أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عبد الغني سلامه - أينشتاين على الخط - النظرية النسبية في فهم نظام الكون















المزيد.....


أينشتاين على الخط - النظرية النسبية في فهم نظام الكون


عبد الغني سلامه
(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 3440 - 2011 / 7 / 28 - 16:13
المحور: الطب , والعلوم
    


مرت حركة تفهّم الكون قبل أينشتاين بثلاث مراحل: تبدأ الأولى بأيام اليونان وتمتد حتى القرون الوسطى، وتمتاز بأن العقل فيها قد تشبع بفلسفة أرسطو الذي كان يحاول فهم سلوك الطـبيعة بقياسها على سلوك الإنسان والحيوان، وقد سيطرت عليها مبادئ الأفضلية: فهي تقدم الأكمل على الأقل كمالا، والدائرة على المربع، والأعلى على الأسفل وهكذا، وتسود فيها مصطلحات الخير والشر والقوة والضعف والخلود والفناء ...
أما المرحلة الثانية فكانت إرهاصاتها قد بدأت في القرن السادس عشر على يد "كوبرينكس" الذي غنى خارج السرب وتمرد على المفاهيم الكنسية السائدة، وقال بكروية الأرض، وجرّد هذا الكوكب من مجده الذي كان ينصبه سيداً للكون، وجعل منه مجرد تابع للشمس، وقد أسس بهذه الأفكار لمرحلة جديدة، كان أول روادها غاليليو ونيوتن، والتي امتدت حتى أواخر القرن التاسع عشر، وقد امتازت هذه المرحلة بسيطرة مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية القائمة على الفكرة الميكانيكية، وكانت الظواهر الطبيعية تفسر بقياسها على سير الآلات البسيطة كالعجلة والرافعة، وقد شملت علوم الكهرومغناطيسية والحرارة والتفاعلات الكيميائية وغيرها، وقد أخضع كل شيء لقانون نيوتن في الحركة .
المرحلة الثالثة هي مرحلة العلم الديناميكي، الذي بدأ بإيجاد تفسيرات عجزت عنه الميكانيكا الكلاسيكية وانتهى بالنظرية النسبية، وكانت أبحاث خرشوف وميكلسون ومورلي وماكس بلانك وغيرهم هي التي مهدت الطريق أمام أينشتاين لإطلاق نظريته النسبية .
ولعل أشهر ما ميز النظرية النسـبية قولها بتوحـيد الزمـان والمكـان (الزمكان) وأنهما وجهان لعملة واحدة، وغير ثابتان على الدوام، بل هما في حركة مستمرة متغيرة، وقد قيل قبلا بأن الإحساس بالوقت مرتبط فينا بتغير كيمياء خلايا الجسم وخصوصا خلايا الدماغ، فيتغير إحساسنا بالوقت في حالات النوم أو حالات الضيق النفسي أو الإبتهاج، ولكن المسألة عند أينشتاين ليست نفسية، فهو يعتبر أن مجرى زماننا المعاش هو حالة من حالات الفيزياء المعقدة. ويقول أنه مع ازدياد السرعة يتباطأ الوقت، أي يتباطأ إيقاع الساعة نفسها المجردة من كل الأحاسيس البشرية، وليس مجرد الإحساس بالوقت، وما ينطبق على الوقت ينطبق أيضا على الطول، أي قياس المسافة التي تتقلص بزيادة السرعة وفق قانون معين. وكما تهاوى الزمان والمكان بمفهومهما المطلق والثابت، وقام على أنقاضهما مفهوم النسبية، حصل ذات الشيء مع الكتلة والطاقة.
فالكتلة والطاقة حسب النظرية النسبية هما تعبيران عن ذات الشيء، فالطاقة هي مادة متحررة، والمادة طاقة مجمدة، وقانون حفظ الطاقة يجب أن يشمل المادة بنفس الوقت.
كذلك سيتغير علينا من خلال النسبية مفهومنا عن الجاذبية التي كنا نظنها قوة، فإذا هي عبارة عن مجال، ثم سنعرف بأن هذا المجال محدب، حاله حال الكون بكافة مظاهره، وحتى شعاع الضوء سنكتشف أنه منحني وليس مستقيما، وأن هندسة اقليدس لا تصلح إلا على الورقة وتحتاج لفضاء مثالي "غير موجود" حتى تكون قوانينها صحيحة، كما سنعرف أن قوانين نيوتن لا تصلح إلا للمسافات القصيرة والسرعات الضعيفة "نسبياً" .
والنظرية النسبية هي إذاً نظرية فيزيائية طبيعية، تبحث في مواضيع الزمان والمكان والسرعة والتسارع والجاذبية والكتلة والطاقة والمادة، ولكنها تنظر إليها من زاوية أخرى مختلفة تماماً. فلئن مثّل أينشتاين قمة الفيزياء الطبيعية المعاصرة إلا أنه زعزع الثقة بالحتمية والسببية، وبصرامة القانون الطبيعي، وجرّد العلم من أهم خاصيتين لـه: اليقين والإطلاق، وأحلَّ محلهما التقريب والنسبية والاحتمال، وبيّن أن الإنسان هو الذي يؤثر في الظواهر التي يدرسها ويضفي عليها الكثير منه، وكأن الإنسان هو صانع الحقيقة، وهذا الإنسان هو مكتشف الكون، وهو وحده الذي يفكر به، وأن حياته ليست إلا ومضة وشيئا لا يذكر في عمر الزمان، ولكن هذه الومضة هي سر الوجود، ولولاها لسـاد الظلام كل شيء، ولما كان للوجود أي معنى أو روعة.
ما يميز النظرية النسبية أنها تعتبر أن العالم مكون من أربعة أبعـاد، خلافا لاعتقادنا السائد الذي ما زال ينظر للمكان على أنه مكون من ثلاثة أبعاد فقط هي: الطول والعرض والارتفاع، فمن أين إذن جاء هذا البعد الرابع ؟!
الإنسان القديم كان يدرك بعداً واحدا فقط، ولكن مع تطور البشرية وامتلاك الإنسان للأرض، صار بحاجة لقياس مساحتها، أي أنه أصبح يقيس الطول والعرض (بُعـدان)، ولما احتاج هذا الإنسان للبناء وصناعة الأدوات، أخذ يحسب البعد الثالث ( الارتفاع )، وهكذا أصبحت مفاهيمه بثلاث أبعـاد، وهي كافية لحل معظم المسائل التي من الممكن أن تواجهه، وبالتالي تلبي احتياجاته. ولكن مع أينشتاين بدأ الإنسان لأول مرة يفكر ببُعد رابع (الزمن)، فصار لزاما عليه أن يدخل هذا البُعد في هندسته ومسائله .. وهكذا فعل .
الفيزياء الكلاسيكية ترتكز في قياساتها لحساب البعد الواحد على المتر، أو غيره من وحدات القياس، وتستعملها لتدل على مسافة معينة واحدة وثابتة لا تتغير، وكذلك الحال بالنسبة للكتلة، وتعتبر أن كتلة الجسم ( أي مقدار ما في الجسم من مادة ) قيمة ثابتة لا تتغير ضمن نفس الظروف، وكذلك الحال بالنسبة للسرعة والتسارع والمكان والزمان، أي أنها مقاييس معروفة لها معايير مطلقة، لا تتغير بتغير الزمان أو المكان.
ولكن النظرية النسبية لا وجود فيها للمطلق أبداً – باستثناء سرعة الضوء - وتعتبر أن ثبات مقاييس الأبعاد شيء لا معنى له ولا وجود له في هذا الكون المتحرك، وبالتالي فكل المقاييس هي متغيرة بالنسبة لمن يشاهدها ويقيسها، أي أنها تدل على مقدار معين بالنسبة لمن يشاهدها فقط، وقد تدل على قيمة أخرى مختلفة بالنسبة لمشاهد آخر، وهكذا .
وعندما نتحدث عن المكان في الفيزياء الكلاسيكية لا نجد صعوبة في ذلك، فنقول في وصف الأماكن: شمال أو جنوب، أو فوق أو تحت، إلا أنه حتى يكون لكلامنا معنى لا بد أن ننسب الاتجاه إلى شيء ثابت، فنقول سوريا شمال الأردن، العصفور فوق الشجرة، بمعنى أنه هنالك شيء ثابت أو متحرك، ولكنه يُنسب إلى شيء ثابت بالنسبة له.
النسبية تعتبر أن ثبات الإنسان هو مجرد ثبات نسبي، أي أنه ثابت بالنسبة للأرض، ولكن هذه الأرض ليست ثابتة بأي شكل، بل أن لها عدد كبير من الحركات في نفس الوقت، فالأرض تدور حول محورها بسرعة ربع ميل في الثانية، ثم تدور حول الشمس بسرعة 18.5 ميل في الثانية، علما بأن أسرع صاروخ اخترعه الإنسان يسير 8 ميل / ث، ثم تدور مع الشمس ضمن دور المجموعة الشمسية حول نقطة معينة في المجرة بسرعة 12 ميل في الثانية، ثم تدور ضمن دورة المجرة بكاملها حول نفسها بسرعة 120 ميل في الثانية، ثم تدور مع المجرة بأكملها مرة أخرى منطلقة في الفضاء الرحب متابعدة عن بقية المجرات بسرعة 600 ميل في الثانية، وهكذا ثم تبلغ سرعة المجرة في تباعدها عن مجرات أخرى 40000 ميل في الثانية .
ومن البديهي أن هذه الحركات المتعددة تنطبق على جميع الكواكب والنجوم والمجرات في هذا الكون الفسيح بلا نهاية، وبالتالي لا يوجد مكان ثابت أو مطلق في أي زاوية من زوايا الكون، فالإنسان قد يبدو ثابتا بالنسبة لمكان معين على الأرض، إلا أنه في الحقيقة مع هذا المكان الذي يظنه ثابتا إنما هما متحركان، وفي كل لحظة جديدة يتغير عليهما المكان، وهكذا. وبالتالي فإن مصطلحات شمال جنوب، فوق تحت، ليل، نهار ... لا معنى لها عند الحديث عن الكون، وهي تصلح فقط على سطح الأرض، فلا نستطيع أن نقول أن القمر شمال الأرض، والمريخ شرق المشتري.
وعندما نتحدث عن الزمان في الفيزياء الكلاسيكية، لن يختلف علينا الأمر عن حال المكان من حيث الثبات، فنحن نقدر الزمن باليوم وأجزائه ومضاعفاته، واليوم هو الوقت الذي تستغرقه الأرض لإتمام دورتها حول نفسها، والسنة هي الوقت الذي تحتاجه الأرض لإتمام دورة كاملة حول الشمس، وقد قسمت إلى أشهر وأيام، وبالتالي فإن قياس الزمن على الأرض يعتمد أساسا على شيئين اثنين هما: ( دورة الأرض حول نفسها، ودورة الأرض حول الشمس ) .
ومن هذا المنطلق سيكون لكل كوكب يومه الخاص وسنته الخاصة، نظرا لتغير سرعة دوران هذه الكواكب حول نفسها وحول الشمس، فسنة كوكب بلوتو 248 سنة من سنين الأرض ، أما سنة عطارد فتبلغ ثلاثة شهور فقط من شهور الأرض، واليوم في المشتري عشرة ساعات أرضية فقط.
أي أنه هنالك اختلاف بين مقاييس الزمن الموجودة ضمن نظام المجموعة الشمسية نفسها، ويتعـذر علينا أن نحدد مقياسا ثابتا معياريا لقياس الزمن، فأي يوم من أيام الكواكب سنتخذه مقياسا ؟! وستصبح المشكلة أكبر عندما نغادر المجموعة الشمسية نحو درب التبانة، ثم أكثر تعقيدا كلما سافرنا في أرجاء الفضاء، فالكون فسيح جدا جداً لدرجة يصعب على العقل تخيلها، ويحـتوي على مليارات النجوم والكواكب وجميعها في حركة دائمة مستمرة، ولا يوجد أي رابط زمني يربط ما بينها، فكلمة الآن لا معنى لها إلا على سطح الأرض، فهي قد تعني فرق آلاف السنين في الماضي أو المستقبل بالنسبة لمواقع أخرى من هذا الكون، إذن فالكون من الناحية الزمنية مفكك الأوصال، وبالتالي فإن الزمن فيه لا يسير في جميع أنحاء الكون بالتساوي، بل هو يطول ويقصر حسب أمرين اثنين: الكتلة وسرعتها، فهو يتباطأ كلما زادت السرعة، ويصبح زمن الكتلة صفر عندما تصبح سرعتها مساوية لسرعة الضوء.
من المعروف أن سرعة الضوء 186 ألف ميل / ثانية أو 300 ألف كلم / ثانية، وأقرب نجم إلينا - وأسمه ألفا قنطوروس - يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، أي أن الضوء المنبعث من هذا النجم يحتاج إلى أربع سنوات حتى يصل إلينا، فإذا تفجر هذا النجم وانتهى من الوجود تماما، فلن نعرف بهذا الخبر إلا بعد مرور أربع سنوات .
يقول نيوتن أبو الفيزياء الكلاسيكية: "إن الزمن الرياضي الحقيقي المطلق بنفسه وبطبيعته الذاتية، يجري بالتساوي ودون أي علاقة بأي شيء خارجي" أي أن الزمن يجري بالتساوي في جميع أرجاء الكون. وحسب النظرية النسبية التي تقول بأن المكان هو نسبي وأن المكان يتكون من أربعة أبعاد، وبالتالي فإن الزمن هو أيضاً نسبي، بمعنى أنه لا وجود للزمان المطلق ولا المكان المطلق في الكون أبدا .
وهنا يمكننا تشبيه مجرى الزمن بنهر غزير، ولكن قطرات الماء فيه لا تسير بنفس السرعة ونفس الوتيرة، أي أن نهر الزمن الجاري يسير بسرعة شديدة أحيانا وفي مواقع أخرى ببطء شديد، وهنا يضيع الماضي مع الحاضر ويتداخل مع المستقبل. فلو كان الزمن يجري بالتساوي في جميع أرجاء الكون لقلنا أن الحاضر هو اللحظة الراهنة، والماضي هو الوقت الذي مضى، أما المستقبل فهو الزمن الآتي بعـد لحظة، ولكن هذا الكلام يكون صحيحا فقط بالنسبة لسكان الأرض، ولا يعني شيئا إذا ما أردنا أن نحدد زمن كوكب، أو نجم آخر في أي مكان من الكون. أي أن حادثا معينا وقع في مكان ما من هذا الكون، قد يكون في الماضي بالنسبة لمشاهد معين، وقد يكون حاضرا بالنسبة لمشاهد آخر، وقد يكون مستقبلا بالنسبة لمشاهد ثالث وهكذا.
وتقوم النظرية النسبية على التسليم بفرضيتين هما: الأولى نفي وجود الأثير والثانية ثبات سرعة الضوء، وقد شكلت هاتان الفرضيتان خرقا لمفاهيم الفيزياء الكلاسيكية، وكانت موضع استهجان العلماء، وكان من الممكن أن يبقيا في إطار الترف الفكري، لو لم تقم عليهما نظرية متكاملة تفسر الظواهر الكونية، وتستطيع أن تتنبأ بحقائق فيزيائية تثبت الاختبارات صحتها يوما إثر يوم .
وتقوم النظرية النسبية الخاصة على خمسة قوانين أساسية : القانون الأول قانون انكماش الطول: أي أن الأجسام تنكمش في اتجاه حركتها، والانكماش يحصل في بُعد الجسم المتجه مع الحركة، والقانون الثاني هو زيادة الكتلة بتزايد السرعة، ويعيد هذا القانون تعريف الكتلة بأنها مقدار مقاومة المادة للتسارع، وهنا فإن الكتلة تتغير بتغير الحركة وتزداد كلما زادت السرعة. أي أننا نستطيع القول أنه إذا ما تحرك جسم بالنسبة لمشاهد فإن كتلة الجسم ستزداد، ويعتمد مقدار الزيادة على السرعة النسبية بين المشاهد والجسم. وإذا زادت السرعة حتى وصلت سرعة الضوء (وهذا مستحيل) فإن الكتلة ستكون حينئذ لا نهائية.
القانون الثالث هو قانون جمع السرعات، والذي يؤكد أن سرعة الضوء ثابتة ولا يمكن جمعها لحركة جسمين مهما كان اتجاههما. أما القانون الرابع: فهو قانون الطاقة والكتلة، والحاجة لهذا القانون ناجمة من استبعاد الأثير من الحسابات، وبالتالي لا بد من إيجاد تفسير لكيفية انتقال الظواهر الكهرومغناطيسية، بما فيها الضوء عبر أرجاء الفضاء، وضرورة إدخال مفهوم جديد يفسر الظواهر الكهرومغناطيسية كلها، وهذا المفهوم الجديد يسمى المجال الكهرومغناطيسي، وحـسب هذا المفهوم فأن هذه الظواهـر الكهرومغناطيسية عبارة عن حقائق مادية لها واقع مادي كما لأي جسم مادي آخر. أي أن الضـوء ليـس مجـرد ظـاهرة، بل هـو مـادة تخـرج مـن مصدرها (فوتونات) وتسير عبر الفضاء حتى تصل عيني المشاهد، ولا تحتاج إلى وسيط لنقلها مثل الصوت، الذي هو عبارة عن موجات، بعبارة أخرى فإن للظواهر الكهرومغناطيسية كتلة، بل أن الضوء له كتلة أيضاً، وأن كل طاقة لها أيضا كتلة، والطاقة ما هي إلا مظهر من مظاهر المادة، وقد عبر أينشتاين عن ذلك بالقانون الشهير: الطاقة = الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء ( ط = ك × س2 ).
وهذا القانون كان له أثر بالغ الأهمية على عصرنا الراهن، فهو الذي دل العلماء على أن مقدارا معينا ضئيلا من المادة يعطي كمية ضخمة جدا من الطاقة، وكان أول وأسوأ تطبيق عملي لهذه المعادلة هو القنبلة الذرية.
القانون الخامس يتعلق بالزمان، إذْ يرى أينشتاين أن الزمان يتباطأ بحسب السرعة بنفس العامل الذي ينكمش فيه الطول بحسب السرعة، وهذا القانون جعل العلماء يغيرون وجهة نظرهم في الزمان، وينظرون إليه نظرة مختلفة كليا عما كانت تنظر إليه الفيزياء الكلاسيكية، التي كانت تعتبر أن الزمان يسير بمعدل ثابت واحد بالنسبة لكل شيء في هذا الكون، فهو كالنهر الكبير الذي يجري تياره في كل بقعة منه بالتساوي وبنفس السرعة، ولا تجري منه قطرة أسرع من الأخرى، ولكن النظرية النسبية ترى غير ذلك.
وبالإضافة إلى ذلك، فالزمن يتغير حسب السرعة وبنفس العامل الذي يتغير فيه الجسم المتحـرك باتجاه السرعة (انكماش الطول)، ويصبح الزمن صفرا في اللحظة التي يصبح فيها الطول أيضا صفرا، وذلك عندما تبلغ سرعة الجسم نفس سرعة الضوء، إذن، فالعلاقة بين الأبعاد الثلاثة وبين الزمن هي علاقة قوية، فالزمن هو البعد الرابع الذي يجب أن يضاف لحساباتنا عندما نتحدث عن المكان أو الزمان.
ولكن يجب أن نعرف أن البعد الزمني يختلف من حيث طبيعته عن الأبعاد المكانية، ولا ضرورة لرسمه على الورق كما نفعل مع بقية الأبعاد، فالبيت مثلا يتكون من طول وعرض وارتفاع، ويمكن أن نعتبر البعد الرابع هو الزمن، فنقول أنه يبتدئ منذ تاريخ إنشائه وينتهي بتدميره أو زوالـه.
أما الفضاء في النظرية النسبية فيختلف عن الفضاء في الفيزياء الكلاسيكية، إذْ يقول نيوتن: "إن الفضاء المطلق بطبيعته الذاتية ودون أي علاقة مع أي شيء خارجي يظل دائما متشابها وغير متحرك"، ويقصد بالتشابه أنه منسجم ومتناسق في جميع نواحيه مثل الماء الصافي في كأس شفاف، وبناء عليه فإن الخط المستقيم بين أي نقطتين في هذا الفضاء هو أقصر مسافة بينهما، أما في النسبية فالفضاء مكون من أربعة أبعاد، وهو غير منسجم ولا متشابه ولا متناسق في كافة أرجاءه، إنما هو يتحدب حول الكتل السابحة فيه، ويزداد تحدبه عند الكتل الكبيرة وكلما اقتربنا من مركزها، وبما أن الزمن هو أحد أبعاد المكان في الكون فإنه سيتحدب أيضا، وبما أن الكون كله متحدب، فإن الهندسة الإقليدية المستوية لا تصلح لتفسير ظواهر الكون. وقد كانت الهندسة المستوية تقيم حساباتها على أساس أن الكون مستوي، وبالتالي فالخطوط مستقيمة، وبما أن الأرض كروية أي متحدبة، فإن الخط الواصل بين نقطتين ليس مستويا، بل هو موازي لخط انحناء سطح الأرض، ومن هنا لا نستطيع أن نقول أن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين، لأنه لا وجود له في الواقع.
كان الناس قبل نيوتن يشاهدون الأشياء وهي تسقط على الأرض فيظنون أن الأرض بطريقة ما تجذب الأشياء لتسقط نحوها، ولكن نيوتن عندما سقطت التفاحة على رأسه اهتدى إلى فكرة أن الجذب متبادل بين الأرض والتفاحة، وبما أن الأرض أكبر بكثير من التفاحة فمن الطبيعي أن تجذب هي التفاحة إليها، وظاهرة الجذب ليست موجودة فقط بين الأرض وما عليها من أجسام، بل هي موجودة بين الأجرام والكواكب، ولهذا اعتقد نيوتن بوجود قوة في الكتل المادية تشدها إلى بعضها البعض، واعتبرها خاصية من خصائصها وسمّاها قوة الجاذبية، ووضع لها قانونه الشهير بأن قوة الجاذبية بين أي جسمين تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما، وتناسبا عكسيا مع مربع المسافة بينهما، ومن هذا المنطلق تكون قوة الجذب بين الشمس والكواكب هي التي تسمح للأخيرة بالدوران ضمن أفلاك معينة، إذن فقد افترض نيوتن وجود هذه القوة لتفسير ظاهرة دوران الكواكب حول الشمس.
أما أينشتاين فيقول في الجاذبية أننا نستطيع أن ندركها من مفهومنا للفضاء المتحدب، أي أن تحـدب الفضاء على أشكال كروية يخلق حول النجوم شبه أخاديد تسير فيها الكواكب من حولها، فتحـدب الفضاء مثلا حول الشمس يخلق حولها أخاديد رباعية الأبعاد تجعل الأرض وبقية الكواكب السيارة تدور فيها بالتحديد ضمن المسارات التي ترسمها شبه الدائرية، لا لأن الشمس تشد هذه الكواكب إليها بقوة الجاذبية ذلك لأنه لا وجود لمثل هذه القوة أصلاً، ولكن بسبب أن الفضاء متحـدب وفيه هذه الخنادق الفضائية، فالكواكب إذن تسير بحسب أبسط ممر تجد أمامها. وهي في الواقع مجبرة على إتباع هذه الممرات التي تحددها طبيعة هذا الكون المتحـدب ، إذن الجاذبية عند نيوتن قوة، أما عند أينشتاين فهي مجال .
النظرية النسبية العامة تبحث في السرعات المتغيرة ما بين لحظة وأخرى خلافا للنسبية الخاصة التي تبحث في السرعات الثابتة. وتغير السرعة باستمرار يسمى تسارع، مثال على ذلك الأجسام الساقطة نحو الأرض فهي تتسارع بمقدار 32 قدم في الثانية أي أن سرعته تزداد 32 قدم كل ثانية جديدة، وهنالك التسارع العكسي، أو التباطؤ،كأن نقذف حجرا إلى الأعلى فتبدأ سرعته بالتباطؤ حتى يتوقف عند نقطة معينة ثم يرجع إلى الأرض.
وهناك نوع ثالث من التسارع يحدث عندما تسير الأجسام في خط منحني، فالأجسام التي تسير في مدار شبه دائري تعتبر في تسارع مستمر حيث أنها تغير اتجاهها كل لحظة، وقد اعتبر أينشتاين أن الجاذبية ما هي إلا نوع من التسارع، بل أنه لا يوجد فرق ما بين الجاذبية والتسارع، ومثال على ذلك الأرجوحة الدوارة التي تشد الجسم إلى خارج المركز.
والسفينة الفضائية المنطلقة بسرعة ثابتة في أرجاء الفضاء الرحبة لا يستطيع ركابها من الداخل الإحساس بحركتها، وقد لا يعرفون في أي اتجاه تسير، أو إذا كانت تسير فعلا أم أنها واقفة طالما أن سرعتها ثابتة منتظمة وبنفس الاتجاه، ولكن بمجرد أن تغير السفينة سرعتها زيادة أو نقصان، أو تغير من مسارها يمين أو يسار فسوف يحـس الركاب فـورا بذلك، حـيث سـتندفع ( تنجـذب ) أجسامهم عكس اتجاه الحركة، أي ليس من وسيلة للتمييز بين الجاذبية والتسارع وهو ما يسميه أينشتاين " قانون التكافؤ ".
هذا القانون يعـطي صورة هندسية للكون عامة وشاملة، ومن خلاله نستطيع أن نستنتج المسار الهندسي للجسم في الفضاء المحدب، علما بأن الفرق بين قانون نيوتن وقانون أينشتاين للجاذبية ليس فرقا كبيرا، وهو غير مهم ضمن المسافات والسرعات المحدودة على سطح الأرض، ولكن قانون أينشتاين أعم وأشمل وأكثر دقة ويصلح لهندسة الكون بصورة عامة.
بما أن النظرية النسبية قد نفت وجود قوة جاذبية وتحدثت عن تحدب المكان والزمان، وبالتالي الكون كله فإنه لمن المتوقع أن تتحدث أيضاً عن تحدب شعاع الضوء الذي ما زلنا نعتقد بأنه مستقيم !!
فتقول النسبية العامة أن مجال الجاذبية الكائن حول كتل الفضاء يشد إليه شعاع الضوء باتجاه مركز التحدب، فكما تفعل الأرض عندما تشد إليها (تجذب) الرصاصة المنطلقة من فوهة بندقية باتجاه أفقي أو السهم المنطلق من قوسه صوب الهدف وهما سائرين في مجال جاذبيتها، كذلك نجد الكواكب والنجوم تجذب شعاع الضوء السائر في مجال جاذبيتها، آخذين بنظر الاعتبار أن الضوء عبارة عن فوتونات لها كتلة تحدث ضغطا ضئيلا للغاية يكاد لا يحسب عندما تسقط على الأجسام، كما تفعل حبات المطر عندما تضغط على سطح البيت، وبناء على قانون التكافؤ بين التسارع والجاذبية يجب أن ينحني شعاع الضوء باتجاه الجاذبية، وقد تم إثبات ذلك من خلال دراسة شعاع الضوء في مجال جاذبية الشمس، وتحديدا في وقت الكسوف الكلي للشمس، من خلال حسابات معينة وقد تبين مقدار هذا الانحناء تماما كما تنبأ به أينشتاين، كما ظهرت الثقوب السوداء التي لها كتلة ضخمة جدا ومجال جاذبية هائل للغاية لدرجة أنه لا يسمح لأي شعاع من الضوء من النفاذ من خلاله ولذلك يبدو معتما شديد السواد .

النظرية النسبية غيرت العالم، فهل ستغير في أنماط تفكيرنا شيئاً ؟!


المصادر:

عبد الرحمن مرحبا، أينشتاين والنظرية النسبية، دارالنشر للجامعيين، ط6، 1972، بيروت،
د. محمد شحرور، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، الأهالي للتوزيع، 1992، دمشق.
د. عبد الرحيم بدر، الكون الأحدب وقصة النظرية النسبية، مكتبة النهضة – بغداد، ط3، 1980.
الموقع التعليني للفيزياء، إينشتاين والنظرية النسبية، http://www.hazemsakeek.com/Physics_Lectures/SpacialRelativity/relativity_lecture_3.htm





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,889,126
- كيف نفهم نظام الكون ؟
- ديمقراطيات استبدادية
- لماذا لا ينتحر الرؤساء العرب ؟!
- دبي .. صورة قريبة لمستقبل بعيد
- المغرب .. البوليساريو .. وأزمات أخرى لم تحل
- السودان الجنوبي مؤامرة خارجية أم استحقاق داخلي
- السياسة الروسية في الشرق الأوسط
- الثورات العربية بين الإرادة الشعبية ونظرية الفوضى الخلاقة
- عصر الثورات العربية الأسباب والتداعيات
- الولاء والبراء والتتريس - في الفكر التكفيري
- التكفير وحرية التفكير
- المنهج التكفيري عند الإسلاميين
- منهج التكفير في العقل الإسلاموي
- في اليمن هل ستغير ساحة التغيير شيئا ؟
- محاولة في فهم الاسلام السياسي - الجزء 3
- محاولة في فهم الاسلام السياسي - الجزء 2
- محاولة في فهم الإسلام السياسي - الجزء 1
- يوم المرأة في ربيع الديمقراطية العربية
- هل هنالك صحوة إسلامية ؟!
- نماذج عبثية في تطبيق الشريعة وإهدار قيمة الإنسان


المزيد.....




- -تويتر- تعلن: تلك المقاطع سيتم حظرها بصورة كاملة
- كيف لا تخسر نظرك بسبب الهاتف الذكي
- كم موقعا إلكترونيا على شبكة الإنترنت؟
- مع من تتكلم سيارتك وماذا تقول عنك؟ شركة إسرائيلية تحصل على ت ...
- فيسبوك أغلق حسابات مشبوهة.. هل بدأت روسيا استهداف الناخبين ا ...
- هل الرجال على استعداد لتناول حبوب منع الحمل؟
- الغائب الحاضر رغم المرض.. جيش التلاميذ ينقذ شابا من السرطان ...
- فيسبوك توقف حملات تلاعب تدار من إيران وروسيا
- -فيسبوك- تحذف 4 شبكات حسابات من إيران وروسيا بدعوى -محاربة ا ...
- اكتشاف فيروس يشكل -نظاما جديدا تماما لتطور الفيروسات-


المزيد.....

- موسوعة الكون / كارل ساغان
- مدخل الى نظرية التعقيد و التفكير المنظومي Introduction To Co ... / فياض محمد شريف
- الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية / جواد بشارة
- نشوء علم الذكاء البصري / محمد عبد الكريم يوسف
- مادّتان كيميائيّتان تتحكّمان في حياة الإنسان / بهجت عباس
- أشياء يجب أن تعرفها عن الفيزياء الكمية / محمد عبد الكريم يوسف
- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عبد الغني سلامه - أينشتاين على الخط - النظرية النسبية في فهم نظام الكون