أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سمير إبراهيم خليل حسن - ٱلصّلوٰة وسيلة ٱلإنسان















المزيد.....



ٱلصّلوٰة وسيلة ٱلإنسان


سمير إبراهيم خليل حسن

الحوار المتمدن-العدد: 3429 - 2011 / 7 / 17 - 22:25
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


للقوّة وٱلعلوّ فى ٱلأرض

مع بداية طُور ٱلعباسيين طغى فريق من أعراب وسط "أسيا" على مواقع ٱلسلطة فى "بغداد". وكان لأعراب ٱلفرس وٱلأفغان منهم ٱلنّصيب ٱلأكبر فى مواقع ٱلتحكم بٱلتعبيد تربية وتعليما. وقام تحالف بينهم وبين فريق من ٱلقوم قريش ومنهم كان لـ "الشريعة الإسلاميّة" و"اللغة العربية" ءابآء فصلوا ٱلقول فى ٱلشرع وفى دليل ومفهوم ٱلكلام فى كتاب ٱللّه ومنه كلمة "صلوٰة".
وعقب هذا ٱلطُّور طُور ٱلمماليك من أعراب تُرك وتركمان وكورد وأرناؤوط ونشأ فيه أبنآء معبّدون تربية وتعليما بما فصل ٱلأعراب وٱلقوم فيه من قول. وبرز من بين ٱلأبنآء فى هذا ٱلطُّور أب هو "ٱبن تيميّة" وطغى تعليمه فى ٱلتربية وٱلتعليم وصار عند ٱلأبنآء "شيخ الإسلام" وما زال شيخهم إلى ٱليوم.
ثمّ عقب طُور ٱلأعراب ٱلعثمانيين وتابع تعبيده للأبنآء بذات ٱلمنهاج ٱلذى وضعه تحالف ٱلأعراب وٱلقوم فى ٱلأطوار ٱلسابقة. وما زال إلى ٱليوم يعبّد ٱلأبنآء بمنهاج أعراب وقوم وله يألفون ويتبعون فيما يعبدون.

بفعل ٱلتعبيد بما قاله ٱلأعراب وٱلقوم لم أهتدِ إلى دليل ٱلكلمة فى كتاب ٱللّه ولم أفهم ٱلقول ٱلحامل لها. وبقى قول ٱلكتاب أعجمىّ علىّ لا يبيّن لى خالقا عليما.
وبٱلدّرس فى ٱلكتاب توقفت عند ٱلقول:
"فإنّما يسرّنـٰه بلسانك" 97 مريم.
ورتلت هذا ٱلقول وعقلته مع قول أخر منه فتبيّن لىۤ أنّ لسان ٱلكتاب ميسّر بلسان قوم ٱلرّسول:
"وماۤ أرسلنَا مِن رَّسولٍ إلا بلسان قومهِ ليبيِّنَ لهم فَيُضلُّ ٱللَّهُ مَن يشآءُ ويهدى مَن يشآء وهو ٱلعزيز ٱلحكيم" 4 إبراهيم.
وتابعت ٱلترتيل وٱلعقل مع قول أخر:
"هو ﭐلَّذِى بَعَثَ فى ﭐلأمِّيِّنَ رسولاً مِّنهم يتلواْ عليهم ءَايَـٰـتهِ ويُزَكِّيهِم ويُعَلِّمُهُمُ ﭐلكِتَـٰبَ وﭐلحِكمَةَ وإن كَانواْ مِن قَبلُ لَفِى ضَلالٍ مُّبينٍ" 2 ﭐلجمعة.
فعلمت أنّ ٱلتيسير للكتاب حدث بلسان ٱلأميين من ٱلقوم وليس بلسان ٱلمتعلمين منهم ومن ٱلأعراب. فأدركت ووقفت على ٱلسبب ٱلذىۤ أبقى ٱلقول فى كتاب ٱللّه أعجمىّ علىّ. وعلمت أنّ درس ٱلكتاب وٱلفهم لقوله وٱلعلم بما فيه من وعظ ووصيّة وهداية يحدث بلسان ٱلأميين وليس بلسان ٱلمتعلمين.
وبما تدل عليه كلمة "صلوٰة" فى لسان ٱلأميين كان لىۤ أعمال فىۤ أكثر من مقال. وتبيَّن لى فى تلك ٱلأعمال ما لدليل ومفهوم هذه ٱلكلمة من تأثير على فهم جميع ٱلقول فى كتاب ٱللّه. وما زلت أتابع ٱلدرس وأعمل على تطهير نفسى من منهاج ٱلتعبيد بما قاله ٱلمتعلمون ٱلسّلف من ٱلقوم وٱلأعراب فى دليل ومفهوم جميع ٱلكلام فى كتاب ٱللَّه. وقد أدركت وعلمت أنّ ما قالوه خَبَث أَعجَمَ ومنع وأعاق فهم ٱلقول فى ٱلكتاب وأبعده عن منهاج أىِّ علم.
فما قاله ٱلمتعلمون ٱلسلف من ٱلقوم وٱلأعراب جآء فى كتب ٱلتفسير وفى كتب ٱلحديث وفى معاجم ٱللّغة. وممَّا جآء لهم فى ٱلمعاجم:
(صلَّى عليه: دعا له بالخير. وصلَّى: أدّى الصّلاة. وصلَّى الله على رسوله: حفّه بالبركة).
(الصَّلاة: الدعاء. العبادة المخصوصة المبينة حدود أوقاتها فى الشريعة. الرّحمة. بيت العبادة لليهود).
ولهم فى ٱلمعاجم قول وشاهد عليه من "ٱلقرءان":
((ثُمَّ الجَّحِيَم صَلُّوهُ) صَلَّاهُ النار وبها وفيها وعليها: ألقاه فيها وشواه).
وإلى جانب قولهم هذا قول أخر من لسان ٱلأميين:
(صلَّى الفرس فى السباق: هو الثانى فى السباق. صَلَى اللحم" شواه. صَلَى الصّيدَ: نصبَ له الشَّرَكَ. صَلَى فلانا وله: كادَ له ليُوقعه فى الشَّرِّ. المصلاة: شَرَكٌ يُنْصَبُ للصّيد).
وما يبيّنه قول ٱلأميين أنّ ٱلصَيَّاد ٱلذى "يَصلِى" صيدا "يُصَلِّى عليه" فينصب "صلوٰة" وهى "الشَّرَكُ" للصَيد "ٱلمُصَلَّى عليه". وأنّ ٱلفعل "صَلَّى" فاعله "يُصَلِّى" على مُصَلَّى ووسيلته "صَلَوٰة" (مصلاة) يقيمها وينصبها.
هذا ٱلدليل وٱلمفهوم لكلمة "صلوٰة" هو ما يبيّنه ٱلدرس فى كَلِمها:
"صَ" صدِّيق وفوقه عرشُ فتَّاح " َ " (عرش ٱلفتّاح دين فى قلب ٱلصِّدِّيق يفتح نافذة من نوافذ ٱلنور ٱلمنفوخ فيه ليرى ويعلم).
"لَ" عصا وفوقها عرش فتَّاح (دين يفتح فيها سبيلا لنور ٱلبصر).
"و" وتد يوتّد ويثبّت ٱلعصا يمنعها من ٱلحركة.
"ة" علامة مغلقة وما فيها معجم على ٱلبصر.
فٱلكلمة تبيّن منظارا "صَلَو" موجّها وجهةَ شىء أعجمىّ وعلامته ٱلمغلقة. وصِدِّيق ٱلمنظار (عدسته ومرءاته) مفتوح بصره بدين. وعصاه (أنبوب بين ٱلعدسة وٱلمرءاة) مفتوحة بدين لعبور نور ٱلبصر يثبّتها وتد يمنعها عن ٱلحركة "لَو".
فإذآ أراد صدِّيق من ٱلناس أن يفتح علامة ٱلشىء ٱلمغلقة "ة" وينير ما عجم فيها ليعلمه ويقرأه ويبيّنه. يقوم إلى ٱلصَّلوٰة ويقرب عينه فى عين صدِّيقها "ص" يبعث بنور بصره عبر ٱلعصا "ل" إلى ٱلعلامة.
وحتّى يعبر نور بصره ٱلعصا ويصل إلى ٱلعلامة يثير ٱلوتد "و" ٱلمثبّت للعصا بمقدار منفصل للثور " ٰ " ليحلّه ويحرّر ٱلعصا.
وبتحريره للعصا من ٱلوتد يستطيع توجيهها وجهة ٱلعلامة فيصل نور بصره إليها وينيرها ويبسطها "ت" ويعلم بما فيها. وينتفع منه علما وملكا وقوّة وعلوًّا فى ٱلأرض.

ويبيّن قول ٱلأميين (صلَّى الفرس فى السباق: هو الثانى فى السباق) أنّ فرسا فى ٱلسباق "صَلَّى" على فرس سبقه فكان له مرتبة ٱلثانى وكان للفرس ٱلذى سبقه مرتبة ٱلأول. فصاحب مرتبة ٱلثانى مسبوق وهو "ٱلمُصَلِّى". وصاحب مرتبة ٱلأول سابق وهو "ٱلمُصَلَّى" عليه.
لهذا ٱلمفهوم ٱلأمىّ شبه فى قول من كتاب ٱللّه:
"وإذ جعلنا ٱلبيتَ مثَابةً لِّلناس وأمنًا وٱتخذواْ من مَّقام إبرٰهيم مُصَلًّى" 125 ٱلبقرة.
وفيه بيت سابق وله مرتبة ٱلأول وهو "مُصَلًّى". وهذا ٱلبيت هو "مقام إبرٰهيم" وهو أوّل بيت لأول قرية وهى أم ٱلقرى:
"إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ للنَّاس لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلعَـٰـلَمِينَ" 96 ءال عمران.
أما ٱلبيت ٱلمسبوق وله مرتبة ٱلثانى "مُصَلِّى" فهو لكلِّ بيت للحكمِ يضعه ٱلناس من بعد "إبرٰهيم".
فمرتبة أوّل بيت للحكم وضع للناس كان فى "مكّة" ٱلتى صارت فيما بعد "بكّة". وما يوضع من بيوت حكم للناس من بعد "إبرٰهيم" له مرتبة ٱلثانى. وعلى ٱلناس أنّ يتَّخذوا من ٱلبيت ٱلسابق "مُصَـلًّى" وهم يرفعون ٱلقواعد من بيوت ٱلسلطة. فٱلبيت مثل لهم على بنآء بيت لآ إسراف ولا تبذير فيه. وفى ٱلبيت صَلوٰة يصَلِّى بها ٱلأمير وأهل ٱلبيت. وفيه مسجد يقوم فيه كهّان (ٱلكاهن هو ٱلبيروقراطىّ أو الموظّف ٱلقادر على فهم ٱلأمر) لا يفسقون على ٱلأمر وهم فيه ركّع سُجود.
ومن دليل ومفهوم ٱلقول فى لسان ٱلأميين فٱلمُصَلِّى فى هذا ٱلبيت يرصد مُصَلًّى عليه. وهو حاجة ٱلشعب للطعام من جوع وحاجته للأمن من خوف. فيرصد ويرقب ويبصر تلك ٱلحاجة ولا يغفل عنها وعن ٱلسبيل إليها. ويحسب ويحصى كلّ أمر يوصله إليها بيسر. ومَن يقوم فى هذا ٱلبيت لا يغفل عن ٱلصَّلوٰة وعن مأربه (هدفه) من قيامه إليها.
أما ما قاله ٱلمتعلمون ٱلسّلف من ٱلقوم وٱلأعراب عن ٱلصلوٰة: (الصَّلاة: الدعاء. العبادة المخصوصة المبينة حدود أوقاتها فى الشريعة. الرّحمة. بيت العبادة لليهود) فيتبع مفهوم "ٱلعبادة" بما خرصوا ولغوا فيه. وقولهم بٱلبيت لا يشير إلى بيت حكومة تعبد شرعا معروفا من ٱلدين فيما تأمر وتنسك سوآء ءكان فى ٱلبيت شرع معروف من ٱلدين عند ٱليهود أم شرع معروف من ٱلدين عند غيرهم من ٱلناس. بل هو عندهم بيت لما يظنون به عبادة.

بما رأيته من دليل ومفهوم لكلمة "ٱلصَّلوٰة" فى لسان ٱلأميين كان سبيلى فى ٱلدرس للقول فى كتاب ٱللّه. فلسانهم يبيّن أنّ "ٱلصَّلَوٰة" وسيلة مؤمنٍ صِدِّيق فيما يرصد ويرقب ويحسب ويحصى ويعلم ويقرأ ويبيّن ويعرّف فى ٱلخلقِ ٱلذى سبقت تسويته ٱلنفخ فيه من روح ٱللّه. وبهذا ٱلدليل وٱلمفهوم درست فى كتاب ٱللّه وبه خرج فهمى لقوله وبدأ منهاج ٱلعليم يظهر لى وينجلى عنه خبث تخريص ولغو ٱلمتعلمين ٱلسلف من ٱلقوم وٱلأعراب جميعهم. وهذا ما بدأت أعرض له بما تشابه لى فهمه ويتثنّى فىۤ جميع أعمالى عابدا ٱللّه لآ أفسق على موعظته:
"ولا تقفُ ما ليس لك به علم إنَّ ٱلسَّمع وٱلبصر وٱلفؤاد كل أُوْلَـٰۤـئك كان عنه مسئولاً" 36 ٱلإسرآء.
ومنه علمت أنّ مسئوليتى رهينة بماۤ أكتب وأقول وأعمل:
"كلُّ نفسٍ بِما كَسَبَت رهينة" 38 ٱلمدَّثر.
وقد علمت أنّ ما قاله ٱلمتعلمون ٱلسّلف جميعهم فى كتاب ٱللّه ومنه كلمة ٱلصَّلوٰة لا صواب فيه. فحنفت عنه وٱتبعت مسئوليتى ٱلشخصيّة.

وبٱلدرس فى قول ٱلموعظة 43 ٱلنسآء:
"لا تَقرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وأَنتُم سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغتَسِلُواْ".
تبيّن أنّ ما فيه هو نهى للمؤمن عن قرب ٱلصَّلوٰة ليرصد ويرقب ويحسب ويحصى شيئا أوۤ أمرا إذا كان فى نفسه سَكَر يغلقهآ عليه.
أو كان فيها جُنُ يجنح به عنه.
وكلّ منهما يمنعه أن يعلم ما يقول. فلا يقرب ٱلصَّلوٰة حتّى يغتسل.

وفى قول ٱلموعظة بيان لأسباب أخرى لا تمنعه عن ٱلقرب وٱلعلم لكنّها تُعسره وتعيقه فى ٱلعلم بما يقول. وعليه ٱلاغتسال للتطهّر منها قبل أن يقرب ٱلصَّلوٰة:
"وَإِن كُنتُم مَّرضَىٰۤ أَو عَلَىٰ سَفَرٍ أَو جَآءَ أَحَد مِّنكُم مِّنَ ٱلغَاۤئِطِ أَو لَـٰمَستُمُ ٱلنِّسَآءَ فلم تَجِدواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمسَحُواْ بِوُجُوهِكُم وَأَيدِيكُم".
فإن لم يجد مآء ليغتسل تتطهر نفسه من هذه ٱلأسباب إن يمَّمَ إلى صعيد طيّب وفيه يمسح وجهه ويديه (مسّاج).

وبٱلدرس فى قول ٱلموعظة 6 ٱلماۤئدة رأيت فيها قيامًا إلى ٱلصّلوٰة وليس قربا:
"يَـٰۤـأَيُّها ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا قُمتُمـ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغسِلُواْ وُجُوهَكُم وَأَيدِيَكُم إِلَى ٱلمَرَافِقِ وَٱمسَحُواْ بِرُءُوسِكُم وَأَرجُلَكُم إِلَى ٱلكَعبِين".
وفيها وعظ:
"وَ إِن كُنتُم جُنُبًا فَٱطَّهَّرُواْ".
و "وَ إِن كُنتُم مَّرضَىٰۤ أَو عَلَىٰ سَفَرٍ أَو جَآءَ أَحَد مِّنكُم مِّنَ ٱلغَاۤئِطِ أَو لَـٰمَستُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَم تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمسَحُواْ بِوُجُوهِكُم وَأَيدِيكُم مِّنهُ".

وبٱلدرس فى ٱلموعظتين علمت:
أنّ قرب ٱلصّلوٰة له شرط "حَتَّىٰ تَغتَسِلُواْ".
وأنّ ٱلقيام إلى ٱلصَّلوٰة له شرط أخر "فَٱغسِلُواْ وُجُوهَكُم وَأَيدِيَكُم إِلَى ٱلمَرَافِقِ وَٱمسَحُواْ بِرُءُوسِكُم وَأَرجُلَكُم إِلَى ٱلكَعبِين".
وبذلك علمت أن قربها غير ٱلقيام إليها. وأنّ لكلٍّ منها شرطه.

ولبيان فهمى للقول فى ٱلموعظتين (43 ٱلنسآء و6 ٱلماۤئدة) ولكل قول يحمل كلمة "صلوٰة" فى كتاب ٱللّه بدأت بموعظة تفتح لى ٱلسبيل:
"ٱقرأ بٱسمِـ رَبِّك ٱلَّذى خَلَقَ" 1 ٱلعلق.
ومَن "يَقرَأُ" شيئا يُخرِجُ منه "قُرءًا". فٱلذى يكسر قشرة جوز يقرأ لبّها. وإذا عمل بما لديه من وسآئل صلوٰة ليصلِّى على لبِّها ويعلم ماذا فيه من نفع. يُرسلُ نور بصره فيه لينظر ويبصر ويدرك كلَّ قلم منه ويعلّمه بٱسم يميزه. ثمّ يُفكّرُ فى كلِّ ٱسم ويدرسُ ويفهمُ ويرى. ثمّ يقول مبيّنًا ما قرأه وعلم به من نفع ويفصّل فيه.
هذا ٱلفهم يتبعه فهم لدليل ٱسم "ربّ" وفعله. وهو من أسمآء ٱللّه ويحمل دليل ومفهوم ٱلسيّد وٱلمَلِك ٱلقّدُّوس وٱلمالك للملك وصاحب ٱلأمر فى ملكه ٱلذى يزيد ويتسع. فما يفعله ٱسم "ربّ" هو رُبوّ ٱلحقِّ من مقدار منفصل (كوانتوم) إلى مقدار متصل (أشيآء ذات أجنحة "هندسة"). وبذلك فهمت أنّ مَن يقرأ بٱسم ربّه يقرأ شيئا من أشيآء ٱلحقِّ ٱلمربوب. كٱلجوز ولبّه. يعلم به وبدينه. وبٱلنفع منه شرعا وقوّة ومالا وملكا وأمنًا وطعاماً.
فإن علم هذا ٱلقارئ أنّ ما فيه من نور "نفخت فيه من روحى" هو من ٱسم ٱللّه "نور ٱلسَّمَـٰـوٰت وٱلأرض".
وأنّه دليله ومرشده إلى ما يأتيه من نعم وليس له غير ما فيه من روح ٱللّه لينير له ويرشده.
وأنّ مَن يلتفت إلى خلف حيث ٱلسّلف ٱلميِّتُ وقوله ٱلباطل يُظلم على ما فيه من نور ويعميه عن جميع ٱلنعم.
يؤمن بٱللّه بما فيه من روحه ويؤمن ببيانه وبموعظته ويعبده من دون ٱلناس سلف وخلف. فيتبع موعظته بإقامة ٱلصَّلوٰة وٱلقيام إليها وقربها ينظر ويبصر ويعلم ويدرس ويقرأ ويبيّن أىّ حقِّ مربوب بما فيه من نور. وبذلك يبلغ رتبة "ربّانىّ".
وإن عقل ما نُزِّلَ إليه من ربّه بٱلصّلوٰة عليه من علم وبيان قرأه وصار بين يديه مع قرءان ٱللّه وبيانه يصدّق ويبلغ رتبه "إِلَـٰـهىّ".
وبذلك يهتدى بٱلنور ولا يضلّ ولا يكفر كما كفر ربّانيُّون رأوۤا أن ٱلسَّمَـٰوٰت وٱلأرض كانتا رتقا ولم يعقلوا ليصدّقوا ويزول كفرهم.
وبٱلعقل سيعلم أنّ "ٱلقرءان" بيان عليم شهيد سميع بصير للحقِّ جميعه مُرسل فى كتاب لهداية ٱلقارئين فى صلوٰتهم وقرئهم وبيانهم. وفيما يملكون. وفيما يشرعون من ٱلدِّين ٱلمعلوم وٱلمعروف لهم وبه يحكمون فى ملكهم وبه يأمرون فيقرَّشون بين قلوب مختلفة ويؤلفون بينها ويطعمونها من جوع ويأمنونها من خوف.
وسيعلم أنّ "ٱلقرءان" هو "قرء" واحد جديد فى كلِّ وقت. وفيه بيان أحسن من بيان ٱلقارئين فى كلِّ وقت. وأنّهم لن يستطيعوا بلوغه وسبقه فيما يقرأون ويبيّنون. وأنّ ثورة ٱلبيان وٱلتسطير للحقِّ فيه لن تهدأ ما داموا ينظرون ويقرأون ويبيّنون ويعقلون.
وسيعلم أنّ ما يدلّ عليه ٱلثور "ا" وٱلحوت "ن" فى ٱلكلمة "قرء - ان" هو ثورة "ثور" لا تهدأ وليس لها حدّ. وتسطير حوت "ن" لا ينتهى ٱلتقليم وٱلتسطير فيه "نۤ وٱلقلم وما يسطرون".
وسيعلم أنّ ٱلموعظة فى كتاب ٱللَّه "ٱلقرءان" تهديه كيف يقرأَ بِٱسم ربِّه:
"فصلِّ لربك وٱنحر" 2 ٱلكوثر.
وسيعلم أنّ ما قاله ٱلسّلف فى هذه ٱلموعظة ما هو إلا لغو باطل وظنون جاهل ضلَّ فيما قاله عن ٱلحقِّ.
وأنّ ٱختلافهم فيما قالوه لغوًا وظنونًا يبيّن ضلالهم.
فمنهم من قال فى كلمة "ٱنحر" بذبح ٱلأضاحى.
ومنهم من قال برفع ٱليدين أثنآء ٱلتكبير.
ومنهم من قال بوضع ٱليد ٱليمنى فوق ٱليسرى.
ومنهم من قال بٱستقبال ٱلقبلة بنحره.
ومنهم من قال "اجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة" (تفسير ٱبن كثير).
وسيعلم أنّ ما جآء لهم من قول يخالف ما سجّله ٱلمُحصون من دليل ومفهوم للكلمة فى لسان ٱلأميين فى "المعاجم" ومنها "المعجم الوسيط":
(نحر الأمور علمًا: أتقنها. وداري تنحر داره. ونحر العمل: أدَّاه فى أول وقته. ونحر الشىء استقبله وواجهه).
فما سجّله ٱلمُحصون من دليل ومفهوم لكلمة "نَحَرَ" فى لسان ٱلأميين يبيّن ٱلجمع فى دليلها بين دليل كلمة "قَابَلَ" ودليل كلمة "وَاجَهَ". وهذا ما لم يأخذ به ٱلمتعلمون ٱلسَّلف من ٱلقوم وٱلأعراب فى فهم دليل ٱلكلمة. وفهموا ٱلقول ٱلموجّه لمؤمن "فصلِّ لربك وٱنحر" بما خرصوا فيه ظنًّا ولَغُوا فيه بٱلباطل. وبذلك غفلوا عن محمول ٱلقول وفيه موعظة لمؤمن كيف يقيم ٱلصَّلوٰة وكيف يقوم إليها يدوم عليها (يداوم دوام ٱلعاملين فىۤ أىِّ عمل) وكيف يقربها (يدخل سمعه وبصره وفؤاده فيها). فتكون نفسه فى مقابلة ومواجهة مع ٱلشىء أو ٱلأمر ٱلذى يقوم إليه ليقيمه بنآء على قواعده ٱلمرفوعة.
أو يقوم إليه ويقف عليه وعلى حاجته ليقوم ويكمل بنآؤه.
أو ليطور فيه.
أو ليصلح هدما فيه.
أو ليقربه ويكون وسيلته فى رصد شىء وٱلعلم بما فيه.
فلا يجنح عن ٱلقيام إليه ولا فى قربه. ولا يغفل. ولا يسهوا. حتّى يقيمه بنآء لا يزيغ ولا يطغى فيه عن قواعده. أو يقرأ به شيئا ويعلم ما يقول عنه ويبيّنه. فما يصلِّى عليه هو حقّ مربوب بفعل ٱلرّبِّ وسنّته ٱلتى لا تتبدّل ولا تتحوّل. وعليه أن يعلم بسنّة ٱلحقِّ ولا يغفل عنها ولا يسهوا فيشيط ويغلبه ٱلباطل فيزيغ ويطغى.
وإن علم وتذكّر سنّة ٱلحقِّ لا يصرفه عن صلوٰته ٱلتى يقوم إليهآ أو ٱلتى يقربهآ أمر أخر حتى تقوم ٱلصَّلوٰة بنآءً.
أو يصل إلى ٱلعلم بكلِّ أمر فى هذا ٱلشىء ٱلذى يصلِّى عليه وينيره بما يقوله ولا يترك بقعة ظلام فيه.
وبذلك سيعلم أنّ ٱلمتعلمين ٱلسَّلف من ءابآء "ٱلمسلمين" ضلُّوا فيما قالوه من دليل ٱلكلمة ولم يفهموا ٱلقول عن تحذير ٱللّه للمُصلِّين من ٱلسهو عن ٱلصَّلوٰة:
"فَوَيل لِّلمُصَلِّينَ(4) ٱلَّذِينَ هُم عَن صَلَاتِهِم سَاهُونَ(5)" ٱلماعون.
وضلُّوا عمّا جآء من أشراط ٱلقيام إلى ٱلصَّلوٰة وأشراط قربها لتطهير ٱلنفس من ٱلأسباب ٱلتى تمنع وتعسر وتعيق كمال بنآئها وٱلقيام إليها وقربها وٱلعلم بما يقولون عمّا ينظرون فيه.

بذلك ٱلفهم لكلمة "قرأ" وكلمة "قرء" وكلمة "نحر" رأيت أنّ ما يفعله ٱلرّبَّانيُّون من علمآء ٱلفيزيآء وٱلبيولوجيا وٱلمقدار (رياضيات) من رصد ومراقبة للأشيآء وحساب وإحصآء لها هو بفعل ٱلقيام إلى ٱلصّلوٰة وبفعل قربها عبادة للأمر "ٱقرأ بٱسم ربِّكَ ٱلذى خلق". وهم ٱلذين يرفعون ٱلقواعد من بيوتها. ويقيمون ٱلصّلوٰة فيها. ويقومون إلى ٱلصَّلوٰة يدومون يطوفون عليها. ومنهم ٱلذين يقربونها وبها يقرأون من ٱلأشيآء ٱلمربوبة ويعلمون بما فيها من نفع ودين. وكيف حدث تكوينها وزاد وٱتسع مقدارها. وكيف يأخذون منها ٱلنعم وٱلأمن وٱلهداية فى شرع من ٱلدِّين أحسن وحكم رشيد.

وممَّا رأيته فى ٱلموعظة صَلوٰة يَقصُرُ بنآؤها:
"وَإِذَا ضَرَبتُم فِى ٱلأَرضِ فَلَيسَ عَلَيكُمـ جُنَاح أَن تَقصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِن خِفتُم أَن يَفتِنَكُم ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنَّ ٱلكَـٰـفِرِينَ لَكُمـ عَدُوًّا مُّبِينًا" 101 ٱلنسآء.
ٱلقَصرُ ضِدُّ ٱلطَّول. وفى ٱلموعظة بيان لصلوٰة يميل إليها ٱلضَّارب فى ٱلأرض يصلِّى بها على ٱلكافرين فى ديارهم. فإن خاف من فتنتهم له بأىِّ أمر أو شىء يستهويه ويلهيه ويصرفه عن عمله. يَقصُرُ فى بنآء هذه ٱلصَّلوٰة وفى ٱلقيام إليها ليستطيع أن يخفى ما يفعله عن عدوّه. وهو يصلِّى بها ليعلم بجميع ما لدى عدوّه من قوّة.
ومن ٱلصَّلَوٰة ٱلتى يصلِّى بها ٱلمؤمن ويحافظ عليها بنآء كبير يقوم إليه يدوم يطوف فيه. وفيه يقرب ٱلصَّلَوٰة ويُصَلِّى وينير لنفسه. ومنها ٱلوسطى ومنها ٱلقصير:
"حَـٰـفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلوُسطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰـنِتِينَ" 238 ٱلبقرة.
وإلى هذه ٱلصَّلَوَٰتِ يقوم ٱلمؤمنون يطلبون ٱلنُّور ويصبرون فيما يعملون حتّى يُنار لهم دين ٱلحقِّ فيما يصلُّون عليه. فيطيعون ويتبعون ٱلنّور ولا يلتفتون إلى خلف.

أعود إلى ٱلنهى "لا تقربواْ ٱلصَّلَوٰةَ" فى ٱلموعظة 43 ٱلنسآء من بعد ٱلنظر فى ٱلفتوى ٱلتالية:
"وَيَسئَلُونَكَ عَنِ ٱلمَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى فَٱعتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فَى ٱلمَحِيضِ وَلَا تَقرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطهُرنَ فَإِذَا تَطَهَّرنَ فَأتُوهُنَّ.." 222 ٱلبقرة.
فى هذه ٱلفتوى توجيه لسلامة ٱلنسآء من ٱلأذى ٱلذى ينشأ عن قربهنّ وفى فروجهنّ محيض. وهو دم قلَّ مآؤه يُعسر ٱلحركة فى ٱلفروج ويسبب عقرًا فيها (ٱلعقر هو جرح ملتهب). فٱلأذى هو عقر فى ٱلفرج (مهبل) يحدث بفعل ٱلحركة فيه وبسبب قلّة ٱلمآء فى دم ٱلمحيض (دم يتخثّر). فٱلنهى "وَلَا تَقرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطهُرنَ" يعظ بٱلامتناع عن ٱقتراب ٱلفروج (تداخلها) حتَّى تطهر من سبب ٱلأذى.
وٱلمثل على قربهنّ فى ٱلسيف وبيته (جرابه أو غمده). فبعد دخول ٱلسيف فى غمده يظهران جسدا واحدا. و ٱلسيف هو ٱلقريب. و غمده هو ٱلقُربة. وفرج ٱلذكر هو ٱلقريب. وفرج ٱلأنثى هو ٱلقُربة. ومن ٱلقريب مآء فى وعآء فخار. و وعآء ٱلفخار هو ٱلقربة. ونور بصر مَن يصلِّى على كوكب بمنظار نور بصره هو ٱلقريب. وٱلمنظار هو ٱلقربة وهو ٱلصَّلوٰة ٱلتى بنىٰها وقام إليها وقربها. وٱلكوكب هو ٱلمصَّلَّى عليه.

لقد ٱقترن ٱلنهى فى ٱلموعظة 43 ٱلنسآء "لا تقربواْ ٱلصّلوۤة وأنتم سُكَـٰرى.. ولا جُنبا" بٱلمأرب من ٱلاقتراب "حتى تعلمواْ ما تقولون". وتبين ٱلموعظة أن لهذا ٱلمأرب شرط "حتى تغتسلواْ". وأنّ ٱلمأرب من ٱلشرط هو ٱلتطهر من ٱلأسباب ٱلتى تمنع ٱلقرب ومن ٱلأسباب ٱلتى تعسر وتعيق ٱلعلم وٱلقول.
هذا ٱلشرط "حتى تغتسلواْ" هو لجميع ٱلأسباب ٱلتى تمنع ٱلقرب (سُكَـٰرَىٰ. جُنُبًا) وٱلتى تعسر وتعيق ٱلعلم وٱلقول (مَّرضَىٰۤ. عَلَىٰ سَفَرٍ. جَآءَ أَحَد مِّنكُم مِّنَ ٱلغَاۤئِطِ. لَـٰمَستُمُ ٱلنِّسَآءَ).
أما ٱلقيام إلى ٱلصَّلوٰة (ٱلدوام عليها) وهو دوام وطواف عليها فجآء شرطه فى ٱلموعظة 6 ٱلمآئدة "فَٱغسِلُواْ وُجُوهَكُم وَأَيدِيَكُم إِلَى ٱلمَرَافِقِ". فهو غسل للوجه وٱلأيدى من دون ٱغتسال.
"وَٱمسَحُواْ بِرُءُوسِكُم وَأَرجُلَكُم إِلَى ٱلكَعبِين". فهو مسح (مسّاج) للرأس وٱلأرجل كاملة من أعلى ٱلفخذ إلى ٱلكعبين.
أـمآ إن كان ٱلسبب "سُكَـٰرَىٰ" أو "جُنُبا" وكلّ منهما سبب يمنع من ٱلقيام "وَ إِن كُنتُم جُنُبًا فَٱطَّهَّرُواْ" ويمنع من ٱلقرب "لا تَقرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وأَنتُم سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغتَسِلُواْ" فٱلتطهر منه لا يحدث من دون ٱغتسال.
وتُستثنى ٱلأسباب ٱلتى تعسر وتعيق (مَّرضَىٰۤ. عَلَىٰ سَفَرٍ. جَآءَ أَحَد مِّنكُم مِّنَ ٱلغَاۤئِطِ. لَـٰمَستُمُ ٱلنِّسَآءَ) من ٱلاغتسال كشرط للقرب فى ٱلموعظتين إن لم يجدوا مآء. ومن ٱلغسل ٱلجزئىّ ومسح ٱلأرجل إلى ٱلكعبين كشرط للقيام. وأنّ ٱلتطهر منها للقيام وٱلقرب معا هو فى ٱلتوجّه إلى صعيد طيب وٱلتنفس فيه ومسح ٱلوجه وٱلأيدى (مسَّاج) من دون ٱلرأس وٱلأرجل "فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمسَحُواْ بِوُجُوهِكُم وَأَيدِيكُم".
وبذلك علمت أنّ ٱلقيام إلى ٱلصلوٰة وقربها لا نفع منهما من دون نفس متطهرة من تلك ٱلأسباب. وبعد تطهرها تقوم فتبنى وتكمل ٱلبنآء على قواعده ٱلمرفوعة. وإليه تقوم وفيه تقرب فترسل نور بصرها نحرا تنظر فى شىء مربوب بوسيلة رصدٍ ترقبه وتحسب وتحصى كلّ أمر فيه لتقرأه وتنير ما فيه من دين بقول يبينه.
وتبيّن ٱلموعظة 6 ٱلماۤئدة أنّ وسيلة تطهير ٱلنفس عند كلِّ قيام إلى ٱلصَّلوٰة من جميع ٱلأسباب ٱلتى تعسر وتعيق. بٱستثنآء ٱلسبب "جُنُبًا". هى فى غسل ٱلوجه وٱلأيدى بٱلمآء إلى ٱلمرافق. ومسح ٱلرأس وٱلأرجل إلى ٱلكعبين. وإن لم تجد مآء فٱلوسيلة صعيد طيّب.
ويبيّن دليل ومفهوم كلمة "صَعَدَ" ٱلقول فى ٱلموعظتين "فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا". وٱلصعيد موقع مرتفع فى ٱلمكان ٱلذى تقوم ٱلنفس إليه وتقرب فيه فتصعد إليه أو تخرج إلى حديقته.
وتبيّن كلمة "طَيِّب". وهى ٱلنقيض لكلمة "خبيث". أنّ هذا ٱلموقع ٱلمرتفع لا يرجس فى هوآئه خبث يفسده. فتُيَمِّمُ ٱلنَّفسُ ذلك ٱلموقع صاعدة إليه تريد منه ٱلطُّهرَ بٱلتنفّس من هوآئه ٱلطَّيِّب وبمسح ٱلوجه وٱلأيدى بٱلكفَّين (مسَّاج) من دون ٱلمواقع ٱلأخرى.

لقد قال ٱلمتعلمون ٱلسَّلف من أبآء "ٱلمسلمين" فى ٱلموعظة 43 ٱلنسآء:
أن "سُكَـٰرَىٰ" هو حال من شرب ٱلخمر.
وأن "جُنُبا" هو حال ٱلذى خرج من فرجه منىّ أو ٱلتى دخل فرجها منى.
وأنّ "ٱلغآئط" (براز).
وأنّ "لَـٰمَستُمُ ٱلنِّسَآءَ" (جماعا).
وأنّ "فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا" مسح ٱلوجه وٱلأيدى بتراب.
وقالوا مثله فى ٱلموعظة 6 ٱلمآئدة. لا يفرقون بين يُقِيمُ ويَقُومُ ويَقرِبُ. وكفروا بتخريصهم وضلالهم على ما فى ٱلموعظتين من قول للَّه يهدى مَن جعله فى ٱلأرض خليفة فى كيف ينظر ويعلم ويقرأ ويبيّن ويملك ويقوى فيطعم من جوع ويؤمن من خوف.

بما سبق من درس وفهم للموعظتين. وبدرس لدليل ٱلسبب ٱلمحمول بكلمة "سكارى". فإنّ ٱلدليل وٱلمفهوم لكلمة "سَكَرَ" فى لسان ٱلأميين هو ٱلسد وٱلإغلاق. ومنه "سِكرُ ٱلمآء" و"سِكرُ ٱلباب" وغيره من وسآئل ٱلسدّ وٱلإغلاق. فإن سكرت نفس ٱلإنسان تُغلَقُ وتُسَدُّ شعآئرها (معابر شعرية للمعلومات إليها). ومن أسباب سكرها ما فيها من مناهج شَيطٍ تجلب على ٱلقلب فتعمى ٱلبصيرة. ومن تلك ٱلأسباب ٱلغضب وٱلحزن وٱلخسارة وٱلظفر وٱلربح وٱلمال. ومن تسكر نفسه بواحد من هذه ٱلأسباب لا يعلم ما يقول. وٱلاغتسال فى مثل هذه ٱلحال يطهّر ٱلنفس من سبب سكرها ويفتح شعآئر سمعها وبصرها فتقرب وتصلِّى وتعلم ما تقول.
فسكر ٱلنفس يغلقها. لا ٱلعين تبصر ولا ٱلأذن تسمع. وهذا ما يبيّنه ٱلبلاغ يوم زلزلة ٱلساعة:
"يَـٰۤـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُم إِنَّ زَلزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىء عَظِيم(1) يَومَ تَرَونَهَا تَذهَلُ كُلُّ مُرضِعَةٍ عَمَّاۤ أَرضَعَت وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَملٍ حَملَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيد(2)" ٱلحج.
كلّ نفس مسكرة على ذاتها مذهولة عن غيرها لا يهمها رضيع ولا حمل. فهى ليست مسدودة ومغلقة بسبب غضب أو حزن أو ظفر أو ربح أو مال أو سلطان أو نوم كما كان حالها فى ٱلحيوٰة ٱلدّنيا. بل هو ذهول بسبب ٱلعذاب ٱلشديد.
أما سكرها بسبب شرب ٱلكثير من ٱلخمر فلا تتطهر منه حتّى تهلك طاقته ويطرح رماده خارج ٱلجسم.

فى ٱلموعظة 6 ٱلمآئدة وعظ بٱلتّطهّر من ٱلجُنُب قبل ٱلقيام إلى ٱلصَّلوٰة.
وفى ٱلموعظة 43 ٱلنسآء وعظ بٱلاغتسال للتطهّر منه قبل قربها. وفيها ٱستثنآء من ٱلاغتسال للجنب عابر ٱلسبيل. فمَن يعبر سبيلا يتابع علاماته حتى يعبره ولا يضيع فيه. سمعه وبصره وفؤاده جميعها تتابع رصد ٱلسبيل ومراقبته. وكلّ أمرٍ أَخر لآ أهميّة له وهو يعبر ٱلسبيل. فلا يستطيع أن يقطع متابعته لعلامات ٱلسبيل ومخاطره لينظر نحرًا فىۤ أىِّ مسألة أخرى.
ومن دليل ومفهوم لسان ٱلأميين لكلمة جنب وجانب وجنوب وأجنبىّ فهمت أنّ ٱلجُنُبَ هو مَن يتابع أكثر من أمر بسمعه وبصره وفؤاده من دون أن تكون له متابعة نحريّة لأىٍّ منها. وهو غير منصرف إليها دون سوىٰها. وفى ٱلموعظتين ٱستثنآء للجُنُب ٱلعابر لسبيلٍ من شرط ٱلقيام إلى ٱلصَّلوٰة ومن شرط قربها بٱلاغتسال. وقيامه إليها وقربها يكون بوسيلة ٱلاتصال بما بين يديه من وسآئل ٱلاتصال وٱلاستماع إلى ٱلأخبار. أماۤ إذا كان جُنُبًا غير عابر لسبيل فلا يقوم إلى صلوٰة ولا يقربها حتى تتطهر نفسه مما يلهيها بٱلاغتسال.

ومما سجّله ٱلمُحصون فى "المعجم" من قول للأميين عن "ٱلغآئط":
(غَاطَ فى الشىء: دخل فيه وغاب. أَغَاطَ بئرَه: أبعد قعرها. غوَّطَ البئرَ: حفرها فأَبعد قعرها. الغائط: المنخفض الواسع من الأرض. الغَوط: أشدّ انخفاضا وبعدا من الغائط).
لم أرَ منه أمرا فيما قاله ٱلمتعلمون ٱلسّلف (التغوط, وهو الحدث الأصغر- تفسير ٱبن كثير).
ومن ٱلمفهوم ٱلمحمول فى قول ٱلأميين رأيت فيه وصفا لمَن كان نآئما نوما عميقا كقولهم عَمَّن نام بعمق: (غطّ فى نومه). ومثله مَن كان منصرفا إلىۤ أمر أو مسألة يتعمّق فيها وما زالت تسكر نفسه بهآ. أو مَن جآء من سفر ومن مكان بعيد ولم يأخذ نصيبا من ٱلراحة.

كذلك هو ٱلأمر فيما قاله ٱلمتعلمون ٱلسَّلف عن "لَـٰمَستُم ٱلنِّسَّآءَ". وقد خلطوا دليل ومفهوم كلمة "لمس" وأرجسوه بدليل ومفهوم كلمة "مسَّ" من دون علم بدليل كلٍّ من ٱلكلمتين. فقال بعضهم هو "الجماع". وقال بعض أخر هو "الغمز". وقال أخرون هو "جسّ باليد" و"قبلة" (ٱختلاف قولهم معروض فى تفسير "ٱبن كثير").
ومن مفهوم ودليل كلمة "لَمَسَ" ٱلقول (طلب أمرا وأَلَحَّ فى ملاحقته). ومنه قول أخر: (ٱلتماس نقض ٱلحكم. وٱلتماس ٱلرحمة وغيره). وهذا ٱلدليل ليس من دليل كلمة "مَسَّ". وخلطُ ٱلسّلف بين دليل ٱلكلمتين لَغَوَ وفَحَشَ فيهما وفى ٱلقول ٱلحامل لهما.

ومما زاد من ٱللغو وٱلفحش إقحامهم لكلمة "نظافة" ٱلأوردية فى ٱلقول ٱلعربىّ وكأنها منه. وبهذه ٱلكلمة حُرفت كلمة "طَهَرَ" عن موضعها فضاع دليلها ومفهومها وهو ٱلتخلّص وٱلتحرر من رجسٍ علق بلباس قلبٍ يَمَسُّه فتشيط ٱلنفس فى قولها وفعلها. ومنه قول ٱلأميين عن مجنون "مَسَّهُ شيطان". وقولهم يشبه ٱلقول فى كتاب ٱللّه:
"ٱلَّذِينَ يَأكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشّيطَـٰـنُ مِنَ ٱلمَسِّ" 275 ٱلبقرة.
وجآء ٱلمَسُّ فى ٱلفتوى:
"لا جُنَاح عَلَيكُمـ إِن طَلَقتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ مَا لَم تَمَسُّوهُنَّ.." 236 ٱلبقرة.
"وَإِن طَلَقتُمُوهُنَّ مِن قَبلِ أَن تَمَسُّوهنَّ وَقَد فَرَضتُمـ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصفُ مَا فَرَضتُم.." 237 ٱلبقرة.
وفى ٱلفتوى بيان لما تدلّ عليه كلمة "مَسَّ" من فعل لمنهاج "عَرشٍ" نُزِّلَ على شىء فمَسَّهُ وصار من لباسه. وٱلمثل عليه فى تنزيل مناهج ضوئية من لوح "ليزرىّ CD" على "هارد ديسك كومبيوترcomputer hard disk " فَتَمَسُّه تلك ٱلمناهج وتصير لباسا له أو من لباسه "سوفت وير software".
فٱلقول "مَا لَم تَمَسُّوهُنَّ" وٱلقول "مِن قَبلِ أَن تَمَسُّوهنَّ" يبينان ٱقتراب وتنزيل "نطفة" من دون أن يحدث تحميل لعرشها فى "بيضة". فٱلطلاق من قبل ٱلمسّ. أما من بعد ٱلمسِّ فلا طلاق قبل توثيق حقوق ٱلمنهاج ٱلمنزّل بٱلنسب وأجر ٱلحمل وٱلرّضاعة.
وفى ٱلقول ٱلعربىّ بيان لهذا ٱلمفهوم:
"إِنَّهُ لَقُرءَان كريم(77) فِى كِتَـٰبٍ مَّكنُونٍ(78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا ٱلمُطَهَّرُونَ(79)" ٱلواقعة.
وٱلقرءان نزل فى كتاب ليكون لباسا لقلب مَن ينزّله عليه:
"يَـٰبنِىۤ ءَادَمَ قَد أنزلنا عَلَيكُم لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوءٰتِكُم" 26 ٱلأعراف.
وتنزيل ٱلكتاب على ٱلقلب لِيَمَسُّهُ ويكون لباسا له يحتاج إلى تهيئة للقلب format disk بتطهيره من جميع مناهج ٱلشَّيط وٱللغو وٱلفاحشة من قبل أن يكون تنزيل ومسّ ولباس.
فٱلمطَّهرون هم من تطهّرت قلوبهم من كلِّ منهاج يرجس فيما ينزل عليها من لباس.
أما تنزيل ٱلكتاب على ٱلقلب من دون تطهيره من مناهج ٱلشيط لا يَمَسُّ ٱلقلب ولا يكون له أثر فيه.

فٱلقول "لامستم ٱلنساۤء" يبيّن ٱلطلب وٱلإلحاح وٱلملاحقة لهنَّ بإرسال ٱلنظر وٱلقول ليكون من بعده "جسّ باليد". أو "قبلة". أو قرب من دون مسٍّ. أو قرب ومسّ.
وفى ٱلموعظتين أنّ غسل ٱلجسم كلّه شرط لقرب ٱلصَّلوٰة. وغسل أجزاۤء منه ومسح أخر شرط للقيام إليها. وبتحقيق ٱلشرط تطهر ٱلنفس من منهاج "لمس" ٱلعالق بها. وإن لم يجدوا مآء "فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا".
وبذلك علمت أنّ ٱلموعظة "صلِّ لربك وٱنحر" تبيّن قول ٱلموعظة "لا تقربواْ ٱلصّلوٰة وأَنتُم سُكَـٰرى.. ولا جُنُبًا إلا عابرِى سبيل حتّى تغتسلواْ". فمَن يقرب ٱلصّلوٰة ليصلِّى نحرا على شىء مربوب يقطع ٱلسمع وٱلبصر وٱلفؤاد عن أىِّ شىء أخر.
وفهمت أنّ ٱلطّهارة فى ٱلقول "يريد ٱللّه ليُطهّركم" موعظة لتطهير ٱلنفس فى قيامهآ إلى ٱلصَّلوٰة وفى قربها من أسباب سكرها وسهوها وتوزّعها بين ما هو أمامها وما هو جانبها.
وأنّ وسيلة تطهير ٱلنفس من أسباب ٱلسّكر وٱلجنب لتقرب ٱلصَّلوٰة هى ٱلاغتسال بٱلمآء.
وأنّ ٱلاغتسال بٱلمآء هو ٱلوسيلة لتطهيرها من ٱلجنب لتقوم إلى ٱلصَّلوٰة.
أما تطهيرها من جميع ٱلأسباب ٱلأخرى. فهو فى ٱلقرب بٱلاغتسال. وفى ٱلقيام إليها بغسل ٱلوجه وٱلأيدى إلى ٱلمرافق بٱلمآء ومسح ٱلرأس وٱلأرجل إلى ٱلكعبين. وإن لم تجد مآء فى ٱلقيام وفى ٱلقرب. فإنّ وسيلة تطهيرها من جميع ٱلأسباب ٱلأخرى هى مسح ٱلوجه وٱلأيدى فى صعيد طيّب.

ٱلصَّلَوٰة وٱلزّكُوٰة وٱلرّكوع
فى ٱلكتاب موعظة لبنىۤ إسرٰۤءيل:
"وَأقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱركَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ" 43 ٱلبقرة.
بٱللغوِ فى ٱلقرءان حُرف مفهوم كلمة "زكوٰة" إلى مفهوم لغو بكلمة "ضريبة". وأُرجس دليل كلمة "ركع" فى دليل كلمة "سجد". وبٱللغو وٱلتحريف أضاع جميع ٱلذين يتبعون لسان ومنهاج ٱلمحرفين ٱلهداية فى طاعة هذه ٱلموعظة وأضاعوا ٱلصَّلوٰة.
ويبيّن قول ٱللّه أنّ مَن أضاعوا ٱلصّلوٰة يُساقون بٱلشهوات فيغوون:
"فَخَلَفَ من بعدِهِم خَلف أضَاعُواْ ٱلصَّلوٰة وٱتَّبَعواْ ٱلشَّهَوات فسوفَ يَلقَونَ غيًّا" 59 مريم.
وفى دليل "ٱلغىّ" دليل كلٍّ من ٱلجهل وٱلكذب وٱلضَّلال وٱلخيبة وٱلمرض وٱلضّعف وٱلهون وٱلذِّلّ وٱلشَّرّ. وهٰذا هو شأن ٱلذين "أضاعواْ ٱلصَّلوٰة وٱتَّبَعواْ ٱلشَّهَوات". وهم جميع ٱلشعوب ٱلجاهلة ٱلضعيفة ٱلتى لا طعام لها من جوع ولآ أمن من خوف. وبمآ أَلِفَت أنفسهم من مفاهيم ٱلجهل وٱلباطل يقعدون فى سبيل ٱللّه ويصدّون عنه ٱلناس كما يصدّون أنفسهم.

فى قول ٱللّه أنّ ٱلذين يتبعون ٱلإنسان ٱلمثل "عيسى ٱبن مريم" هم ٱلذين يُصَلُّون وهم فوق ٱلذين كفروا:
"وجاعِلُ ٱلَّذينَ ٱتَّبَعُوكَ فوقَ ٱلَّذينَ كَفَرُواْ إلى يومِ ٱلقِيٰمةِ" 55 ءال عمرٰن.
وفى قوله بيان لسبيل "عيسى":
"أَنِّى قد جِئتُكُم بأَيةٍ من رَبّكُم أَنِّىۤ أخلُقُ لَكُم مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيئَةِ ٱلطَّيرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طيرًا بإذن ٱللَّه وأُبرئُ ٱلأَكمَهَ وٱلأَبرصَ وأُحِى ٱلمَوتَى بإِذن ٱللَّه وأُنَبِّئُكُم بما تَأكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فى بُيُوتِكُم إِنَّ فى ذلِكَ لأيةً لَّكُم إن كُنتُم مُؤمِنِين(49) وَمُصَدّقًا لِّما بينَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّورىٰةِ ولأُحِلَّ لكُم بَعضَ ٱلَّذى حُرّم عَليكم وجِئتُكُم بأَيَةٍ مِّن رَّبّكُم فَاتَّقُواْ ٱللَّه وأَطِيعُونِ(50)" ءال عمرٰن.
وسبيل ٱلذين ٱتبعوا عيسى هو:
سبيل ٱلعلم بٱلخلق وٱلتسوية (أخلُقُ لَكُم.. فيكون طيرًا).
وسبيل ٱلعلم بٱلطب وٱلشفآء (وأُبرئُ ٱلأَكمَهَ وٱلأَبرصَ).
وسبيل ٱلعلم بٱلحيوٰة وٱلموت (وأُحِى ٱلمَوتَى).
وسبيل ٱلعلم بٱلطعام (وأُنَبِّئُكُم بما تَأكُلُونَ).
وسبيل ٱلعلم بٱلاقتصاد (وما تَدَّخِرُونَ فى بُيُوتِكُم).
فٱلذين ٱتبعوه هم ٱلذين يخلقون ويسوّون ويصنعون ويعلمون بٱلشفآء من ٱلمرض وبٱلحياة من بقيّة موتى وبٱلطعام وبما يدّخرون. وهذا لا يحدث من دون إقامة للصَّلوٰة وٱلقيام إليها وقربها.
ولأنّ ٱلذين يتبعون "عيسى" يقيمون ٱلصّلوٰة ويقومون إليها ويقربونها لينظروا ويعلموا بٱلحقِّ ودينه ملكوا وعلوا فى ٱلأرض علما وقوّة وكثر طعامهم وءامنوۤا أنفسهم وأهلهم من خوف. وهم ٱلذين ينيرون بنظرهم وعملهم فعل سنّت ٱلرَّبِّ ودينه. وهم ٱلذين يستطيعون أن يأتوا بٱلزكوٰة ويركعون مع ٱلرَّاكعين من بعد عقلهم بَينَ ما كشفوا عنه وعَلِمَوا به وبَينَ بيان ٱللّه عن كلِّ شىء. وهم ٱلذين يخلفون بأسمآء ٱللّه ٱلحسنى ومنها ٱسمآء "مالك" و"ربّ" و"مؤمن" و"عليم" و"حكيم" و"سَلَـٰـم".
أمّا ٱلذين لم يتبعوه وأضاعوا ٱلصّلوٰة فلم يعلموا بسبيله وبقى عليهم منكرا فصيطر عليهم ٱلبغى وٱلطغوى بٱلجهل وٱلباطل. وٱتخذوا لأنفسهم من أسمآء ٱلباطل وأسلموا له فكفر عليهم ٱلعلم بٱلحقِّ وجهلوا وجاعوا وخافوا وٱنخفضوا فى ٱلأرض مذلّين مهانين. وحالهم فى ٱلحياة ٱلدنيا وٱلأخرة يبيّنه قول ٱللّه:
"فأَمَّا ٱلَّذينَ كَفَرواْ فأعذّبُهُم عذابًا شديدًا فى ٱلدُّنيا وٱلأَخِرَةِ وما لهم من نَـٰصرينَ" 56 ءال عمرٰن.

يبيّن قول ٱللّه أنّ ٱلذين يعلمون وٱلذين لا يعلمون لا يستوون:
"قُل هل يَستَوِى ٱلَّذين يعلمون وٱلَّذين لا يعلمون إنَّما يَتَذكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلبَـٰبِ" 9 ٱلزمر.
وأنّ مِنَ ٱلذين يعلمون ويعبدون مَن يتذكر ويخشى ٱللّهَ بعلم:
"إنّما يخشى ٱللَّهَ مِن عِبَادِهِ ٱلعُلَمَـٰۤؤُا" 28 فاطر.
وٱلعلمآء وأولهم ٱلرِّبَّانيُّون (علمآء ٱلفيزيآء وٱلمقدار وٱلبيولوجيا) هم ٱلذين يقيمون ٱلصَّلوٰة ويقومون إليها ويقربونها. وهم ٱلذين يسيرون فى ٱلأرض ينظرون ويعلمون ويقرأون بٱسم ربِّهم وينيرون أشيآء ٱلحقِّ ٱلمنظور. فيعلمون بما فيها من دين ويؤمنون فيكتبون لأنفسهم شرعا من ٱلدين بما نُزِّلَ إليهم من ربِّهم لا يفسقون عليه فيملكون ويعلون فى ٱلأرض. وهم ٱلذين يقول ٱللَّهُ موكّدا لهم حتميّة علمهم بٱلنشأة ٱلأولى:
"ولقد علمتم ٱلنَّشأَة ٱلأُوْلَى فلولا تَذَكَّرُونَ" 62 ٱلواقعة.
ولأنّهم يصلّون فلهم يتوجّه ٱللَّه منذرا:
"فَوَيل لِّلمُصَلِّينَ(4) ٱلَّذين هُم عن صَلاتِهم سَاهُونَ(5)" ٱلماعون.
سَهَوَ فى ٱلشىء ومنه تَرَكَهُ. وهٰذا للذين أقاموا ٱلصَّلوٰة وسهوا عن ٱلقيام إليها وعن قربها فيأتيهم ٱلويل بسبب سهوهم فيُسبَقُون فى ٱلتنافس ٱلجارى بين ٱلناس:
"ولولا دَفعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَّهُدِّمَت صَوَٰمِعُ وَبِيَع وصَلَوَٰت ومَسَـٰجِدُ يُذكَر فيها ٱسمُ ٱللَّهِ كثيرًا ولينصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن ينصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىّ عزيز(40) ٱلَّذين إِن مَّكَّنَـٰهم فى ٱلأرض أَقامُواْ ٱلصَّلوٰة وءَاتَواْ ٱلزَّكوٰة وأَمَرُواْ بٱلمَعرُوفِ وَنَهواْ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ(41)" ٱلحج.
صَلَوَٰتُ ٱسم جمعٍ للصَّلوَٰة ٱلكبير مَدُّهُ وطوله منها وٱلقصير وٱلوسط. ومنها ما يُقام لرصد ومراقبة ٱلأشيآء صغيرها وكبيرها. ومنها لرصد ومراقبة ٱلسمآء وحركة أفلاكها ورؤية ٱلرتق وٱلفتق. وأخرى لرصد ومراقبة تطوُّر قوَّة ٱلأخرين وضعفهم. ومنها ٱلجامع تقام فيه صلوٰة ٱلجُمعة للشُّورى ولرصد ومراقبة أعمال كهّان ٱلسلطة وعبادتهم للأمر ومناسكه. ومثله ٱليوم "ٱلكونغرس ٱلأمريكىّ" وهو ٱجتماع يجمع بين مجلس ٱلشيوخ ومجلس ٱلنّواب.
صَوَٰمِعُ ٱسم جمعٍ لمكان ٱلصناعة وٱلخزن.
بِيَعُ ٱسم جمعٍ لمكان ٱلبيع وٱلتِّجارة وتوثيق ٱلعقود ومكان خزن ٱلأموال كٱلبنوك وغيرها.
مَسَـٰجدُ ٱسم جمعٍ لمكان تسيير أعمال ومصالح ٱلناس طاعة للأوامر وٱلمناسك ٱلصَّادرة عن ٱلأمير من دون أن يكون للسّاجد إرادة فى تبديل أو تغيير ٱلأمر وٱلمنسك. فٱلفعل "سجد" يدلّ على ٱلخضوع وٱلطَّاعة من دون إرادةٍ ولا تطّوعٍ وفيه دليل ٱلإسلام وٱلمسلم.
و"دفعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاس بعضَهم ببعضٍ" يحثُّهم على تجديد هٰذه ٱلوسآئل وٱلتَّوسع فىۤ إقامتها طلبًا لِّلقوَّة وٱلعزّ وٱلتّمكن فى ٱلأرض. وفى ٱلتنافس عوامل قوَّة وعزٍّ ونصر لِّلَّذين يقيمون ٱلصَّلوٰة بكلِّ ألوانها ولا يسهون عنها.

ما يدلّ عليه ٱلطَّلب "أَقيمواْ ٱلصَّلوَٰةَ" هو إقامة جميع وسآئل ٱلمراقبة وٱلرّصد لحركة وأعمال ٱلناس فى كلِّ مكان. وٱلأشيآء صغيرها وكبيرها وٱلسَّمآء وما فيها. وما يغيب عن بصر ٱلعين فى ٱلأشيآء وصولا إلى ٱلأزواج ٱلشهريّة "ٱلميزونات". وٱلذين يصلُّون ولا يسهون يَنصُرونَ ٱللَّهَ. هو قريب وأنفسهم قربة. وبما فيها من نوره ينصرهم على ما فيها من ظلم وجهل. وهم ٱلذين يستطيعون ٱلجواب على سؤال ما زال مظلم عليه "ٱلدجاجة أولا أم ٱلبيضة"؟ فإن عقلوا ما علموا به من ٱلحقِّ بصلاتهم وأناروۤا أنفسهم بعقله مع بيان ٱللّه فى كتابه يصدّقون ٱلبيان وٱلجواب على هذا ٱلسؤال فيما قاله مبيِّنًا:
"إنَّهُ يَبدَؤُاْ ٱلخلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ" 4 يونس.
"قُل ٱللَّهُ يَبدَؤُاْ ٱلخلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ" 34 يونس.
"كَمَا بَدَأنَآ أَوَّلَ خَلقٍ نُّعِيدُهُ" 104 ٱلأنبيآء.
وبٱلعقل سيعلمون أنّ ٱلدجاجة وٱلبيضة تتبادلان ٱلموقع "أولا". وأنّ بيان ٱللّه يدحض قَولَ مَن يلغو ويشيط فى ٱلجواب على ٱلسؤال بكلمة "عدم". وأنَّ من يلغوا ويشيط بهذا ٱلجواب لا يذكر ما عَلِمَ به من أنّ زوجية "مادة- طاقة" باقية محفوظة. وأنّه لا سبيل لمفهوم ٱللّغو "عدم" لا فى ٱلحقِّ ولا فى بيان ٱللّه.

تدلّ كلمة "زكوٰة" على ٱلبّر وٱلصَّالح وٱلحسن وٱلصّادق فى ٱلقول وٱلعمل وٱلأمر. وهذا نقيض ٱلطّغيان وٱلكفر. وٱلنفس ٱلزكيَّة طاهرة من مناهج ٱلطغيان وٱلكذب وٱلكفر كنفس عيسىٰ بن مريم "غلاما زكيًّا".
وٱلمصلّون يعلمون ويأتون بٱلزّكوٰة ويأمرون بٱلمعروف وينهون عن ٱلمنكر.
أما ٱلجاهلون فأضاعوا ٱلصّلوٰة ولا يعلمون ولا يأتون بٱلزكوٰة ويأمرون بٱلفحشآء وٱلمنكر فيَلقَونَ غيًّا.
لقد حرف ٱللّغو كلمة "زكوٰة" عن موضعها وجعلها فى موضع كلمة "مكوس" (ضرائب ورسوم) فضيّع دليل ٱلكلمة وٱلهداية إليه.
وفَعَلَ ٱللغوُ مثلَ ذلك مع كلمة "ركع" وكلمة "سجد" ووضعهما معا فى موضع كلمة "خَرَّ". وجعل للكلمتين دليلا واحدا هو فى ٱلنزول بٱلجسم إلى ٱلركبتين. وهذا ٱلدليل يلغوا فى دليل ٱلسجود وهو ٱلخضوع لشرع معروف من ٱلدِّين وٱلأمر به من دون فسق عليه. وفى قول ٱللّه بيان لمفهوم ٱلسجود:
"ولِلَّهِ يسجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ومَا فِى ٱلأرضِ مِن دَآبَّةٍ وٱلملـٰۤئِكةُ وهم لا يستكبرونَ" 49 ٱلنَّحل.
"ولِلَّهِ يسجُدُ مَن فِى ٱلسَّمـٰوَٰتِ وٱلأرضِ طوعًا وكَرهًا وظلـٰـلُهم بٱلغُدُوِّ وٱلأصَالِ" 15 ٱلرَّعد.
"وٱلنَّجمُ وٱلشَّجَرُ يَسجُدَانِ" 6 ٱلرَّحمٰن.
جميع ٱلأشيآء "ما" و"مَن" ومنها ٱلنَّجمُ وٱلشَّجرُ وٱلناس تتماثل فى ٱلخضوع بٱلفعل "سجد" من دون إرادةٍ.
ٱلنَّجمُ وٱلشَّجرُ لا ينظران ولا يتفكران ولا يعلمان ولا يريدان. ويسجدان فىۤ أفعالهما من دون علم ولاۤ إرادة لهما بسنّة تكوينهما وهلاكهما. ومثل ٱلشجر هو ٱلبشر ٱلذى لا يصلِّى ولا يعلم.
أما ٱلذى يصلِّى فيعلم بدين وسنَّة سجود ٱلأشيآء. وبعلمه بهما يسجد لهما متطوعا فيكون لسجوده ٱسم ركوع. وإن كان من ٱلذين يؤمنون بٱللّه وٱليوم ٱلأخر ويتلوا ٱلقول:
"وأَقيمواْ ٱلصَّلوَٰةَ وءَاتواْ ٱلزَّكوَٰةَ وٱركعواْ مَعَ ٱلرَّٰكعينَ" 43 ٱلبقرة.
يعلم أنّ ٱلطلب موجَّه إلى ٱلَّذين ينظرون ويعلمون ويقرأون. وأنّ ٱلتدافع بين ٱلناس يجعل ٱلذين يعلمون منهم يقيمون ٱلصّلوٰة ولا ينتظرون هدم ٱلصوامع وٱلبيع وٱلصّلوات وٱلمسٰجد. فيجددون فيها من دون بخل ولا سهو حتّى لا يُسبقون. لأنّهم يعلمون أن كمال نظرهم لا يكون لهم من دونها. وأنّها ٱلوسيلة ٱلتى تُوصلهم إلى ٱلعلم بدين ٱلحقِّ وبإسلَـٰـم وسجود ٱلأشيآء لهم. وبوصولهم إلى ٱلعلم بهما يركعون ركوع سجود مع أمثالهم من ٱلعالمين ٱلذين يسجدون لدين ٱلحقِّ وشرعه ٱلمسنون بعلم ودراية بهما فيكون إسلامهم وسجودهم لهما طَوعًا هو ٱلرّكوع.
هذا ٱلأمر وٱلفعل يحدث بٱلقلب (العقل والدماغ فى اللغة) وليس بٱلجسم. وبما وعت قلوب ٱلعالمين من شرع ٱلدين ٱلمسنون فى ٱلتكوين تركع أنفسهم فيخرّون إلى ٱلأذقان معلنين تصديقهم لبيان ٱللّه وعبادتهم لموعظته فلا يفسقون علىۤ أمره فيما يشرعون.

صَلَّى فعل يُوقِى
بما فهمته وعرضته أرىۤ أنّ ٱلفعل "صلَّى" هو فعل قيّم بدين قيّم. وهو أمر ومنسك لملك قُدُّوسٍ حاكم حكيم غنىّ حميد عليم سميع بصير رقيب حسيب يحصى ويحرس ويحكم سَنَّ أفعال ٱلتكوين ولا يغفل عنها لتتداخل فيما بينها. وأنّه من دون هذا ٱلفعل وٱلأمر وٱلمنسك لوقعت ٱلطامَّة ٱلكبرى فى ٱلتكوين كلِّه.

ممَّا قاله ٱللَّه عن نفسه أنه ٱلملك ٱلقُدُّوس ٱلخالق ٱلقادر ٱلعليم ٱلصّانع ٱلخبير ٱلحكيم ٱلشَّهيد ٱلمحيط ٱلسَّميع ٱلبصير ٱلرقيب ٱلحسيب ٱلمهيمن ٱلمحصى. يبيّن خالقا صانعا يصلِّى على صناعته "لا تأخذه سِنَة ولا نوم". وفى قوله أنّه نفخ "من روحه" فى "ٱلبشر" وهو واحد مما خلق وصنع. وتابع تنزيل مناهج تطوير وخبرة له فى ٱلروح. ثمّ أرسل تأييدا له "بروح ٱلقدس" (نسخة منه أصلية معقمة وطاهرة). وأتى هذا ٱلتأييد بعد أن وصل ٱلبشر إلى ٱستطاعة ٱلتطهير لنفسه بيده وإلى طُورِ "مِيكَىٰلَ" يكيّل ٱلحقَّ بيده ويعلم بدينه وشرع منه من دون عون خارجى له لا فى تنزيل ٱلمناهج ولا فى ٱلخبرة فيها. وهذا يبيّن أنّ ٱللَّه بصناعته للبشر تابع ٱلتنزيل للمناهج وٱلتدريب عليها وٱلخبرة فيها بدءا من نفخ جزء من روحه "من روحى" فيه حتىۤ أكملها له بكتابه "ٱلقرءان" وهو "روح ٱلقُدُس" يقدِّس ما فيه من روح.
ويبين له أنّ "من روحى" قريب ونفسه قربة.
كما يبيّن له أنّ ٱلمأرب هو ٱلوصول بأطوار خبرة "من روحى" فيه إلى طُورِ "ميكـىٰل". وبوصوله إلى هذا ٱلطُّور ٱمتلك ٱلوسيلة لأن يكون خليفة فى ٱلأرض قادرًا على ٱلجعل وٱلكيل من دون تأييد خارجى. وبوصول ٱلبشر إلى مشارف هٰذا ٱلطُّور ورد إليه "روح ٱلقدس" فى كتاب. وهو منهاج أصيل genuine أرسله ٱللّه لتنزيله على ٱلقلب من بعد تطهيره ممّا رجس فيه من لغو وفاحشة تحريف. وفيه بيانُ وسيلة ٱلسعى للعلم فى كيف بدأ ٱلخلق. وبيان وسيلة ٱلوقاية من أى فعل يشيط به إلى فعل ٱلسُّوء:
"يَـٰبَنِىۤ ءَادَمَ قَد أَنزَلنَا عَلَيكُمـ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوءَٰتِكُم.." 26 ٱلأعراف.
ينزّله ٱلبشر وينصّبه لباسا رئيسا يَمَسُّ ٱلقلب ٱلمُطَّهَر ويثبّت به ٱلفؤاد. وبهذا ٱلنزول تَوقَّف تأييد ٱللَّه. وبه كان كمال نزول منهاج دين ٱلمؤمنين وكمال أطواره:
"ٱليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم" 3 ٱلمآئدة.
وبكمال دين ٱلمؤمنين تُرك ٱلتأييد بروح ٱلقدس لمن يريده لنفسه. فينزّل ٱلقرءان على قلبه تنزيلا ليمسُّه ويكون لباسا له ويثبت فؤاده به. وبإقامته ٱلصّلوٰة وقيامه إليها وقربها وٱلحفاظ عليها يكون سبيله للعلم بدين ٱلمؤمنين وكيله. وبعلم ٱلكيل يكون سبيله إلى ٱلإسلام وٱلسجود طوعًا للدِّين عند ٱللّه. وسبيله إلى وضع شرع معروف من ٱلدِّين يأمر به ويُحسِنُ فيه ولا يفسق عليه بمنكر.

تأييد ٱللَّه هو تأييد ٱلخالق ٱلصانع ٱلعليم ٱلخبير ٱلحكيم ٱلهادى لصناعته. وبعد أن أوصل صناعة ٱلبشر ٱلوحش ٱلظلوم ٱلجهول إلى طُور قوة وقدرة على ٱلعلم بدينه وٱلخبرة فى شرع منه وٱلكيل لكلِّ حقٍّ بنفسه. أرسل له منهاج تكميل وتجديد ووقاية للمناهج ٱلمنزلة من قبل. وأمثّل على منهاج ٱلتجديد وٱلوقاية فى ٱلقرءان بما يفعله منهاج update ويندوز فى كومبيوتر خلقه وصنعه مؤمنون فى "مايكروسوفت". فيعمل خالق ٱلويندوز على تحسينه فى كلِّ كومبيوتر يوصل بخالقه على شبكة ٱلانترنت. من دون أن يتدخل ٱلخالق فى سلوك وأفعال صاحب ٱلكومبيوتر وأعماله ٱلخاصة. وهو يُصلِّى على فعل صناعته يرقبها ويشهدها ويحصيها ولا يغفل عنها. ويحدث ذلك بفعل منهاج من أصل ٱلويندوز ٱلذى صنعه ليسجل جميع ٱلحركات وٱلأفعال وٱلأخطآء ٱلجارية عليه من قبل صاحب ٱلكومبيوتر. ينسخها ويحفظها فى محفظة يرسلهآ إلى ٱلصَّانع. وبتلك ٱلنسخة ٱلمرسلة يعلم ٱلصَّانع بأفعال وأخطآء تلك ٱلمناهج لدى صاحب ٱلكومبيوتر ٱلعامل عليه. ومثل ٱلويندوز هو ٱلرُّوح فىۤ أنفسنا. وتأييد ٱلرُّوح فىۤ أنفسنآ بروح ٱلقدس لا يكون إلا بتنزيل منهاج ٱلقرءان على ٱلقلب وتثبيت ٱلفؤاد به:
"يَٰۤأيُّها ٱلَّذين ءَامنواْ لا تَسئَلُواْ عَن أشيآء إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم وإن تَسئَلُواْ عنها حِينَ يُنَزَّلُ ٱلقرءانُ تُبدَ لَكُم" 101 ٱلمآئدة.
"حِينَ يُنَزَّلُ ٱلقرءانُ" هو حين تنزيله على ٱلقلب يَمَسُّه ويصير لباسا له. وبتنزيله وتثبيت ٱلفؤاد به يتغير ما بٱلنفس من منهاج أدنى خرّبه ٱلتحريف وٱللغو ويُوقِيها من أفعال ٱلشيط وٱلسهو عن ٱلصّلوٰة.

للفعل "صلَّى" دليل ومفهوم تبيّنهما ٱلأفعال سمع بصر شهد أحاط رقب حسب عدَّ أحصى علم هدى. فٱلَّذى يصلِّى يسمع ويبصر ويشهد ويحيط ويرقب ويحسب ويعدّ ويحصى ويعلم ويهدى. فلا يغفل ولا يسهو ولا يفتر سمعه وبصره عن ٱلَّذى يصلِّى عليه.
وفى لسان ٱلأميين مفهوم للكلمة يتعلق بحدود قرب ٱلصّلوٰة. ومنه قولهم "صَلَى ٱللّحم" إذا شوىٰه. وفيه وصف صواب للّحم ٱلمشوىّ ٱلصَّالح للأكل بسبب وضعه على بعدٍ محدّد مِّنَ ٱلنار يجعلها تشويه من دون حرقٍ له. فإذا دَنَوَ من ٱلنّار حرقته وإذا ٱبتعد عنها لا تشويه.
هٰذا ٱلفهم ٱلأمىّ لحدود ٱلقرب تصدّقه ٱلبلاغات ٱلتالية:
"خذوه فغلّوه(30) ثمّ ٱلجحيم صلّوه(31)" ٱلحاقة.
"فأنذرتكم نارًا تلظّى(14) لا يصلـىٰهاۤ إلاّ ٱلأشقى(15)" ٱلّيل.
"فنزل مِّن حميمٍ(93) وتصلية جحيم(94)" ٱلواقعة.
"جهنّم يصلونها فبئس ٱلمهاد" 56 ص.
يوضع على بعدٍ محدّد منها يُصَلِّى عليها يرصدها ويرقبها ويشهد كيف تشويه ولا تحرقه. وهو ما يبينه ٱلبلاغ:
"إن ٱلَّذين كفرواْ بـٴَـاياتنا سوف نصليهم نارًا كُلَّما نضجت جلودُهُم بدلنَـٰهم جلودًا غيرها ليذوقواْ ٱلعذاب" 56 ٱلنسآء.
فٱلذين يصليهم نارا يضعهم فى موقع محدّد يُصَلُّون منه على ٱلنّار فيرقبون ويشهدون ويحصون ويعلمون كيف تنضج جلودهم ويذوقون ٱلعذاب ولا يحترقون.
كلمة "نضجت" تبين ٱلشّوىَ لا ٱلحرق. وفى ٱلحرق موت فلا تذوّق لعذاب من بعده.
هٰذا يبيّن أنّ كلمة "صَلَى" تدلّ على ما سبق من قولٍ. وتبيّن أنّ كلمة "صَلوٰة" تدلُّ على وسيلة ٱلفاعل "مُصَلِّى" وفعله "صَلَّى". وأنَّ ٱلَّذى يصلِّى شهيد سميع بصير رقيب حسيب محصٍ عليم. وهو مَن لا يغفل ولا يتدخل ولا يعتدى على حدود وأفعال وأعمال ٱلذى يصلِّى عليه. وٱلذى يَصلَى نارا شهيد سميع بصير رقيب حسيب محصٍ لنضج جلده وتبديله وعليم بمتابعة قربه ٱلصّلُوٰة وما يذوقه من عذاب. فكلمة "صَلَّى" فعل يشير إلى فاعل ووسيلته فى فعله "صلوٰة". وهٰذا ٱلفاعل لا يعتدى بسبب علمه بٱلأذى ٱلذى يأتى به ٱلإعتدآء فيذكر ٱلأمر ولا ينسى:
"وَذَكَر ٱسمَ رَبِّهِ فَصَلَّى" 15 ٱلأعلى.
ٱلَّذى صَلَّى هو ٱلثانى ٱلإنسان ٱلخليفة ٱلمؤمن ٱلعالم. وموقفه ٱلذى يظهره ٱلفعل "صَلَّى" يأتى به علمه وتذكّره أنَّ ٱلرّب هو ٱلأوّل وٱلفاعل فى ربوّ أى شىء من مقدار. وأنّه عليم باق حىّ قيُّوم. وأنَّه ٱللّه نور ٱلسّمٰوٰت وٱلأرض. فيصلِّى لينير لنفسه فى سنّة ٱلرّبِّ ودين ٱلحقِّ ذاته. ويعلم أنّ ٱللّه مصلَّى فى سباق ٱلنور وهو ٱلأوّل وٱلأَخِر وهو بكلِّ شىء عليم. ويعلم أنّه يلى ٱللّهَ فى ٱلألوهة وهو ٱلثانى وٱللّهُ شفيعه ٱلذى يرجع إليه فلا يدّعى أنّه إلَـٰه من دونه. ويعلم أنّه عَلَم خلقه ٱللّه وسوّىٰه ثمّ جعله خليفة ومنه يعلم أنّ علمه محدود:
"وماۤ أُوتِيتُم منَ ٱلعِلمِ إلاّ قليلاً" 85 ٱلإسرآء.
ويعلم أن ما فيه من روح قليل. فيصدّق ويركعُ مسلمًا طوعا للذى فطر ٱلسّمَـٰوٰت وٱلأرض ويسلك فى حياته ٱلدنيا وفق ٱلمرتبة ٱلثانية فى ٱلعلم وٱلنور. فلا يتكبَّر. ولا يطغى فيما يشرّع ويعرّف فيأمر به وينهى عن ٱلمنكر. ويصلِّى علىۤ أفعاله وأعماله وأقواله ومناسكه ويقابلها بأوامر وموعظة ٱللَّه. فلا يغفل عن نفسه ولا يسهو عن أفعالها وأعمالها وأوامرها وأقوالها. ويعلم ويشهد ويسمع ويبصر ويرقب ويحسب كلَّ عمل وفعل وقول ومنسك تقوم به نفسه.
أمَّا ٱلإنسان ٱلَّذى لا يذكر فلا يصدِّق ولا يصلِّى ولا يقرّ بهٰذه ٱلمرتبة إلَّا لنفسه ويسعى فى حياته ٱلدنيا يظنّ أنّه سيدركها:
"فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى" 31 ٱلقيامة.
فيكذّب بٱلبلاغ ٱلمُبين. ولا يستمع إليه. ويدّعى لنفسه ٱلمرتبة ٱلأولى فى ٱلنور وٱلعلم وٱلبيان وٱلشرع على ٱلسَّوآء. ويسلك فى حياته ظانًّا أنَّه إلَـٰه من دون ٱللّه ويدّعى بذٰلك ٱدعآء فرعون:
"يَـٰۤأيها ٱلمَلأُ ما عَلِمتُ لكُم من إِلَـٰـهٍ غيرِى" 38 ٱلقصص.
ويتوجّه فعله وعمله وقوله وشرعه ومنسكه بظنِّه أنّ لا شفيع له يرجع إليه فيتكَبُّر ويطغى. ويأتى قوله مثل قول فرعون ٱلذى يوجِّهه منذرا "موسى":
"لَئِنِ ٱتَّخَذتَ إِلَـٰهًا غَيرِى لأجعَلَنَّكَ من ٱلمَسجُونينَ" 29 ٱلشعرآء.
هٰذا ٱلإنسان ٱلمكذّب ٱلمدّعى لنفسه ٱلألوهة بذاته يفقد ٱلقدرة علىۤ إخفآء موقفه فى ٱلحياة ٱلدنيا ويعترف به يوم ٱلحساب:
"قَالُواْ لم نكُ من ٱلمُصلّينَ" 43 ٱلمدثر.
"وكُنَّا نُكذِّبُ بيومِ ٱلدِّينِ" 46 ٱلمدثر.
أما ٱلمؤمن ٱلَّذى يصلّى يذكر ويعلم مَن هو شفيعه ٱلذى يرجع إليه ولا يستطيع ٱلهرب منه:
"قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰـعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وٱلأَرضِ ثُمَّـ إِلَيهِ تُرجَعُونَ" 44 ٱلزُّمَر.
"وَأَنذِر بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمـ لَيسَ لَهُمـ مِّن دُونِهِ وَلِىّ وَلَا شَفِيع لَّعَلَّهُم يَتَّقُونَ" 51 ٱلأنعام.
فيصلى على نفسه يرقبها ولا يغفل عن فعل أو عمل أو قول لَّها. ولا يتركها لتخالف ٱلموعظة فيما تشرّع وتأمر وتنسك فتتكبّر وتطغى وتظنُّ أنَّها تشفع نفسها. ولا يتعدى حدود ٱللَّه وأولها سبيله ٱلذى لاۤ إغلاق له ولاۤ إكراه فيه. ويعلم أنّ ٱللَّه يُصلِّى عليه. يشهد ويبصر ويسمع ويرقب ويعدّ ويحصىۤ أعماله وأفعاله وأقواله من دون تدخل فيها:
"هُوَ ٱلَّذى يُصلِّى عليكم وملَــٰۤـئِكَتُهُ لِيُخرِجَكُم من ٱلظُّلمَـٰتِ إلى ٱلنُّورِ وكانَ بٱلمؤمنينَ رَحيمًا" 43 ٱلأحزاب.

ٱللَّه هو نور ٱلسّمـٰوٰت وٱلأرض وهو ٱلقدير ٱلعليم ٱلشَّهيد ٱلسميع ٱلبصير ٱلرقيب ٱلحسيب ٱلهادى يصلِّى علينا ولا يتدخل فىۤ أفعالنا وأعمالنا وأقوالنا وهو يقدر عليها. ويترك ذٰلك لنا وحدنا لنختار ٱلسير على سبيله وليكون لنا هو ٱلشّفيع بٱختيارنا. ننظر فىۤ ءَايات خلقه. ننتقل من ظلمات عَجَمَ إلى نور عَرَبَ فيها. ونعقل ما ينيره علمنا مع بلاغه ٱلعربىّ ٱلمبين لنهتدى. فما نكشف عنه من سنّت ودين ٱلرَّبِّ فى ٱلأشيآء. وما نجريه من عقل بينها وبين بلاغ ٱللّه. يجعلنا نصلِّى على جميع أفعالنا وأعمالنا وأقوالنا فلا نشيط بها ولا نعتدى ولا نطغى ولا نقعد فى سبيل ٱللَّه. كما يجعلنا نصلِّى على ٱلأخرين نرقبهم ونعلم بتطورهم فننافسهم من دون أن نعتدى عليهم. ونعلم بعوامل قوَّتهم وما يقيمون من ٱلصَّلوٰت بكلِّ ألوانها.

ما يبيّنه ٱلبلاغ (43 ٱلأحزاب) أنّ ٱللّه يصلِّى على ٱلمؤمنين. وأنَّ موقفه من قول وفعل وعمل ٱلإنسان هو موقف ٱلمصلِّى لا يعتدى ولا يُكره ولا يتدخل إلى يوم ٱلحساب.
وفى ٱلبلاغ أنَّ ٱللَّه يصلِّى على ٱلنَّبىّ:
"إنَّ ٱللَّه وملـٰۤئكتَهُ يُصَلُّون على ٱلنَّبىِّ" 56 ٱلأحزاب.
فٱللَّه يصلِّى على ٱلنَّبىِّ كما يصلِّى على ٱلمؤمنين. ويوكّد على خيرة ٱلنّبىّ ومسئوليته فىۤ أفعاله وأعماله وأقواله وعيشه.
وٱلنبىّ صِدِّيق تلقّى علمه من ٱللّه. ومحمّد ٱلنّبىّ هو ٱلرّسول ٱلحاكم وٱلأمير لسلطة ٱلمدينة فى "يثرب". ولأنه ٱلرّسول ٱلحاكم وٱلأمير فهو يصلِّى على جميع أهل يثرب ليعلم بمن يسعى من ٱلأعراب ٱلذين أسلموا للتّقرّب من شرعه وأمره وصلواته:
"وَمِنَ ٱلأَعرَابِ مَن يُؤمِنُ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلأَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰـتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ أَلَاۤ إِنَّهَا قُربَة لَّهُم سَيُدخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحمَتِهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُور رَّحِيم" 99 ٱلتوية.
وما ينفقه ٱلأعراب ليكتسبوا علما وخبرة يرصده ويرقبه ويحسبه ٱلنّبىّ ولا يغفل عنه وعمّا يستحقون عليه من أجر على ما يعملون.
وليعلم مَن مِنَ ٱلمؤمنين يوسع ماله فى ٱلأعمال فلا يأخذ منه إلا ما يتصدّق به ولا يكرهه فى مقدار ما يدفعه:
"خُذ من أموالِهم صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِم بها وصَلِّ عليهم إنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَن لَّهم وٱللَّه سَميع عليم" 103 ٱلتوبة.
وهو يرصد ويرقب ويحسب ويحصى ما ينفقه ٱلأعراب على ٱلقرب وما يوسع فيه ٱلمؤمنون أموالهم. فلا يتسلط ولا يطغى لا فى ٱلأجر للأعراب ولا فى طلب زيادة عمّا يتصدّق به ٱلمؤمنون من ٱلمال. وهٰذا يبيّنه ٱلقول "سَكَن لهم" وٱلقول "وشاورهم فى ٱلأمر" وفيهما بيان ٱلاطمئنان على ٱلخِيرَةِ فى ٱلقول وٱلفعل وٱلعمل وٱلتطوع. فٱلنّبىُّ بما ثبّت به فؤاده وبمآ أنزل ٱللّه له من منهاج لينٍ:
"فَبِمَا رَحمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلقَلبِ لَانفَضُّواْ مِن حَولِكَ فَٱعفُ عَنهُم وَٱستَغفِر لَهُم وَشَاوِرهُم فِى ٱلأَمرِ فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُتَوَكِّلِينَ" 159 ءَال عمرٰن.
لا يتسلط ولا يستبد فى ٱلرأى وٱلفعل. ويشاور ٱلمؤمنين جميعهم بلين فى مسألة ٱلصدقات وسبيل ٱنفاقها. ويعرض عليهم حاجة "ٱلمدينة" من ٱلأموال ويترك لهم أمر تحديد مقدار ما ينفقون ومقدار صدقاتهم. كما لا يكرههم على ٱلقتال ويحرضهم لعلّهم يتطوعون:
"فَقَاتِل فِى سبيلِ ٱللَّه لا تُكَلَّفُ إلاَّ نفسَكَ وحرِّضِ ٱلمؤمنينَ" 84 ٱلنسآء.
"يـَٰۤـأَيُّها ٱلنَّبِىُّ حَسبُكَ ٱللَّه ومَنِ ٱتّبَعَكَ من ٱلمُؤمِنِين(64) يَـٰۤـأَيُّها ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلمُؤمنين على ٱلقتالِ(65)" ٱلأنفال.
وهو أمير ٱلمدينة وأمير جيشها. فإن كان فيهم يقيم لهم ٱلصلوٰة حتّى لا يغفلون عن عدوّهم:
"وإذا كُنتَ فيهم فأَقمتَ لهمُ ٱلصَّلَوٰة فَلتَقُم طآئفة مِّنهم مَّعَكَ وَليَأخُذُوۤاْ أَسلِحَتَهُم فَإِذَا سَجَدُواْ فَليَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُم وَلتَأتِ طَآئِفَة أُخرَىٰ لَم يُصَلُّواْ فَليُصَلُّواْ مَعَكَ وَليَأخُذُواْ حِذرَهُم وَأَسلِحَتَهُم وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَو تَغفُلُونَ عَن أَسلِحَتِكُم وَأَمتِعَتِكُمـ فَيَمِيلُونَ عَلَيكُم مَّيلَةً وَٰحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُم إِن كَانَ بِكُم أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَو كُنتُم مَّرضَىٰۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسلِحَتَكُم وَخُذُواْ حِذرَكُم إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا" 102 ٱلنِّسآء.
فما يقيمه هو عمل ٱلرَّصد للعدوِّ فىۤ أماكن ٱلقتال ومتابعته فى جميع حركاته وإحصآئها. فيقيم ٱلأمير ورآء جيشه ٱلصّلوٰة وتقوم معه طآئفة منه بأسلحتهم ليُصَلُّوا معه على ٱلعدوِّ ساجدين لا يغفلون ولا يفسقون. وله أن يأمر ٱلذين يصلُّون معه ورآء ٱلجيش بوضع ٱلأسلحة جانبًا مَّع بقآء ٱلتيقظ فىۤ أعمال ٱلرَّصد وٱلمراقبة وٱلإحصآء من دون سهو. ويستبدل تلك ٱلطآئفة لترتاح بأخرى يُصَلُّون معه.

وفى ٱلبلاغ وعظ للمؤمنين ليصلُّوا على ٱلنبّى:
"يَـٰۤـأَيُّها ٱلَّذين ءامنواْ صلُّواْ عليه وسَلِّمُواْ تَسليمًا" 56 ٱلأحزاب.
إقامة ٱلمؤمنين للصلوٰة ليصلُّوا علىٰۤ أمير ٱلمدينة حقِّ لهم ومسئولية عليهم. فهم يدفعون صدقة من أموالهم ويتطوعون للقتال عن عيشهم ٱلعهدىّ. فلا يسهون ولا يغفلون عمّا ينفقه ٱلنّبىّ ويعدّ من قوّة. فيرقبون أفعاله وأعماله ويقدّمون له ٱلنصح وٱلمشورة ولا يعتدون على ما يأمر به. وعليهم ٱلتسليم بمسئوليتهم فيما يصلُّون عليه وبمسئوليته فيما يصلِّى عليه وفيما يأمر. ولا جدال فى مسئولية كلٍّ منهما ويسلِّمون بها تسليمًا.

ٱلَّذين يقيمون ٱلصَّلوٰة ويقومون إليها ويقربونها ولا يلتفتون إلى خلف حيث ٱلسّلف ٱلميِّت ونظرهم لا يكون إلا نحرا لا يغفلون ولا يسهون وهم ٱلأقويآء فى ٱلأرض وٱلمنتصرون فى كلِّ وقت. وينعمون بوفرة ٱلطعام وٱلأمن. ولهم ٱليوم ٱلقدرة على مشاهدة أكثر ما يحدث فى ٱلأرض. ورصد ومراقبة وإحصآء معظم أحداثها. وٱلعلم بكنوزها وٱلسعى لأخذها من دون إذنٍ مِّن أحدٍ. ومثلهم فى ذٰلك كَمَثلِ يوسف:
"وكذٰلك مكّنّا ليوسف فى ٱلأرض يتبوَّأُ منها حيث يشآء" 56 يوسف.
وهؤلآء ينعمون فى طعامهم ويأمنون من أىِّ خوف. ويعيشون عابدين شرعا معروفا من ٱلدِّين constitution ويتعاونون على ٱلبرّ من دون ٱلإثم. وقد جآء فى ٱلبلاغ عنهم:
"ٱلَّذين إن مكَّنَّـٰهم فِى ٱلأرضِ أقامواْ ٱلصَّلوٰة وءَاتَواْ ٱلزَّكَوٰة وأمرُواْ بٱلمَعرُوف ونَهَواْ عن ٱلمُنكَرِ ولِلَّهِ عَـٰقِبةُ ٱلأمُورِ" 41 ٱلحج.
ومثل هؤلآء لا يعبدون إلا ٱللَّه ولا يخالفون أمره:
"وجَعلنَـٰهم أَئِمةً يَهدونَ بأمرِنا وأوحينآ إليهم فِعلَ ٱلخيرٰتِ وإقامَ ٱلصَّلوٰة وإيتآء ٱلزّكوٰة وكانواْ لنا عَـٰبدينَ" 73 ٱلأنبيآء.
ومن يقيمون ٱلصَّلوٰة ويقومون إليها ويقربونها لا يخشون إلا ٱللَّه. ولا يطلبون ٱلنور وٱلهداية من غيره. وهم ٱلذين يَعمُرُون مساجد ٱلنّور:
"إِنَّما يَعمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّه من ءَامَنَ بٱللَّه وٱليومِ ٱلأخِرِ وأقامَ ٱلصَّلوٰة وءَاتى ٱلزَّكوٰة ولم يخشَ إلاَّ ٱللَّه فعسى أوْلَــٰۤـئِكَ أن يكونواْ من ٱلمهتدينَ" 18 ٱلتوبة.
ومسٰجد ٱللَّه هى بيوت يسجد فيها علمآء يصلّون يبحثون وينظرون ويعلمون وينيرون فى كلِّ شىء. وممّا ينظرون ويعلمون به هو شرع ٱلمعروف من ٱلدين ومناسك لتسيير أعمال ومصالح ٱلناس وإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف. وأعمال ومصالح ٱلناس هى منافعهم من تجارة وصناعة وزراعة وغيرها من ٱلأعمال.
وما يدلّ عليه ٱلفعل "عَمَرَ" هو ٱلإقامة وٱلبنآء وٱلسكن. فٱلَّذى يقوم إلى هٰذه ٱلبيوت وهو يصدِّق بٱليوم ٱلأخر يقيم ٱلصَّلوۤة ويقوم إليها ويقربها ولا يعتدى ولا يطغى ولا يعطل سبيل ٱللَّه ولا يقعد فيه ويسجد لعهد ٱللّه وميثاقه فيما يضعه من شرع معروف. ويأتى بٱلأفعال وٱلأعمال وٱلأقوال ٱلصالحة (ٱلزكوٰة). ولا يخشى إلَّا ٱللَّه فلا يخالف فى شرعه ٱلمعروف مآ أناره بنظره وعلم به. وهٰذا يُرجىۤ أن يكون مهديًّا. وهو لا يدعوا مع ٱللَّه أحدًا:
"وأنَّ ٱلمَسَـٰجِدَ للَّهِ فَلا تَدعُواْ معَ ٱللَّه أحَدًا" 18 ٱلجن.
نهى ظاهر فصيح بيّن. فلا رسول ولا حاكم ولاۤ أب ولا ولد يملك أن ينير له فى ٱلحقِّ ويبيّنه. وهو وحده ٱلمسئول فينظر بما فى نفسه من نور ويعمل به لينير لها ما يستطيع تنويره.
وٱلَّذين يأخذون بٱلكتاب ويتمسَّكون بما فيه من هداية وبيان يقيمون ٱلصّلوٰة فيعلمون ويصلحون:
"وٱلَّذين يُمَسِّكون بٱلكِتَـٰبِ وأقامواْ ٱلصَّلوٰة إنَّا لا نُضيعُ أَجرَ ٱلمُصلحينَ" 170 ٱلأعراف.
وهؤلآء من صفاتهم ٱلصَّبر على مأربهم من إقامة ٱلصَّلوٰة وٱلإنفاق بٱلسرِّ وٱلعلن على تطوير وسآئل ٱلنور وٱلتنافس بين ٱلناس:
"وٱلَّذين صَبَرُواْ ٱبتغَآء وَجهِ ربِّهم وأقامواْ ٱلصَّلوٰة وأنفَقُواْ مما رزقنَـٰهُم سِرًّا وعلانيةً ويَدرءُونَ بٱلحسنةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَــٰۤـئك لهم عقبى ٱلدَّارِ" 22 ٱلرعد.
وهؤلآء يصبرون على ٱختيارهم وجه ربِّهم وسبيل ٱلنور إليه للعلم بحاجتهم إلى ٱلحسنة فلا يسيئون. وهم يعلمون أنّ سبيلهم إلى ما يريدون هو فى ٱلنظر وٱلدرس فىۤ ءَايات ٱللَّه ٱلبيِّنات وقرءانه ٱلمبين:
"ٱقرأ بٱسمـِ ربِّكَ ٱلَّذى خلقَ" 1 ٱلعلق.
وهؤلآء لا يستعجلون على ما يقيمون من صلوٰة ومصانع لها. وسوآء عليهم ءَكان ما ينفقون عليه يتطلب ٱلسِّرَّ أم ٱلعلن لا يبخلون. فيقوم بنآء لا ينجم عنه سيِّئة ولا فساد كوسآئل ٱلرّصد وصناعتها ٱلتى لا تنفث فى ٱلهوآء أو ٱلمآء أو ٱلتراب ما يفسد فيها.
ٱلصَّلوٰة وسيلة ٱلتنوير وٱلعلم بشرع ٱلمعروف من دين ٱلحقِّ ٱلمسنون وفق "قدّر فهدى". وٱلأمر ٱلأول فى هذه ٱلوسيلة هو فى توجيه ٱلسَّمع وٱلبصر وٱلفؤاد إلى كلِّ شىء للعلم أنَّ ٱلصَّلوٰة وسيلة وقاية أساس فى ٱلتكوين. وهو ما جآء بيانه فى ٱلبلاغ:
"ألم تَرَ أنَّ ٱللَّه يُسَبِّحُ لَهُ مَن فى ٱلسَّمَـٰـوٰتِ وٱلأرضِ وٱلطَّيرُ صَـٰـفـَّــٰـتٍ كُل قد عَلِمَ صلاته وتسبيحهُ وٱللَّه عليم بِما يَفعَلونَ" 41 ٱلنور.
فلكلِّ شىء صلوٰة. وعلم ٱلشىء هو علم هدايةٍ مُّسَوَّم ومُوزَع "يفعلون ما يؤمرون". وليس للأشيآء فى هذا ٱلعلم إدراك ودراية وعقل. وصلوٰتها قآئمة فيها بدينٍ وهى تصلى وفق "قدّر فهدى". فلا تعتدى ولا تفسق على ٱلشرع ٱلمسنون.
أما ٱلإنسان فهو مَن يضع دينا وشرعا معروفا ليقيم ٱلصلوٰة ويقوم إليها ويقربها ليصَلِّى وفق "نظر ودرك ودرى وعلم وعقل وعرف" وهو عنها مسئول. وبها يصلِّى على ٱلنَّفس وعلى ٱلأخرين وعلى كلِّ شىءٍ. ويتبع منهاج علمه وخبرته وإرادته وخيرته فى ٱلسير على سبيل ٱللَّه ليعلم بشرع ٱلسّلَـٰـم ودينه ويتقى ٱلفسق عليه وٱلشيط عنه.
أما وجـوده كشىء فـإن للصَّلوٰة منهاج وقاية قآئم فى جميع "فيدرالية" جسمه وفق "قدَّر فهدى". وهو يزيد على ٱلأشيآء فى صلوٰته ٱلَّتى تُركت إقامتها له بما فيه من روح ٱللّه وهو عنها مسئول. وهذا ما يبينه ٱلبلاغ:
"وكان ٱلإِنَسَـٰنُ أكثرَ شَىءٍ جَدَلاً" 54 ٱلكهف.
فكلمة "أكثر" تبين إرادة ٱلإنسان بما فيه من روح ٱللّه ومسئوليته عمّا يكتسب من علم وخبرة وإرادة فى فعل منهاج ٱلصَّلوٰة ٱلَّتى لا تملكها ٱلأشيآء ٱلأخرى. وهو مَن يفعل ويعمل ويقيم ٱلصَّلوٰة ويقوم إليها ويقربها ليصَلِّى ويعلم ويتَّقى. وهو مَن يصنع ويقول ويملك ويغنى ويقوى ويعلوا. وفى حركته عليه أن يدرك ويعلم بشرع من دين ٱلحقِّ ولا يترك نفسه لتفسق عليه. ولا يفعل عدوانًا يسوق إلى ٱلطَّامة ٱلوجودية ٱلشيئية وهو منها.
وٱلإنسان هو ٱلعالم وٱلمالك وٱلملك وٱلحاكم وٱلمؤمن وٱلغنىّ وٱلحميد. وهو ٱلَّذى يقيم ٱلصَّلوٰة ويقوم إليها ليصلى على نفسه وعلى ٱلأخرين وعلى ٱلأشيآء. ويعمل ليؤسس فى بيت ٱلحكم أهلًا يقيمون ٱلصَّلوٰة ويصبرون علىۤ إقامتها وبها يصلُّون فيعلمون ويرزقون:
"وَأمُر أهلَكَ بٱلصَّلَوٰةِ وٱصطَبِر عليها لا نسئَلُكَ رِزقًا نَّحن نَرزُقُكَ وٱلعَــٰقِبةُ لِلتَّقوى" 132 طه.

يُصَلِّى ويذكر
تبيّن ٱلموعظة أنَّ ٱلذِّكر أساس:
"ٱتلُ ما أُوحِىَ إليكَ من ٱلكِتَـٰبِ وأقِم ٱلصَّلوٰة إنَّ ٱلصَّلوٰة تَنهَى عن ٱلفَحشَآء وٱلمُنكَرِ ولَذِكرُ ٱللَّه أَكبرُ وٱللَّه يعلمُ ما تَصنَعُونَ" 45 ٱلعنكبوت.
وفيها توجيه للمؤمن بٱلقول "ٱتلُ ما أُوحِىَ إليكَ من ٱلكِتَـٰبِ". وفى ٱلكتاب بيان مُصَلٍّ على كلِّ شىء وموعظته وهدايته فيه.
وفيه توجيه أخر له بٱلقول "وأقِم ٱلصَّلوٰة". وهى كل وسآئل ٱلتَّيقظ وٱلتَّرقب وٱلتَّهيؤ على ٱلنفس وعلى ٱلأخرين وعلى ٱلسلطة وعلى ٱلأشيآء وعلى ٱلصناعة ٱلمحسنة ٱلتى لا تفسد.
وفى ٱلتوجيهين قرن بين تلاوة ٱلكتاب وبين ٱلنظر وٱلعلم بٱلحقّ. وبهذا ٱلقرن يكون بين يدىّ ٱلمؤمن وسيلتان للعلم وٱلإيمان بٱللّه وٱلتّصديق بكتابه وما فيه من موعظة وهداية:
ٱلأولى كتاب ٱللّه وهو ٱلمؤمن ٱلعليم وفيه بيان وتبيان لمصلٍّ يحيط بصره وسمعه بكلِّ شىء وهو عليه شهيد. وفيه موعظة وهداية.
وٱلثانية بيان إنسانٍ مؤمن يصلِّى فيعلم. وٱلصّلوٰة وسيلته للتنوير فى ٱلحقِّ وٱلعلم به وبدينه وبشرع ٱلمعروف منه وبكيف بدأ ٱلخلق.
وبتلاوة ٱلإنسان ٱلمؤمن لبيان ٱللّه يحدث عقل بين ما تبيّن له من ٱلحقِّ وبين بيان ٱللّه عنه. فيرى فى بيان ٱللّه سبقا على بيانه. وبذلك يحدث إيمان وتصديق ويقين فى قلبه. ويعلم أنّ تلاوته للكتاب وحده لا توصل إلىۤ إيمان وتصديق ويقين. وبفعل ٱلعقل يرى فى ٱلموعظة حكما على ما تبيّنه ٱلصّلوٰة له "إنَّ ٱلصَّلوٰة تَنهَى عن ٱلفَحشَآء وٱلمُنكَرِ". فيعلم من ٱلموعظة أنّ ٱلصّلوٰة هى وسيلته للنور وٱلبيان فى ٱلحقَّ ودينه. وأنّها وسيلته للتَّصديق وٱلتفريق بين ٱلحقِّ وٱلباطل. وبعلمه بٱلفرق بينهما يتبع دين ٱلحقَّ وينهى نفسه عن قول وعمل ٱلفحشآء وٱلمنكر وكلاهما دين ٱلجهل وٱلباطل.
ويرى فى ٱلموعظة حكما أخر "ولَذِكرُ ٱللَّهِ أَكبرُ وٱللَّهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ". فيعلم أنّ ذكر ٱللَّه هو ذكر ٱلنُّور فى ٱلسَّمـٰـوٰتِ وٱلأرض وذكر لموعظته. فبعد أن صلَّى وأنار وعلم بمآ أقام من صلوٰة. عليه أن لا ينسى مآ أناره وعلم به بٱلتلاوة من موعظة وهداية. فيعقل بين ما علم به بصّلوٰته مع ما علم به بتلاوته. فإن صدّقا بعضهما عليه أن لا يعبد ولا يتبع غير ما فيهما من نور. فلا يتجاوز لحدود ولا يعتدى ولا يفسد فيما يصنعه. فإن ذكر ٱلنورين عبد ما علم به من ٱلموعظة فيدفع عنه ٱلتَّكبر وٱلطغيان وٱلشقآء وٱلفحشآء وكل فعلٍ يفسد فى ٱلأرض.

لقد بيّن ٱللَّه للمؤمنَ أنّه وحده ٱلذى ينير له:
"إِنَّنِىۤ أَنَا ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَاْ فَٱعبُدنِى وَأَقِم ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكرِى" 14 طه.
وبيّن له أنَّه واحد ولا يوجد نور أخر فى ٱلسّمـٰـوٰت وٱلأرض. فٱلَّذى يُرهَبُ هو ٱللَّه وحده:
"وقالَ ٱللَّهُ لا تَتَّخِذُوۤاْ إِلَـٰهَينِ ٱثنَينِ إِنَّمَا هُوۤ إِلَـٰه وَٰحِد فَإيَّـٰىَ فَٱرهَبُونِ" 51 ٱلنحل.
ومَن يذكر أنّ ٱللَّه هو ٱلنور ٱلهادى يعلم ولا يسهو ولا ينسى موعظته. ويعلم أن ٱلسهو وٱلنِّسيان يظلم عليه وبٱلظلام يجهل فيضلّ ويفحش.
وفى كتاب ٱللَّه قول كثير عن ٱلذِّكر:
"ٱلَّذين يَذكُرُونَ ٱللَّه قِيامًا وقُعُودًا وعلى جُنُوبِهم" 191 ءال عمران.
"وٱلَّذين إذا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أو ظَلَمُوۤاْ أنفُسَهُم ذكَرُواْ ٱللَّه فٱستَغفَرواْ لِذُنُوبِهم" 135 ءال عمران.
"إلاَّ ٱلَّذين ءَامَنُواْ وعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحٰتِ وذَكَرُواْ ٱللَّه كثيرًا" 227 ٱلشعرآء.
"وَٱذكُر رَبَّكَ إذا نَسِيتَ" 24 ٱلكهف.
فذكر بيان وموعظة وهداية ٱللّه أساس فى ٱلنفع من ٱلعلم ٱلمقروء بٱلصّلوٰة من دون فساد ولا فحشآء. وأساس لكلِّ فعل يصلح ما فسد وفحش. وبٱلذكر توقد أفئدة ٱلإنسان ٱلمؤمن بٱلموعظة وٱلهداية ٱلمقترنة بما بين يديه من علم بٱلحقِّ. وهو وسيلة ٱلعلم وٱلرسوخ فيه.
وفى ٱلكتاب أنَّ ٱلنسيان للهداية وٱلموعظة يسبب للإنسان عذابًا خالدًا:
"فَذُوقُواْ بِما نَسِيتُم لقآء يَومِكُم هَـٰذآ إنَّا نَسِينَـٰكُم وذُوقُواْ عَذابَ ٱلخُلدِ بما كُنتُم تعملونَ" 14 ٱلسجدة.
وهـٰـؤلآء كانوا يعبدون من دون ٱللَّه فيما يشرعون ويفحشون. كانوا يصلُّون وينيرون ويعلمون فى ٱلحقِّ ويتلون ٱلكتاب ولا يعقلون. فكانوا يقولون ويعملون ويصنعون من دون ذكر للبيان وٱلموعظة وٱلهداية فى ٱلكتاب.

لقد قرن ٱللّه ذكره بذكرنا:
"فٱذكرونِىۤ أذكُركُم وٱشكُرواْ لِى ولا تكفرونِ" 152 ٱلبقرة.
ومثله مع ٱلنسيان:
"نَسُواْ ٱللَّه فنَسِيَهُم إنَّ ٱلمُنَافِقينَ هُم ٱلفَـٰسِقُونَ" 67 ٱلتوبة.
وما يظهر من ٱلبلاغ (152 ٱلبقرة) وٱلبلاغ (67 ٱلتوبة) أنَّ ٱللَّه هو ٱلمصلِّى وهو ٱلأَخِرُ. وأنَّ ٱلإنسان هو ٱلمصلَّى وهو ٱلأوَّل ٱلَّذى يؤسَّسُ عليه موقف ٱللَّه "فـٱذكرونِىۤ أذكركم" و"نسُواْ ٱللَّه فنَسِيَهُم". وٱلإنسان هو مَن يتولى تحديد ٱلعلاقة مع ٱللّه وتوجيههآ. إمَّاۤ إلى ذكر بيانه وموعظته وهدايته وعبادته. وإمّاۤ إلى نسيانها وعبادة ما علم به من دون ٱللَّه.

ٱلنسيان وٱلذكر طرفان فى جدلية "رحمٰن – شيطان" وجدلية "إنس- جنّ" فى ٱلنفس. وبإقامة ٱلصّلوٰة وٱلقيام إليها وقربها وٱلصبر عليها وعقل لما تقرأه ٱلنفس بها من نور مع نور ٱللّه فى كتابه يقوى طرف ٱلجدلية "ذكر". وبذكر ٱلنورين تُكشف ٱلهداية للنفس ويضعف طرف ٱلجدلية ٱلأخر "نسى". وبهذا ٱلذكر يصير ٱلمؤمن من "أهل ٱلذِّكر". وهم ٱلَّذين يصلُّون ويذكرون بيان وموعظة وهداية ووصايا ٱللَّه ويخضعون ما بين أيديهم من علم وشرع للموعظة وٱلوصايا. وبجدلية (ذكر- نسى) يتأسس موقف ٱلإنسان ٱلمُصَلِّى. ويتخذ ٱللَّه ٱلموقف ٱلمقابل لموقفه.
يدلّ ٱلفعل "ذكر" علىۤ أفئدة متقدة بٱلنورين. وهٰذا ٱلفعل من أفعال قلب وفؤاد ٱلإنسان ٱلمؤمن ٱلعالم ٱلَّذى يبقى يسأل ويسعى للتنوير فى ٱلحقِّ فيقيم ٱلصّلوٰة ويقوم إليها ويقربها ويصبر حتّى يجد ٱلجواب ويعقله مع نور تلاوته فى ٱلكتاب. ويبقى يصلِّى ويعلم ويعقل ويذكر ٱلنورين ما دام حيًّا. وهذا ٱلمؤمن يعلم أنّ "ٱلذِّكر" حاجة أساس للبحث ٱلعلمى وللشرع من ٱلدين وهو سمتهما ٱلرئيس. وبٱلعقل يعلم أنّ "ٱلذِّكر" سمة للصِّدِّيق وللقرءان:
"صۤ وَٱلقُرءَانِ ذِى ٱلذِّكرِ" 1 ص.
وبذلك يعلم أنّ "ٱلذِّكر" يبرئ ٱلمؤمن ٱلصِّدِّيق من ٱلنسيان وٱلظَّنِّ وٱلكسل وٱلكذب وٱلريآء وعمى ٱلقلب:
"إنَّ ٱلَّذين ٱتقواْ إذا مسَّهم طَــٰۤـئف مِنَ ٱلشَّيطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإذا هُم مُبصِرُونَ" 201 ٱلأعراف.
وأنّه وسيلةُ ٱلصِّدِّيق للعلم وٱلرسوخ فيه. وسبب لعلوِّ ٱلإنسان ٱلَّذى يحيا مع هٰذه ٱلوسيلة:
"قُل هل يَستَوِى ٱلَّذين يعلمون وٱلَّذين لا يعلمون إنَّما يَتَذكَّرُ أُولواْ ٱلأَلبَـٰبِ" 9 ٱلزمر.
ويعلم أنّ مَن يُكسب قلبه "ٱلذِّكر" يصير من أهله:
"ومآ أرسَلنَا من قَبلكَ إلاَّ رِجالاً نوحِىۤ إليهم فَسئَلُوۤاْ أهلَ ٱلذِّكرِ إن كُنتُم لا تَعلمونَ" 43 ٱلنحل.
فٱلَّذين يذكرون هم ٱلَّذين يعلمون ويصدِّقون وهؤلآء هم أهل ٱلذِّكر. ومَن يقيم ٱلصّلوٰة ويقوم إليها ويقربها ويصبر على قربها مؤمن عالم يسير فى ٱلأرض ينظر كيف بدأ ٱلخلق ويتبوَّأُ منها حيث يشآء. وهذا لا يفتر عن ٱلقيام إلى ٱلصَّلوٰة وعن قربها حتى مستقرّه فى ٱلموت. ويشحن ذاكرته بما يأتيه بنور نظره وعلمه. ويحافظ على صلوٰته ما دام حيًّا فلا تضيع منه. وإن كان من ٱلذين يتلون ٱلكتاب ويعقلون ويذكرون ويصدِّقون يبقى مصيطرًا علىۤ أفعاله وأعماله وأقواله وٱلمقرّ ٱلّذى يحيا فيه حتى تهلك طاقة سباحته ويستقرّ. فلا يتجبَّر ولا يطغى ولا يعتدى ولا يفسد ولا يفحش.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,281,917,364
- ٱحذروا ٱلمفاهيم ٱلثابتة!
- ٱلقومية ٱلعربية وٱلشريعة ٱلإسلامية
- لا حكم صالح ولا عدل من دون مالكين صالحين عادلين يحكمون
- ٱللّه نور وعلم وٱلشيطان ظلام وجهل
- سنّة ٱلنّبىّ هى شرع معروف (دستور)
- هل فى رسول ٱللّه أسوة حسنة لأحزاب ٱلمسلمين؟
- شرع ٱلمعروف ٱلأمريكى
- ٱحذروا ٱلديموقراطية
- هو تناقض مع ما ترىٰه
- -إِنَّ ٱلدِّينَ عند ٱللَّه ٱلإسلَٰم-
- إعلان مفتوح
- تجنبوا ما قد سلف
- ٱلحاجة إلى شرع مؤمنين راشدين صالحين
- ٱلسيادة للروح وليس للشعب!
- عهد لاتحاد ولايات ٱل.. وميثاق على حكومته
- أيُّها ٱلناهضون بٱلروح ٱحذروا سبيل ٱ ...
- تعقيب على مقال (هل للدولة دين؟)
- هل للدولة دين؟
- ٱلنهوض ٱلكبير للروح
- قيام ٱلإنسان يبدأ فى تونس


المزيد.....




- المبعوث الأمريكي: تنظيم الدولة الإسلامية لايزال يمثل تهديدا ...
- هزيمة دولة الخلافة: ترامب يتعهد بدحر من بقي من مسلحي تنظيم ا ...
- هزيمة دولة الخلافة: ترامب يتعهد -بدحر- من بقي من مسلحي تنظيم ...
- أردوغان ينضم لحملة -مرحبا أخي- تكريما لذكرى ضحايا -مذبحة الم ...
- رسالة مؤثرة لنجم الرغبي النيوزيلندي بعد زيارة ضحايا المسجدين ...
- نيوزيلندا تجرم حيازة أو توزيع بيان منفذ مذبحة المسجدين
- تنظيم الدولة الإسلامية -ما زال تهديدا لا يُستهان به-
- القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية تدعو لمقاطعة المنتجات ال ...
- الموصل احتلت مكانتها في الجنة – كامل كريم الدليمي
- الفاتيكان يقبل استقالة أسقف متهم بالتغطية على انتهاكات جنسية ...


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سمير إبراهيم خليل حسن - ٱلصّلوٰة وسيلة ٱلإنسان