أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم اللامي - تجليات من وحي المالكي















المزيد.....


تجليات من وحي المالكي


كاظم اللامي

الحوار المتمدن-العدد: 3423 - 2011 / 7 / 11 - 14:12
المحور: الادب والفن
    


الكاتب المسرحي كاظم اللامي
تجليات وفيوضات من وحي المالكي
قراءة في مسرحية العربة للكاتب العراقي حامد المالكي

ان الابداع الذي هو سمة من ارتقى صهوة الخلق والتجلي من باب الثقة والقدرة والحرفة الحقيقية التي تجلت في اروع صورها من خلال تاريخ حافل بالمنجزات الثقافية المتميزة قاد المتلقي لتوحيد صورة انطباعية لهذه المنجزات الخلاقة شكلا ومضمونا ,مؤطرة بكل عبارات الإعجاب والانبهار مفادها الجمال والسحر والذي منه تنطلق باقي الصور البراقة بمختلف أطرها المذهبة .
ان هذا الابداع لا يقف عن حدود المنجز الفني الواحد نوعا وكما بل يتشكل ويتمحور وينطلق من نظرية الشمولية الفنية المتمكنة من ادواتها مع ملاحظة عدم توفر التفاوت والاختلاف بين المنجزات من ناحية القيمة الفنية والثيمة والفحوى التي جعلت الجميع حينما يتناولون هكذا روائع يتبادر الى الذهن شخص ما او مؤسسة ابداعية ما وهذا التعدد الابداعي ليس بغريب على من امتهنوا حرفة التاثير بشكل سحري على المتلقي ليصبحوا هم والجمال صنوان لا يفترقان بأي حال من الاحوال وبالمحصلة تشكيل ثوابت قائمة بذاتها ذات هوية لا تستدعي كثير تفكير حينما يرد ذكر منجز ابداعي الا وكانت تلك الهوية تطفو على سطح الوعي والادراك.
واليوم لدينا مثل يفرض نفسه بقوة واصرار وواقعية لما نقول مثل حي تراه كل يوم يقف في محطة ابداعية يفرق حين مكوثه على صهوتها كل ما يشد المتلقي اليه يفرق الدروس والعبر يفرق اشعته كي تنير الدرب لكثير من الذين اعماهم واقعهم المرير لينطلقوا للمستقبل بوعي وادراك هم في امس الحاجة اليه كما يفرق شحنات جاذبة لمتابعة وتحري منجزه الابداعي اينما حل الذي اصبح ماركة مسجلة له في كل ميادين الفن , انه الكاتب الفذ والسينارست اللامع والفنــان الذي استحوذ على كل عبارات الاعجــاب والتقدير انه ((حامـــــد المـــالـــــكي))هذا الكاتب الذي خالف المثل الشائع (صاحب بالين كذاب) او (لا يمكن الامساك بتفاحتين بيد واحدة) لكن المالكي حامد استطاع ان يجعل السينما والتلفزيون والمسرح طوع بنانه وطوع قلمه المتعملق فخرجت من بين خافقيه روائع متميزة وخالدة وهو بذلك استطاع ان ينقض المثل الانف الذكر وهذا الانطباع ليس بشهادتي فحسب بل بشهادة ذوي الاختصاص على اختلاف مشاربهم .
ومن خلال هذه السطور المتواضعة سنسلط الضوء على النص المسرحي (( العربة )) الذي كتبه الكاتب حامد المالكي من باب انفعال جمالي لصاحب المقالة حرك قلما طالما احب السكون .
قدم لنا النص المسرحي ((العربة)) طبقا من ذهب يحوي أفكارا تحمل في طياتها جرأة رافضة لأنماط تقليدية عهدها المتفرج أو المشاهد في العروض المسرحية مبنيا فكرته على التجريب في المسرح وجرأة رافضة للواقع الحي والمعاش ضمن الحقبة الزمنية لكتابة النص كما انه تناول الصراع الابدي بين الواقع والطموح بشكل ساخر ضمن اطار الكوميديا السوداء طارحا قضايا سياسية ملحة تريد الحل او الجواب على تساؤلات الكاتب نفسه وعلى لسان بطله ((حنون)) مرورا بما هو اجتماعي وصولا إلى ما هو ديني مؤشرا بأصابع المحترف دون الخوض المباشر كل فاسد من امور المجتمع قبل واثناء وبعد زمن الكتابة مكثفا طرح الاحداث بشكل بليغ مصورا المدى الذي بلغته الماساة التي المت وتلم بالشعب بشكل يدر التعاطف مع بطل المسرحية ((حنون)) وعائلته المسكينة التي سقط عليها كسفا من سماء التهميش والعوز والفاقة ليسحقها وبلا رحمة تاركا إياها مهشمة من الداخل جسد بلا روح مزمار قد هجره الأنين.
نبدا بالتطرق الى العنوان ((العربة)) ان العنوان اصبح من الاسلحة الذكية التي يتقنها الكتاب في بلورة رؤية مفتوحة للمشاهد مع عامل تشويق للمتلقي في سبر اغوار هذه العنواين من خلال دراماتيكية التفكير للمتلقي قبل ان تحط عيونه رحالها على صفحات الكتاب او الرواية او المسرحية او اي منجز ادبي آخر كما ان اكثر عناوين الروائع كانت مفردة واحدة يختارها الكاتب بعناية رشيقة وهذا ما يقودنا للقول ((خير العناوين ما قل ودل)) بالمقابل هناك الكثير من الاعمال الادبية تعنون بعناوين مبهمة تجعل المتلقي يعطل هاجس التفكير والنسج الخيالي لديه في استظهار حقيقة هذه العنونة لعدم اكتمال صورها لديه ليتعطل اول حافز لدى المتلقي في الانصهار في بوتقة العمل الادبي.
يلاحظ على عناوين منجزات الكاتب ((حامد المالكي)) البساطة كما انه يعطى معها مساحة للمتلقي كي يشارك الكاتب في نسج الصور الجمالية للعمل كما انها ليست ذات تعقيد لغوي مبهم الهدف منه حذلقة ليس اكثر كما هي عند الكثير والذي يؤكد ذلك مسلسلاته واعماله الفنية الاخرى كمسلسل الدهانة والسيدة وسارة كما انها عناوين تنبض بالحياة والحركة.
عنوان((العربة))يأخذنا مباشرة لتصور هذه العربة وحتى الجلوس فيها او دفعها او جرها ويأخذنا التساؤل بعيدا هل هي عربة يجرها حصان؟ عربة تجرها كلاب؟ عربة متنقلة لبيع حاجات من نوع ما عربة صغيرة لحمل الطفل؟ ... حركة ذكية من قبل كاتب بحجم حامد المالكي يجر المتلقي الى آتون ملحمته المسماة ((العربة)) كما ان العنوان لم يخرج عن كونه مرتكز الاحداث وانطلاقها وتوسعها.... كان للمسرحية ان تبدأ بالعربة وتنتهي بها فهي البطل وهي الباقي بعد فناء الأشياء وهي الصورة الحقيقية للعمل. هذه العربة كانت تحمل ذكريات الماضي المسخ بكل ابجدياته الحزينة والمؤلمة والبائسة من الفقر الى الجوع الى العري والى الطامة الكبرى حينما يربط الايام السوداء ابان فترة ما لحكم ما بالواقع الراهن وكيف كان شكل التعبئة العسكرية التي مسخت انسانية البطل ((حنون)) وزوجته واطفاله ليجهز عليها العوز والفقر في ظل الظرف الراهن حيث وئدت آخر ثمالة من انسانية كان يتأملها ان تكبر وتستعيد رونقها في ظل تغيرات كان الجميع يحلم بها ان تاخذ بالايدي نحو النور وجادة الخلاص والانعتاق من ربقة البؤس الخفي منه والظاهر .
منذ انطلاق المشهد الاول ودخول ((حنون)) البطل الذي هو صيرورة وقاعدة انطلاق نحو فضاءات ومديات عالية وهو دخول الرافض لما يحدث من انهيارات اخلاقية وانسانية معارضا لما يسميه البعض بالتغيير فالذي تغير هو الاسماء فقط ولم يتغير ما كان يناضل من اجله الابطال الذين ذهبوا كسرب حمام الى مجاهيل الموت والتغييب القسري والى احواض التيزاب وافواه النمور وتوابيت الالواح والدسر لقد بدأها ((حنون)) بصرخة مجلجلة عرف الكاتب حامد المالكي كيف يوظفها في زمنها المناسب ومكانها الملائم صرخته الرافضة للواقع المعاش وذلك بإحراق نفسه كنوع من التمرد لكل قيم العصر التي اصبحت ندرة ومصدر للسخرية علما ان هذه الصرخة يسبقها سكوت وهذه الصحوة يسبقها نوم وهذا الغليان والهياج يسبقه هدوء فهنا انتقالة لحنون من واقع السبات الذي ادمنه الى واقع اليقضة والصحوة نتيجة حدوث امر ما ليفسر لنا ((أرسطو)) هذه المرحلة لدى البطل ((التغيير من الجهل إلى المعرفة )).
هذه الانتفاضة كانت لرجل يحلم ان يكون له بيت كباقي البشر لا غرفة مؤجرة يرتفع ايجارها كل شهر غرفة بين الفينة والاخرى يباغتهم صاحبها بالتهديد بالطرد احلام بسيطة امام مقاييس احلام اصحاب الثورات وهي ليست بالمستحيلة على ذوي الشأن وهنا اشارة قوية لتهميش الانسان بعدم ارتباطه بجذر مادي عبارة عن بيت صغير اسمه وطن ضمن رقعة اكبر اسمها العراق ولصعوبة تحقق ما كانوا يتاملونه حتى انهم قبلوا وعلى لسان ((فضيلة)) زوجة ((حنون)) ان يعيشوا في ارض خلاء بعيدا عما يعكر صفو عيشهم انهم يحلمون بوطن تحترم فيع انسانيتهم الا انهم فشلوا في الحصول على قن يحتوي مرارتهم وسقف يقيهم سرقة القمر والنجوم لنظرات تلتقط حيثيات حياتهم او عمل يحفظ لحنون وعائلته كرامتهم كبشر والسبب بسيط في عدم تحقق احلامهم المتواضعة جدا هو الأوباش ومن لف لفهم في مصادرة كل شيء يمت للانسانية بصلة فجعلوهم قاعا صفصفا هنا كان لحامد المالكي قولته في فضح اللذين يدعون بوجود حقوق الانسان التي لا يعرف منها الا وزارة ووزير يتنقل بين الفضائيات بتصريحات ولقاءات لا تسمن ولا تغني من جوع ,فحنون خريج صاحب شهادة يتندر على شهادته التي لم ترفع منه شبرا وسط اناس بلا شهادات اصبحوا بين ليلة وضحاها علية القوم لكنه كسب مهنة من خلال هذه الشهادة الملعونة التي قادته الى امتهان دفع عربة الخضار في الازقة والحواري من اجل كسب دنانير معدودة لا تغطي نفقات عائلة مكونة من ست افراد ليعطي رسالة مفادها ان هناك الكثير من ذوي الشهادات الحقيقية وغير المزورة عاطلين بلا عمل ليتسع هذا العطل ويتجاوز العمل ليصل الى العطل عن الأمل والذي قاده للخلاص من شيء اعطي بمنة من قبل الوهاب اسمه الحياة ((وما الحياة مع الظالمين الا برما)).
كما اني اشد على يد الكاتب لهذه الكوميديا السوداء من خلال المجادلة بين ((حنون)) وزوجته والتي هي ربما تكون محطات استراحة دون خروجها عن الخط العام والتي هدفها تاصيل الفكرة واعطاء انطباع عن طبيعة المقهورين فتراهم في اشد حالات البؤس والفقر فتراهم يتمتعون بمزية امتاع الاخرين باسلوب معيشتهم وطريقة كلامهم وحتى مجموع ألفاظهم كوميديا ليس هدفها الاضحاك بقدر ما هي نقل حي لواقع نحن ادواته .
ولو شاهدنا الاشارة الى محتوى العربة فهي خضار فات عليه ايام دون ان يشتريه احد ليعطي الانطباع ولو من بعيد ان هذه العائلة قد تناساها الوطن والشعب فاصبحت من الماضي ولا يوجد ذكر لها او ان سوقها اصبح غير رائج في زمن يرحب بالمنافقين والوصوليين والمجرمين والسارقين وكما ذكر ذلك في حواره مع زوجته ((فضيلة)) حينما توبخه لشربه الخمر بشكل مفرط....
(( ولج هو حتى العرك منعوه. الي يبوك يصير مهم. يطلع بالتلفزيون والي يكتل يكوم يلبس قاط والكامرات اطك له صور، بس اليشرب عرك حتى ينسى والباكه والي يريد يكتله يسموه ابو العرك والنوب منعوه حتى من العرك، حتى ما ينسى.. اي ولج حتى ما ينسى ويظل خايف ولا بد بحضن مرته... خايبه اكلج عوفيني احرك روحي جا بو عزيزة مدري شسمه احسن مني ))
هنا يتالق المبدع ((حامد المالكي)) في رصد امر غاية في الاهمية وذلك بالاشارة الى الرجل التونسي الذي اشعل فتيل الثورة الياسمينية باحراق نفسه والاطاحة بالدكتاتور زين العابدين بن علي ولكن دكتاتور تونس يمثل واحد بالمئة من دكتاتوريات اخرى تملاء ارجاء الوطن حسب تصوري المتواضع , هنا اشار الكاتب ان الانسان العراقي يتاثر بالمحيط العام من ناحية الثورات ومواجهة الظلم بقوة وكأن حنون المسكين مقلد اعمى كان ينتظر غيره يتحرك ليتحرك هو الاخر وهذا هو الحاصل هنا بالتاكيد انه لامر يشعرك بالمرارة بمدى السبات الذي يلف هذا الشعب الذي طالما عرف عنه بانه لا ينام على الضيم او القهر او العبودية لكننا نراه وبشكل واضح وجلي قد تسرب الخدر من طريق خفي لعقله وقلبه وضميره وفي هذا المقام نستذكر بعض ما ترشح من فكر الكاتب الايراني الكبير علي شريعتي رحمه الله بقوله...(( اخرجوا من القوقعة التي سجنتم فيها انفسكم وعودوا الى ذواتكم وحرروا انفسكم وقودوا انفسكم لا ان تقادوا من ابطال صوريين يعيشون متفرقين في البلدان وفي الابراج العاجية اصنعوا الابطال لا ان يصنع لكم الغير بطلا مفصلا على مزاجه فانتم الان بتفكيركم هذا وجود يخلو من الذات قشر بلا لب لا تتبعون رجالا يعيشون في الظل يدعون المقاومة اناس مجهولين لا نعرفهم لا يعرفوننا وحينما تثورون وتقلبون الطاولة ياتي النكرة ليرتقي من جديد كبطل اسطوري الحل في ايديكم اصنعوا انفسكم اصنعوا بطلكم اصنعوا تاريخكم)).
كما اننا لو ركزنا في حوار ((فضيلة)) مع ((حنون)) حيث تريده ان ينام بعد ان شرب كثيرا من العرق لان صوته العالي برغبته في احراق نفسه سيوقض الجيران وهذا ما يؤكد كلامنا انفا ان الشعب يغط بنوم عميق وصرخة حنون هي من ستوقظهم الا انها ليست يقظة في سبيل التغيير وانما يقظة المنزعج من صراخ حنون لله درك ايها الحامد كم انت بليغ في تصويرك الحالة ومدى قدرتك على وضع النقاط فوق الحروف , اذن ((فضيلة)) تريده ان ينام وهو يرفض النوم فهناك قوتين متضاربتين رغم وجود الألفة بينهما قوة تريد الاستيقاظ وهي قوة مقلدة كما قلنا وكذلك مخدرة اي ان فعلها فاقد للوعي نتيجة شرب حنون المفرط للخمر وهي اشارة للخدر الذي يلم بالجميع فلا تستطيع هذه القوة ان تاخذ مداها الواسع والمتشضي في التاثير رغم وجود الفاعل والمحرك القوي الذي هو الجوع والفقر الذين نهشا جسد هذه العائلة هذه القوة هي محاولة ((بوعزيزي)) التونسي في احداث التغيير في البلد العربي تونس كما اشار الكاتب الى قوة دفعية باتجاه الانتفاضة هي قوة الاعلام والتي اخذت حيزها الصحيح والمناسب في زماننا الحالي بمعية الاختراع الاكبر الانترنت فحنون مدمن خمر مضافا اليه مشاهدة التلفزيون التي اخذت جل وقته فهي المعزي الوحيد له وهي المحرك الاقوى لشعوره بالغبن والرغبة في التغيير وبعض التعزية لواقعه المر والقوة الاخرى المضادة للقوة المحركة والتي هي القوة المنومة هي ((فضيلة)) التي تريد اعادته الى فراشه والنوم ونسيان ثورته وهذه القوة المضادة لفضيلة لسان حال الكثير بقولهم (الستر احسن) وهؤلاء هم المعطلة وكم يرزح زماننا بعديد الناس منهم.
وفي لحظة يتحول ((حنون)) نتيجة متابعته للقنوات الفضائية الى ناقد اعلامي مثقف بالاشارة الى الاعلام والقنوات الفضائية المشهورة وقد اصاب الكاتب ((حامد المالكي)) بالاوصاف التي نعت بها الفضائيات على لسان حنون فاحداها لم تكن مع العراقيين كانت ضدهم وخاصة في تاجيج النعرات الطائفية والثانية تركها حينما اختفت منها الشهيدة الاعلامية اطوار بهجت والقناة الاخرى يتهمونها بانها امريكية وامريكا اتت واحتلت العراق الا انها لم تعطي حنون شيئا يتلمسه بيديه له فائدة تغير من واقعه المرير فلو كان لها اثر ايجابي على حنون لكان هناك كلام اخر له وقد ادهشنا الكاتب في تناوله الساخر لهذه القنوات كما في الحوار التالي لحنون...(( صحن جزيرة يكفي نصف زجاجة عرق. لكنها احيانا تصبح بلا ملح فاغيرها بصحن حرة.. الحرة جيدة ولكنها مليئة بالدهن وانا عندي زيادة في الكوليسترول فاغيرها بالعربية. تكون العربية احيانا... ليس دائما.. باردة وبلا طعم. فالجأ الى العراقية (يضحك) العراقية فطيرة)).
ويستمر الكاتب في تحليل الواقع العراقي بواقعية مؤطرة بتعبيرية من خلال موت ((حنون)) قبل ان يشعل النار بنفسه بالسكتة القلبية رغم انه صب النفط على نفسه هذا النفط الذي اصبح شحيحا في بلد يعوم على بحر من نفط الا ان الموت فاجأ ((حنون)) قبل ان يحقق شيئا اراده للتغيير لتنطفيء جذوة الثورة على اعتاب قنينة العرق وفي رايي المتواضع ان ثيمة المسرحية في هذه النقطة ليعطي دليلا على ان الثورة قديما وحديثا لا يمكن ان تكون على يد الشعب الذي ادمن السبات لينتهي ((حنون)) دون ان يحقق حلمه في الثورة ومكتساباتها وكأن لسان الحال يؤكده احد حوارات ((حنون)) الساخرة...
((لم اكن اريد ان احرق نفسي من اجل وطني. بل لاني شعرت بنفسي كومة نفاية بداخلها دورة دموية تحرك الدم في هذه الكومة باوامر سلطانية فقررت ان احرق نفسي كي اخلص العالم من رائحة قهري. وبيني وبينك. كنت سكرانا. لو كنت على قيد الوعي، لانزويت في بيتي مثل عمري كله منتظرا خلاصي وخلاص ايامي)).
وفعلا انتهى حنون بعد ان تخلص من هذا القيد القهري بحياة عبثية ارادها له الخالق والمخلوق لينام منكفئا مع خيبة حياة امدها العمر باكمله ليخرج بلا وداع ودون ان يحقق احلامه البنفسجية التي كان يتاملها من فيوضات ثورة البنفسج لصنوه التونسي بو عزيزي الذي احرق نفسه فكان التغيير في دولة كان يتصور سقوط دكتاتورها في يوم ما ضرب من ضروب الخيال فكان هذا الحوار....
((فضيلة، مات زوجك حنون، مات زوجك حنون قبل ان يحرق نفسه، قبل ان يحقق عشر احلامه، قبل ان يصبح شيخا عجوزا يجلس على قارعة الطريق يرقب احفاده يلعبون الكرة في الزقاق، قبل ان يرى وطنا خاليا من العربات، العربات بلا ادنى تغيير للواقع الماساوي)).
وهنا يتبادر الى الاذهان الوطن الذي امتلأ بالعربات وبالذات عربات الحمل والنقل المسماة ((الستوتة))التي يقودها العاطلون عن العمل والامل والتي غصت بوجودها مدن العراق فيكاد لا يخلو شارع من تواجد هذه العربات المثيرة للشجن والبؤس وفي نفس الوقت مثيرة للسخرية.
ثم تتوالى الاحداث بشكل ممتع يجذبك للمتابعة بشغف لمعرفة ما تؤول اليه الامور لينتقل بك الكاتب الى فضاء الخيال واستنطاق الماضي من خلال استيقاظ روح ((حنون)) وانفصالها عن الجسد لتواصل الرحلة في الرغبة في المواجهة والتغيير ليلتقي حنون وبشكل استرجاع الذاكرة لماض موبوء بكل انواع المرارة والتي تمثل انتقالات حنون الحياتية التي تشعره دائما بالبؤس فحينما يلتقي بالمعلم الذي يذكره بالوطن من خلال كلمة دار فكان هذا الحوار ...
((المعلم: ما معنى الدار يا ولد؟
حنون: وطن
المعلم: انجب. الدار.. دار.. بيت.. بيت الي خلفوك مثلا.
حنون: يا معلمي.. الدار وطن، فاذا لم يكن لك دار فانك بلا وطن، واذا كان الدار الذي تسكنه دار مستأجرة فهذا يعني ان وطنك مؤجر)).
هنا حنون حتى لو اعطى التفسير الصحيح لكلمة دار حسبما اراد المعلم فانه يلفظها بمرارة لانه بلا دار وبلا وطن فكم هي طفولة مغتصبة فاقدة لابسط ما يمكن ان يتمتع به الاطفال في مكان يحتويهم ويحتوي لعبهم وضحكاتهم وملاطفة ذويهم فكم كان بليغا كاتبنا الرائع في تصوير طفولة ((حنون)) وكم هو جميل ان يكون للانسان وطن يملكه هو لا وطن مستاجر يكون فيه غريبا عنه وان مضى على وجوده تحت سقفه وبين جدرانه ستة الاف سنة.
كما يحيلنا النص الى زمن الشباب والفتوة والاحلام الجميلة التي تمثل هوية هذا الجيل الا ان الواقع يدفن هذه الاحلام من خلال التقاء شبح ((حنون)) بالعريف الذي يمثل الجرح الكبير لحياة ((حنون)) عندما كان يخدم بجيش لا يدافع عن الوطن بل عن دكتاتور هذا الوطن لقاءه بالعريف كان متشحا بالخاكي والزيتوني لقاء يمثل الموت الاغبر بابشع صوره كان زمنا اعتصر ذؤابة روح على اعتاب جبهات لا يعرف فيها من هو العدو وعلى من يدافع سقطت فيه نظرية الوطن وبزغت عربات من نوع خاص عربات تحمل الجنود الى محرقة الموت وعربات تحملهم الى وادي السلام وثمة الوان جنائزية الشكل والمعنى احمر بلون الدم واسود بلون خبث قلوب اولي الصولة والسلطان وابيض فاهي بلون المشاعر بامتلاك زاغور يسكن فيه فار قذر واخضر استحال لونا اصفر بعد اختفاء اسطورة ارض السوادين .


ثم تلتقي روح ((حنون)) بمن زمر وطبل في انه سيكون يد الخير التي تلوح بالامل بالاشارة الى السياسي الذي يحمل صندوق الكذب والاحتيال والتنصل من الوعود اشارة لصندوق الانتخابات الذي دخل علينا كحلم جميل نسجت مخيلتنا له صورا جميلة تبعث على الطيران والتحليق في فضاءات رحبة الا انه كان حلما بطعم الحنظل تقيأه الجميع بعد ان سبب التهابات معوية وكلوية حادة مزق احشاء الحلم الوردي المامول وقطع اصابع الاختيار بموس التنازلات والمساومات التي كشفت زيف ومداهنة من قلدوا الامانة بعد تنكرهم لوعودهم في وطن يجمع الكل تحت خيمة المواطنة وان ينال حنون او عائلته المنكوبة ادنى درجات الامتياز بحقوق المواطنة بعد ان تكبد عناء الواجب الذي لبى نداءه بكل وطنية وقداسة وفي كل الازمان فكانت هذه الوعود هواءا في شبك كلام معسول يداف بالسم الزعاف لينتصر القراقوزات ويخسر حنون ومن سار على درب المواطنة الصالحة.
كم جميل لهذه الانتقالات في رحلة شبح حنون بين ازمنة وامكنة مختلفة مع شخصيات كان يحتفظ لها بذاكرة معينة ذاكرة جمعية لشعب لم تغادره تفاصيل حياتهم من المعلم الى العريف الى السياسي استطاع حامد بهذه الانتقالات ان يفجر دمامل القلوب المتقيحة والعيون المولعة بالبكاء والعويل المدخر الذي لم يكن ينتظر الا مناسبة يستسلم لها لتعزف سمفونية طالما اتقنها الشباب الذين غرر بهم فاتزروا بلون وحيد الا وهو الخاكي .
وكم كان الكاتب ذكيا حينما سال بو عزيزي حنونا عن رئيسهم بعد ان تحرروا من زين العابدين بن علي فكان هذا الحوار الجميل الذي يجعلق تتعلق بالنص وتتمنى قرائته مرات ومرات.....

((عزيزي: وبن عليكم؟
حنون: لدينا الف بن علي. ينهشون ما تبقى من وطن.. الا ابن علي واحد. منذ الف واكثر من السنين ينزف على ارض هذا الوطن والناس هنا يبكوه)).
بعد ذلك نصل الى مرحلة اليأس في تحقيق شيء يمكن ان يكون له اثرا في الواقع المعاش لذلك يقرر شبح حنون بمغادرة المكان ومرافقة بو عزيزي بقوله ((خذني معك يا بو عزيزي)).
وفي نهاية المطاف يرسم لنا الكاتب الجهبذ ((حامد المالكي)) نهاية رائعة لمسرحية لا يجود الزمان بمثلها ابدا , بعد ان يئست ((فضيلة)) من عودة حنون الذي اغتاله القدر وبعد ان يئست من كل الذين لهم علاقة بزوجها من اهل ومن اصحاب ومن سياسين في ان يرفعوا ولو اليسير من معاناتهم بعد هذا اليأس وبعد مغادرة روح او شبح حنون بمرافقة ((بوعزيزي)) تنتفض ((فضيلة)) لتواصل مسيرة زوجها حنون في بيع الخضار وبنفس العربة وكأن قدرهم الماكث امامهم دائما هو العربة التي جرت حنون وستجر بقية العائلة وتستمر العربة في سيرها مع استمرار صريرها الذي يمثل عمق الجراح التي يان لها حنون وعائلته ... والاطفال يرددون مع امهم جملة... ((خضروات خضروات وين راحن الحلوات خضروات خضروات)) وفعلا تجر هذه العربة الملعونة الام المفجوعة قبل قليل بفقدان زوجها وتنكر الكل لها تجرها بموت متوقع من خلال انفجار عبوة ناسفة او يمكن ان تكون هذه العبوة لانفجار ذو معنى اخر بان ما لم يفجره حنون استطاعت ان تفجره فضيلة وهنا يقودنا الكاتب الى طريقين احدهما مجهول بموت فضيلة والاخر زاهر بنجاح فضيلة بتفجير القيم لتاخذ حيزها الطبيعي واحداث التغيير نحو الطريق الصحيح.
نصيحة اوجهها من خلال هذه السطور الى شبابنا الذين جاوروا نصب الحرية في الباب الشرقي بما انهم يريدون التغيير ان ينظروا بعين الخبير الذي يفك خيوط اللعبة ويستقبلوا حنون في ساحتهم التحريرية وان ينصبوه قائدا لثورتهم وان يناضلوا لتحقيق ما اراده حنون وهو الحصول على وطن وعمل وشيء من كرامة والابتعاد عن ما لم يطلبه حتى لا يغضب عليهم حنون في انهم تجاهلوا مطالبه العادلة بحياة كريمة وحتى لا يوبخهم ((المالكي)) بشقيه ((الحامد)) في انهم لم يستثمروا حكمة ومغزى المسرحية وبشقه الاخر ((النوري)) في انهم تجاوزوا الحدود الحمراء في الطرق الحضارية للتظاهر .
بكل اعتزاز وامتنان اقدم شكري لمخيلة كاتب ليس كباقي الكتاب لانه يجمع الكتابة مع اختصاص الطبيب الحاذق الذي يشخص العلة ويعطي العلاج من خلال سير الاحداث وحوار الشخصيات .
اتمنى ان يعجل بانجاز عمل هذه المسرحية وعرضها لانني اخاف عليها من ان تصادر فكرتها وتسرق على يد من ادمن الاحتيال في مصادرة ابداع الاخرين.
اخيرا طوبى لك ايها الحامد ايها الجامع الشامل وسلم يراعك الذي حفزني لكتابة هذه الاسطر المتواضغة تحت مظلة حضرة اسفارك الخالدة.
الكاتب كاظم اللامي





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,472,541
- مسرحية كاتم الصمت تاليف كاظم اللامي
- البرلمان الثقافي ما له وما عليه
- الحراك الثقافي التغييري


المزيد.....




- #كلن_يعني_كلن: لبنان ينتفض على وقع الموسيقى والرقص
- ضحايا وثوار ومضطربون.. لماذا نحب أشرار السينما؟
- -القراءة الحرام-.. غضب الكتّاب بسبب تجارة الكتب المزورة
- السينما المصرية والعدو الأول
- وفاة الفنان السعودي طلال الحربي بعد تعرضه لحادث أليم
- برلماني يجمد عضويته في حزب الميزان.. لهذا السبب
- اختفاء ممثل فائز بجائزة سينمائية فرنسية
- حياة صاخبة ومركز للقضاء.. غزة قبل الاحتلال في سجل وثائق نادر ...
- قيادات من الشبيبة الاستقلالية غاضبة بسبب -الاقصاء-
- بنشعبون يقدم مشروع قانون المالية أمام غرفتي البرلمان


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم اللامي - تجليات من وحي المالكي