أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلعت رضوان - حصار العيون - قصة قصيرة { مهداة إلى الفنان عزالدين نجيب }















المزيد.....

حصار العيون - قصة قصيرة { مهداة إلى الفنان عزالدين نجيب }


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 3423 - 2011 / 7 / 11 - 16:34
المحور: الادب والفن
    


فى عام 1998 تم إعتقال الفنان عزالدين نجيب بتهمة تحريض الفلاحين على قلب نظام الحكم ، بعد صدورقانون العلاقة الايجارية بين المالك والمستأجرفى الأراضى الزراعية. ذهبتُ إلى محكمة مصرالجديدة فى اليوم المحدد لعرض الفنان عزالدين نجيب على النيابة. وقفتُ أمام مبنى المحكمة فى إنتظارسيارة الشرطة التى تنقل المساجين . رأيتُ الضباط وهم يتعاملون مع أهالى المساجين ، ورأيتُ عيون الأهالى واللهفة على رؤية الزوج والابن ، وبعد عدة شهوركتبتُ هذه القصة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
عيون الجنود على الأهالى . وعيون الأهالى تُحدّق فى اللا شىء . سيقان الجنود تلامس حافة الرصيف . وأجساد الأهالى تلامس سيقان الجنود .
فى الميدان الواسع الذى سماه الجدود ( باب الخلق ) حبس أهالى المساجين أنفاسهم وهم يستمعون إلى أوامر الضابط الكبير بالانضباط وعدم الحركة .
امرأة ضامرة الصدر ، ظلّل الغموض وجهها ، فأخفى عمرها ، بكف مرتعشة هزّت ساق العسكرى القريبة من قدمها . بصوت جمع بين الهمس والوضوح سألته :
- قل لى يا بنى .. هىّ عربية المتهمين ح تيجى إمتا ؟
قال العسكرى :
- عربية المساجين ما لهاش مواعيد يا ست .
يعلو الهمس فيزداد الوضوح . سألته :
- إنت منين يا حبيبى ؟
- من الأقصر يا خاله .
- ودى بعيده عن هنا ؟
تنهّد العسكرى بعمق ونظر إلى المرأة وقال :
- بعيده .. بعيده .. زى بُعد السما عن الأرض .
المرأة ضامرة الصدر ، كأنما تمتلك قدرة خفية على طلاقة اللسان . ذاب الهمس وحلّ
صوت نقى واثق وهى تسأله بعفوية :
- أُمال بتشوف أهلك إزاى يا حبيبى ؟
تنهّد بعمق أقوى وقال :
- بأنزل أجازه مره كل شهر .
تشاغلتْ المرأة عنه ببعض أشياء على حجرها . وتشاغل هو عنها فى اللاشىء . شرد
ثم حلّق بعيدًا . روحه تُرفرف فى سماء الأقصر. كان يشعر بأنفاس الأهل والأصدقاء . عاد من تحليقه بهزة من كف المرأة على ساقه . كانت فى عينيه نظرة من استيقظ من حلم جميل . مدّتْ ذراعها نحوه ببعض الطعام . فى هذه المرة ، وبقدرتها الخفية يستعيد صوتها درجة من درجات الهمس وهى تقول :
- خد يا حبيبى إفطر .
دفع الطعام برفق فى إتجاهها وقال :
- أنا فطرت وما أقدرش آكل تانى .
دفعت ذراعه فى إتجاهه وقالت :
- يا بنى الأكل كتير . وأنا زى أمك . ما تكسف نى ش .
- أبدن يا خاله . سدقينى . أنا فطرتْ وما أقدرش آكل تانى .
حطّتْ المرأة الطعام فى حجرها وشردت . بنظرة عفوية حطّتْ عيناه عليها . رآها
تُجفف دموعها . سألها :
- هوّ المحبوس يا خاله يبقا ابنك ؟
هزّتْ رأسها علامة الإيجاب وهى تحبس نحيبها . سألها :
- وتهمته إيه ؟
جاهدتْ كى تتحكم فى نشيجها وقالت :
- ما أعرف ش .. بس هوّ كان بيقول لى إنه بيدافع عن الناس الغلابه .
ساد صمتٌ صاخب . شردتْ هى فى عالمها . وشرد هو فى عالمه . فوجىء بها تسأله
- أمك عايشه يا حبيبى ؟
هزّ رأسه بالإيجاب ولم يتكلم . سألته :
- بتوحشك ؟
هزّه سؤالها . فجّر مشاعر الحنين لحضن أمه . حوّمتْ نظراته حول الجسد الضامر
وتجنّبت لقاء العينين . مدّتْ المرأة رقبتها نحوه وسألته :
- إنت اسمك إيه يا ضنايا ؟
- اسمى محب يا خاله .
أحسّ بشىء غامض وجميل يجذبه نحوها . ظلّتْ كلمة ( ضنايا ) تتردد فى وجدانه
بذات صوت أمه الذى ألفه منذ طفولته . وأيقن أنّ الشىء الجميل الغامض يُقرّبه من المرأة أكثر.
شدّته من ساقه برفق وقالت :
- محب يا بنى . أنا نفسى فى حاجه وموش عاوزاك تكسر بخاطرى .
نظر إليها بإهتمام ، بينما واصلت هى حديثها :
- نفسى أشوف ابنى . أقرّب منه . أخده فى حضنى . لما عربية المتهمين تيجى بلاش
تضربونا زى كل مره . وبلاش تبعدونا عنها . وحياة الغاليه أمك .
كتم العسكرى محب مشاعره ولم يرد . كأنّ قوة خرافية حوّلتْ المرأة إلى كتلة
حجرية . السكون يزداد صخبًا . حوّمتْ نظراته حول جسدها ، وتجنّبتْ لقاء عينيها .
*****
كان حر بشنس أقوى من نسمات الهواء . وكان الأهالى يبحثون عن بعض الظل فلا يجدون . وعندما توسّطتْ الشمسُ السماء ، وصلتْ سيارة السجن . وقف الأهالى . اشرأبتْ أعناقهم ، وبحلقتْ عيونهم فى حركة بندولية بين الباب الخلفى للسيارة ونوافذها الصغيرة ذات السلك المعدنى وقضبان الحديد .
مع العيون الزائغة بين باب السيارة ونوافذها ، كان الأهالى ينادون على أبنائهم ((أحمد.. بطرس .. عادل .. محمد .. مينا )) .
انتشر الضباط بين الجنود وهم يؤكّدون على الأوامر (( ممنوع اقتراب الأهالى من العربيه .. مفهوم يا عسكرى .. أى حد يقرّب من العربيه اضرب علا طول .. مفهوم )) .
اختلطتْ نداءات الأهالى على أبنائهم بصيحات الضباط والجنود (( ممنوع .. ممنوع )).
الكتلة الحجرية تدب فيها الحياة . بكف ثابتة لمستْ ساق العسكرى محب . وبصوت واثق حنون قالت :
- وحياة الغاليه أمك تُجبر بخاطرى .
بصوت مرتعش قال :
- بس .. بس دا ممنوع يا خاله .
كأنما قوة قاهرة تُجمّد الحياة رغم خفقات القلب . دخلتْ المرأة محارتها ، بينما شرد
محب بعينيه إلى أبعد نقطة فى السماء . كان يشعر بعينىْ المرأة تحاصرانه ، ويخشى النظر إليـــها . سافر بعينيه بعيدًا ، حيث النيل والخضرة ومعابد الجدود .
وكأنما هى دورة جديدة من دورات الحياة ، فتخرج المرأة من محارتها . اكتفتْ بلمس ساق محب ، وقد أيقنتْ أنّ الرسالة لا تحتاج إلى كلمات . تلقى محب الرسالة ولم يرد . أحسّ بالكلمات كأنها كلابات فى حلقه . ولأول مرة تتجاسر نظراته وتلتقى بعينيها . يسود صمتٌ مشحون بالتوتر . وفى لحظة يتحول إلى سكون خاشع .
*******





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,522,064
- قراءة المستقبل بالبصيرة وليس بالبصر
- الشاويش براهيم - قصة قصيرة
- دنشواى أغسطس 1952 وسياسة العين الحمرا
- التعصب
- ضباط يوليو والموقف من دولة الحداثة
- التعليم الأزهرى والاعتقال فى كهوف الماضى
- الشعريواجه الدكتاتورالمحتمى بعرش السلطة
- عندما يكون البشر مثلثات متطابقة
- معبررفح وأمن مصرالقومى
- حقوق الإنسان والعقوبات البدنية
- إنقاذ الأمة المصرية من حرب أهلية دينية
- الإفراج عن كاميليا أم الإفراج عن العقل المصرى
- الانتقال من الاستبداد السياسى إلى الطغيان باسم الدين
- الكتابة واحترام عقل القارىء
- هل إعدام القتلة والمُفسدين هو الحل ؟
- إرادة الشعوب جمرة نارتحت رماد الاستبداد
- هل الرئيس المخلوع وأسرته فوق القانون ؟
- المستشارطارق البشرى بين المؤرخ والداعية الإسلامى
- حمام - قصة قصيرة
- شتاء الحرية وسقوط أوراق التوت


المزيد.....




- هذه أبرز مضامين القانون الإطار للتربية والتكوين
- الممثل الدولي الخاص إلى ليبيا يبحث مع وزير الخارجية الإمارات ...
- بالفيديو.. بيت السناري بالقاهرة تاريخ ينبض بالحياة
- -مجلس العدل-.. مسرحية ببرلين تحاكي فساد القضاء في بلدان عربي ...
- جمعية أجذير إيزوران للثقافة الأمازيغية تستعد لتنظيم النسخة ...
- عودة التصعيد بين الجزيرتين الصغيرتين في الخليج البحرين وقطر: ...
- شاهد: النيران تلتهم غابة في كرواتيا بالقرب من موقع مهرجان لل ...
- روسيا تنتقد قانون اللغة الجديد في أوكرانيا وتقدم اقتراحا بهذ ...
- شاهد: النيران تلتهم غابة في كرواتيا بالقرب من موقع مهرجان لل ...
- العثماني يؤكد استعداد المغرب لتقاسم التجارب والخبرات مع جمهو ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلعت رضوان - حصار العيون - قصة قصيرة { مهداة إلى الفنان عزالدين نجيب }