء الشعب السوري مع بعضها، معركة تقع فيها الفتنة بين الشعب العربي في سوريا وبين الشعب العربي في مصر، معركة تقع فيها شعوب الأمة العربية في حيرة تتوه بعدها في الظلام. ..... وبناءً على ذلك فلقد أوقفتُ جميع العمليات العسكرية التي كانت قد بدأت لمناصرة الجموع الشعبية الثائرة ضد الحركة الانفصالية في سوريا "
وهنا يتبيَّن لنا إن جمال عبد النصر رضخ لذلك الانفصال المشئوم ، ليس رغبة منه ، وإنما اضطراراً ، بسبب البعد والفواصل الجغرافية بين مصر وسوريا ، و بسبب التأمر العربي والدولي على حركة التحرر الوطني العربية وعلى وحدة القطرين الشقيقين ، وهو انفصال مأساوي ، بكل المقاييس ، حيث كانت له نتائج مدمرة على المشروع القومي العربي ،و قد أدانه ،فيما بعد ، جل العرب ، فضلا عن أولئك الذين خططوا له ونفذوه.

لقد قبلّ جمال عبد الناصر بقرار الانفصال ، الذي قامت به عناصر عسكرية سورية متآمرة في 28 أيلول/ سبتمبر 1961 ، في محاولة منه لاستباق الحرب الأهلية المرتقبة في سوريا ، ولمنع تمزيق البلد وتشرذمها بين أنصار الانفصال ودعاة الوحدة هناك ، و بالتالي فأن موقفه كان وحدوياً في الجوهر.

إما بن فريد وأمثاله ، فأنهم الوجه الآخر ، المأساوي للسلطة القائمة في اليمن، حينما يدعون إلى انفصال الجنوب عن الشمال ويدفعون الوطن إلى الحرب الأهلية ويمهدون الطريق لتمزيقه وتشرذمه خدمة لأهداف مشبوهة .

وبالتالي ليس هناك ما يجمع السلطة أو الداعيين إلى الانفصال بقيم ومبادئ جمال عبد الناصر، فالسلطة القائمة في صنعاء اليوم ، تجسيد ٌ لكل مظاهر الفساد والقبح والفوضوية التي تعصف بحياتنا ، ودعاة الانفصال ،هم الوجه المأساوي لتلك السلطة ، ماداموا يعملون، بالضد من مبادئ عبد الناصر ، وبالضد من تطلعات شعبنا اليمني ، من خلال دعوتهم الصريحة إلى الانفصال والتحريض عليه، و في الوقت نفسه سعيهم الحثيث إلى توظيف المواقف الوحدوية النبيلة للقادة التاريخيين لأعراض انفصالية بائسة.


تلميع الأنظمة المحافظة

وقد يبدو من التعسف الإشارة هنا إلى أن الكاتب ، وفي محاولة منه للحصول على دعم عربي سخي لمشروعه الانفصالي ، يحاول تلميع الأنظمة العربية المحافظة، المرتبطة بالمشروع الإمبريالي والصهيوني، التي تآمرت على المشروع القومي العربي ، فضلا عن تآمرها على الشعب اليمني وعلى ثورتي سبتمبر وأكتوبر اليمنيتين المجيدتين ، وما برحت تتآمر على اليمن و على وحدته، وعلى تطلعات الأمة العربية في التحرر من المشروع الصهيوني والامبريالي ، والسعي الدءوب نحو مشروع قومي عربي ديمقراطي تقدمي في المنطقة، غير أن مناشدة الكاتب للقيادة السعودية، المنشورة ، في موقع "السياسي برس" في 4 يونيو 2009، التي يدعو من خلالها " مقام صقر العروبة خادم الحرمين الشريفين" ، إلى دعم مشروعة الانفصالي ، تجلي الأمر كثيراً، وتسقط عنا تهمة التعسف وتكشف عن نوايا الكاتب الحقيقية ، وعن ما هو أبعد من مجرد طلب الدعم العربي لانفصال جنوب اليمن عن شماله.

وليس لنا ، بالطبع ، أي اعتراض في أن يرى الكاتب في شخصية الملك عبد الله بن عبد العزيز " تجسيداً لكل سمات النخوة ، والشهامة العربية الأصيلة التي تكتنزها شخصيته الكريمة" سواء بسبب استضافتها للرئيس علي عبد الله وطاقمه السياسي في " زمن المد الثوري الصاعد" ، أم بسبب استضافتها له ( أي بن فريد) " "في زمن المد الشيوعي البائد" ، حينما كان الكاتب يقيم في المملكة ، حيت يؤكد أنها " لم تبخل" عليه بالدعم " حتى يومنا هذا" ، غير أن اعتراضنا هو على ذلك التعالي العنصري المقيت والمتهافت ، الذي يفصح عنه الكاتب حينما يقول أن أبناء الجنوب اليمني المقيمين بالسعودية هم " الأكثر نظافة .... مقارنة ببقية الشعوب الأخرى “ وهو هنا يقصد بقية اليمنيين والعرب، وغير العرب الذين يعملون ويقيمون في المملكة العربية السعودية.
ولعل الكاتب لا يعرف أنه لو قال مثل هذا الكلام في سويسرا، التي يقيم فيها، لأصبح عُرضة للمسائلة القانونية، باعتبار ما قاله جنوح صريح نحو العنصرية، ضد غير " الجنوبيين". و بدون تواضع زائف، يمكننا القول أن شعبنا في شطري اليمن، شعب كريم وحضاري وأبيٌّ، إلاّ أنه لا يمتلك خصائص بشرية فائقة تجعله " الأكثر نظافة... مقارنة ببقية الشعوب الأخرى"، كما يزعم الأخ أحمد عمر بن فريد.



تهافت بائس

الأدهى من ذلك أن الكاتب ، وبعد هذه المقدمة المتهافتة ، التي تضمنتها مناشدته لجلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز ، ينبري لنقد الوحدة اليمنية، وليس نقد النظام السياسي اليمني الفاسد، الحاكم زيفاَ باسم الوحدة، كما تفعل جل قوى المعارضة الوطنية اليمنية ، بما ذلك أجنحة مهمة في المؤتمر الشعبي الحاكم و بعض القطاعات المستنيرة في الحراك السياسي في المحافظات اليمنية الجنوبية.
كما أن الكاتب يتحدث عن رد فعل السلطة تجاه الاحتجاجات السلمية، أو بالأحرى الدعوة إلى الانفصال، معزيا قمع السلطة لها بأنه ناتج عن " الحقد الدفين والنزعة العنصرية المقيتة" كما لو أن الصراع القائم في اليمن شبيه بالصراع الذي كان قائماً في جنوب أفريقيا في أواخر القرن الماضي، بين الأقلية البيضاء والأغلبية السوداء، إبان عهد الابارثيد ، apartheid ( الفصل العنصري) ، وليس صراعا اجتماعيا و سياسياً ، في إطار شعب واحد، من أصل عرقي وديني وثقافي واحد ، يتطلع إلى العدالة والديمقراطية، مثل غيره من الشعوب العربية ، وبين سلطة سياسية فاسدة ، معادية لطموح الشعب وتطلعاته المشروعة في التقدم .

ويبدو أن بن فريد غير مدرك أن وحدة الشعب اليمني وتضافر طاقاته الوطنية ، تشكل شرطاً جوهرياً لإسقاط سلطة الفساد القائمة ، وأن الدعوة إلى الانفصال وتمزيق الشعب ، بحجة فساد السلطة ، لا يمكن ألاَّ أن يخدم سلطة الفساد والفوضوية ويضفي شرعية على ممارساتها الإجرامية ضد الشعب وقوى المعارضة الوطنية ، وبالتالي يسهم في استمرارها وإدامة سيطرتها على مقدرات الشعب اليمني.

على أن ما يثير الريبة في طرح الأخ بن فريد ، هو أنه وبعد الإشادة " براية التوحيد التي تلازمت مع بناء الدولة السعودية " و توسله للدعم منها لمشروعه الانفصالي ، يؤكد ، وبدون مناسبة أو مواربة " أن ثقافة أبناء الجنوب وأخلاقهم الحميدة ، تنسجم بالمطلق مع عادات أبناء المملكة العربية السعودية وتقاليدهم" ، بما يوحي أن ثقافة أبناء الجنوب اليمني ، لا تنسجم مع ثقافة أشقائهم في الشمال اليمني، فيعطي بذلك انطباعاً قوياً أنه لا يسعى إلى مجرد الحصول على الدعم من المملكة العربية السعودية لمشروعه الانفصالي البائس ، فحسب وإنما يسعى إلى الوحدة والاندماج معها ، هرباً من " الحقد الدفين والنزعة العنصرية المقيتة" ، حسب تعبيره ، التي تمارسها السلطة اليمنية ، وهو بذلك يكون انفصالياً على الصعيد القطري ووحدوياً على الصعيد القومي ، وهذا أمر وأن كان مقبولاً ، كونه جزء من توجهنا القومي ، إلا أنه لا يستقيم منطقياً في الوقت الحاضر، لأن تلك الوحدة ستكون على طريقة محمد علي الإدريسي التي تمت بينه وبين الملك سعود ، وترتب عليها ضياع أجزاء واسعة من اليمن الكبرى عام 1934.

ربما أن السيد أحمد بن فريد عاش الجزء الأغلب من حياته في المملكة العربية السعودية ، وجزء أقل في جنوب اليمن ، والجزء الأقل في الشمال أو أنه لم يعش في شمال اليمن البتة ، إذا استثناء الأشهر القليلة التي أمضاها سجينا في الأمن السياسي في صنعاء مع حسن باعوم و يحيى غالب وغيرهما من قادة الحراك ، وتصور أن كل أشقائه في الشمال يشبهون غالب القمش وعمار محمد عبد الله صالح ، وطارق محمد عبد الله صالح و غيرهم من ضباط الأمن السياسي والقومي، وبالتالي فهو وإن كان ملماً بثقافة الأشقاء في المملكة العربية السعودية ، فأنه لا يعرف بحق ثقافة وتقاليد أبناء الجنوب اليمني ، فضلا عن تقاليد أشقائهم الشماليين ، ومع ذلك فأننا سعداء باكتشافه الفذ أن" ثقافة أبناء الجنوب اليمني تنسجم بالمطلق مع عادات أشقائهم من أبناء المملكة، وليس مع عادات أبناء سويسرا التي وفد للاستقرار فيها مؤخرا.

ولئن كانت هذه المشاعر الطافحة بالحب من قبل بن فريد تجاه المملكة مفهومة ، بسبب استضافتها ودعمها له ، منذ "العهد الشيوعي البائد حتى اليوم" ، كما قال ،فأن المؤشرات تدل على أن نظام المملكة السعودية وأن كان يبادل بن فريد حباً بحب ، لأسباب هو يعرفها ، فمن الواضح أن حب النظام السعودي الذي أحتوى بن فريد ، لم يتسع ليشمل الشعب اليمني أو حتى جزء منه ، و بالتالي فأن الدلائل تشير أن النظام السعودي لا يرغب حتى في تعميق الروابط الأخوية بالشعب اليمني ، ناهيك عن الوحدة معه.



السعودية واليمن

فعلى امتداد أكثر من تسعين عاما ، ومنذ استقلال شمال اليمن عن الدولة العثمانية في عام 1918 ، والنظام السعودي ، لم يترك اليمن وشأنه ، ففي مطلع الثلاثينات من القرن المنصرم ، تحالف النظام السعودي مع المستعمر البريطاني في الجنوب وأقتطع ثلاثة مناطق يمنية واسعة في المناطق الشمالية ، هي جيزان ونجران وعسير في عام 1934 ، وفي مطلع الستينات من القرن الماضي قام النظام في المملكة السعودية بالتأمر على ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين ، فقد م الدعم السخي ، للملكيين المناوئين لثورة 26 سبتمبر عام 1962 ، وجلب المرتزقة من كل أصقاع الأرض لوأد الثورة اليمنية ، وتحالف مع الاستعمار البريطاني الجاثم على جنوب الوطن لخنق الثورة في الشمال وإخماد الثورة التحررية في الجنوب ، و حينما انتصرت الثورة في الجنوب وأُجليَ المستعمرون البريطانيون من هناك في 30 نوفمبر 1967، كان النظام في السعودية قد نجح في إسقاط السلطة التقدمية في الشمال في 5 نوفمبر 1967 ، فوُظفت السلطة الرجعية في صنعاء ضد السلطة الثورية في الجنوب ، مستعينة بالمرتزقة من السلاطين وأزلامهم ،عقب هروبهم إليها بعد الاستقلال ، حيث أغدقت عليهم العطايا و المساعدات ، وقدمت لهم الدعم والإسناد لضرب الثورة التقدمية الظافرة في الجنوب ، وفي السبعينات قامت السلطة السعودية باستقطاع أراضي يمنية واسعة في منطقتي الوديعة والشرورة ، مستعينة بحلفائها من اليمنيين وغيرهم من المرتزقة . كما لعبت دوراً غادراً في التخلص من الزعماء اليمنيين ، ذوي الميول القومية ، من سدة الحكم، أمثال الرئيس القاضي عبد الرحمن الأرياني و رئيس الوزراء السيد محسن العيني ، و تصفية القائد الوطني إبراهيم الحمدي ، وشجعت ودعمت مراكز القوى القبلية في شمال الشمال ، وجعلت الدولة رهناً لمراكز القوى القبلية ، وبالتالي أضعفت بناء الدولة الوطنية nation-building، ودفعت بالحروب الدائمة بين شطري الوطن ، وفي أطار كل شطر منذ بدء الثورة عام 1962 وحتى قيام الوحدة في 22 مايو عام 1990 ، بكل ما ترتب على ذلك من ضحايا بشرية ومن دمار اقتصادي واجتماعي وسياسي هائل على اليمن بجزئية الشمالي والجنوبي.

وفي مطلع التسعينيات ، وعقب قيام الوحدة اليمنية ، قامت القيادة السعودية ، دون أن" تردعها "النخوة أو الشهامة العربية الأصيلة التي تكتنزها " ، حسب تعبير بن فريد ، بطرد حوالي مليون ونصف يمني من أراضيها ، دون تفريق بين يمني شمالي ويمني جنوبي ، ( لم يكن بن فريد واحد منهم بالطبع ) ودون تعويض ، ودون مراعاة لحقوقهم ، ودون اعتبار للقانون الدولي ، ودون اعتبار للروابط الأخوية بين الشعبين الشقيقين ودون احترام للدور التاريخي لليمنيين في المساهمة في بناء المملكة منذ الثلاثينيات من القرن الماضي. وكان الهدف من ذلك واضحا وهو تفجير اليمن من الداخل وإفشال وحدته السياسية. و هذا ما حدث ، بالضبط ، خلال حرب 1994 بين النخبتين اليمنيتين ، حيث قامت السعودية باستغلال ماكر للوضع القائم في اليمن، سواء من خلال دعمها الواضح للمشروع الانفصالي واحتضناها دعاته عقب الحرب وتقديم الدعم والمساندة لهم ، أو من خلال ضغطها الواضح على النظام الغبي في صنعاء ، وبشكل ابتزازي ، لكي يقدم لها تنازلات هائلة على أجزاء واسعة من الأراضي اليمنية في الحدود الشمالية والشرقية من اليمن. وعلى الرغم من أن اليمن مكوناً أساسياً من مكونات الجزيرة العربية، ألا أنه حتى اليوم مازال يقبع حزينا خارج مجلس التعاون الخليجي ، كأنه ينتمي إلى قارة أخرى ، بسبب معارضة انضمامه من قبل السعودية والكويت وغيرهما من دول مجلس التعاون الخليجي.

إن الشعب اليمني، مثل غيره من شعوب العالم ، شعب صبور، وكريم ومكافح ويقدِّر مشاعر الأخوة ويحترم الروابط الإنسانية و هو تواق للوحدة العربية ولكنه شعب لا يرضي بالضيم ولا يفرط بكرامته ، ناهيك عن مكتسباته الثورية ووحدته الوطنية ، لقاء بعض المساعدات المشبوهة التي يمكن أن تعطي له بين وقت وآخر.

إستغباء العرب والإعجاب بإسرائيل.

ربما أن كلام بن فريد ،المتسم بالحيرة والارتباك ، الذي لا يخلو من مكر ، يجد بعض الصدى لدى بعض الأوساط المحافظة في المنطقة العربية ، ولدى أعداء الأمة العربية ، الذين يتربصون باليمن ويخشون وحدته ، ولكنه لن يجد قبولاً لدي معظم العرب الشرفاء ، ولاسيما القوميين منهم ، وبالتالي فأنه يستغبي العرب حينما يتوقع منهم أن يقفوا ضد مبادئهم القومية الوحدوية ، باستجداء الدعم منهم ، وبطريقة ماكرة من أجل تحقيق مشروعه الانفصالي البائس.

واضح أن الكاتب يرى في إعادة انفصال اليمن ، واستمرار تجزئة العالم العربي وتشرذمه ، هدف عظيم له ، وهذا شأنه ، ولكن أهداف الكاتب لا تصب بالضرورة في مجرى أهداف اليمنيين والشرفاء من أبناء الأمة العربية.

أننا نرى من واقع التجربة التاريخية أن تجزئة وتشرذم اليمن والأمة العربية أضعف و يضعف الأمة العربية في الصميم و خدم ويخدم مصالح أعداءها . غير أن الكاتب يرى غير ذلك، ويرى في انفصال جنوب اليمن عن شماله مخرجاً ناجعا من الأزمة القائمة وأفقاً جديداً للتطور، وبالتالي فأن الكاتب، لا تعنيه النتائج التي أسفر عنه الانفصال بين مصر وسوريا ، فضلا عن أوضاع التجزئة في الوطن العربي وما ترتب عليها من نتائج على الأوضاع في المنطقة العربية.

إن اليمن ليست مصر وسوريا ، إذ ليس هناك فواصل جغرافية بين أجزاءه، وهو كيان جغرافي وتاريخي وديني ولغوي وعرقي واحد منذ القِدم، والقبائل والأسر اليمنية متداخلة وموزعة بين شطري الوطن، وهو شعب واحد منذ بدأ التاريخ ، بصرف النظر عن طبيعة الأوضاع السياسية التي كانت سائدة قبل أو عقب 22مايو 1990، وسيبقى كذلك حتى نهاية الدنيا، وبصرف النظر عن طبيعة الوحدة السياسية القائمة اليوم وبالتحديد عقب حرب 1994 الإجرامية ، فوحدة الوطن ليست عرضة للأهواء ، إذ ليس هناك من قوة في الأرض قادرة على فصم عرى الروابط التاريخية بين أبناء الشعب اليمني الواحد.

على أن المثير ، أكثر من غيره في مقال أحمد عمر بن فريد الإشكالي ، هو إشادة الكاتب بديمقراطية إسرائيل الرحيمة بالفلسطينيين ، كما يزعم ، التي " لا تجلدهم ولا تضربهم، بأعقاب البنادق حتى الموت" ، على حد تعبيره، كما يعمل نظام صنعاء، وإنما ، تقتلهم وتسرق أعضائهم وتدمر بيوتهم على رأس ساكنيها من الأطفال والنساء والشيوخ ، ثم تشويهم و تحرقهم تحت أنقاضها بالفسفور الأبيض.


لاشك أن الإسرائيليين سينظرون إلى تصريحات بن فريد باهتمام وبإعجاب كبير، كما سبق لهم أن تابعوا باهتمام الأحداث في دارفور، ونحن إذ نتفهم تعاطف بن فريد مع المملكة العربية السعودية ، فأننا لا نظن أن إعجابه بالديمقراطية الإسرائيلية سيدفعه للإستقواء بالعدو الإسرائيلي ضد وطنه اليمن، كما فعل عبد الواحد محمد نور رئيس حركة تحرير السودان.


اليمنيون والعرب الأحرار لا يدعمون السلطة الفاسدة بقيادة علي عبد الله صالح، وإنما يدعمون وحدة اليمن والأمة العربية، وأمثال بن فريد هم الذين يدعمون السلطة، بشكل غير مباشر، بجعل رأس النظام يبدو كأنه نسخة من جمال عبد الناصر و المدافع الوحيد عن وحدة الوطن، وهو الانفصالي بامتياز.

في الأخير واضح أن بن فريد لن يجد من يقدم الدعم لمشروعه الانفصالي البائس سوى العدو الصهيوني ، فهل سيلتحق بعبد الواحد محمد نور ، قائد أحد الفصائل الدارفورية ، لطلب الدعم من إسرائيل ، آمل أن لا يتم ذلك وأن لا يقع بن فريد في هاوية الخيانة كما وقع في هاوية المكر السياسي.

اليمن*





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,275,626,005
- تأملات في المشهد اليمني


المزيد.....




- مراسلة فرانس24: -معلومات تفيد بأن بوتفليقة قرر التخلي عن الح ...
- التسجيلات تكشف آخر اللحظات في قمرة قيادة الطائرة الإندونيسية ...
- ما هي شروط الاتحاد الأوروبي لإرجاء البريكسيت؟
- دمشق.. حراك غير مسبوق لوفود عسكرية
- بيروت.. انعقاد ملتقى الأعمال اللبناني - الروسي الخامس
- تركيا: اتفقنا مع إيران على مواصلة عمليات متزامنة ومنسقة ضد ا ...
- نتنياهو يتهم إيران بالتجسس على منافسه الرئيسي في الانتخابات ...
- البرلمان البريطاني يعقد جلسة طارئة الأربعاء بشأن الخروج من ا ...
- نهاية الغاشيوقراطية.. وفلسفة الثورة في الحراك الجزائري
- تركيا: اتفقنا مع إيران على مواصلة عمليات متزامنة ومنسقة ضد ا ...


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - منذر علي - اليمن ومكر السياسة